الثلاثاء 10 / شوّال / 1441 - 02 / يونيو 2020
[15] من قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} الآية 75 إلى قوله تعالى: {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} الآية 83
تاريخ النشر: ١١ / ربيع الأوّل / ١٤٢٨
التحميل: 2770
مرات الإستماع: 5902

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۝ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ۝ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ [سورة التوبة:75-78].

يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله، وليكونن من الصالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقاً سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله يوم القيامة، عياذا بالله من ذلك.

وقوله تعالى: بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، كما في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان[1].

وقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ يخبرهم تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها، فإنه أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب، أي: يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ: اللام في قوله: لَئِنْ آتَانَا لام قسم، واللام الثانية في قوله تعالى: لَنَصَّدَّقَنَّ ليست لام قسم، وإنما هي اللام الداخلة على جواب القسم، وجواب الشرط، فهذه الجملة فيها شرط وقسم، يعني الآن الشرط هكذا لو قال أحد: إن آتاني الله من فضله تصدقت، هذه جملة شرطية، والقسم: والله لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن، وقد يحذف المقسم به وأداة القسم أو فعل أقسم أيضاً، فبدلاً من أن تقول أقسم بالله، تقول: والله، بدلاً من أقسم، تحذف فعل القسم وتأتي بحرف القسم فتقول: والله لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن.

وقد يحذف أيضاً المقسم به وأداة القسم، ويدل على ذلك لام القسم وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ "لئن" فهذه اللام لام قسم، وإذا اجتمع شرط وقسم فالجواب عنهما يكون واحداً بطبيعة الحال، لا يأتي جوابان جواب للقسم وجواب للشرط لا يمكن هذا، لكن الجواب يكون هل هو للشرط أو للقسم؟

القاعدة: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للمتقدم منهما، ويغنى ذلك عن الآخر ويدل عليه، إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للمتقدم، ويستغني به عن الآخر، فالآن المتقدم القسم، اللام لام القسم، و"إن" هي أداة الشرط "لئن"، فتقدم القسم فقوله: لَنَصَّدَّقَنَّ الجواب هنا جواب القسم أغنى عن جواب الشرط هذه قاعدة، ولها أمثلة كثيرة في القرآن.

قوله: يقول الله تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله... إلى آخره السياق، فالكلام على المنافقين وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي [سورة التوبة:49]، فعامة المفسرين حتى ابن كثير -رحمه الله- في الأصل يذكرون في ذلك سبباً للنزول، وهو أن ثعلبة بن حاطب طلب من النبي ﷺ أن يدعو له أن يرزقه الله مالاً، وأن النبي ﷺ قال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي شكره[2]، فأعاد ثانية وثالثة ألح في الطلب فدعا له النبي ﷺ أن يؤتيه الله ويرزقه مالاً فاتخذ أغناماً فتكاثرت تكاثر الدود، فخرج من المدينة ثم صار لا يحضر إلا في صلوات هكذا في الرواية صلوات النهار ولا يحضر في الليل، ولم أتتبع الروايات، وقد يكون بالعكس فالشاهد أنها تكاثرت فاتخذ مكاناً آخر أبعد فصار يحضر الجمعة!! ثم تكاثرت حتى أبعد بها وصار لا يحضر الجمعة ولا الجماعة!! فأرسل النبي ﷺ رجلين لأخذ الصدقة –الزكاة- منه ومن رجل آخر من بني سليم فأتياه، فنظر في كتاب رسول الله ﷺ وفيها أسنان الصدقة الإبل والغنم وأوصافها فقال: ما هذه إلا أخت الجزية!! اذهبا فارجعا إليه حتى أنظر في أمري، فذهبوا إلى السلمي فوجوده قد هيأ أطيب الإبل للزكاة فقالوا: ما أمرنا بأخذ هذا وإنما يعني من أوساط المال فقال: هذا كله مال الله، وأبَى، فأخذوا من هذه الإبل ثم رجعوا إلى هذا فنظر في الكتاب مرة أخرى وقال: ما هذه إلا أخت الجزية! اذهبا حتى أنظر، فرجعوا إلى النبي ﷺ وحينما رآهما قال: ويحك ثعلبة، ثم بعد ذلك نزلت الآيات، فذهب بعض قومه -وهو من الأنصار- إليه وأخبروه فجاء إلى النبي ﷺ وندم، وطلب من النبي ﷺ أن يقبل صدقته فأبى، وقال: إن الله قد نهاني أن أقبل صدقتك، ثم بعد ذلك جاء إلى أبي بكر فأبى أن يقبل صدقته، وقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ فلا أقبلها، ثم جاء إلى عمر فقال: ردها النبي ﷺ وأبو بكر فلا أقبلها ثم جاء إلى عثمان فقال له مثل ما قال، حتى توفي في خلافة عثمان. 

