الثلاثاء 08 / ربيع الآخر / 1442 - 24 / نوفمبر 2020
[23] من قول الله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم} الآية 154 إلى قوله تعالى: {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} الآية 158
تاريخ النشر: ١٣ / شعبان / ١٤٢٦
التحميل: 5463
مرات الإستماع: 2342

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ۝ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [سورة آل عمران:154-155].

يقول تعالى ممتناً على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئموا السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ الآية [سورة الأنفال:11].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى- هنا: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا [سورة آل عمران:154-155] الأمنة هنا مفسرة بالآية وهي النعاس، ولذلك قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا: هي النعاس، وهكذا قال ابن جرير وطوائف من المفسرين، وبعضهم فسر الأمنة هنا بمعنى الأمن، وهذان المعنيان لا منافاة بينهما؛ لأن النعاس إنما ينزل إذا وجدت أسباب الخوف مع الأمن إذا وجد في النفوس، يعني إذا شعرت النفوس بالأمن فإنه يحصل النعاس، وإذا وجد الخوف المزعج من غير شعور بالأمن في النفوس فإن ذلك الخوف يقلقها فيطير عنها النوم فلا تجد للنوم محلاً. 

فالمقصود أن منهم من فسر الأمنة بالأمن ومنهم من فرق بين الأمن والأمنة فقال: الأمنة هي الأمن مع وجود أسباب الخوف أما الأمن مع غير وجود أسباب الخوف مثل أمن الناس الآن فهذا يقال له أمن، وسواء قيل هذا أو قيل هو النعاس فكل ذلك يرجع إلى شيء واحد؛ لأن النعاس لا ينزل مع وجود أسباب الخوف إلا بوجود الأمن.

وقوله تعالى: أَمَنَةً نُّعَاسًا [سورة آل عمران:154] نعاساً هنا تفسير لهذه الأمنة، والله أعلم.

وقول المصنف: وهم مستلئموا السلاح، يعني قد لبسوه.

وروى البخاري عن أنس عن أبي طلحة -ا-­ قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه [رواه في المغازي معلقاً وفي كتاب التفسير مسنداً].

وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حَجَفَته من النعاس [لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح].

ورواه النسائي أيضاً عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس الحديث، قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق.

في قوله: وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [سورة آل عمران:154] هل هؤلاء هم أهل النفاق أو أنهم من ضعفاء الإيمان، كما قال الله إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ [سورة آل عمران:122]؟ فقد يوجد مثل هذا الضعف بين المؤمنين، وكما في قوله تعالى في سورة الأحزاب: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [سورة الأحزاب:12] إذا قيل -على أحد الوجوه في التفسير: إن قوله: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [سورة الأنفال:49] هو من باب عطف المغايرة، بمعنى أنهم طائفة أخرى غير المنافقين. 

وهذا مع أن طوائف من أهل العلم يقولون: إن هذا من باب عطف الصفات والموصوف واحد، فالمنافقون: هم الذين في قلوبهم مرض، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [سورة الأحزاب:12] كما قال الله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۝ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [سورة الأعلى:1-3] فإن الأوصاف تتابع، تارة مع ذكر حرف العطف، وتارة بحذفه، والآية في سورة الأحزاب وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [سورة الأحزاب:12] تحتمل المعنيين، فيمكن أن يكونوا ضعفاء الإيمان ويمكن أن يكون المراد بهم أهل النفاق.

والمقصود هنا أن مثل الحافظ ابن القيم -رحمه الله- يقول: لم يكن معهم في يوم أُحدٍ أَحدٌ من المنافين؛ وذلك أن عبد الله بن أبي رجع بثلث الجيش، وهؤلاء الذين رجع بهم فيهم أهل نفاق وهو رئيس المنافقين، ولكن الجيش في ذلك الحين كان يقسم على تقسيم بحيث يكون مبعضاً ربما بحسب القبائل والبطون والعشائر، فالخزرج لهم لواء، والأوس لهم لواء والمهاجرون لهم لواء وربما قسم إلى أكثر من هذا كما في يوم القادسية حيث كانت كل قبيلة تقف بمفردها حتى إن قبيلة بجيلة تفرقت في الحروب التي وقعت لها ثم لما أسلموا تفرقوا في الجهاد وكادت القبيلة أن تضمحل فعمد جرير البجلي إلى جمعهم وكلم النبي ﷺ ثم كلم أبا بكر بعد ما أخذ كتاباً من رسول الله ﷺ بجمع القبيلة، ثم بعد ذلك جمعوا له فكانوا من أحسن من قاتل في يوم القادسية، وفيه يقول الشاعر:

