الثلاثاء 03 / ربيع الأوّل / 1442 - 20 / أكتوبر 2020
‏ [3] من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} الآية:9 إلى قوله تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} الآية:17‏
تاريخ النشر: ١٩ / ذو القعدة / ١٤٣٢
التحميل: 5165
مرات الإستماع: 3435

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ۝ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [سورة الأحزاب:9، 10].

يقول تعالى مخبراً عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور، وقال موسى بن عُقْبة وغيره: كانت في سنة أربع.

وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفراً من أشراف يهود بني النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، منهم: سلام بن أبي الحُقَيْق، وسلام بن مِشْكَم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش، وأَلّبوهم على حرب رسول الله ﷺ ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضاً، وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيَينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسي ، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله ﷺ التراب وحفَرَ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات.

وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريباً من أحد، ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف، وقيل: سبعمائة، فأسندوا ظهورهم إلى سَلْع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفة من اليهود- لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي ﷺ وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل فذهب إليهم حُيَيّ بن أخطب النَّضري فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالئوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فعَظُم الخَطْب واشتد الأمر، وضاق الحال، كما قال الله تعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا [سورة الأحزاب:11].

ومكثوا محاصرين للنبي ﷺ وأصحابه قريباً من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري -وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية- ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله ﷺ خيل المسلمين إليه، فيقال: إنه لم يبرز إليه أحد، فأمر علياً فخرج إليه، فتجاولاً ساعة، ثم قتله علي ، فكان علامة على النصر.

ثم أرسل الله على الأحزاب ريحاً شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبقَ لهم خيمة ولا شيء ولا تُوقَد لهم نار، ولا يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا قال مجاهد: وهي الصّبا، ويؤيده الحديث الآخر: نُصرتُ بالصّبا، وأهلكتْ عاد بالدبور[1].

وقوله: وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا، قول الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا في تاريخ الخندق: وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور، هذا الذي اختاره الحافظ ابن القيم -رحمه الله، والقول الآخر قول موسى بن عقبة هو المنقول عن الإمام مالك، وبه قال ابن حزم، والمشهور هو الأول، وهؤلاء الجنود الذين ذكرهم الله هم قريش ومن معها ممن تابعها كأشجع وفزارة وبني مرة وغطفان وبني أسد وبني سليم، كل هؤلاء خرجوا معهم، وكانوا قريباً من عشرة آلاف.

وقوله هنا: وجعل النساء والذراري في آطام المدينة يعني: الحصون، وقول النبي ﷺ: نُصرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدبور الصبا: التي تأتي من قبل المشرق، والدبور هي التي تأتي من قبل المغرب.

قال: وقوله: وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا هم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليَّ، فيجتمعون إليه فيقول: النجاء، النجاء، لِمَا ألقى الله في قلوبهم من الرعب.

روى مسلم في صحيحه عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما، فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله ﷺ، قاتلتُ معه وأبليتُ، فقال له حذيفة: أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رَأيتُنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقُرّ، فقال رسول الله ﷺ: ألا رجل يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة؟، فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله، ثم قال ﷺ: يا حذيفة، قم فأتنا بخبر من القوم، فلم أجد بدَّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: ائتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم عَلَيّ...

لا تذْعَرهم عليّ يعني: الذعر هو الخوف والفزع، لا تذعرهم علي يعني: لا تتصرف وتعمل ما من شأنه أن ينفروا منك ويقبلوا عليّ، يعني بعبارة أوضح: لا تستفز القوم، لا يصدر منك ما يستفزهم، ويحرك نفوسهم فيقبلوا عليّ.

قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمّام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يُصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كَبِِد قوسي، وأردت أن أرميَه، ثم ذكرتُ قولَ رسول الله ﷺ: ولا تَذْعَرْهم عَلَيَّ، ولو رَمَيْته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في حَمّام، فأتيت رسول الله ﷺ، ثم أصابني البرد حين فَرَغتُ وقررْتُ...

يعني بردت.

قال: فأخبرتُ رسول الله ﷺ، وألبسني من فضل عَبَاءَة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله ﷺ: قم يا نومان[2].

وقوله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي: الأحزاب وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ تقدم عن حذيفة أنهم بنو قريظة.