فهذا السبب للأسف مبثوث في كتب التفسير لا يكاد يخلو منه كتاب، وهي رواية لا تصح بحال من الأحوال، لا من جهة السند، ولا من جهة المتن، وثعلبة بن حاطب هو صحابي، وليس من المنافقين، ولا يصح نسبة ذلك إليه، ومتنها أيضاً فيه ما فيه، فمتن هذه الرواية كما ترون، والله : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [سورة المائدة:74]، ويقول للذين أحرقوا المؤمنين والمؤمنات في الأخدود: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ فعلوا هذا كله ويقول: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فالتوبة يقبلها الله من عبده، فهذا الرجل ندم وتاب فكيف لا تقبل زكاته؟! فالشاهد أن هذه الرواية لا تصح بحال من الأحوال.

صح عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال في علامات المنافقين: إذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا عاهد غدر[3] فأنزل الله تصديق ذلك: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ فإذا أخذنا بظاهر هذه الرواية، واعتبرنا جانب الصناعة فإن هذا يعتبر من قبيل الصريح في أسباب النزول، والروايات الصريحة في سبب النزول قد يوجد منها ما ليس بسبب نزول، وقد يوجد من غير الصريح ما هو سبب نزول في حقيقة الأمر، ولكن الكلام عن الغالب، وعرفنا المراد بالصريح وغير الصريح، فهذه من الناحية الصناعية تعتبر من قبيل الصريح بسبب النزول. 

وإذا أجرينا عليها القاعدة قلنا: إن هذا هو سبب النزول، وقد لا يكون كذلك، قد يكون الصحابي يقصد أن النبي ﷺ قال هذا ثم بعد ذلك نزلت آية ليس بسبب قول النبي ﷺ ذلك، نزلت آية توافق هذا المعنى فيما بعد، ولكن قول النبي ﷺ لم يكن سبب النزول؛ لأن سبب النزول -كما هو معروف- هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أيام وقوعه، سؤال أو حادثة.

لكن فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ هذا يؤخذ منه أن الإنسان إذا عاهد الله ينبغي عليه أن يفي، وإلا فإن الله قد يعاقبه بسبب ذلك ليطمس على قلبه، ويحصل له نفاق ونحو هذا، والفاء في فَأَعْقَبَهُمْ تدل على التعليل، والباء في قوله: بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ للسببية، أي السبب هو إخلاف ما وعد اللهَ به. 

وقد يقول قائل: إذا كانت هذه الآية في المنافقين أصلاً فكيف قال الله في جزائهم: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ فهم كانوا من المنافقين؟

فيقال: لا إشكال، فزادهم نفاقاً على نفاقهم مع الديمومة والاستمرار، النفاق قد يكون عارضاً يعرض للإنسان فيحصل له نفاق، نافق فلان، هنا فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ليس نفاقاً عملياً، وإنما هو نفاق اعتقادي، ومستمر دائماً إلى يوم يلقونه.

وقوله هنا: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ السر والنجوى الفرق بينهما ظاهر، فـ "السر" كل ما قصد الإنسان إخفاءه، و"النجوى" نوع من السر خاص، وهي الحديث الذي يكون بين اثنين وأكثر يقصد به الاختصاص دون الآخرين، هذه حقيقة النجوى كل حديث بين اثنين أو أكثر يقصدون به الانفراد والاختصاص، وألا يطلع عليه أحد حتى لو يتكلمون بصوت مرتفع؛ لأنهم في مكان بعيد عن الناس أو بلغة أخرى بين الناس، لغة أخرى لا يفهمها الآخرون، وهم يقصدون التكلم بها لئلا يفهم أحد، فهذه هي النجوى.

