تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 18 / رجب / 1440 - 24 / مارس 2019
[1] من قول الله تعالى: {الم} الآية 1 إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَاد} الآية 9.
تاريخ النشر: ٠١ / ربيع الآخر / ١٤٢٦
التحميل: 10499
مرات الإستماع: 3557

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

تفسير سورة آل عمران، وهي مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها -إن شاء الله تعالى- وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -رحمه الله: "وهي مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران" هذا القول نقل عليه بعض أهل العلم الإجماع، ولم أقف على من خالف القول بأنها مدنية.

وقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله: "لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية" هذا فيه إشارة إلى أن السورة تعتبر مكية أو مدنية باعتبار صدرها.

ولا شك أن السورة إذا نزلت جميعاً قبل الهجرة يقال لها: مكية، وإذا نزلت جميعاً بعد الهجرة فيقال: إنها مدنية، وهذا الكلام فيما إذا جعلنا الضابط هو النزول قبل الهجرة وبعد الهجرة. 

لكن الكلام في كثير من السور التي يقال: إن بعض آياتها نزلت بمكة والبعض الآخر في المدينة فالضابط في القول بأنها مكية أو مدنية إما باعتبار نزول أكثر الآيات، أو باعتبار أول ما نزل منها -وأول ما نزل قد لا يكون هو صدر السورة- أو أن العبرة في ذلك هو صدر السورة، فإن كان صدرها مكياً قيل: هي مكية، وإن كان صدرها مدنياً قيل: هي مدنية، وهذا الأخير هو الأقرب والله تعالى أعلم، وهو الذي أشار إليه ابن كثير رحمه الله.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم ۝  اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۝ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ۝ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ [سورة آل عمران:1-4].

قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقوله: الم ۝ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ عند تفسير آية الكرسي.

وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: الم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وتقدم أيضاً الكلام على قوله: اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، في تفسير آية الكرسي.

وقوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله، أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا [سورة النساء:166].

في قوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ بعضهم يقول: بالصدق، ويمكن أن يقال: نزله إنزالاً متلبساً بالحق، ولا إشكال سواء قيل: بالصدق، أو قيل: نزله متلبساً بالحق؛ فالمعنى متقارب.

والتعبير بالتنزيل العلماء يتكلمون فيه على التنجيم، أي أن فيه إشارة إلى أن القرآن نزل منجماً؛ لأنه قال: نَزَّلَ فهي بخلاف أَنزَلَ [سورة آل عمران:7]، وعلى كل حال قد جاء التعبير بهذا وبهذا.

وقوله: مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء -عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم- فهي تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه.

يلاحظ أنه فسر قوله تعالى: مُصَدِّقاً بأوسع معناه، أي أن هذا القرآن مصدق لما فيها من الهدايات والحقائق التي أخبر الله عنها، يعني مما لم يقع فيه التحريف، وأنها من عند الله وكذلك مصدقاً لها باعتبار أنه طابق ما أخبرت به من الوعد بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن عليه.

ولهذا يذكر في وجه الامتنان بأميِّته ﷺ أي ببعثه أمياً كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [سورة الجمعة:2]، يذكر أنه ﷺ يكون بذلك مصدقاً لما جاء من وصفه في الكتب السابقة، وهذا أحد الأوجه، وعلى كل حال فهو مصدق لها باعتبار أن فيه تصديق ما جاء فيها، بإقراره والشهادة لتلك الحقائق التي أخبر الله عنها، وأن تلك الكتب من عند الله -تبارك وتعالى- إضافة إلى أن مجيئه هو تصديق لذلك الخبر الذي كان في تلك الكتب عن نزول القرآن على محمد ﷺ.

وقوله: وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ أي على موسى بن عمران، وَالإِنجِيلَ أي على عيسى ابن مريم -عليهما السلام.

التوراة هو الكتاب المعروف الذي نزل على موسى ﷺ، وهذه الكلمة إذا قلنا: إنها ليست عربية -وهذا هو الظاهر- فمعنى ذلك أننا لسنا بحاجة لا إلى تعليل الاسم ولا إلى تفسيره، والعلماء -رحمهم الله- منهم من حاول أن يفسره، فبعضهم جعل ذلك من التورية وهي: المعاريض، ووجَّه ذلك بأن في التوراة من المعاريض شيئاً كثيراً، بمعنى أمور غير مصرِّحة بالمراد ولكن مراد الله يفهمه من كان من أهل العلم بالكتاب، ومنهم من يقول: إنها بمعنى الضياء والنور، من: وَرَى الزَّند، بمعنى أوقده وأضاء به أو نحو ذلك، وكذلك يقولون في الإنجيل. 

