الإثنين 13 / ذو الحجة / 1441 - 03 / أغسطس 2020
[2] من قوله تعالى: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} الآية:17
تاريخ النشر: ٠١ / رمضان / ١٤٣٤
التحميل: 31285
مرات الإستماع: 22698

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلعلي ألخص ما في المجلس الأول من تفسير سورة النبأ، فأقول:

هذه السورة النازلة بمكة تتحدث عن اليوم الآخر، عن البعث والنشور، وأهوال القيامة، وأوجالها، وعن أحوال الناس في ذلك اليوم، فالله -تبارك وتعالى- صدر هذه السورة بهذا الاستفهام، عَمَّ يَتَسَاءلُونَ [سورة النبأ:1] عن أي شيء يتساءل هؤلاء الكفار المكذبون بالبعث؟ ثم جاء الجواب بعده عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [سورة النبأ:2] عن الخبر الذي له خطر وشأن، وهذا النبأ العظيم هو البعث والنشور الذي يكذبون به، وتتحدث عنه هذه السورة، أو عن القرآن الذي تفرقت فيه مقالاتهم.

الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [سورة النبأ:3] اختلافهم في البعث والنشور باعتبار أن البعث آمن به أهل الإيمان وبعضٌ من أهل الجاهلية، وهم قلة، وأكثرهم كان مكذباً بذلك، وأما القرآن فاختلافهم فيه ظاهر، فهم مجمعون على الكفر به، ولكن أقوالهم فيه تنوعت وتفرقت.

كَلَّا ليس الأمر كما يقولون، بل سيعلمون حقيقة ذلك حينما يعاينونه فيكون بالنسبة إليهم من قبيل عين اليقين، بل من قبيل حق اليقين، حينما يصيرون في ذلك، فإذا مات الإنسان علم حقيقة ما كان عليه، وعلم ما سيصير إليه، وتكشفت أمامه الحقائق التي كان يجادل بها أو يكابر أو يؤمن، ثم إذا جاءت القيامة انتقل إلى حق اليقين فصار في عرصاتها يعايشها لحظة بلحظة، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ [سورة الأعراف:53] يعني: وقوع ما أخبر به، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [سورة الأعراف:53]، فعندئذ يعرفون، ولا يبقى للمكابرة مجال.

ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [سورة النبأ:5]، سيعرفون حقيقة ذلك، ثم ذكر الدلائل على قدرته -تبارك وتعالى- على بعث الأجسام، وإعادة الناس من جديد، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا [سورة النبأ:6] ممهدة لكم، لا تضطرب، ولا تتحرك، تتقلبون فيها، وتبتغون معايشكم.

وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [سورة النبأ:7] كالأوتاد التي تكون للخيمة، تثبتها، فلا تزعزعها الرياح، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [سورة النبأ:8] من ذكر وأنثى، أو جعلكم على أصناف فهذا شقي وهذا سعيد، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا مؤمن وهذا كافر، وهذا صحيح وهذا عليل، وهذا أعجمي وهذا عربي، وهذا كريم وهذا بخلافه، إلى غير ذلك من أحوال الناس.

وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [سورة النبأ:9] راحة لأبدانكم، وقطعاً للتعب والعناء والنَّصَب الذي يكون بسبب التقلب والأعمال والمزاولات التي تكون في وقت معاشكم في النهار، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا [سورة النبأ:10] يكسوكم ويغطيكم بظلامه، فعندئذ تهدأ النفوس وتسكن الحركة، ويكون ذلك محلاً صالحاً للنوم، ولراحة الأجسام.

وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [سورة النبأ:11]، جعلناه بحال وصفةٍ يصلح للتقلب في المعايش، جعله مبصراً، جعل الشمس تشرق في أوله وتغرب في آخره، وذلك أن النهار يبدأ من طلوع الشمس إلى غروبها، وأما اليوم فيبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فجعل النهار بهذه الصفة من أجل أن تتحقق المصالح. 

قال: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [سورة النبأ:12]، سبع سماوات قوية، محكمة البناء، ليس فيها خلل، وليس فيها ضعف، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ۝ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [سورة الملك:3، 4] لا يرى شيئاً من عيب وضعف ونقص وشقوق وتصدع، كما يوجد في الأبنية، كما أنها لا تفنى ولا تبلى على مر الدهور والقرون والأزمان المتطاولة، بخلاف الأبنية في الدنيا مهما كانت قوتها، ولكن هذه السماء تتغير أحوالها حينما يريد الله ذلك إذا قامت القيامة.

وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا [سورة النبأ:13] بنى هذه السماوات وجعل فيها هذا السراج وهو الشمس، يتوهج بالحرارة والإضاءة، فهو يتوقد، وقّاد يملأ هذا الكون على سعته بهذه الإنارة والإضاءة، فلا يحتاجون معها إلى مولدات كهربائية وأشعة وأنظمة للإضاءة وما إلى ذلك، فإن ذلك جميعاً لا حاجة إليه ولا فائدة فيه إذا طلعت الشمس، فلا نور معها من هذه الأنوار التي يصنعها الناس.

وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا سراج واحد يكفي، يملأ هذا الكون على سعة أرجائه بهذا النور، كما نشاهد، وهذه نعمة عظيمة من الله يمتن بها على عباده، كم يحتاجون لو لم تكن الشمس، كم يحتاجون من أجل عافية الأبدان إذا تعطلت أشعة الشمس، كم يحتاجون من أجل الإبصار، وينفقون الأموال الطائلة من أجل ذلك، كم تتعطل من المصالح والطرق والبلاد والمنافع، وكم يحتاجون من أجل النبات؟ لو أن الشمس لم تطلع فإن النبات يموت، ولا تخرج هذه الثمار التي يقتاتون عليها، إلى غير ذلك من المنافع.

وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا [سورة النبأ:14]، أنزلنا من هذا السحاب المثقل المترع بالمطر، أنزلنا منه ماءً متتابعاً منصباً كثيراً، ثَجَّاجًا، من أجل: لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا [سورة النبأ:15]، هذه بعض فوائده، وإلا ففوائد المطر كثيرة جداً، والله  -تبارك وتعالى- قد يذكر فائدة في مقام وذلك لا ينفي غيرها من المنافع والفوائد.

قال: وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا ۝ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، الحب بجميع أنواعه مما يطعمه الإنسان ويطعمه الحيوان، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا [سورة النبأ:16]، جنات ذات أشجار تُخرج أنواع الثمار من النخيل والأعناب، وسائر الأشجار والفواكه التي نعرفها والتي لا نعرفها، فهذه الأشجار كثيفة، مجتمعة، متقاربة، يلتف بعضها على بعض لكثافتها، وهذا لا شك أدل على القدرة، وأبلغ في الامتنان، بخلاف ما إذا كانت شجرة هناك وشجرة هناك، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا.

ثم بدأ بالحديث عن يوم الفصل بعد أن ذكر دلائل القدرة على بعث الأجسام، فإن الذي أوجد هذه الأمور وأنزل المطر، وأخرج النبات، فهذا كإحياء الأجسام من جديد، فهو مشهد نشاهده ويتكرر صباح مساء، ينزل المطر ويخرج النبات، هذه الأرض لم يكن فيها نبات، كانت قاحلة، فمن أين جاء هذا النبات؟ فالذي أخرج النبات قادر على أن يخرج الموتى.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ۝ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ۝ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ۝ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ۝ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ۝ لِلطَّاغِينَ مَآباً ۝ لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً ۝ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً ۝ إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ۝ جَزَاءً وِفَاقاً ۝ إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً ۝ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ۝ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ۝ فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَاباً [سورة النبأ:17-30].

يقول تعالى مخبراً عن يوم الفصل، وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يَعلم وقتَه على التعيين إلا الله ، كما قال: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ [سورة هود:104].

قوله -تبارك وتعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً، يوم الفصل قيل له ذلك؛ لأنه يُفصل فيه بين الخلائق، يحكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون، يفصل بين الظالم والمظلوم، ويفصل بين أهل الإيمان وغيرهم من الطوائف الكافرة المكذبة بالله -تبارك وتعالى، وبرسله -عليهم الصلاة والسلام، فالله يفصل في هذا اليوم.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً، يفصل بين الخلق، كَانَ مِيقَاتاً يعني: ميقاتاً لِمَا جعله الله لهؤلاء المكذبين بالبعث، كما يقول ابن جرير -رحمه الله: ميقاتاً لحسابهم وجزائهم وعذابهم.

وابن كثير -رحمه الله- هنا يقول: مؤقت بأجل معدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يَعلم وقته على التعيين إلا الله .

وبعضهم يقول: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً يعني: للتوقيت، يعني: آخر الدنيا وبداية الآخرة، إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً، تُوقّت به الدنيا وتنتهي عند هذا الحد، تتوقف، يبدأ فصل جديد، ومرحلة جديدة، أبدية، سرمدية، وقيل: حد للخلائق ينتهون إليه، إلى يوم القيامة، فهم مؤقتون إلى ذلك اليوم، مؤجلون لذلك اليوم، فيحصل فيه النعيم، والعذاب، والحساب، والجزاء، وما إلى ذلك.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً، فيوم الفصل يوم مؤقت بأجل معدود، والله يقول: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ۝ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ۝ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۝ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [سورة هود:104-108]، فالله -تبارك وتعالى- وقّته بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، لا يتقدم من أجل مطالبة هؤلاء بمجيء هذا اليوم، متى هذا اليوم الذي تعدنا به؟ ولا يتأخر من أجل قول هؤلاء الكفار الذين صاروا أسرى لأعمالهم في قبورهم، ربّ لا تُقم الساعة، ربّ لا تُقم الساعة، فلا يتقدم ولا يتأخر.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً، مؤقتاً لا يتغير موعده ولا يعلم وقته إلا الله -تبارك وتعالى، وكونه مؤقتاً لا ينافي قول من قال: إنه توقيت آخر الدنيا، يعني نهاية الدنيا لأجل، لوقت محدد، فذلك يوم القيامة، وهكذا من قال: ميقاتاً للجزاء والحساب لهؤلاء الناس، فكل ذلك في يوم محدد، لا يتقدم ولا يتأخر، فهو ذو وقت معلوم محدود، وهم مؤقتون لهذا اليوم الذي هو يوم الفصل.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً قال مجاهد: زُمَراً زُمَراً، قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، كقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [سورة الإسراء:31].

وروى البخاري في تفسير قوله:يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما بين النفختين أربعون قالوا: أربعون يوماً؟ قال: "أبَيْتُ"، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: "أبيتُ"، قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيتُ"، قال: ثم يُنزلُ الله من السماء ماء فينبتُونَ كما ينبتُ البقلُ، ليس من الإنسان شيءٌ إلا يَبلَى، إلا عظماً واحداً، وهو عَجْبُ الذنَب، ومنه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القيامة[1].

يَوْمَ نْفَيُخُ فِي الصُّورِ، الصور: قرن ينفخ فيه الملَك، والمشهور أنهما نفختان: نفخة الصعق، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ [سورة الزمر:68]، هذه النفخة يموت فيها جميع الخلائق إلا من شاء الله، والنفخة الثانية هي نفخة البعث، يبعثون، وبعض أهل العلم يقول غير هذا.

فمنهم من يجعل النفخ في الصور ثلاث مرات بناءً على قوله -تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ [سورة النمل:87]، فهذه نفخة الفزع، فقالوا: هناك نفخة هي نفخة فزع، واختلفوا في وقتها هل هي قبل نفخة الصعق؟ يعني يحصل لهم الفزع ثم تأتي نفخة الصعق، ثم بعد ذلك تأتي نفخة البعث، وبعضهم يقول: إن نفخة الفزع تكون بعد ذلك، يعني بعد البعث، فيصيبهم الفزع.