لولا جرير ذهبت بجيلة نعم الفتى وبئست القبيلة
وأعني من هذا أن الذين رجعوا مع عبد الله بن أبي قد لا يكونون جميعاً من المنافقين، فقد يكون بعضهم ممن يحسن الظن به ولم يتكشف نفاقه بعد، وبعضهم ممن يتعصب له، كما قال الله : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [سورة التوبة:47] وبعضهم تبعه على سبيل أن هذا من كبار الخزرج بل كاد أن يتوج ليكون ملكاً على الأوس والخزرج معاً. 
فرجوع عبد الله بن أبي لا يعني أنه لم يبق أََحدٌ من المنافقين في غزوة أحد؛ لأن الذين رجعوا هم الذين كانوا مع عبد الله بن أبي، وقد لا يكون هو القائد بالنسبة لهؤلاء الذين رجعوا معه؛ لأن من عادة النبي ﷺ أنه لا يولي مثل هؤلاء على قيادة سواء صغرت هذه القيادة أم كبرت، فهذا هو المعهود في السنة وهو الذي مشى عليه الخلفاء الراشدون وهو حكم الإسلام فيهم -أي المنافقين- أي أنه لا يكون لهم ولاية إطلاقاً. 

فالحاصل أنه قد يكون الذين رجعوا مع عبد الله بن أبي هم أهل النفاق بحيث تجمعوا من أشتات الجيش من الأوس ومن الخزرج ورجعوا معه دون أن يكون قائداً لهم، فالمقصود: أنه يحتمل هذا ويحتمل هذا، فمثل ابن القيم يقول: ما كان معهم أحد من المنافقين أصلاً، فالمنافقون رجعوا وبقي أهل الإيمان.

فإذاً مَن هؤلاء الذين يقولون مثل هذا الكلام عند هذا القائل كالحافظ ابن القيم -رحمه الله؟ يقول: هم ضعفاء الإيمان، بينما كلام الحافظ ابن كثير هنا صريح في أنهم من المنافقين.

والمقصود أن الآية تحتمل هذا وتحتمل هذا، فقد يصدر ذلك من بعض ضعفاء الإيمان، وقد يكون في المؤمن وصف من أوصاف الجاهلية، كما هو معروف، فالنبي ﷺ قال لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية[1] فقد يوجد عند بعض ضعفاء الإيمان مثل هذا الظن، إلا أن مجموع الأوصاف التي ذكرت في هذه الآيات تشعر بأن هؤلاء من المنافين كما سيأتي، نحو قوله تعالى عنهم: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [سورة آل عمران:154].

قال: والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [سورة آل عمران:154] أي: إنما هم كذبة، أهل شك وريب في الله .

قوله: يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [سورة آل عمران:154] يعني ما يظنه أهل الجاهلية ويعتقدونه من أنهم بالتوقي والحذر وعدم الخروج إلى مظان الموت -مواطن القتال أو نحو ذلك- يدفعون عن أنفسهم الموت، فإذا حصل لهم مكروه جعلوا يتأسفون على هذا المصاب ويقولون: لو لم نخرج في هذا الوجه، وفي هذا السفر وفي هذا الغزو لما حصل لنا كذا وكذا، هذا ظن الجاهلية، فهؤلاء شابهوهم في هذا الظن، وهؤلاء الذين قتلوا أعني السبعين في يوم أحد ماتوا بآجالهم، أي لو لم يخرجوا ولو لم تكن معركة أحد ولو لم يأت المشركون أصلاً لمات هؤلاء جميعاً؛ لأن الموت شيء قد كتبه الله بأجل لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فليس المرض ولا القتل ولا غير ذلك يدني الأجل ولا الحذر يؤخره. 

وهذه الآيات وأمثالها جاءت لتعالج أدواء النفوس وما يقع من وساوس الشيطان، كما جاءت لتشجع أهل الإيمان للجهاد في سبيل الله وأن ذلك لا يقرب آجالهم كما أن التخاذل والتراجع وترك ما أمرهم الله به لا يدفع عنهم شيئاً مما قدره الله -تبارك وتعالى- وكتبه.

يقول الله تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ [سورة آل عمران:154] يعني أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله ولهذا قال: وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ [سورة آل عمران:154] يعني لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف، يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [سورة آل عمران:154] كما قال في الآية الأخرى: بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا [سورة الفتح:12] إلى آخر الآية. 

وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم يَقُولُونَ في تلك الحال: هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ [سورة آل عمران:154] قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [سورة آل عمران:154].

في هذا التساؤل: هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ [سورة آل عمران:154] يحتمل أن يكون المراد، هل لنا من أمر الله من النصر والظفر والظهور على العدو نصيب؟ وأقرب من هذا -والله تعالى أعلم- أن يكون المعنى: هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ أي: أنا خرجنا مكرهين أصلاً، قد سلبت إرادتنا فلم يكن لنا سبيل إلا التصرف والتوقي من مواطن الموت فوقع بنا ما وقع، فهم يقولون هذا على سبيل التذمر والإرجاف في الناس، وهذا من أسوأ ما يكون أي أن يقع بالناس أمر مكروه أو مصيبة فيبدأ الضعفاء ويبدأ أهل الإرجاف يتكلمون ويلومون ويغمزون القيادة ويطعنون فيها ولو كان هذا القائد نبياً من الأنبياء ولو كان أفضل الأنبياء، فهم يتكلمون في أوقات الشدائد وأوقات ضعف القبضة والهزيمة وما أشبه ذلك من الأوضاع يظهرون قرونهم. 

وكما قال الله : فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ [سورة الأحزاب:19]، وأما في وقت الخوف نفسه فإن هؤلاء في حال ربما لا يستطيعون معها الكلام كما قال الله : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [سورة محمد:20] ولك أن تتصور كيف ينظر المغشي عليه من الموت، إنه لا يحرك إلا عينيه فقط، فهؤلاء من شدة الخوف يخاف أحدهم أن يلتفت من هنا فيصاب من هنا، فهو لا يستطيع أن يلتفت قد تصلب عنقه، فهو فقط ينظر بعينيه يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [سورة محمد:20]

فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ [سورة الأحزاب:19] والسلق هو البسط والمعنى أنهم يطعنون فيكم وفي دينكم وفي كتابكم وفي ربكم، ويسمعونكم ما تكرهون، وهذا شيء منذ عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا، إذا وقعت المصائب والآلام والقضايا الكبار ظهر أهل النفاق وبدءوا يرجفون ويطعنون ويشككون كما هو مشاهد الآن.

قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَِ [سورة آل عمران:154] ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [سورة آل عمران:154] أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.

يلاحظ الآن أن الكلام يفسر بعضه بعضاً فقوله: يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ [سورة آل عمران:154] الأحسن أن تفسر -والله أعلم- بما ذكرت من أنهم يقولون: إنا خرجنا مكرهين، ولهذا قال بعده: إنهم يقولون: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [سورة آل عمران:154] فهم لا يعنون بقولهم: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ يعني من أمر الله من النصر والظفر وإنما المعنى أنهم يقولون: نحن سلبت إرادتنا فأخرجنا من غير إرادة فوقع لنا مثل هذا المصاب، وإلا كُنَّا توقينا الموت وأسبابه وبقينا في المدينة.

روى ابن إسحاق عن عبد الله بن الزبير -ا- قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم فما منَّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله أني لأسمع قول معتب بن قشير، ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، فحفظتها منه.

معتب بن قشير محسوب على المنافقين على هذا، لكن مثل روايات ابن إسحاق هذه لا يبنى عليها حكم؛ لأنها مما يذكر في السير والأخبار وربما يتساهل وإن كان إماماً في السير –رحمه الله- لكن مثل روايته عند المحدثين لا تكون من قبيل الصحيح، ففيه ضعف عند المحدثين، لأن السير يتساهل فيها، فإذا أردنا أن نبني حكماً أو عقيدة أو نحو ذلك، فمثل روايات ابن إسحاق لا يبنى عليها هذا. 

فالمقصود أنه لو ثبت هذا، فمعتب ابن قشير محسوب على المنافقين، فهذا يدل على أن المنافقين قد وجد بعضهم في غزوة أحد، ولم يرجع كلهم مع عبد الله بن أبي.

وفي ذلك أنزل الله: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [سورة آل عمران:154] لقول معتب [رواه ابن أبي حاتم].

إذا ثبت هذا بحيث كان له طريق آخر غير ابن إسحاق، فمثل هذا يدل على أن المنافقين قد خرجوا فعلاً يوم أحد، وأن هذا من قول المنافقين، وكما ذكرت سابقاً تتبع الآيات يدل على أن هذه الأشياء إنما صدرت من المنافقين، وستأتي بعض الآيات التي تدل على هذا.