وبعضهم يقول: الإنجيل من النجل وهو الأصل، باعتبار أنه أصل للحكم والعلوم، وبعضهم يقول: الإنجيل من النجل وهو الاستخراج، تقول: نجلت الماء بمعنى استخرجته من البئر، وذلك لما حواه من العلوم والحكم والهدايات، وبعضهم يقول: من التناجل وهو بمعنى التنازع؛ لأنهم اختلفوا فيه، وكل هذا لا دليل عليه، وإذا قلنا: إن هذه الكلمات ليست عربية فلا حاجة إلى تفسيرها أصلاً، بل لا يصح أن تفسر بمثل هذا من كلام العرب، يعني من جهة الاشتقاق. 

ومسألة كون الأسماء الأعجمية موجودة في القرآن هذا بالإجماع ولا إشكال في ذلك، والكلام على هذا الأمر موجود في أصول الفقه عند الكلام على مسألة هل يوجد في القرآن شيء أعجمي أم لا، والخلاصة أن الأسماء متفق على أنها موجودة؛ لأنه يعبر بها كما هي بأي لغة، وأما ما يتعلق بالتراكيب فالإجماع على أنه لا وجود لها في القرآن، وبقي الكلام على غير ذلك من الأسماء المنكَّرة، مثل: قسورة وإستبرق ومشكاة، ونحو ذلك:

ما كان منه مثل إسماعيل ويونس قد جاء في التنزيل
إن كان منه واختيار الأكثر والشافعي النفي للمنكَّر
فكلامهم ونزاعهم إنما هو في المنكر مثل: إستبرق ونحوها وليس في الأعلام وليس في التراكيب، فإذا سأل سائل: هل يوجد في القرآن أعجمي؟
فالجواب يكون بهذا التفصيل، فيقال: القسمة ثلاثية والمختلف فيه هو الوسط، والله أعلم، وأنا إنما ذكرت هذا للفائدة وذلك أنك تجد بعض الأشياء الأعجمية والعلماء يحاولون أحياناً تفسيرها وبيان اشتقاقها، ولكن إذا تقرر أن أصلها أعجمي فلا محل لتفسيرها أصلاً.
مِن قَبْلُ أي من قبل هذا القرآن، هُدًى لِّلنَّاسِ أي في زمانهما، وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل والغي والرشاد.

نعم هُدًى لِّلنَّاسِ في زمانهما، فإذا قلنا: إن هذه الكتب خوطب بها جميع الناس، فهي هدى لجميعهم، وإذا قلنا: إنها مخصوصة في بني إسرائيل فإن ذلك يكون من العام المراد به الخصوص، إذ يمكن أن تكون "أل" عهدية؛ لأن التي للعموم هي المعرِّفة وليست العهدية. 

وعلى كل حال ينقل عن عيسى ﷺ أنه قال: "إنما بعثت لهداية خراف بني إسرائيل الضالة"، ويوجد من النصوص ما يدل على ذلك، إن صح وسلم من التحريف، أي أنه إنما أرسل لبني إسرائيل.

وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ وهو الفارق بين الهدى والضلال والحق والباطل والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، ويبيّنه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.

اعتبر الفرقان: أي ما يفرق بين الحق والباطل، أو ما يفصل بين الحق والباطل من الحجج والبينات، وليس المراد بذلك القرآن وإنما المراد أعم من ذلك يعني كل ما يحصل به الفصل بالحجج والبينات، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله.

وبعضهم يقول: المراد بقوله: وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ أي الكتب السابقة المنزلة عموماً، فهو ذكر التوراة والإنجيل، ثم عمَّم الكتب بعد ذلك.

وبعضهم يقول: المقصود بقوله: وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ أي الزبور، وهذا لا دليل عليه، أعني تخصيص الفرقان بالزبور.

ومنهم من يقول: المراد به القرآن كقوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ [سورة الفرقان:1]، لكن الله تعالى قد وصف التوراة أيضاً بأنها فرقان، فالحاصل أن الفرقان ما يحصل به الفرق بين الحق والباطل.

والخلاصة أن الله ذكر أولاً القرآن فقال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [سورة آل عمران:3] فهذا هو القرآن، ثم قال: وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ۝ مِن قَبْلُ أي من قبل القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [سورة آل عمران:3-4] فمن أجل أن لا يكون ذلك تكراراً فيكون الفرقان بمعنى ما يحصل به الفرق بين الحق والباطل، وذلك يشمل كل ما يصدق عليه هذا اللفظ، فلا يختص بالقرآن وحده، وهذا هو الأقرب والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ [سورة آل عمران:4] أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل.

