تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 11 / ربيع الآخر / 1441 - 08 / ديسمبر 2019
[8] من قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} الآية 36 إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} الآية 37
تاريخ النشر: ٠٤ / ربيع الأوّل / ١٤٢٨
التحميل: 5067
مرات الإستماع: 7968

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التوبة:36].

روى الإمام أحمد عن أبي بكرة ، أن النبي ﷺ خطب في حجته، فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال: أي يوم هذا؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:"أليس يوم النحر؟، قلنا؛ بلى، ثم قال: أي بلد هذا؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟، قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم -قال: وأحسبه قال: وأعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضُلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب منكم، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه[1] ورواه البخاري[2] في التفسير وغيره، ورواه مسلم[3].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ المراد بـ"كتاب الله " هنا اللوح المحفوظ، وقول النبي ﷺ: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض من أهل العلم من قال: المراد به أنهم كانوا يتلاعبون بأشهر السنة، فمنهم من جعل السنة ثلاثة عشر شهراً، فالنبي ﷺ أخبر بهذه الآية، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فأبطل ذلك وأقر الشهور وأبقاها على ما خلق الله -تبارك وتعالى.

ومن أهل العلم من يقول: كانوا يتلاعبون بالشهور بمعنى أنهم يؤخرون محرم إلى صفر، وصفر إلى ربيع الأول، وربيع الأول إلى الثاني وهكذا، فلما حج النبي ﷺ في تلك السنة كان عندهم لربما شهر ذي الحجة يقع في شهر محرم، فلما حج النبي ﷺ كان شهر ذي الحجة في ذي الحجة، ووقعت حجته في شهر ذي الحجة.

وبعضهم يقول: وقع ذلك في حجة أبي بكر ثم استمر ذلك وأبطل ما كان عليه عمل أهل الجاهلية من إنساء الشهور ابتداء من حجة أبي بكر الصديق ، وبعضهم يقول: إن المراد أن الحجة التي وقعت للنبي ﷺ كانت في وقت الاعتدال بين النهار والليل، فالليل مساوٍ للنهار ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض يعني معتدلا طول الليل كطول النهار، فيحصل النقص والزيادة في بعض الأوقات في السنة صيفاً وشتاءً، وبعضهم يقول غير هذا.

فصل:

ذكر الشيخ علم الدين السَّخاوي في جزء جمعه سماه "المشهور في أسماء الأيام والشهور": أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب به، فتحله عاما وتحرمه عاما، قال: ويُجمع على محرمات، ومحارم، ومحاريم.

بمعنى أنهم كانوا يستطيلون ثلاثة أشهر محرمة، ما يصبرون، أي ذو القعدة يقعدون فيه ما ينطلقون ولا يحصل منهم غزو ولا غارة، وفي الحج يحجون فيأتيهم محرم وهم يتلمظون على الغارات، ولربما حصل لهم شيء من المسغبة والحاجة؛ لأن كثيراً منهم يعيش على الغارة والنهب والسلب، فيطول عليهم الأمر ثلاثة أشهر بلا نهب ولا إغارة، وذلك قوام عيش كثير منهم فيتلاعبون بشهر محرم، يجعلونه في صفر، ويجعلون صفر هو المحرم، وهي فرصة أيضا ثمينة أن الحجاج يرجعون فينهبونهم ويغيرون عليهم، غنيمة باردة.

صفر: سمي بذلك لخلو بيوتهم منه، حين يخرجون للقتال والأسفار.

يعني كأن البيوت تكون صفراً من أهلها، ينتشرون بعدما تنتهي أشهر التحريم، هم يستطيعون أن يسافروا في أشهر التحريم لكن المقصود الإغارة، فهذا يدل على كثرة ما يقع من ذلك عندهم، تخلو البيوت.

يقال: صَفِرَ المكان: إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال.

وشهر ربيع أول: سمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع الإقامة في عمارة الربع، ويجمع على أربِعاء كنصيب وأنصباء، وعلى أربِعة، كرغيف وأرغفة.

الارتباع الإقامة في عمارة الربع، يعني الدار يرتبعون أي يقيمون فيها.

وربيع الآخر: كالأول.