وبعضهم يزيد في ذلك فيقول: هناك نفخة رابعة، وهي نفخة الصعق، وهي غشية وليست موتة، ويستدلون على هذا بالحديث: الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟[2]،

والمشهور عند جماهير أهل العلم أنهما نفختان، وليس الحديث عن هذا الآن، الله -تبارك وتعالى- هنا يقول: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا هذه النفخة هي نفخة البعث بالاتفاق، ينفخ في هذا القرن نفخة فيقومون من قبورهم، يأتون أفواجاً، يأتون جماعات، هذه الجماعات كما قال الله -تبارك وتعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [سورة الإسراء:71]، والمقصود بإمامهم كما يقوله بعض السلف: يعني بنبيهم، وبعضهم يقول: بكتابهم، فكل ذلك يقال له: إمام، فتأتي كل أمة مع نبيها كما قال النبي ﷺ: يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد[3]، فيأتون أفواجاً، لا يأتي الناس دفعة واحدة، وإنما هؤلاء مع نبيهم، وهؤلاء مع نبيهم، جماعات، يأتون إلى أرض المحشر، هؤلاء الذين تفرقوا في أرجاء المعمورة، قبورهم فيها مبثوثة، يقومون وتبعثر هذه القبور ثم يأتون، كل أمة مع نبيها.

وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً أي: طرقاً ومسالك لنزول الملائكة.

هذا المعنى الذي ذكره ابن كثير قال به بعض السلف، أَبْوَاباً يعني: طرقاً ومسالك، وبعض أهل العلم يقول: هي على هيئة الأبواب، هكذا تتراءى للناظرين، ولكن ذلك من أثر التغير الهائل الذي يحصل بهذا الكون، كما ذكر الله في المواضع الأخرى، يعني صار فيها فروج على هيئة الأبواب، كما قال الله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا [سورة الفرقان:25، هذا في يوم القيامة.

قال: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [سورة الرحمن:37]، وقال: وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [سورة الحاقة:16]، وقال: إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ [سورة الإنفطار:1]، ووَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ [سورة المرسلات:9]، وإِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [سورة الإنشقاق:1]، فيحصل لها تصدع وتشقق، ولهذا قال: وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا، تتراءى للناظرين أنها أبواب، وهي في الحقيقة الشقوق والصدوع التي حصلت بسبب أهوال ذلك اليوم وما يحصل فيه من التغير في العالم العلوي والعالم السفلي، ويدل على أن ذلك المراد به التشقق والتصدع ما ذكر بعده، قال: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا.

وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً كقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [سورة النمل:88] وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [سورة القارعة:5].

وقال هاهنا: فَكَانَتْ سَرَاباً أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء، وليست بشيء، بعد هذا تَذهب بالكلية فلا عين ولا أثر، كما قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ۝ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ۝ لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً [سورة طه:105-107]، وقال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً [سورة الكهف:47].

قوله -تبارك وتعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا، سيرت الجبال وذلك في يوم القيامة، وذكر هنا تفسيره من قوله -تبارك وتعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، وهذا أيضاً يوم القيامة، كل هذا يحصل يوم القيامة، وليس كما يقوله بعض من يتكلم في التفسير العلمي، يقول: إن هذا يدل على أن الأرض تدور، فهذه الجبال تحسبها ساكنة لا تتحرك والواقع أنها تمر مر السحاب، تتحرك، هذا كله ذكره الله في سياق القيامة.

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، يعني: أن الله يسيرها، فذلك معنى قوله -تبارك وتعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا، ولم يقل أحد من المفسرين قط بأن هذا في الدنيا، أبداً، وكل قول يعود على أقوال السلف بالإبطال فهو أولى بالبطلان، لا يمكن أن تتفق الأمة عبر هذه القرون بما فيها من الصحابة -أعلم الناس بالقرآن، لا يمكن أن يتفقوا على معنى غير صحيح، أن يفهموا الآية فهماً خاطئاً، ثم يأتي في هذا العصر -لاسيما من غير المتخصصين في التفسير والعلوم الشرعية- ثم يقول: هؤلاء جميعاً أخطئوا والمعنى كذا وكذا، هذا لا يمكن.

فقوله -تبارك وتعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا يعني: صارت كَلَا شيء، هكذا بعض أهل العلم يقول، باعتبار أن السراب ليس بشيء، فهذه الجبال تزول وتتفتت، وتكون كالهباء، قالوا: أراد بقوله: فَكَانَتْ سَرَابًا أي: لا شيء؛ لأن السراب ليس بشيء.

وبعضهم يقول كابن جرير: صارت هباءً منبثاً لعين الناظر كالسراب، يعني هو يراها مثل السراب، كما قال الله ، يعني أولائك فسروه بالمقتضى، قالوا: مقتضى ذلك -يعني كونها سراباً- أنها لا شيء، قالوا: المقصود لا شيء، صارت لا شيء، ولا يلزم من ذلك أنه يرى سراباً، الآخرون كابن جرير قالوا: لا، هي صارت لا شيء، فصار يهيأ للناظر إليها أنها سراب.

والله -تبارك وتعالى- ذكر للجبال أحوالاً في القرآن فمن ذلك الاندكاك، كما قال الله : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [سورة الحاقة:14]، هذه مرحلة، الدك لهذه الصخور والجبال التي هي في غاية الصلابة، وحالة ثانية أنها تكون كالعهن، كالصوف المنفوش، بعدما تدك، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [سورة القارعة:5]، وحالة ثالثة أنها تصير كالهباء، الهباء الذي يتطاير وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ۝ فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا [سورة الواقعة:5، 6]، الهباء هو هذا الذي نشاهده حينما تكون أشعة الشمس تدخل إلى الحجرة ثم بعد ذلك نرى أشياء تتطاير دقيقة في غاية الدقة تتطاير في الهواء كالغبار، لا يمكن أن تقبض باليد، فهذه ليست بشيء، فتكون الجبال كالهباء، فتنسف هذه الجبال وتحملها الرياح.

