السبت 01 / صفر / 1442 - 19 / سبتمبر 2020
[32] من قول الله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} الآية 123 إلى قوله تعالى: {فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} الآية 127.
تاريخ النشر: ٠٩ / ذو القعدة / ١٤٢٦
التحميل: 2927
مرات الإستماع: 1938

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله- تعالى:

وقوله: أُوْلَئِكَ أي: المستحسنون له فيما وعدهم ومناهم مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ أي: مصيرهم ومآلهم يوم القيامة وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [سورة النساء:121] أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف ولا خلاص ولا مناص.

ثم ذكر تعالى حال السعداء الأتقياء وما لهم في مآلهم من الكرامة التامة فقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [سورة النساء:122] أي: صَدّقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات.

سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أي: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أي: بلا زوال ولا انتقال.

وَعْدَ اللّهِ حَقًّا أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: حَقًّا.

ثُمَّ قَال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً [سورة النساء:122] أي: لا أحد أصدق منه قولاً وخبرًا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهَدْي هَدْي محمد ﷺ وشر الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار[1].

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ۝ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ۝ وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا [سورة النساء:123-126].

قال قتادة: ذُكرَ لنا أنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [سورة النساء:123] وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ الآية [سورة النساء:125] ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.

وكذا روي عن السّدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا رَوَى العَوْفيّ عن ابن عباس –ا- أنه قال في هذه الآية: تخاصَمَ أهل الأديان فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام وكتابنا نَسَخَ كلّ كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأُمرْتُم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم وقال: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ الآية [سورة النساء:123].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الآثار التي ذكرها في سبب النزول جاءت عن مثل هؤلاء التابعين –رحمهم الله- فهي من قبيل المراسيل والمرسل نوع من الضعيف، ثم إن رواية العوفي عن ابن عباس معلوم أنها من الطرق الضعيفة، ولو صح ذلك لكان بيِّناً أن قوله: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ [سورة النساء:123] يعني أماني المسلمين.

ولذلك لم يتفق أهل العلم على أن هذا هو المعنى لهذه الآية، فأبو جعفر بن جرير –رحمه الله- يربط هذه الآية بما قبلها، فالشيطان قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [سورة النساء:118] وهم أتباعه وأولياؤه من أهل الإشراك، وقال: وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ [سورة النساء:119] وهذه كما سبق هي في البحيرة والوصيلة والسآئبة التي كان يجعلها المشركون، ولذلك فإنه –رحمه الله- يرى أن قوله: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ يعني أيها المشركون من قريش، ويحتج على هذا بأنه لم يرد ذكر أماني للمسلمين وإنما ذكرت أماني الشيطان الذي قال: ولأضلنهم ولأمنينهم.

وأما أماني أهل الكتاب فقد ذكرها في هذه الآية لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [سورة النساء:123] وذكرها في مواضع أخرى من القرآن كقوله تعالى: قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ [سورة آل عمران:24] وكقوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [سورة المائدة:18] وكقوله تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى [سورة البقرة:111] وأشباه ذلك من الأماني.

وبالنسبة للعرب فقد ورد قول الله عنهم: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سورة سبأ:35] وقال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [سورة المؤمنون:37].

والحاصل أن هذه الآية لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [سورة النساء:123] تقرر معنىً وهو: أن كل من تمنى على الله الأماني من غير أن يكون له رصيد من العمل الذي يقربه إلى الله -تبارك وتعالى- فإنه لا تنفعه تلك الأماني؛ لأن ما عند الله لا ينال بأمانيه، ويدخل في ذلك أماني أهل الإشراك من العرب، ويدخل فيها أماني المخاطبين عموماً، كما يدل على ذلك ظاهر هذا الخطاب، وكما تدل عليه تلك الروايات والمراسيل وإن كانت لا تخلو من ضعف كرواية العوفي عن ابن عباس، والله أعلم.

والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كُلّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو المُحق سُمِع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [سورة النساء:123] أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام؛ ولهذا قال بعده: مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ كقوله: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [سورة الزلزلة:7-8].

وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة -.

روى ابن أبي حاتم عن عائشة -ا- قالت: قلت يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن فقال: ما هي يا عائشة؟ قلت: مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فقال: هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النَّكْبَة يَنْكُبها [رواه ابن جرير وأبو داود][2].

روى سعيد بن منصور أن أبا هريرة قال: لما نزلت مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [سورة النساء:123] شقَّ ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله ﷺ: سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يُشَاكها والنَّكْبَة يَنْكُبُهَا وهكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي[3].

وقوله: وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [سورة النساء:123] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس –ا: "إلا أن يتوب فيتوب الله عليه" [رواه ابن أبي حاتم].