قوله: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ قال: يعني الأحزاب مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فسره مجاهد بأن المقصود مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: من أعلى الوادي، وأن غطفان جاءوا من تلك الناحية من أعلى الوادي، يعني بينهم وبين المدينة الوادي من الناحية الشرقية نزلوا بمكان يقال له: ذنب نقماء، وهو وادٍ هناك، جاءوا من الناحية الشرقية، وجبل أحد من الناحية الشمالية، بينهم وبين المدينة الوادي، وهناك أودية تجتمع فيما يسمى مجمع الأسيال، فتجد من ناحية الشرق اليوم يعرف بوادي العاقول، يأتي قريباً من حرة النار، وإذا نظرت إلى جبل الرماة تجد الوادي الذي كان عنده أصحاب النبي ﷺ الذين يحمون ظهورهم ونحو ذلك يحمونهم من جهة الوادي قريباً من جبل الرماة يمر به، فهذا من فروع تلك الأودية في تلك الناحية، ثم تتجه وتجتمع في مجمع الأسيال.

فالحاصل أن مجاهد -رحمه الله- فسر قوله: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: من أعلى الوادي من جهة الشرق إلى جانب أحد، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: تقدم عن حذيفة أنهم بنو قريظة، وبنو قريظة كانوا في ناحية في شرقي المدينة، يعني جهة ما يسمى اليوم بالحرة الشرقية، ولا زال العامة يقولون لها: قريظة، وهذا قول الحافظ ابن كثير -رحمه الله. 

قال: تقدم عن حذيفة، هو حديث حذيفة، لم يكن تفسيراً لقوله: وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ولكنه ساق الحديث في نقض قريظة للعهد مع رسول الله ﷺ، وإلا فإن مجاهد وابن جرير -رحمه الله- فسروا قوله: وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أنها قريش، الذين نزلوا بمجمع الأسيال، لم يكن بينهم وبين المدينة حاجز من الحواجز الطبيعية، يعني لم يكن هناك وادٍ مثلاً بينهم وبين المدينة، فحفر النبي ﷺ الخندق كما سبق، وهذا المكان الذي نزلوا فيه بمجمع الأسيال تجدون في كتب السيرة وفي غيرها يقولون: بين الجر والغابة، وفي بعضها الجرف ورغابة، وفي بعضها الجوب وزغابة، بعضهم يقول: المراد..، يعني يرجح واحداً منها، وبعضهم يقول: هذه أماكن متعددة ليست مكاناً واحداً، والمسألة تحتاج إلى تحرير، وهي قضية يسيرة لا يترتب عليها شيء، فهؤلاء قريش نزلوا بمجمع الأسيال، مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ.

قال: وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ أي: من شدة الخوف والفزع، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا.

وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ الزيغ: هو الميل عن حد الاعتدال والاستواء، بحيث إن البصر لا يستطيع صاحبه أن يصوبه وأن يوجهه إلى ما يريد، فيميل عن مقصوده، ينحرف عن مراده من شدة الخوف كما قال الله في أحوال الآخرة وأهوال القيامة بأن البصر أيضاً يحصل له شيء من هذا، يشخص، فهنا زَاغَتِ الأبْصَارُ بحيث لا يستطيع الإنسان أن يصوبه فينظر ويرى ما يريد، يعني لا يستطيع أن يتحكم ببصره من شدة الخوف والفزع، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وهي جمع حنجرة كما هو معروف، منتهى الحلقوم.

قال: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، قال ابن جرير: ظن بعض مَنْ كان مع رسول الله ﷺ أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.

وقال محمد بن إسحاق في قوله: وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا: ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق حتى قال مُعَتّب بن قشير -أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يَعِدُنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.

وقال الحسن في قوله : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن رَوْعاتنا، قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح[3]، وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي عامر العقدي.

هذا الحديث فيه ضعف، وقوله -تبارك وتعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا لعل من أحسن ما يفسر به -والله أعلم- ما قاله الحسن -رحمه الله: والمراد أن ظنونهم تفرقت، فأهل الإيمان ظنوا بالله خيراً وأنه ناصرهم، كما قال الله عنهم فيما سيأتي: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [سورة الأحزاب:22]، كان هذا قول أهل الإيمان، وأهل النفاق ظنوا الظنون السيئة، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا، فهذه ظنون متفرقة بالله -تبارك وتعالى، هذا المراد، والله أعلم.

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ۝ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ۝ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا [سورة الأحزاب:11-13].

يقول تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم: أنهم ابتُلوا واختُبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا، أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حَسَكَة ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال.

الحَسَكَة يعني: الضغينة، تقول: فلان في نفسه حسكة يعني ضغينة، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ، بعضهم يقول: الذي قال هذا طعمة بن أبيرق ومعتّب بن قشير، وهذا يتصل بموضوع المبهمات، وقد مضى الكلام عنه في بعض المناسبات، وأن ذلك في الغالب لا يترتب عليه شيء.

قال: وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني: المدينة، كما جاء في الصحيح: أُرِيتُ في المنام دارَ هجرتكُم، أرض بين حَرّتين فذهب وَهلي أنها هَجَر، فإذا هي يثرب[4]، وفي لفظ: المدينة[5].

