تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 16 / رمضان / 1440 - 20 / مايو 2019
[110] قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} الآية 256.
تاريخ النشر: ١٠ / ربيع الأوّل / ١٤٢٦
التحميل: 4313
مرات الإستماع: 2617

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن -ا- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [سورة البقرة:255] والم ۝ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [سورة آل عمران:1-2]: إن فيهما اسم الله الأعظم[1]، وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وروى ابن مردويه عن أبي أمامة يرفعه قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه [2]، وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق: أما البقرة فـ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وفي آل عمران: الم ۝ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وفي طه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [سورة طـه:111].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الأحاديث التي أوردها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تحديد الاسم الأعظم، هي مما يقوي القول بأن المراد به الحي القيوم، وعليه جمع من أهل العلم.

وذهب جمع سواهم من أهل العلم إلى اعتبار لفظ الجلالة "الله" الاسم الأعظم، وقد ورد فيه بعض النصوص مثل حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك، إني أشهدك أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد"، فقال رسول الله ﷺ: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب[3]، وقالوا: إن هذا الاسم تكرر في كثير من الأحاديث الصحيحة التي تذكر الاسم الأعظم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الاسم ترجع إليه الأسماء الحسنى لفظاً، بمعنى أنها تأتي معطوفة عليه، ولا يعطف على شيء منها.

وترجع إليه معنى، لكونه متضمناً لصفة الإلهية التي يرد إليها جميع الصفات.

وهناك وجه حسن للجمع وهو أن تُجمع هذه الأسماء التي جاءت في تجلية الاسم الأعظم، فيقال: اللهم إني أسألك إني أشهدك أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الحي القيوم، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فتكون بمثابة أقوى ما قيل في تحديده وتعيينه، والله أعلم.

وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة فقوله: اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق.

الْحَيُّ الْقَيُّومُ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً، المقيم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها لا قوام لها بدون أمره كقوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [سورة الروم:25].

الحي: يعني الذي له الحياة الكاملة من كل وجه، لم تسبق بعدم، ولا يلحقها عدم، ولا يعتورها نقص بخلاف حياة المخلوق.

القيوم: القائم بنفسه والمقيم لغيره، وكل مخلوق إنما يقوم بإقامة الله له، فهو مفتقر إلى إقامته كل الافتقار، ولولا إقامة الله على خلقه بأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم لذهبوا واضمحلوا.

وقوله: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية.

هذا من باب التفسير باللازم، وهو يتضمن نفي النقص عن الله ، وهذا تفسير جيد، سار عليه السلف فمن بعدهم من العلماء، فهم قد يفسرون الشيء بلازمه، أو بدلالة تضمنه، أو بغير ذلك من أنواع الدلالة، وكل ذلك صحيح.

وأما التفسير المطابق فجاء في قول ابن كثير بعده.

ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سِنة ولا نوم، فقوله: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ أي لا تغلبه سنة، وهي الوَسَن والنعاس، ولهذا قال: وَلاَ نَوْمٌ؛ لأنه أقوى من السِّنة.

فالسِّنة في قوله سبحانه: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ يعني مقدمة النوم، وهي فتور طبيعي يعتري الإنسان بين يدي النوم، كما قيل: هي خُثُورة النوم ومبادئه ومقدماته، وبعض أهل العلم يقول: إن السِّنة هي النعاس، وبعضهم يقول: السِّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب.

وأما النوم فمعروف، وهذا يتضمن أو يقتضي كما سبق نفي النقائص عن الله ؛ لأن النوم نقص، وهو كمال بالنسبة للمخلوق، لكنه ليس بكمال مطلق. 

والقاعدة التي يذكرها أهل العلم في مجال الرد والمحاجة لطوائف المتكلمين: كل كمال ثبت أو أضيف للمخلوق فالخالق أولى به؛ لأنه معطي الكمال، ومقصودهم بذلك: الكمال المطلق لا النسبي، فالزواج والنوم والولد و...، من الكمالات النسبية بالنسبة للمخلوق، لكن بالنسبة لله -تبارك وتعالى- فإن ذلك نقص في حقه لا يليق فينزه عنه -تبارك وتعالى.

