الثلاثاء 14 / ذو الحجة / 1441 - 04 / أغسطس 2020
[21] من قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} الآية 115 إلى قوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} الآية 119
تاريخ النشر: ٢٥ / ربيع الأوّل / ١٤٢٨
التحميل: 2872
مرات الإستماع: 3090

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۝ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [سورة التوبة:115، 116].

يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوما بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى:وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ الآية [سورة فصلت:17].

وقال مجاهد في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ قال: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم في طاعته ومعصيته عامة، فافعلوا أو ذَروا.

وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يُؤمر ولم يُنْهَ فغير كائن مطيعا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم يُنه عنه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى- هنا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، هذه جاءت بعد قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [سورة التوبة:113]، فعامة أهل العلم على أن هذه الآية الثانية وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا مرتبطة ومتعلقة بالآية الأولى، بمعنى أن الله لا يؤاخذ ولا يحاسب من استغفر للمشركين قبل أن يبين الله حكم ذلك، فإن الناس لا يلزمهم التكليف، ولا يقع عليهم حكم ولا يحاسبون على عمل إلا إذا سبق لهم من الله البيان.

وهذا معلوم من شروط التكليف العامة، فإن التكليف -كما هو معلوم- له شروط عامة، وله شروط خاصة، فمن شروطه العامة القدرة، يعني عند المكلف بمعنى الأهلية، وبلوغ الخطاب، وتبقى الشروط الخاصة في كل عبادة بحسبها مثل الصلاة: دخول الوقت، والطهارة وما أشبه ذلك، فهذه الآية عامة أهل العلم يقولون: تتعلق بما قبلها، وهي وإن كانت متعلقة بما قبلها إلا أن حكمها عام في كل شيء: أن الله لا يكلف الناس ولا يؤاخذهم ولا يحاسبهم حتى يسبق منه بيان لهم.

ولهذا جمع بين هذين المعنيين مجاهد -رحمه الله- هنا في هذا الأثر الذي نقله الحافظ ابن كثير -رحمه الله- قال: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، يعني: أن هذا أوْلى ما يدخل تحت معنى الآية، ثم قال: وفي بيانه لهم في طاعته ومعصيته عامة، فهذا خفي من ظاهر الآية، ظاهر الآية وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ في كل شيء فلا يطالبهم بشيء من الأوامر ولا يحاسبهم على شيء من الأعمال إلا إذا سبق منه بيان لهم في ذلك، والله أعلم.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قال ابن جرير: هذا تحريض من الله لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السماوات والأرض، ولم يرهبوا من أعدائه فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه.

هذا المعنى الذي ذكره أبو جعفر بن جرير -رحمه الله- وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [سورة الإسراء:15].

لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة:117].

قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مُجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء.

قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لَهَبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.

وروى ابن جرير عن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عَطَش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، و حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله ، قد عَوّدك في الدعاء خيرا، فادع لنا، قال: تحب ذلك؟، قال: نعم! فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر[1].

وقال ابن جرير في قوله: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ أي: من النفقة والظهر والزاد والماء، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه، إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

في قوله: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ،تَابَ عَلَيْهِمْ من استغفارهم للمشركين، وبعضهم يقول: تَابَ عَلَيْهِمْ من التخلف في الغزو عن رسول الله ﷺ، والله هنا يقول: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ فهذه الآية تتحدث عن غزوة تبوك وما حصل فيها من الأمور التي تعرفونها من الشدة ومن تخلفوا، فالله -تبارك وتعالى- يذكر هنا توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، وتوبة الله على عبده تأتي بمعنى أن يوفقه إلى التوبة تَابَ عَلَيْهِمْ بمعنى وفقهم للتوبة؛ لأن التوبة تأتي بمعنى الرجوع، تاب بمعنى رجع، رجع إلى الله : تَابَ عَلَيْهِمْ أي وفقهم إلى الرجوع إليه والإنابة. 

وأيضاً توبة الله على العبد تأتي بمعنى رجوعه إلى عبده بالقبول وغفران الذنب والستر ستر الإساءة فلا يفتضح، وهذه التوبة لا يلزم أن تكون من ذنب، وإنما تكون من رجوع العبد من حال إلى حال ولو كان ذلك من قبيل فعل خلاف الأولى، فهنا يذكر الله توبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، فالله -تبارك وتعالى- تاب على أهل بدر، وقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم[2]، وهنا في غزوة تبوك وهي آخر الغزوات يذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، فهذا لا يختص بموضوع الاستغفار للمشركين.

الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ والساعة تطلق على الوقت المحدد من الزمان كما هو معروف، وتطلق على الزمن وهو المراد هنا، ليست ساعة محددة معينة فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ يعني وقت الشدة الحر والقيظ والحاجة والضيق مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ بماذا؟ فسره بعضهم بأن ذلك يرجع إلى الشدة التي أصابتهم أصابتهم شدة عظيمة كادت نفوسهم أن تتلف، وهذا فيه بعد؛ لأن الله ذكر هنا "الزيغ" وعلقه بالقلوب، ولم يقل: تتلف نفوسهم، فلا يفسر ذلك بتلف النفوس بسبب الشدة التي أصابت الناس.

ومنهم من فسره بمعنى آخر وهو أن هذه الشدة التي تحصل كادت أن تورث شكاً وخللاً في إيمان بعضهم!! كادت نفوسهم أن تضطرب ففي الشدائد تمحّص النفوس، وكما ذكر الله في غزوة الأحزاب وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [سورة الأحزاب:10] تفرقت ظنونهم في الله ، فالمنافقون ظنوا الظنون الكاذبة السيئة، وأهل الإيمان حسنت ظنونهم بالله

وهناك معنى ثالث ولعله الأقرب من هذه المعاني: مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ وذلك بالقعود عن الغزو مع رسول الله ﷺمع أنه يجب عليهم في ذلك الحين- وترك نصرة الله، ونصرة رسوله ﷺ كراهية للشدة بسبب طول السفر وقوة العدو وكثرته، وشدة الوقت حر شديد مع طيب الثمار.

وقوله: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ذكره مرة أخرى فقال: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُُوفٌ رَّحِيمٌ يمكن أن يكون هذا يرجع إلى الأول لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، قال: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ كل ذلك عناية واهتماماً بشأن هذه التوبة، أو يكون المعنى الأول وفّقهم للتوبة ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ أي قَبِلها منهم، رجع عليهم بالقبول، ويمكن أن يكون متعلقاً بما قبله مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ يكون "الهاء" الضمير يرجع إلى أقرب مذكور تَابَ عَلَيْهِمْ مَن؟ هؤلاء الذين ذكروا مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ تاب على هؤلاء.

وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [سورة التوبة:118، 119].

روى الإمام أحمد أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِى- قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غَزاة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتَب أحدٌ تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة.

وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازًا، واستقبل عدوا كثيرًا فَجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وَجْهَه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان- فقال كعب: فَقَلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أصْعَر.

أصْعَر يعني أميل.

فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضِ من جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمَّر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه، ولم أقضِ من جهازي شيئا، وقلت: الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعدما فَصَلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يَتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزوُ، فهممت أن أرتحل فأدركهم -وليت أنّي فعلتُ- ثم لم يقدّر ذلك لي، فطفقت إذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فَطُفتُ فيهم يحزنني ألا أرى إلا رجلا مَغْموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله ، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟، قال رجل من بني سَلمة: حبسه يا رسول الله بُرْداه، والنظر في عَطْفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا! فسكت رسول الله ﷺ، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد تَوجَّه قافلا من تبوك حضرني بَثّي.

بثي يعني الحزن

فطفقت أتذكر الكَذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ أستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعتُ صدقه، وصَبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له -وكانوا بضعة وثمانين رجلا- فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلَّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خلَّفك، ألم تك قد اشتريت ظهرا؟، قال: فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سَخَطه بعذر، لقد أعطيتُ جَدَلا، ولكنه والله لقد علمتُ لئن حَدّثتك اليوم بحديث كَذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يُسْخطك عليّ، ولئن حدثتك بصدق تَجدُ عَليّ فيه، إني لأرجو عقبى ذلك من الله  والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال:

فقال رسول الله ﷺ: أمّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت وقام إليَّ رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عَجَزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنّبوني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّب نفسي.

قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا ما قلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قلت: فمن هما؟ قالوا: مُرَارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة- من بين من تخلف عنه، فاجتنبَنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَب القوم وأجلَدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: حَرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، فإذا التفت نحوه أعرَض، حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مَشَيت حتى تسورت حائط أبي قتادة -وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّّ- فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام.

فقلت له: يا أبا قتادة، أنشُدُك الله: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدتُ فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من أنباط الشام، ممن قَدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟

قال: فطفِقَ الناس يشيرون له إليّ، حتى جاء فدفع إليّ كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هَوان ولا مَضْيَعة، فالحق بنا نُواسكَ، قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، قال: فتيممت به التنور فَسَجرته به، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربَنَّك، قالت: وإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. 

قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب؟ قال: فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نَهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك. 

قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، فآذن رسولُ الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيّ مبشرون، وركض إليّ رجُل فرسًا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت ثوبيّ، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ، يلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بتوبة الله، يقولون: لِيَهْنِك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهرول، حتى صافحني وهَنَّأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.

قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرُق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمّك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله، قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك.

قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كَذبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.

قال: وأنزل الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ۝ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ

قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله ﷺ يومئذ ألا أكون كَذَبْتُه فأهلك كما هلك الذين كَذَبوه حين كَذَبُوه؛ فإن الله تعالى قال للذين كَذَبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [سورة التوبة:95، 96].

قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خُلفوا خُلّفنا عن أمر أولائك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسولُ الله أمرَنا، حتى قضى الله فيه، فلذلك قال الله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خُلِّفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه.

هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته[3]، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم بنحوه.

فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا رُوي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار.

هذا الحديث عظيم فيه أحكام فقهية، وفيه فوائد إيمانية كثيرة جداً، وقوله هنا: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قال: وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خُلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه، بمعنى: وعلى الثلاثة الذين خُلفوا ليس المراد خُلفوا عن الغزو؛ لأنه لو كان كذلك لقال: وعلى الثلاثة الذين تخلفوا، وإنما قال: خُلِّفُوا يعني أُخروا وأُرجئ أمرُهم، فالذين اعتذروا إلى النبي ﷺ قبل عذرهم واستغفر لهم وتركهم، وهؤلاء الثلاثة أرجأهم ﷺ، وكما سبق أنه قال لكعب: قم حتى يقضي الله في أمرك، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فبقوا خمسين ليلة حتى نزل في شأنهم قرآن يتلى، وتاب الله عليهم.

ولما ذكر تعالى ما فرّج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب، من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت، أي: مع سعتها، فسُدّدت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله، واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسولَ الله ﷺ في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم؛ ولهذا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم، ومخرجا.

اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ الكون مع الصادقين هنا ما المراد به؟ ابن جرير -رحمه الله- يقول: كونوا من أهل ولاية الله وطاعته يعني في الدنيا تكونوا مع الصادقين في الآخرة، في الجنة في العاقبة كما قال الله : وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [سورة النساء:69]، فهذا معنى، واحتج له بأن كون الإنسان في الدنيا مصاحباً لأهل الصدق مجتمعاً معهم ببدنه أن ذلك لا يغني عنه من الله شيئاً ما لم يكن متصفاً بأوصافهم متحلياً بأخلاقهم، عاملاً بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وقال: إن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا يصلون معهم ويخالطونهم ومع ذلك لم ينفعهم، وليسوا من الصادقين، هذا الذي ذهب إليه ابن جرير -رحمه الله، ويمكن أن تفسر الآية -والله تعالى أعلم- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي في حكمهم وعلى حالهم وصفتهم، تعملون بعملهم.

وقد قال الإمام أحمد عن عبد الله -هو ابن مسعود ، قال: قال رسول الله ﷺ: عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا[4]، أخرجاه في الصحيحين.
  1. رواه ابن حبان في صحيحه، برقم (1383)، وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم.
  2. جزء من حديث رواه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الممتحنة، برقم (4608).
  3. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك وقول الله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [سورة التوبة:118]، برقم (4156)، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، برقم (2769).
  4. رواه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [سورة التوبة:119]، وما يُنهَى عن الكذب، برقم (5743)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، برقم (2607)، واللفظ له.

مواد ذات صلة