وقوله: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ الآية [سورة النساء:124] لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا -وهو الأجود له- وإما في الآخرة -والعياذ بالله من ذلك ونسأله العافية في الدنيا والآخرة والصفح والعفو والمسامحة- شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذُكْرَانهم وإناثهم بشرط الإيمان وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة وهذا النقير، وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، الثلاثة في القرآن.

ثم قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله [سورة النساء:125] أخلص العمل لربه فعمل إيمانًا واحتساباً.

قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا هذا الاستفهام مضمن معنى النفي، والمعنى لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله، وإسلام الوجه لله هو انقياده وإذعانه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

وَهُوَ مُحْسِنٌ [سورة النساء:125] أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متبعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً، ومتى جمعهما فهو عملُ المؤمنين الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ الآية [سورة الأحقاف:16].

يعني أن قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا يتضمن الإخلاص، وقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ يتضمن المتابعة، والآية التي قبلها: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [سورة النساء:124] تضمنت الشرط الثالث مع الشرطين وهو: أن يكون على قاعدة صحيحة وهي قاعدة الإيمان، يعني أن العمل يكون صالحاً إذا كان خالصاً صواباً وصادر من مؤمن، وعلى هذا لو أن شخصاً من عُباد القبور أو من اليهود والنصارى صام يوماً كما شرع الله وأراد بذلك وجه الله -فهو لم يراءِ وصام على السنة- فإنه لا يقبل منه هذا العمل؛ لأنه فقد الشرط الثالث الذي هو الإيمان، ومما يدل على ذلك قوله : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [سورة آل عمران:85].

ولهذا قال تعالى: واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة النساء:125] وهم محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأتباعه إلى يوم القيامة كما قال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ الآية [سورة آل عمران:68].

قوله تعالى: واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة النساء:125] هذا هو الشرط الثالث أيضاً، والحنف أصله الميل، والمعنى أنه مائل عن سائر الأديان إلى دين الإسلام، وقد سبق الكلام على هذا المعنى، وأن الأحنف سمي أحنفَ لحنف في رجله، وقد قالت أم الأحنف وهي ترقص ابنها:

والله لولا حنف في رجله ما كان في فتيانكم من مثله

 فأصل الحنف ميل في القدم، بحيث تميل كل واحدة إلى الأخرى.

وقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة النحل:123] والحنيف: هو المائل عن الشرك قصداً أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد.

قال: "أي: تاركًا له عن بصيرة" لأن الإنسان قد لا يشتغل بالشرك ولكنه لا يرفع رأسا للدين الحق، وإذا تأملت ودققت تجد أن هذا الإنسان يعبد هواه، وقد قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [سورة الفرقان:43].

والمقصود أنه ذكر مثل هذا القيد باعتبار أن من الناس من لا يشرك بالله؛ لأنه لا يرفع رأساً للعبادة أصلاً أي لا لله ولا لغير الله، وأما من يترك عبادة غير الله قصداً فإنه يكون عابداً لله، والله أعلم.

وقوله: وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [سورة النساء:125] وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يُقتدى به؛ حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له فإنه انتهى إلى درجة الخُلَّة التي هي أرفع مقامات المحبة؛ وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [سورة النجم:37] وقال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ الآية [سورة البقرة:124] وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة النحل:120] الآية والآية بعدها.

وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: إن معاذًا –رضي الله تعلى عنه- لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [سورة النساء:125] فقال رجل من القوم: "لقد قَرّت عينُ أم إبراهيم" وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها.

المحبة إذا اشتدت وتخللت شغاف القلب قيل لها: خُلّة؛ وفي كلام العرب أن المحبة إذا داخلت خلل القلب ولم تترك جزءاً منه إلا دخلت فيه قيل لها خلة.

والحافظ ابن القيم -رحمه الله- ذكر مراتب المحبة في روضة المحبين ونقلها عن ابن القيم شارح الطحاوية، وكل درجة من درجات المحبة لها تسمية عند العرب، وأعلى ذلك الخلة.

ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: أما بعد: أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله[4].

وجاء من طريق جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي وعبد الله بن عَمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود - جميعاً- عن النبي ﷺ قال: إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً[5] .

وقوله: وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [سورة النساء:126] أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك لا رادَّ لما قضى ولا معقب لما حكم ولا يُسأل عما يفعل؛ لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته.

وقوله: وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا [سورة النساء:126] أي: علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعْزُب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى.

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [سورة النساء:127].

روى البخاري عن عائشة -ا: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [سورة النساء:127] إلى قوله: وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ [سورة النساء:127] قالت عائشة: "هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شَرِكته في ماله حتى في العَذْق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوِّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية" وكذلك رواه مسلم[6].

وروى ابن أبي حاتم عن عائشة -ا- قالت: ثم إن الناس استفْتَوْا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآية [سورة النساء:127] قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب: الآية الأولى التي قال الله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء [سورة النساء:3].

وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: "وقول الله : وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ [سورة النساء:127] رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن" وأصله ثابت في الصحيحين[7].

هذه الآية سبق الكلام على شيء مما يتعلق بها في أول السورة عند قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء [سورة النساء:3] وقول عائشة -ا- هو من أحسن ما تفسر به هذه الآية وتلك، أي أن قوله: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء [سورة النساء:127] المراد به ما ذكره الله بقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء [سورة النساء:3] أي: هذا هو الذي يتلى عليهم في الكتاب.

وقوله: وَمَا يُتْلَى في محل رفع عطفاً على لفظ الجلالة -الفاعل- على قول عائشة -وهو الأرجح من أقوال المسفرين- ويكون المعنى بهذا الاعتبار هكذا: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيهن أيضاً ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، يعني أنكم تتبينون أحكام النساء مما يفتيكم به الله وما تجدونه في كتابه –جل وعلا- كقوله تعالى في شأن اليتيمات: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء [سورة النساء:3].

هذا أحسن ما تفسر به هذه الآية -والله أعلم- وهو أحسن من جعل قوله: وَمَا يُتْلَى مجروراً عطفاً على الضمير المجرور في قوله: قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [سورة النساء:127].

وعلى هذا التقدير الأخير يكون المعنى: يفتيكم فيهن ويفتيكم فيما يتلى عليكم، إلا أن هذا فيه بعد؛ لأن ما بينه الله في كتابه مبين عن الأحكام لا أن الله -تبارك وتعالى- يفتي الناس فيما نزَّل عليهم.

ويستبعد هذا المعنى أيضاً من جهة الإعراب وإن كان قد يرد في اللغة وجاءت به بعض الأبيات من كلام العرب شواهد لكن فيه كلام كثير وهو هل يصح عطف الظاهر على الضمير بمعنى هل يصح أن يقال: إن قوله: يتلى معطوف على الضمير – الهاء في قوله فيهن- أو لا يصح؟

كثير من أئمة اللغة منعوا منه، والواقع أنه ورد ولكنه قليل في كلام العرب، وبغض النظر في هذا فهو كما سبق المعنى الظاهر -والله تعالى أعلم: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [سورة النساء:127] ويفتيكم فيهن ما يتلى عليكم في الكتاب.

وقوله تعالى: الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ يعني كمثيلاتهن من المهور والنفقات.

وقوله: وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ تحتمل معنيين: الأول: أن يكون المقدر "في" فيكون المعنى وترغبون في نكاحهن، والثاني: أن يكون المقدر "عن" فيكون المعنى وترغبون عن نكاحهن.

والآية تحتمل هذا وهذا بحيث إذا كانت جميلة أو ذات مال رغبوا في نكاحها ولا يعطونها مهر مثيلاتها بل يهضمونها؛ لأنها يتيمة، وإذا كانت لا جمال فيها ولا مال فربما رغبوا عن نكاحها وربما عضلها وليها؛ لأنها تشركه في ماله، أو يكون الحال كما كان أهل الجاهلية يفعلون إذا مات الميت ألقي وارثه عليها ثوباً فحبسها بحيث لا تستطيع التصرف بنفسها، فإن كان يرغب في التزوج منها تزوج وإلا أبقاها من أجل أن يأخذ هذا الميراث الذي قدر لها، فلا تذهب إلى أحد آخر ولا تذهب لأهلها.

والقاعدة أن القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة؛ ولذلك يقال في قوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ الآية: نهاهم الله عن ظلم هؤلاء النسوة اليتيمات في حالة الرغبة بالزواج منهن وفي حالة الرغبة عنهن، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

  1. أصل الحديث أخرجه مسلم في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة (867) (ج 2 / ص 592) وهو عند غيره بألفاظ متقاربة.
  2. أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز - باب عيادة النساء (3095) (ج 3 / ص 151) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة.
  3. أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها (2574) (ج 4 / ص 1993).
  4. أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي ﷺ: لو كنت متخذا خليلاً (3456) (ج 3 / ص 1338) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق (2383) (ج 4 / ص 1855).
  5. أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهى عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد (532) (ج 1 / ص 377).
  6. أخرجه البخاري في كتاب التفسير- باب تفسير سورة النساء (4324) (ج 4 / ص 1679) ومسلم في كتاب التفسير (3018) (ج 4 / ص 2313).
  7. أخرجه البخاري في كتاب الشركة - باب شركة اليتيم وأهل الميراث (2362) (ج 2 / ص 883) وفي كتاب التفسير – باب تفسير سورة المائدة (4298) (ج 4 / ص 1668) ومسلم في كتاب التفسير (3018) (ج 4 / ص 2313).

مواد ذات صلة