هذا باعتبار أن أصل الكفر في اللغة بمعنى الستر، وإلا فإنه في الشرع يصدق على هذا المعنى ويصدق على غيره كالشك والإعراض، إلى غير ذلك مما يحصل به الكفر، والعلماء -رحمهم الله- لا يدققون كثيراً في مثل هذه الألفاظ، ولكن على كل حال إذا ابتلي الناس بمن يقول: إن الكفر هو فقط الجحود فهنا لابد أن يبيّن المراد.

لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ أي يوم القيامة، وَاللّهُ عَزِيزٌ أي منيع الجناب عظيم السلطان، ذُو انتِقَامٍ [سورة آل عمران:4] أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ [سورة آل عمران:4] الآيات هنا جمعٌ مضاف، والأصل أن ذلك يدل على العموم، فهل يختص هذا بآيات الله المتلوة من القرآن وما أنزله الله في التوراة والإنجيل والكتب السابقة، أم أن ذلك يشمل هذا ويشمل سائر الآيات كالناقة وعصا موسى -عليه الصلاة والسلام- وما إلى ذلك من دلائل صدق ما جاء به أنبياؤه -عليهم الصلاة والسلام- وما يدل على وحدانية الله جل جلاله؟

الجواب هو: أن الله لم يخصص شيئاً دون شيء، ولا شك أن الآيات المتلوة هي أولى ما يدخل فيه، وذلك أنه ذكر هذه الكتب التي هي القرآن والتوراة والإنجيل، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ [سورة آل عمران:4].

وإذا قلنا: الفرقان هو ما يحصل به الفرق بين الحق والباطل، فإن ذلك يحصل بالآيات المتلوة، ويحصل أيضاً بما يحصل به الفصل من دلائل القدرة وصدق ما جاء به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فما حصل مع موسى ﷺ والسحرة لا شك أنه من أعظم الآيات، وهكذا، والله يقول: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً يعني آية مبصرة، فَظَلَمُواْ بِهَا [سورة الإسراء:59]: يعني جحدوا بها، والله أعلم.

إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ۝ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة آل عمران:5-6] يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح وشقي وسعيد.

لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة آل عمران:6] أي هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام، وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى -عليهم لعائن الله- وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال كما قال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ [سورة الزمر:6].

يعني أن الله حينما توعد من كفر بآياته أخبر بإحاطته وقدرته على خلقه فقال: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [سورة آل عمران:6]. 

والمقصود بالتصوير في هذه الآية أي نقلهم من طور إلى طور، أي من النطفة إلى العلقة ثم إلى المضغة، وما إلى ذلك حتى يكتمل هذا الخلق، ومن ذلك جعل هذا المخلوق ذكراً أو أنثى، وما يحصل لهم من تفاوت في الألوان، وما يحصل لهم من تفاوت في الخلق.

والتصوير يأتي بمعنى التشكيل، وهذه المعاني التي يذكرها بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم- كلها داخلة فيه، إذ كل ذلك يفعله الله بهم كما ذكر في الآيات الأخرى، كقوله: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ [سورة الزمر:6] فهذا هو التصوير.

وحينما يقول الله : هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [سورة الحشر:24] يكون الخالق بمعنى المقدر، والبارئ بمعنى الموجد المنشئ من العدم، والمصور بمعنى الذي أعطى كل مخلوق شكله وصوره بما يليق به، فيكون التصوير بمعنى التشكيل، ويدخل في هذا التشكيل ما يحصل لهم من التخطيط، حيث إنه بعد أن يمر على الجنين واحد وثمانون يوماً يخطط الجنين أي أنه يرسم، فالعيون تكون عبارة عن نقط والفم نقطة وتظهر خطوط الأيدي والأرجل، وهكذا شيئاً فشيئاً ثم تنفصل هذه الأشياء، ويتشكل بصورة ينتقل معها من طور إلى طور حتى يكون بهذه الهيئة، قال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء [سورة آل عمران:6].

هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ۝ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ۝ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [سورة آل عمران:7-9].

يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردَّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكَّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه.

هذا المعنى الذي ذكره -رحمه الله- في معنى المحكم والمتشابه هو من أجود ما قيل فيه، على كثرة الأقوال، ومن هذه الأقوال ما يرجع إلى بعض، وعلى كل حال هذا القول هو من أجودها، وهو منقول أيضاً عن الإمام أحمد -رحمه الله.