هنا في قوله: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني: طائفة من المنافقين، وكثيرون يقولون: إن قائل ذلك هو أوس بن قيظيّ من بني حارثة، وبعضهم يقول: إن القائل هو عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، وجماعة من المنافقين قالوا هذا، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ وجاءوا بالاسم الجاهلي، لمّا جد الجد ظهر نفاقهم ونسوا ما هنالك، نسأل الله العافية.

قال: ويقال: إنما كان أصل تسميتها "يثرب" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيد بن مهلاييل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، قاله السهيلي.

يعني بينه وبين إرم بن سام بن نوح خمسة، عبيد ومهلاييل وعوص وعملاق ولاوذ.

قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها في التوراة أحد عشر اسماً: المدينة، وطابة، وطيبة، والمسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة.

هذا ذكره السهيلي وغيره، ولكن هل يقال: إنها تسمى بهذا وليس عندنا ما يثبت ذلك؟ إنما تسمى بالأسماء المعروفة التي سماها بها النبي ﷺ، أو ما جاء في القرآن باعتبار أنه أسماء، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ [سورة الحشر:9] جعله بعضهم من أسماء المدينة، يعني الدار، أما باقي هذه الأسماء كالمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة، هل نقول: الآن نسمي المدينة بهذه الأسماء؟ الجواب: لا، فهذا من بني إسرائيل التي لا نصدقها ولا نكذبها.

قال: وقوله: لا مُقَامَ لَكُمْ أي: هاهنا، يعنون عند النبي ﷺ في مقام المرابطة.

هذا يثرب، تقرءون في التواريخ مجيئه إلى المدينة، ويذكرون أشياء الله أعلم بها من أنه آمن بالنبي ﷺ لما أخبره أحبار اليهود أن هذا مهاجر الرسول الذي سيبعث، وأنه كتب في ذلك كتاباً، إلى غير ذلك مما يذكرون، وإذا قرأتم في بعض الأماكن المجاورة للمدينة أحياناً تجدون ذلك يرجع إلى هذا الرجل في سبب تسميتها.

قال: فَارْجِعُوا أي: إلى بيوتكم ومنازلكم، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ قال العوفي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السُّراقَ، وكذا قال غير واحد.

وذكر ابن إسحاق: أن القائل لذلك هو أوس بن قَيظيّ، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عَورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ أي: ليست كما يزعمون، إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا أي: هَرَبًا من الزحف.

قوله: وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، بعضهم يقول: إن هؤلاء من بني حارثة من الأنصار، بنو حارثة وبنو سلمة باعتبار أن منازلهم كانت خارج الخندق، يعني لم يكن الخندق يحيط بها، وإنما كانت خارجه، فيقولون: إنها عورة، والعورة هو الشيء الذي يحترز له ويتخوف عليه، أو من ناحيته كالثغور المتاخمة للعدو يقال لها: عورات، فيقولون: إن بيوتنا عرضة للنهب والسُّراق، فنريد أن نحرسها وأن ندافع عنها، وهم يريدون بذلك الفرار، إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ قال: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ التعبير بالمضارع هنا يدل على التكرار، وأن هذا يتكرر منهم، كأنهم يكثرون منه ويلحون عليه.

وقال: ذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي، وهذا من بني حارثة، فهم يخشون عليها منهم، يعني من السُّراق، يعني أن بيوتنا سائبة ضائعة ليس هناك ما يدفع عنها أو يحميها أو يحفظها.

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا ۝ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ۝ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [سورة الأحزاب:14-17].

يخبر تعالى عن هؤلاء الذين يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا: أنهم لو دَخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقُطْر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعاً، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع.

هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير.

وبعضهم يقول كالضحاك: إن المقصود بالفتنة سُئِلُوا الْفِتْنَةَ يعني القتال للعصبية، وبعضهم يقول: يعني الوقيعة بين المسلمين، ونشر قالة السوء كما هي عادتهم، والإرجاف، والإيقاع بين أهل الإيمان يبغونهم الفتنة، فهم لا يترددون ولا يتأخرون، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا، ما فسره به ابن جرير -رحمه الله- ومن قال بقوله: أن المراد بذلك الكفر هو الأقرب -والله تعالى أعلم، ويكون المراد أن الأحزاب لو دخلوا المدينة لتحول هؤلاء عن دينهم الذي أظهروه وهو الإسلام إلى الكفر وارتدوا على أدبارهم، موافقين لهؤلاء الغزاة الذين دخلوا المدينة.