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فتزول ثم بعد ذلك تصير سراباً كلا شيء، إما أن الناظر إليها يتراءى إليه أنها سراب، أو أن المقصود أنها تذهب بالكلية كالسراب الذي هو في حقيقته لا شيء، تكون سراباً، تكون أثراً بعد عين، فهذه أحوال هذه الجبال كما قص الله -تبارك وتعالى- في كتابه.

وقوله تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً أي: مُرصَدة مُعَدّة، للِطَّاغِينَ وهم: المَرَدة العصاة المخالفون للرسل، مَآباً أي: مرجعاً ومنقلباً ومصيراً ونزلاً.

إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً قال: أي مرصدة معدة، جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً -أعاذنا الله وإياكم منها، المرصاد هو المكان الذي يرصد فيه الشيء، يعني المرصاد مكان يرصد فيه العدو، يرصد فيه الصيد مثلاً، يرصد فيه الشيء، يعني المراصد مثلاً التي تكون مثلاً للنجوم، والأفلاك، فكل ما يرصد فيه الشيء يقال له: مرصاد، إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً، بعضهم يقول: يرصدون به، أي مُعد لهم، أي أن خزنة النار يرصدون الكفار فيها، يرصدون هؤلاء الكفار، كما يقوله المبرِّد وغيره.

وبعضهم يقول: كَانَتْ مِرْصَاداً يعني: مكاناً لحبسهم، كما يقوله مقاتل، وبعضهم يقول: طريقاً وممراً، يعني: النبي ﷺ أخبر أن الجسر يضرب على متن جهنم، فيمر الناس فيه أرسالاً، فيتفاوت سيرهم، وعليه كلاليب تخطف الناس، فبعض السلف يقول: كَانَتْ مِرْصَاداً ممراً تتخطف هؤلاء الكافرين، فيتهاوون بها، فهي في طريقهم، ممراً لهم، وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [سورة مريم:71]، وهؤلاء خزنة النار يترقبون هؤلاء الكفار.

وبعضهم يقول: هذا باعتبار أو بمعنى أن النار نفسها تتطلع إليهم وترصد لهم، تنتظر من يأتي وتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ كما يتطلع الرصد والراصد لمن يمر به.

ابن جرير -رحمه الله- يقول: معنى مِرْصَاداً أي: ذات ارتقاب، ترقب من يجتازها وترصدهم.

الحاصل من هذا كله أن هذه الأقوال متقاربة، إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً، هي معدة لهم، وهي مخلوقة موجودة، وقد رآها النبي ﷺ، ورأى بعض من يعذبون بها، رأى عمرو بن لحي الخزاعي الذي غير دين إبراهيم ﷺ، وأول من سيب السائبة، رآه يعذب يجر قصبه في النار، يجر أمعاءه، ورأى فيها المرأة التي حبست الهرة.

وهذه النار هي معدَّة لهؤلاء، الآن موجودة، وتنتظر هؤلاء الكافرين، وقد رصدت وتهيأت لهم، إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً، وهي لهم بالرصد حيث يمر الناس عليها، وعليها كلاليب، على الصراط كلاليب، فيتهاوى بها من كتب الله له دخولها، وكذلك أيضاً هؤلاء الخزنة -خزنة النار- هم يترقبون ويرصدون من يساق إلى النار، ومن هو بداخلها، كل هذا متقارب، فجهنم مرصاد لهؤلاء الكافرين، أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [سورة آل عمران:131]، ومعنى أُعِدَّتْ الإعداد يدل على تهيئة الشيء بعناية، تقول: أعددت لك كذا، أعددت لك متكأً، أعددت لك طعاماً، أعددت لك مجلساً، أعددت لك مقالة، يعني بعناية، فالنار أعدت لهم بعناية وهُيئت، جاهزة، إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ۝ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً [سورة الفرقان:12، 13] يقولون: وا ثبوراه، وا ثبوراه.

إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ۝ لِلطَّاغِينَ مَآباً، للطاغين الذين جاوزوا الحد، كفروا بالله ، كذبوا رسله، حاربوا أولياءه، كل ما جاوز الحد فهو موصوف بالطغيان، لِلطَّاغِينَ مَآباً، والمآب هو المرجع، يعني أنها مرجعهم ومصيرهم، لكنها مسألة وقت، مع أنهم في هذه الحياة الدنيا وإن ظن الظان أنهم منعمون يتمتعون إلا أن لهم حظاً من هذا العذاب، وهو يمزق نفوسهم، يعيشون في بؤس، إذا كان الواحد من أهل الإيمان إذا غفل عن ذكر الله بعض الغفلة يجد أثر ذلك في نفسه، فكيف بالذين لا يعرفون الله أصلاً، ولا يذكرونه، ولا يعبدونه، ولا يصلون، ولا يتطهرون؟ هؤلاء لا شك أنهم في عذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة، هذا بالإضافة إلى أنهم يعذبون بأموالهم وأولادهم، وبهذا النعيم الذي يتقلبون فيه، وبقدر ما يكون لهم من النعيم يكون لهم من العذاب، كما هو مشاهد، انظر إلى أتعس أهل الأرض هم أكثر أهل الأرض رفاهية، أكثر حالات الانتحار في أكثر البلاد رفاهية.

كفى بك داءً أنْ ترى الموتَ شافياً وحسبُ المنايا أنْ يكنّ أمانيا

فهؤلاء بلغ بهم الشقاء مبلغه حتى ضاقت بهم نفوسهم، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، فلم يجدوا ملاذاً إلا الموت، فهم في شقاء في الدنيا، وعذاب في البرزخ، وهم في عذاب أيضاً في الآخرة. لِلطَّاغِينَ مَآباً.

وقوله تعالى: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً أي: ماكثين فيها أحقابا، وهي جمع "حُقب"، وهو: المدة من الزمان.