وقد يرد على هذا سؤال وهو: ألا يكفي نفي أحدهما لنفي الآخر، فإذا قلنا: لا يعتريه سِنة فمن باب أولى لا يعتريه نوم؟

فالجواب أن يقال: إن النوم قد يهجم على قلب الإنسان بدون مقدماته كالنعاس ونحوه، وبالمقابل فقد يرد على العبد النعاس ولا يرد عليه النوم، كما هو مشاهد وملاحظ، ولذلك استحسن إيرادهما في مقام النفي عن الله ؛ ويلاحظ أنه جاء بالنفي بعد إثبات اسميه الحي والقيوم؛ وهذا لتبيين أنه من كمال حياته وقيوميته لا يعتريه ما ذكر، والله أعلم.

وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه [4].

وقوله: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ۝ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ۝ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [سورة مريم:93-95].

هذا المقطع من الآية فيه دلالة على سعة ملكه ، وعظمة خلقه وقوة سلطانه وقهره.

وقوله: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ كقوله: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [سورة النجم:26]، وكقوله: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [سورة الأنبياء:28]
وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذن له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: آتي تحت العرش فأخر ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة.

قوله سبحانه: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ له اتصال بما قبله في الدلالة على سعة ملكه وعظيم سلطانه، ووجه: أن ملك المخلوق ناقص، ونقصه من وجوه متعددة منها: أنه يشفع بين يديه من غير إذنه، وأن المخلوق قد يقبل الشفاعة خوفاً من الشافع، سواء كان الخوف من غائلته، أو من تحول قلبه، أو نحو ذلك.

وأما الله فليس شيء من ذلك واقعاً، فهو لكمال ملكه ليس بحاجة إلى أحد، ولا يخشى أحداً من المخلوقين، ولا يقوم ملكه بأحد منهم، ولذلك فإنه لا يتقدم بالشفاعة أحد بين يديه إلا لمن يأذن له، ولا يشفع إلا فيمن ارتضى، فهذا من كمال ملكه .

والاستفهام في قوله: مَن ذَا الَّذِي معناه أي لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه.

وقوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخباراً عن الملائكة: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [سورة مريم:64].

وهذا فيه دلالة على سعة العلم والإحاطة، فإحاطته سبحانه شملت هذه الأرض الممتدة الأطراف، الشاسعة البون، العظيمة الخلق، مطلع على شئون خلقه فيها، محيط بكل حركاتهم وتصرفاتهم على ظهرها، لا يخفى عليه شيء من أمورهم البتة، بخلاف ملوك الدنيا فإنه يخفى عليهم عامة ما يجري من أحوال تلك البقعة التي صاروا ملوكاً فيها.

وقوله: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [سورة طـه:110].

ويحتمل اللفظ معنى آخر قريباً: وهو أن الضمير يرجع إلى المذكور آخراً وهو قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ والمعنى ولا يحيطون بشيء من علم ما بين أيديهم وما خلفهم، الذي هو جزء من علم الله، وعليه فعندنا ثلاثة احتمالات في مرجع الضمير فهذا الأول.

والثاني: يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الله ، والمعنى أنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، فعلمه محيط بهم وهم لا يحيطون بشيء من علم ذاته وصفاته إلا ما أطلعهم الله عليه، وليس ذلك بإحاطة.

والثالث: يحتمل أن يرجع الضمير إلى علم الله، والمعنى أن الله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وهم لا يحيطون بشيء من علمه .