وجمادى: سمي بذلك لجمود الماء فيه، قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر؛ إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، ولابد من دورانها، فلعلهم سموه بذلك، أول ما سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:

وَلَيلَةٍ منْ جُمادى ذَاتِ أنْدِيَة لا يُبْصِرُ العبدُ في ظَلماتها الطُّنُبَا
لا يَنْبَحُ الكلبُ فيها غَير وَاحدَة حَتَّى يَلُفَّ عَلَى خُرْطُومه الذَّنَبَا

الآن بهذا الاعتبار إذا قيل: إن جمادى؛ لتجمد الماء، ومعروف أن جمادى قد يكون في الصيف، وأن شهر رمضان مثلاً؛ لشدة الحر، وقد يأتي رمضان في الشتاء، فيقول هنا: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، يعني دائماً جمادى في البرد ورمضان في الحر الشديد، لكن هذا فيه إشكال بهذا الاعتبار! ربيع قبل جمادى والربيع يكون بعد الشتاء، يقول: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر؛ إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، ولابد من دورانها فلعلهم سموه بذلك، أول ما سمي عند جمود الماء في البرد يعني سمي في وقت كانت الأجواء بهذا الاعتبار، فرمضان شديد الحر فسمي بهذا، وهكذا، ثم استمر هذا ولو صار جمادى في شدة الحر ورمضان في شدة البرد، والعلم عند الله ، ومثل هذا لا يترتب عليه عمل.

ويُجمع على جُمَاديات، كحبارى وحُبَاريات، وقد يذكر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى والأول، وجمادى الآخر والآخرة.

رجب: من الترجيب، وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب، ورِجَاب، ورَجَبات.

شعبان: من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شَعَابين وشَعْبانات.

ورمضان: من شدة الرمضاء، وهو الحر، يقال: رمضت الفصال: إذا عطشت، ويجمع على رَمَضَانات ورَماضين وأرْمِضَة قال: وقول من قال: "إنه اسم من أسماء الله"؛ خطأ لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه.

قلت: قد ورد فيه حديث؛ ولكنه ضعيف، وبينته في أول كتاب الصيام.

شوال: من شالت الإبل بأذنابها للطراق، قال: ويجمع على شَوَاول وشَوَاويل وشَوَّالات.

القَعدة: بفتح القاف -قلت: وكسرها- لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة.

الحِجة: بكسر الحاء -قلت: وفتحها- سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.

أسماء الأيام: أولها الأحد، ويجمع على آحاد، وأُحاد ووحود، ثم يوم الإثنين، ويجمع على أثانين، الثلاثاء: يمد، ويُذَكَّر ويؤنث، ويجمع على ثلاثاوات وأثالث، ثم الأربعاء بالمد، ويجمع على أربعاوات وأرابيع. والخميس: يجمع على أخمسة وأخامس، ثم الجمعة -بضم الميم، وإسكانها، وفتحها أيضا- ويجمع على جُمَع وجُمُعات.

السبت: مأخوذ من السَّبْت، وهو القطع؛ لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام أول، ثم أهون، ثم جُبَار، ثم دبار، ثم مؤنس، ثم العروبة، ثم شيار، قال الشاعر -من العرب العرباء العاربة المتقدمين:

أُرَجِّي أن أعيشَ وأن يَومِي بأوّلَ أو بأهونَ أو جُبَارِ
أو التالي دُبَار فإن أفُتهُ فمؤنس أو عروبةَ أو شيارِ

وقوله تعالى: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم يقال لهم: "البَسْل"، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر، تعمقا وتشديدًا.

وأما قوله: "ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فإنما أضافه إلى مضر، ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما كانت تظنه ربيعة من أنَّ رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبيّن ﷺ أنه رجب مضر لا رجب ربيعة. وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سَرْدٌ وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحج شهر، وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا.

وقوله تعالى: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحَذْو بها على ما سبق في كتاب الله الأول.

وقال تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [سورة الحج:25] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -ا- قوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ في كلِّهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما، وعَظم حُرُماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.

وقال قتادة في قوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، قال: إن الله اصطفى صَفَايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذِكْرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فَعَظِّموا ما عظّم الله، فإنما تُعظَّم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.

وخلاصة ما ذكر في مرجع الضمير في قوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أنه يرجع إلى الأشهر جميعاًً، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يعني في كلهن، والمعنى الثاني وهو المشهور الذي عليه الجمهور فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ يعني الأشهر الحرم، وهذا هو الأقرب، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ولا يقال هنا: إن مفهوم المخالفة فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أي في الأشهر الحرم، يعني أنه يجوز أن يظلم الإنسان في ما عدا الأشهر الحرم، وإنما لحرمة هذه الأشهر فإن الظلم يقع فيها، فإذا وقع فيها فإنه يكون أشد من سائر الشهور، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفسكم بالقتال، واستباحة ما حرم الله -تبارك وتعالى.