الحُقُب: المدة من الزمان، وردت عن بعض السلف أقاويل في تحديد الحقب، واختلفت أقوالهم في ذلك وتباينت تبايناً كثيراً، ولا حاجة للاشتغال بها، ولكن إذا جاء ذلك في شيء من كتب التفسير وقرأته فيه فيمكن أن يقال: إن ذلك محمول على الأحقاب غير المتناهية، بصرف النظر عن تحديد الحقب، فهي أحقاب غير متناهية، أو أنها أحقاب في نوع من العذاب الذي هو الحميم والغساق، يبقون فيها أحقاباً، ولهم جزاء آخر غير هذا، وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [سورة ص:58]، وليس معنى ذلك أن للنار مدة ثم تفنى بعدها، فإن الذي عليه أهل السنة أن النار لا تفنى.

والعرش والكرسي لا يفنيهما أيضا وإنهما لمخلوقان
والحور لا تفنى كذلك جنة الـ مأوى وما فيها من الولدانِ

حور لا تفنى، والنار لا تفنى، الجنة لا تفنى، بل هي باقية أبداً، وقول من قال: إن ذلك له انقضاء قول غير صحيح، وخلاف الأدلة التي نصت على الخلود، وأما التعليق في آية هود في قوله -تبارك وتعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [سورة هود:107]، فالمقصود بذلك التعليق على المشيئة: أن ذلك من قبيل التحقيق لا التعليق، كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [سورة الفتح:27]، وهم داخلوه قطعاً، والنبي ﷺ قال في ما يقال من السلام على أهل المقابر: وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون[4]، وهو يعلم أنه لاحق بهم قطعاً، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [سورة الزمر:30]، فالتعليق بالمشيئة على نوعين:

الأول: ما كان من قبيل التحقيق.

والثاني: ما كان من قبيل التعليق على المشيئة، يعني إنْ حصل ذلك، فكل شيء بمشيئته .

وقال خالد بن مَعْدان: هذه الآية وقوله تعالى: إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ [سورة هود:107] في أهل التوحيد، رواهما ابن جرير.

وروى ابن جرير عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً قال: أما الأحقاب فليس لها عِدّة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحُقُبَ سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون.

وقال سعيد عن قتادة: قال الله تعالى: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً وهو: ما لا انقطاع له، وكلما مضى حُقُب جاء حقب بعده، وذكر لنا أن الحُقُب ثمانون سنة.

وقال الربيع بن أنس: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله ، وذكر لنا أن الحُقُب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم كألف سنة مما تعدون. رواهما أيضاً ابن جرير.

الأحقاب: جمع حُقُب كما سمعتم، ولكن هذه الأقاويل هي متابينة، وبعضهم يقول: الحقب ثلاثون سنة، وقيل غير هذا، ولا حاجة إليه، ولكن يمكن أن يقال: إن هذه الأحقاب هي الدهور، يعني أنهم يمكثون في النار ما دامت هذه الأحقاب، -وهي لا تنقضي- يبقون فيها على مدى الدهور، لا يخرجون منها.

وبعضهم يقول: إن الأحقاب المذكورة هي مدة وقت شرب الحميم والغساق المذكور هنا، لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ۝ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، فإذا انقضت كان لهم نوع آخر من العذاب، هذا ذكره ابن جرير احتمالاً، ذكره احتمالاً، والله -تبارك وتعالى- يقول: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ۝ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ۝ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [سورة ص:55-58]. 

وبعضهم يقول: هذه محمولة على -يعني أن  الأحقاب مدد معينة- عصاة الموحدين، والواقع أن السياق في الكفار، وليس في هؤلاء، ولا حاجة لهذا التقييد، والحسن البصري يقول: والله ما هي إلا أنه إذا مضى حُقُب دخل آخر، ثم آخر، ثم كذلك إلى الأبد، إذاً لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا يعني: دهوراً لا تنقضي.

النظر الصحيح، والتفكير المثمر، والتدبر النافع في مثل هذه المقامات أن يعتبر الإنسان بذلك فيعمل، وأن يلتفت إلى الحياة الدنيا بهذا الاعتبار فتتضاءل في عينه، مهما طال البقاء فيها، مهما عُمّر، يعني إذا كان الإنسان سيعيش ستين أو سبعين أو ثمانين أو تسعين أو مائة سنة، لا تساوي هذه شيئاً أمام المليارات، وأمام شيء بلا انقضاء، إذاً هذه اللذات التي في لحظات، ثم تتصرم، ويقسم المجرمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا شيئاً يذكر، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [سورة الروم:55]، فإذا كان الأمر كذلك، المسألة مسألة ساعة، فإذاً هذه الحياة الدنيا هي لا تستحق أن يتهافت الناس عليها، وأن يشتغلوا بها، لا تستحق هذا الانكباب، وإنما ينبغي أن تكون زاداً يتزود به إلى الآخرة، يشغل الإنسان هذه الأوقات وهذه الأنفاس في مرضاة الله ، والتقرب إليه وطاعته، هذا هو النظر الصحيح، تمضي الأوقات بسرعة لا نشعر بها، فلذلك ينبغي أن تستغل الأعمار فيما ينفع، فيما يرفع، ولا يشتغل الإنسان بلذة عابرة، تذهب وتزول وتضمحل، وتتلاشى، الآخرة تحتاج إلى عمل، لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا، بلا انقضاء، فهذا كما يقول ابن حزم الأندلسي: لو أن العاقل خير بين أمرين:

الأول: له طريق واسع فيه من الثمار والأزهار.. طريق واسع يفضي إلى مكان ضيق.

والثاني: طريق ضيق يفضي إلى بحبوحة من العيش وسعة، يقول: العاقل يؤثر الطريق الضيق، حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات[5]، الطريق ضيق في هذه الدنيا، يحبس نفسه عما حرم الله حتى يصل إلى بحبوحة، وسعادة، وراحة.