قال الله تعالى: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [سورة آل عمران:154] أي: هذا قدر مقدر من الله وحكم حتم لازم لا يحاد عنه ولا مناص منه.

وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [سورة آل عمران:154] أي: يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال.

وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [سورة آل عمران:154] أي بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.

قوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني يختبر ما فيها من الإيمان والنفاق فيتكشف الناس، وتظهر حقائق مكنونات نفوسهم بادية للعيان.

قوله: وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ: أي ينقيها ويخلصها مما قد يشوبها من وساوس الشيطان فيبقى أهل الإيمان في حال قد نقُّوا فيه فيبقى إيمانهم الخالص ويرتفع عنهم كل شائبة وذلك بمثل هذه الشدائد التي يبتليهم الله بها، وهذا من فوائد هذه الوقعة وما حصل فيها من الانكسار لأهل الإيمان، وابن القيم -رحمه الله- ذكر حكماً كثيرة جداً ومنها هذه الأشياء التي ذكرها الله .

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ [سورة آل عمران:155] أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإن من جزاء السيئةِ السيئةَ بعدها.

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ [سورة آل عمران:155] أي: عما كان منهم من الفرار.

إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [سورة آل عمران:155] أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم.

قوله تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ [سورة آل عمران:155] نص واضح يدل على أن ذنوب الإنسان لا سيما ذنوب السرائر أعظم سبب يودي به إلى الفشل فيخذل في أشد الأوقات وأعظم الأحوال التي يحتاج فيها إلى ألطاف الله ، فهو يخذل وينكسر، كما أن من كان له سريرة وسيرة حسنة وعمل صالح، فإن الله ينصره، ومن عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، فالإنسان يحرص دائماً أن يرتبط بالله وأن يتعرف إلى الله في الرخاء فيعرفه الله في الشدائد، وهذا كما يقال في عموم الأمة ومجموعها، كذلك يقال في آحاد الناس وأفرادهم وما يقع لهم من الأمور المكروهة.

روى الإمام أحمد عن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين.

أبلغه أي بلِّغه أني لم أفر يوم عينين، ويوم عينين يعني يوم أحد، والمقصود بعينين هو الجبل الصغير الذي كان عليه الرماة، فهو يقال له: جبل الرماة، ويقال له: جبل عينين.

فقال له عبد الرحمن: أبغله أني لم أفر يوم عينين -قال عاصم: يقول: يوم أحد- ولم أتخلف عن بدر.

قوله: قال عاصم: يقول: يوم أحد، هذه جملة اعتراضية وهي تفسير لقوله: ”يوم عينين.

يقول عبد الرحمن: ولم أتخلف عن بدر يعني يقول: إنه لم يفر يوم عينين -يوم أحد- ولم يتخلف يوم بدر؛ وأما عثمان فتخلف عن غزوة بدر؛ لأنه كان يمرِّض زوجته بنت رسول الله ﷺ.

قال عاصم: يقول: يوم أحد، ولم أتخلف عن بدر ولم أترك سنة عمر.

قوله: ولم أترك سنة عمر، يعني في أمر الخلافة، وليس المقصود أن عثمان انتقل إلى جانب الظلم والخروج على حدود الله حاشاه من ذلك فهو من الخلفاء الراشدين وقال فيه النبي ﷺ: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم[2] لكن كان لعمر سياسة صارمة لا يطيقها كثير ممن جاء بعده، فهو كان -مثلاً- يخرج إلى خارج المدينة يتبع جملاً من إبل الصدقة قد ندَّ، فلم يكن يرسل أحداً وإنما كان يذهب يطارد جملاً قد ند وهو خليفة، فمن يستطيع هذا؟

ومن مواقفه  أنه أحدث على المنبر فيذكر ذلك صراحة ويقول: إني قد كذا، وينزل ويتوضأ ثم يرجع، فمن يستطيع أن يكون مثله.

