الثلاثاء 03 / ربيع الأوّل / 1442 - 20 / أكتوبر 2020
‏ [10] من قول الله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} الآية:38 إلى قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} الآية:40‏
تاريخ النشر: ٢٧ / ذو القعدة / ١٤٣٢
التحميل: 5546
مرات الإستماع: 17679

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى:

وقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [سورة الأحزاب:37]، أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك؛ لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة ، فكان يقال له: "زيد بن محمد"، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُم إلى قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، ثم زاد ذلك بياناً وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش -رضي الله عنها- لما طلقها زيد بن حارثة ؛ ولهذا قال تعالى في آية التحريم: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم [سورة النساء:23]، ليحترز من الابن الدَّعِي؛ فإن ذلك كان كثيراً فيهم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقول الله -تبارك وتعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ هذا دليل واضح على أن النبي ﷺ يشترك مع الأمة في الخطاب -خطاب التشريع- إلا لدليل يخصه، يعني الأصل عدم الاختصاص، فإن خطاب الشارع متوجه إليه -عليه الصلاة والسلام، فمن قال غير ذلك فعليه الدليل، قال: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا، الوطر بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، والمقصود هنا أنه حصل له نكاحها والدخول بها، فلم يبق له بها حاجة، قضى منها وطراً، وبعضهم يفسر ذلك بالطلاق، والأول -والله تعالى أعلم- أقرب.

قال: وقوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدّره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب -رضي الله عنها- في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.

وهذا قد يكون قرينة لقول من قال: إن أمْر الله فيما قبله إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا [سورة الأحزاب:36]، أن المقصود بذلك الأمر الكوني، ولكن ظاهره يشمل الشرعي والكوني، ما كان من الشرعي من قبيل الخبر، وما كان من قبيل الطلب، لكن الأمر الكوني لا يستبعد من تفسيره، لا يستبعد من معناه، وإنما هو داخل فيه، وقول الله : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا هذا في الأمر القدري.

مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا[سورة الأحزاب:38].

يقول تعالى: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب -رضي الله عنها- التي طلقها دَعِيُّه زيد بن حارثة .

والفرض يأتي أيضاً لمعانٍ منها التقدير، التقدير فيما قدر الله، فيما أباح له.

وقوله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي: هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حَرج، وهذا رَدٌّ على مَنْ تَوَهَّم مِن المنافقين نقصاً في تزويجه امرأة زيد مولاه ودَعيه، الذي كان قد تبناه.

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، هذا متعلق بما قبله مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، فسنته -تبارك وتعالى- في الأنبياء قبله أنه لم يكن ليؤثمهم فيما أمرهم به أو فيما شرعه لهم.

وقوله: سُنَّةَ اللَّهِ يمكن أن يكون بمعنى حقاً من الله، ويمكن أن يكون النصب على نزع الخافض يعني: كسنة الله، ويمكن أن يكون ذلك على الإغراء: الزموا سنة الله.

إذا قيل بأنه بمعنى حقاً على الله، يعني يكون المعنى كأنه قال: فعلنا ذلك سنة منا، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، سُنَّةَ اللَّهِ فعلنا ذلك سنة منا.

وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا أي: وكان أمره الذي يقدِّره كائنًا لا محالة لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

القدَر بعضهم يفسره بإيجاد الشيء على صفة وكمية ووقت محدد، هذا القدَر، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، فيقولون: إنه مشتق من القدْر وهو الكمية المضبوطة المحددة، فالله -تبارك وتعالى- أعلم بما كان وما يكون، وشاء وأراد ذلك وكتبه وخلقه، فهذه مراتب القدر الأربع، يعني لابد من وقوعه.

فهو إيجاد الشيء بصفة وكمية ووقت محدد، وبعضهم يقول: إنه مأخوذ من القدْر وهو الكمية المضبوطة المحددة، ولما كان من لوازم هذا المعنى أن يكون مضبوطاً محكماً كثرت الكناية بذلك، يعني بالقدر وإتقان.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ۝ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا[سورة الأحزاب:39، 40].

يمدح -تبارك وتعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها.