والحافظ ابن حجر -رحمه الله- ذكر أشياء من هذا القبيل في الفتح، نقل بعضها عن ابن الجوزي، وذكر عن غيره أشياء تُصور حقيقة ما نحن فيه في هذا المعبر وهذا الممر، مما ذكره ذكر أمثالاً لحال الناس في هذه الحياة الدنيا، من ذلك أن هؤلاء الناس كقوم ركبوا في سفينة، فأرفأتهم هذه السفينة إلى جزيرة في البحر، فلما أرادوا النزول قال لهم قائد السفينة: ليقضِ كل امرئ حاجته ثم يرجع -الغرض من النزول هو قضاء الحاجة، فنزلوا، فكانت الجزيرة غنّاء، كثيرة الأزهار والثمار والأشجار والمياه، فمنهم من نسي الغرض الذي نزل من أجله أصلاً، فصار يسبح في الأنهار، ويقطف من الأزهار والثمار، والقسم الثاني اشتغل بشيء من جمع الأزهار والثمار، لكنه أدرك السفينة حينما نادى المنادي بالرحيل، وقسم بادر قضى حاجته ثم رجع، فالذين بادروا حصّلوا أرفع الأماكن وأوسع الأماكن، والذين أبطئوا بعض الشيء حصلوا أماكن دونها وأضيق، ورحلت هذه السفينة، وذبل ما بأيديهم من الأزهار والثمار وضَيَّق عليهم ثم ألقوه ولم ينتفعوا به، وأما أولائك الذين نسوا ما جاءوا من أجله فكانت الجزيرة مليئة بالسباع والهوام وما إلى ذلك، فما أمسوا حتى هلكوا، هذا حال الناس، أقسام الناس، أصناف الناس في هذه الحياة الدنيا.

وذكر مثلاً آخر أيضاً يقول: هذا مثل إنسان يطارده تنين، أو يطارده سبع، فتعلق بغصن شجرة، فبينما هو كذلك نظر تحته وإذا حفرة، هذه الحفرة فيها تنين قد فغر فاه، وإذا بهذا الغصن في أصله فأران أسود وأبيض يقرضانه بلا توقف، يعني سينكسر هذا الغصن الذي تعلق فيه، وسيسقط في هذه الحفرة، وإذا بجواره خلية فيها عسل، فذاقه فأعجبه، فصار يلعق من هذا العسل، ونسي الحفرة والتنين، ونسي الفأرين، فالذي يطارده هو الموت، والذي تحته هو القبر، والغصن هو العمر، والفأر الأسود والأبيض الليل والنهار يقرضان العمر، سينكسر يوماً ما، والخلية هذه هي الدنيا ولذات الدنيا، جعل يلعق وهو ناسٍ، ناسٍ حتى ينكسر به ويلاقي مصيره.

فهذا هو التفكير الصحيح، هناك تفكير سلبي أن الإنسان يلح على ذهنه ليدرك أموراً لا يطيقها العقل، أحقاباً مدة طويلة جداً، فيضغط على الذهن ثم بعد ذلك يجد أنه قد وصل إلى حال لا يستطيع أن يعقلها، يقف الذهن عاجزاً دون تصورها، فيصيبه بسبب ذلك انزعاج، وقلق وضيق، لمّا ضاق عَطَنُه بذلك، إنسان لا يستطيع أن يتصور هذا، وأن هذا يحصل، والسبب هو التفكير السلبي، كل الأشياء هذه فيها تفكير إيجابي وسلبي، نحن لما ندعو الناس إلى شيء نافع من الناس من يأخذ، وعندما نذكر عبادة السلف مثلاً بعض الناس يقول: إذا كان كذلك -بهذه المثابة- أين نحن؟! إذاً ما في فائدة للعمل.

وعندما نذكر نصوص الرجاء يتشبث بها بعض الناس يقول: إذاً الله غفور رحيم، نعمل ما نشاء، وتُذكر نصوص الخوف فيقول: إذاً ما في فائدة، يحصل عنده إحباط ويأس، هذا كله تفكير سلبي، ولذلك الإنسان يخاف أحياناً، تتكلم عن الرياء، حُب الظهور والمحمدة وما إلى ذلك، بعض الناس يفكر تفكيراً سلبياً بهذه القضية، فيقول: إذا كان الأمر كذلك إذاً لماذا ندعو؟ ولماذا نعلم؟ ولماذا نعمل؟ نترك كل شيء ولا نقع في هذه المخاطر، هذا غلط، فوجهوا أفكاركم إلى التفكير الصحيح، التفكير هذا إذا وجه لشيء ينفع أثمر، وإذا وجه إلى شيء يضر حصل بسبب ذلك أمور سلبية.

وقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً أي: لا يجدون في جَهنَّم برداً لقلوبهم، ولا شرابا طيبا يتغذون به. ولهذا قال تعالى: إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً.

لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً، البرد يعني ما يبرد الأجسام، هذا هو المتبادر، والشراب شيء يبرد بواطنهم، الإنسان إذا صار في حال من العطش والشدة والحر الشديد يريد شيئاً يبرد داخله وهو الشراب، ويريد شيئاً يبرد ظاهره، فهم لا يجدون هذا، ولا يجدون هذا، هذا هو المشهور، مع أن طائفة من السلف كمجاهد، والسدي، وأبي عبيدة، والفضل بن خالد، وأبي معاذ النحوي قالوا: البرد: هو النوم، لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا أي: نوماً.

لكن هذا خلاف المتبادر الظاهر، فإن النوم وإن كان معنى صحيحاً من جهة اللغة إلا أنه قليل في الاستعمال، والقرآن يُحمل على المعنى المتبادر الظاهر، ولا يحمل على معنى مغمور إلا لدليل يجب الرجوع أو الوقوف عنده، فكون النوم يقال له: برد هذا صحيح، والإنسان إذا أصابه العطش في رمضان أو الجوع أو نحو ذلك احتر باطنه، فيلجأ إلى النوم، فإذا نام هدأت حرارة الباطن، وسكن عطشه، وارتاح بهذا الاعتبار، لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا.