وقوله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أي: جميعكم، كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أي: جميعهم، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.

واعلموا أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ الآية [سورة المائدة:2]، وقال: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ الآية [سورة البقرة:194]، وقال: فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية [سورة التوبة:50].

وأما قوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً فهو إذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [سورة البقرة:194]، وقال تعالى: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ الآية [سورة البقرة:191].

الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا كأنه يرد على من قال: إن الآية منسوخة، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يعني بقتال فنُسخت، نُسخ تحريم القتال عند بعض أهل العلم، بعضهم يقول: بهذه الآية: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً يعني في كل زمان، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن معنى كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً، وهنا ابن كثير -رحمه الله- قال: إنّ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً تحمل على أن المراد إنْ بدءوكم بالقتال في الشهر الحرام، ثم بعد ذلك بدء يرد على الأدلة الأخرى التي استدل بها من قال بأن حرمة الأشهر أو القتال في الأشهر الحرم أن ذلك قد نسخ، ومن أهل العلم من يقول: إن الآية منسوخة بآية السيف.

وإذا قال ابن كثير -رحمه الله: "الأشهر أنه منسوخ" لا يعني أنه يرجح هذا، إذا قال: الأشهر كذا لا يعني أنه يرجحه.

أما حصار رسول الله ﷺ أهل الطائف، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله ﷺ كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين، وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريباً من أربعين يوماً، وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام، فاستمر فيه أياما، ثم قفل عنهم، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر، وله نظائر كثيرة، والله أعلم.

يعني النبي ﷺ لم يبتدئ قتالهم بالشهر، وهم الذين أعدوا الجموع واجتمعوا لحربه ﷺ وخرجوا من الطائف، فإذا كان مثل هذا فإنه لا يمتنع القتال، ويقاتلون، وهذا لا يدل على أنه منسوخ، فالنبي ﷺ قاتلهم في شوال، وشوال ليس من الأشهر الحرم، ثم استمر القتال، وهذا من الأدلة التي يستدل بها من قال: إن القتال في الأشهر الحرم منسوخ، وهذا الجواب عنه.

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[سورة التوبة:37].

هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضَبِية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة ما حرم الله: الأشهر الأربعة.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ قال: النسيء أنَّ جُنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى "أبا ثُمَامة"، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يُحاب ولا يُعاب، ألا وإن صفر العام الأول العام حلال، فيحله للناس، فيحرم صفرا عاما، ويحرم المحرم عاما، فذلك قول الله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: الْكَافِرِينَ وقوله إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يقول: يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه.

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ أصل لفظة النسيء من الإنساء وهو التأخير، يعني حينما يؤخرون المحرم إلى صفر فهذا من الإنساء، وقوله: زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يعني زيادة على كفرهم بالله -تبارك وتعالى- هم كفار مشركون، ومع ذلك يأتون بهذا التبديل والتغيير لدين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- عن زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، بالبناء للمجهول على قراءة الكوفيين، وقراءة الباقين يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا والمعنى على القراءتين يضلهم الشيطان، يضلهم به رؤساؤهم وكباراؤهم وشياطينهم، يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يذهبون عن الحق والصواب وملة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام.

وهذه الآية تدل على أن الكفر وأن الكفار على مراتب في كفرهم وشدته وغلظه، فإضافةً إلى الإشراك بالله يكون عندهم جرائم أخرى يعذبهم الله عليها، ولهذا قال الله تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۝ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ۝ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [سورة المدثر:42-45] وما أشبه هذا من الآيات والنصوص التي تدل على هذا المعنى.

وإنساؤهم للأشهر الحرم لم يكن على طريقة واحدة، يعني تارة يغيرون كل الأشهر كما جاء في بعض الروايات، وتارة يغيرون صفراً سنة وسنة، يعني سنة يغيرون المحرم يجعلونه صفراً، وتارة يغيرون كل سنتين يعني منهم من كان يغير كل سنتين، أهل جاهلية، كل شيء مما أملاه الشيطان وأهواء النفوس فعلوه، ولذلك تجد الاختلاف الكثير المنقول عنهم في قضية البحيرة والسائبة والوصيلة وكذا، فتتبُّعُ هذا وتطلب الوصف الدقيق له أمر قد لا يكون له جدوى، فتملي عليهم أهواؤهم فيفعلون هذا تارة وهذا تارة، ومنهم من يفعل هذا وهذا.

وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول: يا أيها الناس، إني لا أُعاب ولا أُجاب، ولا مَرَدّ لما أقول، إنا قد حَرَّمنا المحرم، وأخرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر، وأخرنا المحرم، فهو قوله: فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ بتأخير هذا الشهر الحرام.

يعني هم يريدون أن تكون الأشهر المحرمة أربعة فإذا استحلوا شهر المحرم صارت ثلاثة فهم يجعلون المحرم صفراً على أساس أن تكون أربعة لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.

كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفرا، وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة والسنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في العام القابل يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر، وربيع وربيع إلى آخرها، فيحلونه عاما ويحرمونه عاما؛ ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، أي: في تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر، أي: يؤخرونه.

وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب "السيرة" كلامًا جيدًا ومفيدًا حسنًا، فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله، ، "القَلمَّس"، وهو: حذيفة بن عبد فُقَيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزَيمة بن مدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعدَّ بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عَبَّاد ثم من بعد عباد ابنه قَلَع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام، فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا، فحرم رجبًا، وذا القعدة، وذا الحجة، ويحل المحرم عاما، ويجعل مكانه صفراً، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله، فيحل ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله.

بعضهم يقول: إن الذي غير في الأشهر الحرم هو عمرو بن لحي الخزاعي الذي غير دين إبراهيم ﷺ، وهو أول من سيب السائبة، وأول من حمى الحامي، وأول من جاء بالأصنام إلى جزيرة العرب، وفيه الحديث: أن النبي ﷺ رآه في النار يجر قصبه[4].

وبعضهم يقول: إن الذي غيرها رجل يقال له: نعيم بن ثعلبة، وسواءً كان الرجل من كنانة أو غير ذلك، هذا لا أثر له، ولا يترتب عليه فهم الآية، ولا يترتب عليه حكم من الأحكام، وفي هذا يقول كميت:

ألسنا الناسئين على معدٍّ شهورَ الحلِّ نجعلها حراما

يفتخرون بهذا.

وتكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- على مسألة نسخ الأشهر فقال الشيخ -رحمه الله تعالى: "نقولُ: إِنَّ مِنْ عَادَتِنَا التي نَجْرِي عليها في هذه الدروسِ أن نتعرضَ لِمَا نَظُنُّ أنه يسألُ عنه طلبةُ العلمِ، وقد مَرَّ في الآيةِ الماضيةِ سؤالٌ معروفٌ يتساءلُ عنه طَلَبَةُ أهلِ العلمِ، وَنَسِينَا أن نتكلمَ عليه، فَأَحْبَبْنَا أن نَسْتَدْرِكَهُ الآنَ تَتْمِيمًا للفائدةِ، ونعنِي بذلك: أنا ذَكَرْنَا، أن العلماءَ اختلفوا في نسخِ الأربعةِ الْحُرُمِ، وأن قومًا قالوا: نُسِخَتْ، فجازَ للمسلمينَ الجهادُ في كُلِّ السَّنَةِ، وأن جماعةً من العلماءِ قالوا: إن تحريمَها باقٍ لم يُنْسَخْ، وذكرنا أنَّا كُنَّا أولاً نعتقدُ صحةَ نَسْخِهَا، وَأَنَّا عَرَفْنَا بعدَ ذلك أن الصحيحَ عدمُ نَسْخِهَا، وَذَكَرْنَا أن من أصرحِ الأدلةِ على نسخِها ما ثَبَتَ أن النبيَّ ﷺ حاصرَ ثقيفًا بالطائفِ في بعضِ ذِي القعدةِ وهو شهرٌ حرامٌ، ولو لم يكن القتالُ فيها حلالاً لَمَّا حَاصَرَهُمْ فيها، فَعَلِمْنَا مِنْ هنا أن طالبَ العلمِ يقولُ: إذا قررتُم أن التحقيقَ عدمُ نسخِها فما وَجْهُ حصارِ النبيِّ ﷺ لثقيفٍ في الشهرِ الحرامِ؟!

