الإثنين 13 / ذو الحجة / 1441 - 03 / أغسطس 2020
[4] من قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا} الآية 16 إلى قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} الآية 17.
تاريخ النشر: ٠٥ / ربيع الآخر / ١٤٢٦
التحميل: 3764
مرات الإستماع: 2427

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۝ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [سورة آل عمران:16-17]

يصف -تبارك وتعالى- عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا أي: بك وبكتابك وبرسولك.

فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [سورة آل عمران:16].

ثم قال تعالى: الصَّابِرِينَ أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، وَالصَّادِقِينَ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة وَالْقَانِتِينَ والقنوت: الطاعة والخضوع، وَالْمُنفِقِينَ أي في أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات.

وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب لما قال لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ [سورة يوسف:98] أنه أخرهم إلى وقت السحر.

وثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل الله -تبارك وتعالى- في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له[1] الحديث.

وفي الصحيحين عن عائشة -ا- قالت: "مِن كُلِّ الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر"[2].

وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح [رواه ابن أبي حاتم].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ [سورة آل عمران:17] هذه الأوصاف التي ذكرها الله تُحمل على أعمِّ معانيها ولا تُخص بشيء دون شيء، فالصبر هنا كما أنه يشمل ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- من الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، كذلك أيضاً يشمل حبس النفس عن التسخط والجزع في حال المصيبة، يعني أن يصبر على أقدار الله المؤلمة.

وكذلك أيضاً الصدق فإنه يشمل الصدق في الإيمان، ويشمل أيضاً الصدق باللسان، كما يشمل الصدق في الفعل والحال، أي أن كل أنواع الصدق داخلة فيه.

وأما القنوت فسبق الكلام عليه وعلى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أنه دوام الطاعة، وأن المعاني التي يذكرها السلف من الطاعة والخضوع ونحو ذلك متقاربة.

وأما ذكر السحر في قوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [سورة آل عمران:17]، فمن أهل العلم من السلف ومن بعدهم من فسره بالصلاة، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن ذلك يفسر على ظاهره بالاستغفار أي: طلب المغفرة، ولو أنه قال: والمسبحين بالأسحار، لكان يمكن أن يفسر ذلك بالصلاة؛ فإن الصلاة يقال لها تسبيح، وأما الاستغفار فإنه يحمل على ظاهره -والله تعالى أعلم؛ وذلك أن هذا الوقت هو مظنة إجابة الدعاء؛ حيث ينزل الرب -تبارك وتعالى- إلى سماء الدنيا كما في الحديث فيكون للدعاء مزية فيه، فإذا صلى الإنسان ما شاء الله أو ما كتب الله له أن يصلي فإنه بعد ذلك يستغفر في هذا الوقت الشريف، والله أعلم.

  1. أخرجه البخاري في أبواب التهجد - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (1094) (ج 1 / ص 384) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (758) (ج 1 / ص 521).
  2. أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة (745) (ج 1 / ص 512).

مواد ذات صلة