يعني الآن هذا المدح الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ، هذا يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله: الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، يتعلق به الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ، ويحتمل أن يكون في محل نصب على المدح، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ، يعني: الله -تبارك وتعالى- كأنه يقول: أعني الذين يبلغون رسالات الله، فيكون مفعولاً به، في محل نصب مفعول به، سيق للمدح، لمدحهم والثناء عليهم، ويحتمل أن يكون في محل رفع، هم الذين يبلغون رسالات الله.

وَيَخْشَوْنَهُ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله.

الخشية أخص من الخوف، والخشية: هي خوف مع علم من المخوف منه.

وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً، وسيد الناس في هذا المقام -بل وفي كل مقام- محمد رسول الله ﷺ.

يعني قوله: حَسِيبًا يمكن أن يكون من الحسْب الذي هو الكفاية، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ [سورة الأنفال:64] أي: كافيك، ويمكن أن يكون قوله: حَسِيبًا أي: محاسباً على الأعمال، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا، وأيهما أقرب إلى السياق وأليق به؟ أن يكون ذلك بمعنى الكفاية، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ؛ وذلك لكمال توكلهم وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا أي: كافياً يكفي من اتقاه وخافه ولم يخشَ أحداً سواه.

قال: فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بُعث إلى جميع الخلق عَرَبهم وعجمهم، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف:158]، فكان أعلى مَنْ قام بها بعده أصحابُه ، بلّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحَضَره وسفره، وسره وعلانيته -فرضي الله عنهم وأرضاهم، ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خَلَفهم.

يعني الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ إذا قلنا: إنه يتعلق بما سبق من قوله: فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ يعني: الرسل -عليهم الصلاة والسلام، فمَدَحهم بأنهم يبلغون رسالات الله، فهذا المدح هنا وإن كان للرسل -عليهم الصلاة والسلام- فكذلك ينبغي أن يكون أتباعهم، فيكون لأتباعهم من المدح بحسب ما يكون لهم من تحقيق هذا الوصف، وقد ذكر الشاطبي -رحمه الله- أن كل ما كان للأنبياء قبل النبي ﷺ من المزايا وما اختصهم الله به وأعطاهم وحباهم فإن للنبي ﷺ من ذلك نصيب، وأن ما أعطى الله نبيه ﷺ فلأمته منه نصيب، ومثل هذه الصفة هي مطلوبة فيمن يبلغون رسالات الله، أن يكونوا من أهل خشيته، يخشونه، ويبلّغون الحق المبين، ولا يخشون أحداً إلا الله.

وقوله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، نَهى أن يقال بعد هذا: "زيد بن محمد" أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه ﷺ لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة -رضي الله عنها- فماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضاً رضيعاً، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة -رضي الله عنهن أجمعين، فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به ﷺ، ثم ماتت بعده لستة أشهر.

يعني قد يرد سؤال: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، أن النبي ﷺ كان له أولاد؟

فالجواب -مما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ضمناً: أن هؤلاء ماتوا جميعاً وهم صغار لم يبلغوا مبلغ الرجال.

وقد يقول قائل: والحسن والحسين، وقد قال النبي ﷺ: إن ابني هذا سيد[1] وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ [سورةالأنعام:84] إلى أن قال: وَعِيسَى [سورة الأنعام:85]، وهو ابن بنت، وأما الذين يمنعون ويحتجون بقول الشاعر:

بنُونا بنُو أبنائِنا وبناتُنا بنوهنّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ

فهذا لا عبرة به، فابن البنت ابن، فهل يقال هنا: إن الحسن والحسين يرِد على هذا في قوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ؟ فيمكن أن يقال في الجواب: إنه أضاف ذلك إليهم مِنْ رِجَالِكُمْ والمقصود هو إبطال التبني.

وقوله تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا كقوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [سورة الأنعام:124].

الخاتَم بالفتح هو الطابع، وبالكسر الخاتِم هو فاعل الختم.

فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة .

روى الإمام أحمد عن أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لَبنة لم يَضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تمَّ موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة[2]، ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي، قال: فشَقّ ذلك على الناس فقال: ولكن المبشرات، قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة[3]، وهكذا رواه الترمذي وقال: صحيح غريب.