وفي عام الرمادة تظهر عليه سمرة ويتغير لونه لتركه الأكل؛ لأن الناس قد جاعوا حتى إن بعض من وصفوا عمر وجدت في أوصافهم له تباين، فبعضهم يقول: إنه أبيض طويل، وبعضهم يقول: إنه أسمر، فجمع بينهما بعض أهل العلم بأن الذين قالوا أسمر هم الذين رأوه عام الرمادة وقد مال لونه إلى السواد؛ لشدة ما نزل به من الجوع، فمن يستطيع أن يفعل مثل عمر؟ ومن يستطيع أن يلبس ثوباً فيه أكثر من عشر رقاع مثل عمر؟

كان إذا قسم يعطي لابنه عبد الله أقل من بقية أبناء المهاجرين بحجة أنه هاجر مع أبيه فحصلت له الهجرة على سبيل التبع، فعثمان اعتذر عن هذا وقال: هذا شيء لا أطيقه، وهل يجب على الإنسان أن يفعل هذا؟ لا يجب عليه، ولذلك حتى معاوية في أول خلافته حاول أن يسير بالناس بسيرة عمر نحواً من عامين ثم بعد ذلك قال: عجزت.

قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان، قال: فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ [سورة آل عمران:155] وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله: إني تركت سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدثه بذلك.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ [سورة آل عمران:156-158].

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ [سورة آل عمران:156] أي: عن إخوانهم.

ابن كثير هنا -رحمه الله- وكذلك سبقه كبير المفسرين ابن جرير على أن قوله تعالى: لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ في الكفار كما قال الله : يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [سورة آل عمران:154]، وظنُّ أهل الجاهلية هو أنهم بالتوقي يتخلصون من أقدار الله ، فعلى هذا التفسير يذكر الله  هنا ظن هؤلاء من أهل الجاهلية -الذين هم الكفار- أنهم قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، بمعنى أنهم يمكن أن يدفعوا القدر بزعمهم، فهذا تفسير لظن الجاهلية، وهذا على قول الإمامين ابن جرير وابن كثير.

بينما بعض أهل العلم مثل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمة الله عليه- يقول: إن هذا في المنافقين فلا زالت الآيات تتحدث عن هؤلاء المنافقين، على أن قوله: لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ [سورة آل عمران:156] أي المنافقين الذين هم كفار في الباطن، إلا أنه ليس المتبادر في القرآن إذا ذكر الكفار أن يقصد بهم أهل النفاق، ومع ذلك فهو يرى أن هذا في المنافقين. 

ويقول: هذا دأبهم وهي عادتهم، الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [سورة آل عمران:168] فهم تخلفوا عن رسول الله ﷺ، وقالوا مثل هذه المقولة، وهم يقولون ذلك لتثبيطهم كما قالوا في غزوة تبوك، وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ [سورة التوبة:81] فهذه عادة المنافقين الذين قال الله عنهم في الأحزاب: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الأحزاب:18] كما قال الله : وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا [سورة النساء:72].

فالحاصل أن هذه الآيات في المنافقين ومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [سورة آل عمران:156] والله أعلم.

وقوله تعالى: إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أي إذا خرجوا في سفر للتجارة ضربوا في الأرض، وقوله: أَوْ كَانُواْ غُزًّى يعني إذا خرجوا للحرب، ولفظة ”غزَّى“ لا يلزم فيها أن تكون غزوة مع رسول الله ﷺ على أن الذي خرج فيه النبي ﷺ يكون غزوة والذي لم يخرج فيه مع أصحابه يقال له: سرية، وبقية الحروب مثلاً يقال لها: معارك، فهذا اصطلاح لا بقصد القرآن.

وعلى كل حال إذا قلنا: إن هذه الآية في أهل النفاق يكون ذلك تابعاً للآيات الأولى التي يذكر فيها الله موقف المنافقين في يوم أحد، والله تعالى أعلم.

إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أي: سافروا للتجارة ونحوها أَوْ كَانُواْ غُزًّى أي: كانوا في الغزو لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا أي: في البلد مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ أي: ما ماتوا من السفر وما قتلوا في الغزو.

وقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم؛ ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم.

هنا الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذكر المعنى، لكن لو أردنا أن ندقق في العبارة فنربط هذا الكلام: لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ بما قبله من الكلام نجد أنه يرجع إلى {قالوا من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ [سورة آل عمران:156] أي وقالوا هذه المقالة ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم، وهذا هو الأقرب وهو المتبادر والله أعلم، وهو لا يعارض كلام ابن كثير؛ لأن ابن كثير ذكر المعنى ولم يقصد بذلك ربط اللفظ باللفظ، وما مشى عليه ابن كثير وما ذكره من جهة المعنى هو الأقرب وهو اختيار أبو جعفر بن جرير رحمه الله.