هذا هو السؤالُ الذي كُنَّا نَوَدُّ أن نتعرضَ للإجابةِ عنه، وهذا السؤالُ أجابَ عنه جماعةٌ من العلماءِ بما مُلَخَّصُهُ في نُقْطَتَيْنِ وَهُمَا:

أن حصارَ النبيِّ ﷺ لثقيفٍ كان ابتداؤُه في شهرٍ حلالٍ، والدوامُ قد يغتفرُ فيه ما لا يغتفرُ في الابتداءِ؛ لأن مِنَ المسائلِ ما يُحَرَّمُ فيها الابتداءُ ولا يحرمُ فيها الدوامُ، ألا تَرَوْنَ أن الرجلَ الْمُحْرِمَ لا يجوزُ له أن يبتدئَ تزويجًا، ولو تزوجَ قبل إحرامِه ثم أَحْرَمَ لم يَنْفَسِخْ تزويجُه بهذا الإحرامِ الطارئِ على تزويجِه، وكذلك الإحرامُ يُمْنَعُ ابتداءُ الطِّيبِ فيه، فلو كان مُتَطَيِّبًا قبلَه لاَ يَمنعُ الدوامَ على الطِّيبِ الأولِ الإحرامُ عندَ جماهيرِ العلماءِ، فالشاهدُ أن الدوامَ في بعضِ الصورِ قد يُغْتَفَرُ فيه ما لا يُغتفر في الابتداءِ، وفي هذه الصورةِ يتأكدُ بشيءٍ آخَرَ وهو ما قَدَّمْنَا في كلامِنا على غزوةِ حُنَيْنٍ في تفسيرِ آيةِ: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [سورة التوبة:25] أن النبيَّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مكةَ في رمضانَ عامَ ثمانٍ، ولم يكن يريدُ أن يغزوَ هوازنَ، سَمِعَ أن مالكَ بنَ عوفٍ النصريَّ، سيدَ هوازنَ جَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ من هوازنَ وفيهم ثقيفٌ؛ لأن ثقيفًا من هوازنَ؛ لأن ثقيفَ بْنَ منبهِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ بنِ منصورٍ، وأنهم تَجَمَّعُوا له يريدونَ حربَه، فَهُمُ الذينَ بدءوا بإرادةِ الحربِ، ولم يَكُنِ النبيُّ ﷺ قَاصِدًا حربَهم -في ذلك الوقتِ- قبلَ ذلك، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ النبيُّ ﷺ يومَ حنينٍ واستفاءَ أموالَهم، رَجَعَ فَلُّهُمْ والفَلُّ بقيةُ المنهزمينَ فَتَحَصَّنُوا بحصنِ الطائفِ.

فحصارُه ﷺ للطائفِ ليستنزلَ الذين كانوا يقاتلونَه في غزوةِ حنينٍ من تمامِ غزوةِ حنينٍ، وكانوا هم البادئين بالقتالِ، والأشهرُ الْحُرُمُ إذا بُدِئَ المسلمونَ فيها بالقتالِ قَاتَلُوا، كما تَقَدَّمَ في قولِه: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [سورة البقرة:194] وكما قَدَّمْنَاهُ في الكلامِ على قولِه تعالى: وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [سورة البقرة:191]، فهذا هو الذي أَجَابَ به العلماءُ عن حصارِ النبيِّ ﷺ لثقيفٍ على القولِ ببقاءِ حرمةِ الأشهرِ الْحُرُمِ"[5] أ.هـ.

فالشيخ -رحمه الله- كان يرى أن الأشهر الحرم قد نسخ تحريم القتال فيها، ثم تراجع عنه.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى: " قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، أَيْ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا ابْتَدَأَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ السَّنَةَ اثنَى عَشَرَ شهرا، قَوْله: مِنْهَا أَرْبَعَة حرم قَدْ ذُكِرَ تَفْسِيرُهَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، قَوْلُهُ: ذَلِك الدّين الْقيم قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ذَلِكَ الدِّينُ الْقيممَجَازُهُ الْقَائِمُ أَيِ الْمُسْتَقِيمُ، فَخَرَجَ مَخْرَجَ سَيِّدٍ مِنْ سَادَ يَسُودُ كَقَامَ يَقُومُ، قَوْلُهُ: فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُمأَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ بِاسْتِحْلَالِ الْقِتَالِ، وَقِيلَ: بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي.