وبين المعنيين الثاني والثالث تلازم كبير، وهما الأشهر في التأويل، فعلم ما بين أيديهم وما خلفهم هو جزء من علم الله، فإذا قلت: إنهم لا يحيطون بشيء من علم الله، فشيء: نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فيدخل فيه علم ما بين أيديهم وما خلفهم من باب دلالة التضمن؛ لأن التضمن: هو دلالة الشيء على جزء معناه، ويدخل فيه عموم علم الله من باب أولى بدلالة الالتزام، لأنهم إذا كانوا لا يحيطون ببعضه وهو ما يتصل بما بين أيديهم وما خلفهم، فيلزم من ذلك أنهم لا يحيطون بالكل. 

فالمقصود أن بين المعنيين ملازمة، والقاعدة: أن الآية إذا احتملت أكثر من معنى فلا مانع من حملها على الجميع، والمعنى وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ يعني لا من علم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا من عموم علم الله -تبارك وتعالى، ولا نحتاج أن نرجح بين هذه المعاني، وهذا من بلاغة القرآن، أنه يعبر عنه بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة.

وقوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، روى وكيع في تفسيره عن ابن عباس -ا- قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره، ورواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس -ا- موقوفاً مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال الضحاك عن ابن عباس -ا: لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع، بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.

وقوله: وَلاَ يئُودُهُ حِفْظُهُمَا: أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغير بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد الفعَّال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه.

أصل يئوده: من آده أي جعله ذا عوج، يقال للعمود وضع عليه: آده، أي وضع عليه شيء ثقيل جداً حتى انثنى ومال، والمعنى أنه لا يثقله حفظ السموات والأرض ولا يعجزه، وهذا يدل على كمال قوته وعظمته.

فقوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ كقوله: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [سورة الرعد:9]، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح، الأجود فيها طريقة السلف الصالح، إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.

الأحسن أن يعبَّر بالقول: من غير تكييف ولا تمثيل، فنثبت لله هذه الأسماء والصفات، وهي على قسمين: ثبوتية وسلبية

فالثبوتية: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة والعلم والقدرة والاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والوجه واليدين ونحو ذلك، فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به، بدليل السمع والعقل.

والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب، فيجب نفيها عن الله تعالى مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل؛ لأن النفي بمجرده ليس بكمال، ولا يمدح أحد به، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، فالنفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلاً عن أن يكون كمالاً، والله أعلم.

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة:256]، يقول تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقصوراً".

كلام الحافظ ابن كثير في معنى الآية يعتبر من أحسن ما قيل في تفسيرها، ومن أهل العلم من استشكله، وعقدة الإشكال نابعة من مسألة فرضية الجهاد، وأن الكفار من غير أهل الكتاب كالمجوس والوثنيين مخاطبون بالإسلام أو السيف ولا تقبل منهم الجزية، على قول كثير من أهل العلم، وهذا يتنافى مع مسألة لا إكراه في الدين، وحقيقة هذا المحك هو الذي جعل أقوال أهل العلم تتباين في الكلام على الآية.

فقال بعضهم: إن هذه الآية كانت في أول الأمر على البراءة الأصلية ثم نسخت بآيات الجهاد بمثل قوله: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [سورة الفتح:16]، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً [سورة التوبة:123] وقالوا: إن الله لم يجعل إلا أحد الخيارين إما القتال أو الإسلام. 

لكن القاعدة: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، فليس مجرد توهم المقابلة بين النصوص يكون مسوغاً لدعوى النسخ؛ لأن النسخ شديد، وذلك أنه يقتضي إهدار أحد الدليلين، أو الحكم برفع أحد النصين، والعلماء متفقون على أن الجمع مطلوب ما أمكن.

وبعض أهل العلم حاول أن يجمع بين الأمرين وهذا هو الأوفق، فمنهم من قال: هذه الآية ظاهرها العموم لأنه قال: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ والإكراه هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فهذا عام لكنه يراد به الخصوص، فتبقى الآية من العام المراد به الخصوص، وجعلوها منزّلة على من له خيار ثالث وهو الجزية، فهي تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس، إذ يسن بهم سنة أهل الكتاب، وبهذا الاعتبار فالآية محكمة، وليست بمنسوخة، وأما العرب فلم يدخلوا فيها؛ لأن لفظها عام، ويراد بها معنى خاص وهم: أهل الكتاب.