حديث آخر: روى أبو داود الطيالسي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لَبنة، فكان مَنْ دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة! فأنا موضع اللبنة، خُتم بي الأنبياء -عليهم السلام[4].

ورواه البخاري، ومسلم، والترمذي، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.

حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً فأتمها إلا لَبنَة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة[5]، انفرد به مسلم.

حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأكملها وأجملها، إلا موضع لَبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وَضَعْتَ هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟!، قال رسول الله ﷺ: فكنت أنا اللبنة[6] أخرجاه.

حديث آخر: رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ قال: فُضلت على الأنبياء بست: أعْطِيتُ جوامع الكلم، ونُصِرْتُ بالرعب، وأحِلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون[7]، ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى داراً فأتمها إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة[8]، ورواه مسلم.

حديث آخر: عن جبير بن مطعم ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي[9] أخرجاه في الصحيحين، والأحاديث في هذا كثيرة.

وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسولُه ﷺ في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل مَن ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تحرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنَّيرنجيَّات، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله  على يد الأسود العَنْسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما عَلم كل ذي لب وفهم وحِجًا أنهما كاذبان ضالان -لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يُختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب ما جاء به، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ ۝ تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الآية [سورة الشعراء:221، 222]، وهذا بخلاف الأنبياء -عليهم الصلاة السلام، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيَّدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائماً مستمراً ما دامت الأرض والسماوات.

هذا يتصل بإبطال التبني، والموضوعات كما سبق مترابطة، كل ذلك كان بعد وقعة الأحزاب، حتى ما سيأتي من قوله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [سورة الأحزاب:41]، له نوع ارتباط بما قبله، وموضوع التبني: أشير إلى أمر يتصل بزيد بن حارثة ، وهو الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن، فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا

يعني هل النسب الشريف نسب النبي ﷺ تأثر بهذا؟ أبداً، والله المستعان، وهذه العصبيات في كل مكان، تذهب إلى الأعاجم، أعاجم لا ترى فرقاً في الصورة ولا في الأخلاق ولا في الطبائع ولا شيء، أعاجم في بلاد متقاربة أو في البلد الواحد أحياناً، هؤلاء من أصول كذا، وهؤلاء من أصول كذا، هؤلاء يحتقرون هؤلاء، وهؤلاء يحتقرون هؤلاء، هؤلاء لا يزوجون هؤلاء، وهؤلاء لا يزوجون هؤلاء، على ماذا، هذا النسب القرشي؟! أعاجم، هذا الفخر على أي شيء، على العجمة؟! ولا ترى فرقاً لا في الصورة ولا في طبائع الناس، الشعوب هذه متقاربة، أحياناً في بلد واحدة، لكن هؤلاء من أصول كذا، وهؤلاء من أصول كذا، ويحتقرونهم ولا يرونهم شيئاً، فهذا كله خطأ، وهذا كثير في الأعاجم، وليس عند العرب فقط.

  1. رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3430)، وبرقم (3536)، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين -رضي الله عنهما.
  2. رواه الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله ﷺ، باب في فضل النبي ﷺ، برقم (3613)، وأحمد في المسند، برقم (21244)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5857).
  3. رواه الترمذي، كتاب الرؤيا عن رسول الله ﷺ، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، برقم (2272)، وأحمد في المسند، برقم (13824)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير المختار بن فُلفُل، فمن رجال مسلم"، وصححه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، (8/ 128)، تحت حديث رقم (2473).
  4. رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين، برقم (2287)، وأحمد في المسند، برقم (14888)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وأبو داود الطيالسي في مسنده، برقم (1785).
  5. رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين، برقم (2287)، وأحمد في المسند، برقم (11067)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  6. رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين، برقم (2286)، وأحمد في المسند، برقم (8116)، وقال محققوه: " إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  7. رواه مسلم، في بداية كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (523)، والترمذي، كتاب السير عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الغنيمة، برقم (1553)، وأحمد في المسند، برقم (9337).
  8. رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، برقم (6852)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين، برقم (2287)، وأحمد في المسند، برقم (11067)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  9. رواه البخاري، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، برقم (3339)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في أسمائه ﷺ، برقم (2354)، واللفظ له.

مواد ذات صلة