قَوْلُهُ: إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّمَانِ السَّنَةُ، وَقَوْلُهُ: كَهَيْئَتِهِ أَيِ اسْتَدَارَ اسْتِدَارَةً مِثْلَ حَالَتِهِ، وَلَفْظُ: الزَّمَانِ يُطْلَقُ عَلَى قَلِيلِ الْوَقْتِ وَكَثِيرِهِ، وَالْمُرَادُ بِاسْتِدَارَتِهِ وُقُوعُ تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ الشَّمْسُ بُرْجَ الْحَمَلِ، حَيْثُ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَار، وَوَقع فِي حَدِيث ابن عمر عِنْد ابن مَرْدَوَيْهِ أَنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ الْيَوْمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.

قَوْلُهُ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا أَيِ السَّنَةُ الْعَرَبِيَّةُ الْهِلَالِيَّة، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي سَبَبِ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ كَانُوا يَجْعَلُونَ السَّنَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَانُوا يَجْعَلُونَ السَّنَةَ اثنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَتَدُورُ الْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ.

كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ هُوَ تَفْسِيرُ الْأَرْبَعَةِ الْحرم، قَالَ ابن التِّينِ: الصَّوَابُ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، يَعْنِي لِأَنَّ الْمُمَيّزَ الشَّهْر قَالَ: وَلَعَلَّه أَعَادَهُ على المعنى، أَيْ ثَلَاثُ مُدَدٍ مُتَوَالِيَاتٍ انْتَهَى، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْعِدَّةِ مَعَ أَنَّ الَّذِي لَا يُذْكَرُ التَّمْيِيزُ مَعَهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَذِكْرها مِنْ سَنَتَيْنِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالِي بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَإِلَّا فَلَوْ بَدَأَ بِالْمُحَرَّمِ لَفَاتَ مَقْصُودُ التَّوَالِي، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِبْطَالِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَأْخِيرِ بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَقِيلَ: كَانُوا يَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَجْعَلُونَ صَفَرًا الْمُحَرَّمَ؛ لِئَلَّا يَتَوَالَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لَا يَتَعَاطَوْنَ فِيهَا الْقِتَالَ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ: مُتَوَالِيَاتٌ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْحَاءٍ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، فَيُحِلُّ فِيهِ الْقِتَالَ وَيُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِي صَفَرٍ وَيُسَمِّيهِ الْمُحَرَّمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْعَلُ ذَلِكَ سَنَةً هَكَذَا وَسَنَةً هَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ سَنَتَيْنِ هَكَذَا وَسَنَتَيْنِ هَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَخِّرُ صَفَرًا إِلَى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَرَبِيعًا إِلَى مَا يَلِيهِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصِيرَ شَوَّالٌ ذَا الْقَعْدَةِ، وَذُو الْقَعْدَةِ ذَا الْحِجَّةِ ثُمَّ يَعُودُ فَيُعِيد الْعدَد على الأَصْل.

قَوْله: وَرَجَب مُضر أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْظِيمِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، فَيُقَالُ: إِنَّ رَبِيعَةَ كَانُوا يَجْعَلُونَ بَدَلَهُ رَمَضَانَ، وَكَانَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ فَيُحِلُّونَ رَجَبًا وَيُحَرِّمُونَ شَعْبَانَ، وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ تَأْكِيدًا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ نَسَئُوا بَعْضَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَيْ أَخَّرُوهَا فَيُحِلُّونَ شَهْرًا حَرَامًا وَيُحَرِّمُونَ مَكَانَهُ آخَرَ بَدَلَهُ حَتَّى رُفضَ تَخْصِيصُ الْأَرْبَعَةِ بِالتَّحْرِيمِ أَحْيَانًا وَوَقَعَ تَحْرِيمُ أَرْبَعَةٍ مُطْلَقَةٍ مِنَ السَّنَةِ.

فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَشْهُرَ رَجَعَتْ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَبَطَلَ النَّسِيءُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانُوا يُخَالِفُونَ بَيْنَ أَشْهُرِ السَّنَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِأَسْبَابٍ تَعْرِضُ لَهُمْ، مِنْهَا: اسْتِعْجَالُ الْحَرْبِ فَيَسْتَحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ثُمَّ يُحَرِّمُونَ بَدَلَهُ شَهْرًا غَيْرَهُ فَتَتَحَوَّلُ فِي ذَلِكَ شُهُورُ السَّنَةِ وَتَتَبَدَّلُ، فَإِذَا أَتَى عَلَى ذَلِكَ عِدَّةٌ مِنَ السِّنِينَ اسْتَدَارَ الزَّمَانُ وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى أَصْلِهِ، فَاتَّفَقَ وُقُوعُ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ"[6].