وقال بعضهم: المراد من الآية السبي من أهل الكتاب لا تكرهوهم على اعتناق الإسلام، وهذا المعنى اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله.

ومن أهل العلم من قال: إن هذه الآية عامة خصصتها الأدلة الأخرى، والعام يحمل على الخاص، ولا تعارض بين العام والخاص.

وذهب آخرون إلى أن هذه الآية باقية على عمومها، وهو مضمون كلام ابن كثير، واختاره الحافظ ابن القيم -رحمه الله- وجماعة من المحققين، وهو المتبادر وذلك أن الله لم يأمر بإكراه أحد على الدخول في الدين، ولم ينقل عن النبي ﷺ في حالة واحدة في جهاده وحروبه -عليه الصلاة والسلام- أنه أكره أحداً على الدخول في دين الله ، والشواهد كثيرة من صنيع النبي ﷺ وأصحابه في المغازي وغيرها.

ولذلك لما قدم النبي ﷺ المدينة وكان فيها بعض المشركين من اليهود وغيرهم صالحهم، ومن جملة من صالحهم أيضاً العرب بما فيهم أهل مكة وهو في المدينة، واستمر بينه وبينهم العهد حقبة من الزمن حتى نقضوا ما أبرموه وعاهدوا الله عليه، مما اضطر النبي ﷺ إلى قتالهم لتفتح مكة بعدها عنوة، وتصبح في حوزة المسلمين، وبعد فتح مكة لم يجبر أحداً على الدخول في الدين وكان هذا بمقدوره، حتى إنه لما قاتل بعدها في حنين خرج بعضهم معه للقتال ولم يسلم بعد، وإنما خرجوا حمية أو ليروا نتيجة المعركة والغلبة لمن؟ ولذلك اختلفوا في بعض من خرج، وكان له في الكفر شأن كصفوان بن أمية هل أسلم حينها أم لا؟ 

فالحاصل أنه ﷺ لم يكن ليكره أحداً بعينه سواء من أهل مكة أو غيرهم على الدخول في الإسلام إطلاقاً.

وأما من استشكل مشروعية الجهاد بقوة السيف وتوهم معارضته في الظاهر للآية، فليس له فيه أدنى متلمس من حجة، ذلك أن الجهاد إنما شرع لصد عادية الكفار، وأيضاً لإبلاغ دين الله بقمع الكفار وكسر شوكتهم حتى يبلغ دين الله الآفاق، فلا يحال بين الناس وبين الحق، فيبقى شرع الله مبثوثاً حاكماً في أرضه. 

أما الأفراد فلا يكره أحد منهم على ذلك، فالآية باقية على عمومها، ولذلك عمر كما أخرج البخاري في صحيحه مر بعجوز نصرانية فقال لها: أسلمي تسلمي، فأبت فقرأ هذه الآية: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، وقال لزنبق وهو غلام لعمر نصراني، قال له: أسلم كي أستعملك في شيء من أمانة المسلمين، فأبى فقرأ عمر: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، والله أعلم.

وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاماً.

والله أعلم، وصلى وسلم، وبارك على نبيه وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً ومزيداً إلى يوم الدين.

  1. رواه أبو داود برقم (1498) (1/555)، والترمذي برقم (3478) (5/517)، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (982)، ولفظهما مختلف عما رواه أحمد في مسنده برقم (27652)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن أبي زياد وشهر بن حوشب.
  2. رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (7941)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (981).
  3. رواه أبو داود برقم (1495) (1/554)، والترمذي برقم (3475) (5/515)، والنسائي برقم (1300) (3/52)، وابن ماجه (3858) (2/1268)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1640).
  4. رواه مسلم في كتاب الإيمان –باب في قوله : إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه برقم (179) (1/161).

مواد ذات صلة