وعن طائفة من السلف -رضي الله تعالى عنهم- أن معنى المحكمات هي التي تقوم بنفسها ولا تحتاج إلى غيرها لفهم معناها، والمتشابهات هي التي تحتاج إلى ردها إلى غيرها من أجل فهم معناها، ولهذا قال عن المحكمات: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وأم الشيء أي أصله الذي يرجع إليه، كما يقال في الراية التي يحملها الجند، وينضوون تحتها، وينضمون إليها ويجتمعون عندها، يقال لها: أمّ، ومن ذلك أمّ الرأس.

فالحاصل أن قوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ بمعنى الأصل الذي يرجع إليه، فالمتشابهات ترجع إلى المحكمات من أجل بيان معناها، وهذا إذا قلنا بأنه لا يوجد متشابه مطلق من جهة المعاني -وسيأتي الكلام على هذا عند الوقف في الآية- فيكون ذلك من الأمور النسبية من جهة المعنى.

فالتشابه في المعنى يكون من الأمور النسبية، بمعنى أنه يكون متشابهاً بالنسبة لبعض الناس وغير متشابه بالنسبة لآخرين، ففي قوله -تبارك وتعالى- مثلاً: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [سورة الحديد:4] قد يلتبس هذا على بعض الناس فيحتاج إلى رده إلى بعض المحكمات. 

فمن المحكمات التي يرد إليها: الآيات الدالة على العلو والعلو الخاص الذي هو الاستواء، فذلك يدل على أنه مباين لخلقه فتكون المعية لا تقتضي المخالطة، ومن الناس من يفهم معنى قوله تعالى هذا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [سورة الحديد:4]، ولا يخطر في باله أن ذلك يقتضي المخالطة حيث إن ذلك ليس بلازم في كلام العرب، فتكون هذه الآية لهذا الشخص من المحكمات وبالنسبة للآخر من المتشابهات، وقل مثل ذلك في كل ما اشتبه على الإنسان والتبس عليه.

ومن أمثلة ذلك قوله -تبارك وتعالى- مثلاً: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [سورة المعارج:4] مع قوله -تبارك وتعالى- في سورة السجدة: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [سورة السجدة:5]، تجد أن من الناس من يفهم المراد بالألف سنة المذكورة في سورة السجدة مع الخمسين ألف سنة التي في المعارج -الآية الأخرى- فيقول: المراد باليوم الذي في سورة السجدة هو اليوم الذي يكون عند الله واليوم المذكور في آية المعارج هو في يوم القيامة. 

فإذا كان الإنسان يعتقد هذا المعنى فلا إشكال عنده في الآيتين، فهي بالنسبة إليه من المحكمات، وتجد شخصاً آخر يستشكل هذا المعنى ويتردد فيه، فتكون هذه الآيات بالنسبة إليه من المتشابهات، وقل مثل هذا في أمثلة كثيرة جداً، ولذلك يقال والله أعلم: إن التشابه من جهة المعاني هو أمر نسبي، لا يوجد من جهة المعنى تشابه مطلق بحيث يلتبس على جميع الأمة.

وعلى كل حال فإن قوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ يشعر برجحان تفسير المحكمات بأنها ما قام بنفسه ولم يحتج إلى غيره في فهم معناه، والمتشابهات هي التي تحتاج إلى ردها إلى غيرها من أجل فهم معناها.

ولهذا قال تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [سورة آل عمران:7] أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد، فالمحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به، والمتشابهات: المنسوخة والمقدم منه والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به.

لم يقل هنا قال ابن كثير: فالمحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه إلى آخره، فمثل هذا الإيراد بهذه الطريقة لا يبرر أن ينسب لابن كثير، وعلى كل حال فإن من أهل العلم من حاول أن يرجع الأقوال إلى المعنى الأول الذي ذكره ابن كثير؛ باعتبار أنهم رأوا أن هذا أوسع هذه المعاني وأشملها، فحاولوا أن يرجعوا إليه سائر المعاني. 

فالحاصل أن هذه الطريقة في الاختصار فيها إشكال؛ لأن الأصل أن يورد ما اختاره ابن كثير ولا يدمج معه شيئاً آخر يرتضيه، أو لأن الرواية صحت فيه عن ابن عباس مثلاً، فإن هذا لا يبرر أن يورده بهذه الطريقة وإنما كان ينبغي أن يقول: قال ابن عباس، والله أعلم.

والإحكام يطلق بإزاء معنيين:

يطلق –أعني الإحكام الخاص- ويراد به ما يقابل المتشابه، وهذا هو المراد هنا، ويطلق الإحكام فيما يقابل المنسوخ، تقول: هذه الآية محكمة وهذه الآية منسوخة، وأما الإحكام العام فالمراد به الإتقان كما وصف الله القرآن كله بأنه محكم فقال: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [سورة هود:1]، فوصف القرآن بكامله بأنه محكم، كما وصفه في موضع آخر بأنه متشابه، كما في قوله -تبارك وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا [سورة الزمر:23]، فالمقصود بهذا التشابه العام، بمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والبلاغة والفصاحة.