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[سورة التوبة:79].

وهذه أيضا من صفات المنافقين: لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مُراءٍ، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ الآية[4]، وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه.

وقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعون بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ﷺ: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله ﷺ: لم يبق أحد غيرك فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب : أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قال: أفعلت ما فعلت؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله ﷺ: بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت، ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعاً، فأنزل الله عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ الآية.

قوله: الجرير يعني: الحبل.

والروايات الواردة في سبب النزول كثيرة منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، والرواية الصحيحة منها ما جاء مبهماً لم يسمَّ فيه أحد يعني كالرواية الأولى التي قال فيها: إنه لما نزلت كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق[5] الرجل مبهم، وكذلك الآخر، وفي بعض الروايات جاءت تسمية المتصدق، غير هذه الرواية التي من طريق العوفي فإنها لا تصح، لكن جاءت روايات أخرى صحيحة، وفيها مراسيل كثيرة قد تتقوى لمجموعها، فلا منافاة سبب النزول واحد -والله تعالى أعلم- جاء في بعض الروايات تسمية بعض من تصدق وفي بعضها بالإبهام.

وكذا روي عن مجاهد، وغير واحد.

وقال ابن إسحاق: كان المطّوّعون من المؤمنين في الصدقات: عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف درهم، وعاصم بن عدي أخا بني العجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغب في الصدقات، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم فتصدق بمائة وسْق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده: أبو عقيل أخو بني أنيف الإراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عَقيل.

وقوله: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر بهم، انتصارا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا أليما؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

فيكون بهذا التفسير من قبيل الإخبار سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ويحتمل أن يكون المراد به الدعاء عليهم، ولعل الأول أقرب، والله أعلم.

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[سورة التوبة:80].

يخبر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم، ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم.

وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها.

وقيل: بل لها مفهوم، كما قال الشعبي: لما ثَقُل عبد الله بن أبيّ، انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه، فقال النبي ﷺ: ما اسمك، قال الحباب بن عبد الله، قال: بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب اسم شيطان، قال: فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عَرِق، وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ قال: إن الله قال: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ولأستغفرن له سبعين وسبعين وسبعين [6].

وكذا روي عن عُرْوَة بن الزبير ومجاهد بن جُبَير، وقتادة بن دِعَامة، رواه ابن جرير بأسانيده.

بالنسبة لهذه الرواية كما ترون: قال الشبعي، والتي قبلها قال ابن إسحاق، ومثل هذه الروايات التي يسميها الأصوليون من قبيل المرسل سواء كانت من رواية التابعي عن النبي ﷺ مباشرة أو ما دون التابعي، كما يسميه الأصوليون بالمرسل أيضاً كل هذا لا يصح.

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ۝ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[سورة التوبة:81-82].

يقول تعالى ذَامًّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم بعد خروجه، وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا معه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا أي: بعضهم لبعض: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قال الله تعالى لرسوله: نَارُ جَهَنَّمَ التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم أَشَدُّ حَرًّا مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرا من النار، كما قال الإمام مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ قال: نار بني آدم التي يوقدون بها جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم، فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فضلت عليها بتسعة وستين جزءا[7]أخرجاه في الصحيحين.

وقال الأعمش عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لَمَن له نعلان وشِرَاكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المِرْجَل، لا يرى أحداً من أهل النار أشد عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا[8]، أخرجاه في الصحيحين.

والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز: كَلا إِنَّهَا لَظَى ۝ نزاعَةً لِلشَّوَى [سورة المعارج:15-16]، وقال تعالى: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ۝ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ۝ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ۝ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [سورة الحج:19-22]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [سورة النساء:56].

وقال تعالى في هذه الآية الكريمة قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر، ليتقوا به حَرَّ جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا.