لكن الراجح الذي عليه الجمهور أن المقصود: لا يذوقون برداً أي ما يبرد ظواهر الأجسام، ولا شراباً يبرد بواطنها، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، فهذا الاستثناء بهذا الاعتبار إذا قلنا: إنه يرجع إلى البرد والشراب يكون استثناءً منقطعاً؛ لأنه ليس من مطلوبهم، فإن الحميم يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ۝ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ۝ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [سورة الحج:19-21] يعني: يضربون بمقامع: حديدة في رأسها شيء يضرب بها الواحد منهم، وكلما أرادوا الخروج أو فارت النار بهم وارتفعت بهم ضربوا بهذه المقامع، كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا [سورة الحج:22]، فهذا حال هؤلاء في النار.

لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، أجسامهم يصب عليها الحميم، وكذلك في داخل الأجواف، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، فيحصل الانصهار للظاهر والباطن، تذوب، إِلا حَمِيماً أي: الذي انتهى حره، فهو في غاية الحرارة -نسأل الله العافية، إذا كان البخار يقشر الوجه ويزيل جلدته، فكيف إذا صب على الإنسان -نسأل الله العافية- الحميم، والغساق؟

قال: إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، هنا يقول: قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم، ومن الشراب الغساق، وكذا قال الربيع بن أنس، فأما الحميم فهو الحار الذي انتهى حره وحُمُوّه، والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه، فابن كثير جمع المعنيين اللذين ذكرهما السلف، وهذه عادة ابن كثير في هذا الكتاب وهي من مزايا هذا الكتاب.

بعضهم يقول: الغساق هو النتن الذي يخرج من أهل النار من الصديد ونحو ذلك، يعني ما يسيل منهم، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، وبعضهم يقول: هذا الذي يخرج من أهل النار ويسيل منهم نتن، وبعضهم يقول: هو الذي اشتد برده، فالعذاب في النار على نوعين: الحميم والحرارة -الإحراق، والثاني: الزمهرير، كما قال النبي ﷺ: اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير[6]، فهم يعذبون بالبرد الشديد، وبالحر الشديد، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، فابن كثير -رحمه الله- هنا جمع بين هذين المعنيين إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً

وابن جرير يقول: إن الغساق أصله الشيء السائل الذي يسيل، هو الشيء الذي يسيل، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، هذا الذي يسيل منهم، يسيل من حروقهم، وأجسامهم، وجروحهم، وعيونهم، وآنافهم وما إلى ذلك من الصديد المنتن، يخرج من فروجهم، ومسام الجسد، وما إلى ذلك، وهو في منتهى البرودة، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، فهذا يعني البارد الذي قد اشتدت برودته، هذا هو المعنى، والله تعالى أعلم.

وهنا لما ذكر الله -تبارك وتعالى- أنهم لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، قد يتوهم أنهم لا يذوقون فيها شيئا، فبيّن أنهم يذوقون، قال: إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، يعني: هم لا يبقون هكذا يعذبون ولا يطعمون شيئاً، وإنما يسقون الحميم، ويأكلون الزقوم، ويشربون الغسلين، ويشربون الغساق، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [سورة الحاقة:36]، الغسلين البارد الذي اشتدت برودته، والطعام يقال لكل ما يُطعَم مما يشرب أو يؤكل، ويدل على ذلك قوله -تبارك وتعالى: إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [سورة البقرة:249]، قال: وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ، مع أنه مشروب، فالمشروب يقال له: مطعوم، تقول: فلان لم يطعم، يعني: ما أكل ولا شرب.

ولهذا قال تعالى: إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق، وكذا قال الربيع بن أنس، فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحُمُوّه، والغَسَّاق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه.

قوله: إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، غسقُ الليل يعني برودة الليل، فالغساق هو البارد، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، غَسَقَ الجرح يعني سال منه الصديد، والقيح، وما إلى ذلك، إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ۝ جَزَاء وِفَاقًا قال: أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وَفق أعمالهم الفاسدة، يعني: الجزاء من جنس العمل، جزاءً موافقاً لحالهم وأعمالهم وما كانوا عليه.

إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا لم يكونوا يعتقدون أن ثَمّ داراً يجازون فيها ويحاسبون، لَا يَرْجُونَ حِسَابًا بعضهم يقول: لَا يَرْجُونَ حِسَابًا لا يرجون ثواباً في الآخرة، ثواب الحساب، هنا: أنه ليست هناك دار يجازون فيها ويحاسبون فيرجون الحساب، كما يقوله الزجَّاج.

وبعضهم فسره بالخوف، ومعروف أن الرجاء في أصله هو توقع المحبوب، فكيف صار هنا بمعنى الخوف؟ بعضهم يقول: إذا جاء الرجاء منفياً فهو بمعنى الخوف، لَا يَرْجُونَ حِسَابًا يعني: لا يخافون حساباً، وبهذا فسره مجاهد وقتادة، وبعضهم يوجه ذلك بأن الرجاء أمل قد يُخاف أن لا يتم، كما ذكر هذا الفراء والزجَّاج.

وقوله تعالى: جَزَاءً وِفَاقاً أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وَفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا، قاله مجاهد، وقتادة، وغير واحد.

ثم قال: إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثم داراً يجازون فيها ويحاسبون، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباًأي: وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله -عليهم الصلاة والسلام، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة.

وقوله: كِذَّاباً أي: تكذيباً، وهو مصدر من غير الفعل.

يعني: كذبوا تكذيباً، هذا مصدر، كذبوا تكذيباً، وكذبوا كذاباً يعني: تكذيباً، كما يقوله أيضاً ابن جرير -رحمه الله.

وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً أي: وقد عَلِمنا أعمالَ العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً، بعضهم يقول: هذا منصوب على المصدرية، كل شيء أحصيناه كتاباً، ويكون بهذا الاعتبار منصوباً على المصدرية لأحصيناه، يعني: أحصيناه إحصاءً، أحصيناه كتاباً، من الفعل "أحصى"؛ لأن الإحصاء هنا بمعنى الكتابة، أَحْصَيْنَاهُ كل ذلك قد كتب، فقال: كِتَاباً، فيكون المصدر من معنى الفعل لا من لفظه.