والإحكام العام المقصود به: أنه متقن لا تجد فيه ما يوجب الريب كما قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2] ولا تجد فيه تناقضاً كما قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [سورة النساء:82] فهذا هو الإحكام العام والتشابه العام.

قول ابن عباس: "ناسخه" الناسخ يقابله المنسوخ الذي لا يعمل به.

وقوله: ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه" يعني الأمور التي بينها الله وطالب الناس بالقيام بها والعمل بها.

قوله: "والمتشابهات: المنسوخة" أي التي لا يعمل بها.

قوله: "والمقدم منه والمؤخر" بمعنى أنه محل للاشتباه مثل قول الله : إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواَْ [سورة آل عمران:55] فكيف قال الله : مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ وعيسى ﷺ لم يمت؟ هذا يمكن أن يقال: هو من قبيل المقدم الذي محله التأخير.

قال: "والأمثال والأقسام" الله قال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [سورة العنكبوت:43]، وأولئك قالوا: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً [سورة البقرة:26]، أضف إلى ذلك أن الأمثال ليست من الآيات التي يتعلق بها التكليف من حيث إنها تتضمن أحكاماً بالعمل، وإنما يبين بها المعنى ويوضح، وربما يبين ذلك المعنى بصورة المحسوس، كقوله تعالى: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا [سورة الرعد:17] فهو صوَّر الوحي والهدى بالمطر الذي ينزل.

قال محمد بن إسحاق بن يسار -رحمه الله: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ [سورة آل عمران:7] فيهن حجة الرب، وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.

قال: والمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق.

هذا الكلام يرجع تماماً إلى قول ابن كثير فهو موافق تماماً لكلامه –رحمه الله- وهذا الكلام يمكن أن يختصر فيحذف؛ باعتبار أن هذا الكتاب مختصر، ويمكن أن يقتصر عليه في تفسير المحكمات، من غير قول ابن عباس.

وعلى كل حال ما كان محتملاً فإنه يكون من المتشابه، وإن كان محتملاً عند زيد وليس بمحتمل عند عمرو فيكون بالنسبة لهذا متشابهاً وبالنسبة لهذا محكماً.

ولهذا قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [سورة آل عمران:7] أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، فيتبعون ما تشابه منه، أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ [سورة آل عمران:7]
أي الإضلال لأتباعهم، إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [سورة الزخرف:59] وبقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [سورة آل عمران:59]، وغير ذلك من الآيات المحكمات المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد ورسول من رسل الله.

يعني النصارى يحتجون بمثل هذه الآية على أن عيسى ﷺ جزء من الله ، وأنه ابن الله، وربما احتجوا على التثليث بما ورد من ضمير الجمع، كقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [سورة يوسف:3]، قالوا: نحن تستعمل للجمع، وغير ذلك مما يلبسون به، فهذا من قبيل اتباع المتشابه.

فهؤلاء الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني ميلاً عن الحق وانحرافاً عنه.

فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ أي: يتبعون مثل هذه الآيات المحتملة المتشابهة.

ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ أي: ابتغاء الإضلال أو التشكيك والتلبيس على الناس بمثل هذه الآيات، ويدخل في هذا كل من تتبع الآيات المحتملة ليلبس بذلك على الناس، إما للتشكيك أو الطعن في القرآن، أو من أجل الاحتجاج على باطله بنصوص القرآن كما فعل كثير من أهل الضلال، فهؤلاء كلهم قد رفعوا لواء الفتنة.

وقوله تعالى: وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ [سورة آل عمران:7] أي تحريفه على ما يريدون.

وقد روى الإمام أحمد عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قرأ رسول الله ﷺ: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ إلى قوله: أُوْلُواْ الألْبَابِ [سورة آل عمران:7] فقال: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهُم الذين عنى الله فاحذروهم[1].

وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ إلى قوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [سورة آل عمران:7] قالت: قال رسول الله ﷺ: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم[2] [لفظ البخاري].

  1. أخرجه أحمد (24256) (ج 6 / ص 48) وقال الأرنؤوط: حديث صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين.
  2. أخرجه البخاري في كتاب التفسير - باب تفسير سورة آل عمران (4273) (ج 4 / ص 1655) ومسلم في كتاب العلم - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه والنهي عن الاختلاف في القرآن (2665) (ج 4 / ص 2053).

مواد ذات صلة