وبعض أهل العلم يقول: إن قوله: لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ يرجع إلى قوله: لاَ تَكُونُواْ فهو نهي عن مشابهتهم، أي لا تكونوا مشابهين لهم لينفردوا بذلك فيكون ذلك حسرة في قلوبهم وحدهم دونكم؛ لأن من قال هذا فإن ذلك يكون حسرة عليه، كما قال النبي ﷺ: فإن لو تفتح عمل الشيطان[3]، ولا شك أن هذا المثال من المواضع التي يذم فيها ”لو“ خلافاً لبعض المواضع كقوله ﷺ: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة[4] فمثل هذا لا إشكال فيه إذا كان على أمر من الطاعات قد فات أو كان ذلك لبيان أمر من الأمور يحتاج الناس إلى بيانه، فيقول الإنسان: لو كان كذا لفعلت كذا، لا على سبيل التحسر في الأمور التي لا جدوى من التحسر عليها ولا فائدة ولا يمكن استردادها واستدراكها، فإذا كان لهذا المعنى فلا إشكال في ”لو“ وبهذا تُجمع النصوص.

وعلى كل حال هنا يمكن أن يقال: إن قوله: لاَ تَكُونُواْ يرجع إلى هذا، بمعنى لا تكونوا مثلهم أو لا تلتفتوا إليهم ليكون ترك الالتفات إليهم سبباً للحسرة في قلوبهم، لكن هذا القول بعيد، والأقرب -والله أعلم- أنه يرجع إلى قَالُواْ أي أن هذا قول ناتج عن اعتقاد لهم، ليكون ذلك القول والاعتقاد الفاسد حسرة في قلوبهم، فإن من فسد اعتقاده وكان يظن أنه يمكن أن يدفع القدر يتحسر على كل ما وقع له من الآلام والمصائب والمكاره، ودائماً هو في شغل شاغل فيما مضى مما يقع له، لو ما فعلت كان حصل كذا، وهكذا..

لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [سورة آل عمران:156] أي: خلق هذا الاعتقاد في قلوبهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم.

ثم قال تعالى رداً عليهم: وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [سورة آل عمران:156] أي: بيديه الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيى أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه إلا بقضائه وقدره.

وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سورة آل عمران:156] أي: وعلمه وبصره نافذ في جميع خلقه لا يخفى عليه من أمورهم شيء.

وقوله تعالى: وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [سورة آل عمران:157].

تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضاً وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني.

ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله فيجزيه بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فقال تعالى: وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ [سورة آل عمران:158].

في قوله تعالى: وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ المتبادر أن المراد بقوله: أَوْ مُتُّمْ -والله تعالى أعلم- أي متم في سبيل الله، يعني من خرج غازياً فلم يقتل في المعركة ولكنه مات لسبب أو لآخر، إما أنه مرض أو سقط أو أنه أصيب في المعركة لكنه لم يمت فيها ثم بعد ذلك سرت جراحته ثم بعد ذلك مات، فهذا لا يكون شهيد معركة، فمثل هؤلاء جميعاً يقول الله فيهم: لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ [سورة آل عمران:157].

كما أن الآية تحتمل شيئاً آخر وهو اعتبار الأمرين المذكورين في قوله: إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى [سورة آل عمران:156] فإذا ضربوا في الأرض بأن سافروا للتجارة أو نحو ذلك وماتوا، أو كانوا غزَّىً فقتلوا فمغفرة الله ورحمته خير مما يجمعون، وفي القراءة الأخرى: (خير مما تجمعون) وتنكير المغفرة هنا يدل على عظمتها.

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الأدب - باب ما ينهى من السباب واللعن (5703) (ج 5 / ص 2248) ومسلم في كتاب الأيمان - باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه (1661) (ج 3 / ص 1282).
  2. أخرجه الترمذي في كتاب المناقب – باب في مناقب عثمان بن عفان (3701) (ج 5 / ص 626) والحاكم (4553) (ج 3 / ص 110) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي برقم (3701).
  3. أخرجه مسلم في كتاب القدر- باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (2664) (ج 4 / ص 2052).
  4. أخرجه أبو داود في كتاب المناسك - باب صفة حجة النبي ﷺ (1907) (ج 2 / ص 122) والنسائي في كتاب مناسك الحج - الكراهية في الثياب المصبغة للمحرم (2712) (ج 5 / ص 143) وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (1905).

مواد ذات صلة