ثم قال الله تعالى متوعدا لهؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً...الآية، قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا.

هنا في قوله: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ المخلفون سواء قيل: إن الذي خلفهم الشيطان، أو خلفهم الله حيث ثبطهم عن الخروج فقعدوا كما يقول بعض المفسرين، والمقصود أنه حصل منهم التخلف فصح نسبة ذلك إليهم فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ بمقعدهم أي بمقامهم في المدينة، خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ خلافه يحتمل معنيين، يحتمل خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي بأنهم قعدوا وذهب النبي ﷺ ومن معه إلى تبوك، ويحتمل أن يكون خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي مخالفة له حيث دعاهم للخروج فلم يخرجوا، والأول أقرب -والله تعالى أعلم، وقوله: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا هذا أمر، لكن وإن كانت الصيغة صيغة إنشاء -أي أمر هنا- فإنها بمعنى الخبر، يخبر الله عنهم أن أُنسهم في هذه الحياة الدنيا وضحكهم وسرورهم فيها قليل؛ لأن أيام الدنيا منقضية وقليلة، وأن بكاءهم في النار طويل لا انتهاء له، والله المستعان.

فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ[سورة التوبة:83].

يقول تعالى آمرا لرسوله -عليه الصلاة والسلام- فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ أي: ردك الله من غَزْوَتك هذه فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ أي: معك إلى غزوة أخرى، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا أي: تعزيرا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وهذا كقوله تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا... الآية [سورة الفتح: 15].

وقوله تعالى: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة.

قوله هنا فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ الخالفون يقال: للأطفال والنساء، ولمن قعد بعد الغزاة، ومن تأخر عنهم وقعد، يقال له: خالف، وخوالف وهم خالفون فرضوا بأن يكونوا مع الأطفال والنساء، وأهل الأعذار من المرضى والزمْنى، وهذا أمر لا يفرح به أحد، وتعرفون ما جاء عن عليٍّ لما خلفه النبي ﷺ على المدينة فكره ذلك وقال: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي[9]

وفي الآية التي سبقت اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً نسيت أن أذكر الكلام على العدد المذكور هنا، وهنا ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن العرب من أساليبها أن تذكر السبعين، وتقصد بذلك الكثرة ثم جاء بالرواية عن الشعبي التي تُشعر أن العدد مقصود، هذا الكلام من ابن كثير وإيراده الرواية هو إشارة إلى القول الآخر أن العدد مقصود؛ لأن هذه الرواية وإن كانت مرسلة لكن يقول الله: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، وإنما أخذ باعتبار أن العدد مراد، وقال في سبب نزول قوله تعالى: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا [سورة التوبة:84]: الروايات صريحة وصحيحة في الصحيح وفي غيره أن النبي ﷺ قصد الزيادة على السبعين، فاعتبر العدد سبعين مرة، فلو كان العدد غير مراد لفهم النبي ﷺ من الآية أن الاستغفار لهم ممنوع بقوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إلا أن يقال: إن النبي ﷺ اعتبر التخيير اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فلم يمنعه من ذلك حتى نزل قول الله -تبارك وتعالى: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا، والله تعالى أعلم.

  1. رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم (33)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم (59).
  2. رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (7873)، وقال الشيخ الألباني: ضعيف جداً في السلسلة الضعيفة، برقم (1607).
  3. رواه البخاري، أبواب الجزية والموادعة، باب إثم من عاهد ثم غدر، برقم (3007)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم (58).
  4. رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، برقم (1349)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحمل بأجرة يُتصدَّق بها والنهي الشديد عن تنقيص المتصدِّق بقليل، برقم (1018).
  5. رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، برقم (1349).
  6. رواه الطبراني في جامع البيان في تأويل القرآن،  (14/395)، برقم (17024).
  7. رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم (3092)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، برقم (2843).
  8. رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم (6193)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابا، برقم (213).
  9. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، برقم (4154)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -، باب من فضائل علي بن أبي طالب ، برقم (2404).

مواد ذات صلة