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا يعني: المدينة، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا، في قراءة نافع وابن كثير لأتوها من الإتيان، والأول من الإيتاء بمعنى الإعطاء يعني أنهم يكفرون، وهنا يأتون الفتنة يعني راغبين، وهذا ظاهر في النفاق؛ لأنهم غير مؤمنين في الباطن فهم مع من غلب من أجل أن يحرزوا أموالهم ودماءهم، وليس من شأنهم حفظ الدين أو الدفاع عنه، وليسوا من أهل الثبات على الحق، ولهذا قال: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا، بعضهم يقول: أي المدينة، وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا الضمير يرجع إليها، يعني بعد إعطاء الكفر فإن الله يهلكهم، وهذا قال به جماعة من السلف كالحسن واختاره بعض أهل المعاني كالفراء، وَمَا تَلَبَّثُوا أي: المدينة، أن الله لا يقرهم ولا يبقيهم بل يهلكهم بعد كفرهم وردتهم. 

وعامة المفسرين يقولون: وَمَا تَلَبَّثُوا يعني: في إعطاء الكفر، بمعنى أنهم لا يتأخرون بل يبادرون ويسارعون بمجرد ما يطلب منهم ذلك، أو بمجرد دخول الأعداء المدينة، واقتحامهم لها، فلا يحتبسون عن ذلك ولا يحصل منهم تردد ولا تأخر وإنما يبادرون، بعضهم قال: إن المقصود بذلك الإيقاع بين المؤمنين، من فسر الفتنة بهذا قال: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا يعني: أنهم يسارعون في الفتنة، في إذكاء العداوة بين أهل الإيمان والإيقاع بهم، وإلقاء الأراجيف وما أشبه ذلك، لو طُلب منهم ذلك، ولا يعتذرون بأن بيوتهم عورة، يعني ينشطون في مثل هذه المقامات فيجدون أنفسهم فيها؛ لأن ذلك من شأنهم وعادتهم وأخلاقهم، -نسأل الله العافية.

وقوله: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا يحتمل أن المقصود أن الله يهلكهم ولا يبقون، وذِكْر القليل يعني وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا، هذا اليسير هل المقصود فعلاً أنهم يبقون مدة قليلة، وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا؟ إذا قلنا الإهلاك يعني ما يكون بقاؤهم إلا مدة قليلة، وبعضهم يقول: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا يعني إعطاء الفتنة أنهم لا يتأخرون ولا يترددون وإنما يبادرون، فذكر اليسير هنا والقليل من قبيل التهكم كما يعبر ابن عاشور، وكثيراً ما يذكر القليل واليسير ونحو ذلك ويكون كالعدم، والعرب تعبر بذلك أحياناً عما يكون كالعدم أو ما يشبه العدم.

قال: وهذا ذم لهم في غاية الذم.

ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، ألا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف، وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا أي: وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لابد من ذلك.

متى كان هذا وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ؟ يعني قبل الخندق وبعد بدر، فبعضهم يقول: لما غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله لأهل بدر من الكرامة عاهدوا الله ، أنهم لا يولون الأدبار إن لقوا العدو، وأنهم يقاتلون، هكذا قال بعض السلف كقتادة -رحمه الله، وبعضهم يقول: كان هذا من بني حارثة لما حصل لهم هزيمة وتراجعٌ أو هموا بذلك في يوم أحد فعاهدوا الله أنهم إذا لقوا العدو أنهم لا ينهزمون ولا يفرون ولا يقع منهم شيء من ذلك، وكَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ يعني: قبل الأحزاب، سواء قيل: بعد بدر أو كان ذلك بعد أحد، والعهد هو العقد المؤكد، يقال له: عهد، كل عقد، مثلاً العهد مع الله، كل عقد يوثقه الإنسان مع ربه -تبارك وتعالى- فهو عهد.

قال: ثم أخبرهم أن فرَارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطوّل أعمارهم، بل ربما كان ذلك سبباً في تعجيل أخذهم غرّة؛ ولهذا قال: وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا أي: بعد هَرَبكم وفراركم، قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [سورة النساء:77].

ثم قال تعالى: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ أي: يمنعكم، إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث.

قوله -تبارك وتعالى: قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، كقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ [سورة الجمعة:8]، وقال: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [سورة آل عمران:154]، وما شابه ذلك من الآيات، وقوله: قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً، كقوله: وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ [سورة الأنعام:17]، ونحو ذلك من الآيات.

  1. رواه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب قول النبي ﷺ: (نصرت بالصبا)، برقم (988)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، برقم (900).
  2. رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، برقم (1788).
  3. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (10996)، وضعف إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2018).
  4. رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (7296)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، برقم (2749)، وفي ضعيف الجامع، برقم (790).
  5. رواه البخاري، كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد النبي ﷺ وعقده، برقم (2175).

مواد ذات صلة