وقال الجصاص -رحمه الله: "وَقَوْلُهُ: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ أَنَّهُمْ رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُمْ الَّذِينَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَقْرَأَهَا عَلَى النَّاسِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَدْ كَانُوا قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ أَحَدٌ يُظْهِرُ الْكُفْرَ فِي وَقْتِ نُزُولِ بَرَاءَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى ذَلِكَ فِي رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ، وَهَمٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ كَانُوا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَهُمْ الطُّلَقَاءُ، مِنْ نَحْوِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَحْزَابِهِ مِمَّنْ لَمْ يَنْقَ قَلْبُهُ مِنْ الْكُفْرِ"[7].

هذا بعيد لكن يمكن أن تكون الآية صدر براءة نزل بعد الفتح، ويكون بعض الآيات نزلت قبل ذلك، ويمكن أن يكون أئمة الكفر كما سبق لا يختص بأئمة الكفر من قريش، وإنما سائر الطوائف وملل الكفر، وخص أئمة الكفر؛ لأن الناس تبع لهم في نقض العهود ومحادة الله .

ويقول -رحمه الله: "فَيَكُونُ مُرَادُ الْآيَةِ هَؤُلَاءِ دُونَ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُظْهِرُوا الْإِسْلَامَ، وَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ مَكَّةَ، وَبَدَرَهُمْ بِالْقِتَالِ وَالْحَرْبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا، وَسَائِرَ رُؤَسَاءِ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا مُعَاضِدِينَ لِقُرَيْشٍ عَلَى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ وَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ إنْ هُمْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ، وَطَعَنُوا فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ"[8].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويسمون هذا العيد وكل مخرج يخرجونه إلى الصحراء باعوثا، فالباعوث اسم جنس لما يظهر به الدين كعيد الفطر والنحر عند المسلمين"[9].

يعني خروجهم للاستسقاء: باعوث، خروجهم للعيد: باعوث.

"الشعانين: عيد مسيحي يقوم يوم الأحد السابق لعيد الفصح، يحتفل فيه بحمل السعف ذكرى لدخول السيد المسيح بيت المقدس، وهي كلمة دخيلة"[10].

وفي كتاب: "أعياد القبط": عيد الزيتونة ويعرف عندهم بعيد الشعانين، ومعناه التسبيح، ويكون في سابع أحد من صومهم، وسنّتهم في عيد الشعانين أن يخرجوا سعف النخل من الكنيسة، ويرون أنه يوم ركوب المسيح العنو -وهو الحمار- في القدس، ودخوله إلى صهيون وهو راكب والناس بين يديه يسبحون وهو يأمر بالمعروف، ويحث على عمل الخير وينهى عن المنكر ويباعد عنه، وكان عيد الشعانين من مواسم النصارى بمصر التي تزين فيها كنائسهم، فلما كان لعشر خلون من شهر رجب سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة كان عيد الشعانين، فمنع الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز بالله النصارى من تزيين كنائسهم، وحمْلِهم الخوص على ما كانت عادتهم، وقبض على عدة ممن وجد معه شيئاً من ذلك وأمر بالقبض على ما هو مُحّبس على الكنائس من الأملاك، وأدخلها في الديوان وكتب لسائر الأعمال بذلك وأُحرقت عدة من صلبانهم على باب الجامع العتيق والشرطة"[11].

  1. رواه أحمد في المسند، برقم (20386)، وقال محققوه: حديث صحيح.
  2. رواه البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، برقم (1654).
  3. رواه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، برقم (1679).
  4. رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة، برقم (3333)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (2856).
  5. العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير، (5/497-499)، تحقيق: د/ خالد بن عثمان السبت.
  6. فتح الباري، لابن حجر (8/324-325)، دار المعرفة -بيروت.
  7. أحكام القرآن، للجصاص (3/112)، عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية.
  8. المرجع السابق (3/112).
  9. اقتضاء الصراط، لابن تيمية(1/213)، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية -القاهرة.
  10. انظر: القاموس الفقهي، للدكتور: سعدي أبو حبيب (198).
  11. المواعظ والاعتبار، المقريزي (1/331).

مواد ذات صلة