وبعضهم يقول: منصوب على الحال، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ الحال: أن الله كتبه، كتب ذلك فهو مكتوب، يعني: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً أي: مكتوباً، بعضهم يقول: كُلَّ شَيْءٍ هنا العموم يدل على أن المقصود ما كتب في اللوح المحفوظ، الله كتب فيه كل شيء، ومن ذلك عذاب أهل النار، ومن ذلك الأعمال التي عملوها، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً، أي ما كتبه في اللوح المحفوظ.

وابن جرير -رحمه الله- كأن هذا هو ظاهر كلامه؛ لأن عبارته: أحصيناه فكتبناه كتاباً، كتبنا عدده ومبلغه وقدره، فظاهر هذا أن المقصود بكلامه ما في اللوح المحفوظ.

وبعضهم يقول: أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً يعني: ما كتبه الملائكة من أعمال هؤلاء، كل هذا محصى عليهم بالكتابة، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [سورة ق:18]، بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [سورة الزخرف:80]، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة الجاثية:29]، فكل هذه الأشياء مكتوبة، أحصاها الله -تبارك وتعالى- وجعل هؤلاء الحفظة الكاتبين.

الذين قالوا: المقصود ما يكتب من أعمالهم، قالوا: لأن المقام مقام حساب، فهو يجازيهم ويتوعدهم، ويقول: كل ذلك مرصود، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً، كل هذه الأعمال -الدقيق والجليل- مسطورة ومكتوبة على هؤلاء.

ولا شك أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، ومن ذلك أعمال العباد، وما لهم من الجزاء، وكذلك الملائكة يكتبون، فالله أحصى كل ذلك كتاباً في اللوح المحفوظ، وأحصاه كتاباً أيضاً مما يتصل بأعمالهم حيث الملائكة تكتب، كل ذلك يُكتب.

هذا يدعو الإنسان إلى محاسبة النفس، وأنه حينما يتلفظ ويتكلم وما إلى ذلك هو يملي على الملَك، كل هذه الأشياء تكتب، وهذه الغيبة، وهذا الكلام، والملك يكتب، هو لا يكتبها لك، وإنما يكتبها عليك، وستعطى هذا الكتاب، وسيوضع هذا الكتاب في الميزان، بدلاً من أن يتكلم الإنسان ويخوض أو يشتغل بما لا ينفعه، يجعل مكان ذلك تسبيحاً، فيذكر الله ويشتغل بما يعود عليه بالنفع، وإذا أراد أن ينظر إلى الحرام أو يشتغل بالحرام، أو يفعل الحرام، أو يخطو إلى الحرام فيتذكر أن الله يحصي عليه ذلك جميعاً، وأن الملك يكتب هذه الأعمال، فهي أرصدة يتحملها الإنسان، ويحملها على ظهره يوم القيامة، ثم يجازيه الله عليها.

المؤمن الذي يؤمن بهذه الأشياء كل ذلك يحمله على التقوى والمراقبة والمحاسبة، فيتخفف من السيئات، ويكثر من الحسنات، وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [سورة يونس:61]، كل هذا الله شاهد وشهيد، والملك يكتب، فأين يذهب الإنسان إذا أراد أن يعصي الله ؟ وأين يذهب بقلبه ويتوجه بنظره وفكره إذا أراد أن يرائي الناس؟

والشيطان ما يترك أحداً، يتأمل الإنسان في أحوالنا وأحوال الخلق، ما يترك أحداً، إن كان من أهل العبث والمجون واللهو أغرقه بذلك، وإذا كان فيه ميل للصلاح أشغله بالباب الذي يميل إليه، إن كان أُعطي صوتاً حسناً لربما يتحول إلى قارئ يجعل القرآن سبيلاً إلى التكسب أو سبيلاً للرياء والسمعة وطلب المنزلة في قلوب الناس، فيتحول إلى متاجر بالقرآن، يطلب به الأموال، أو يطلب أشياء من الثناء والمدح والشهرة، الأصوات الجميلة فتنة، الشيطان ما يترك أحداً، فتجد هذا الإنسان يتغنى ويصدح في هذه المحاريب، وقد يكون لا خلاق له عند الله، ولا تزيده صلاته وقراءته من الله إلا بُعداً، -نسأل الله العافية، يذهب ويجيء.

وإذا كان عنده فضل علم أو نحو ذلك يأتيه الشيطان من هذا الباب، فيتولد عنده من الأوصاف من الكبر ورؤية النفس والعجب واحتقار الخلق، وحب الثناء والإطراء والمحمدة والأضواء ما يجعله مفتوناً -نسأل الله العافية، فيكون العلم هذا وبالاً عليه، وهكذا إذا كان فيه ميل إلى الكرم أو البذل أو الإنفاق، أو الشجاعة والجهاد في سبيل الله قد يُبطل عليه أعماله كلها، نسأل الله العافية.

فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَاباً أي يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه، فلن نزيدكم إلا عذاباً من جنسهِ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [سورة ص:58].

قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه: فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَاباً قال: فهم في مزيد من العذاب أبداً.

الذوق يقال لما يجده الإنسان من مطعوم ومشروب، وهذا هو الأصل، ولكن لما كان ذلك يدرك بالحاسة قيل لكل ما يدرك بالحواس، فيقال: الإنسان ذاق الحر، ذاق البرد، ذاق الحلوة والمرة، ذاق الألم، ذاق المرض، كل ذلك يقال له: ذوق، فهذا الإنسان الذي قد يعذب أو يضرب، ويقال له: ذق، مع أنه لم يذق بلسانه، فكل ما يتناهى ويشتد أثره فيدركه بحواسه يقال له: ذوق، وقد يتناهى الأمر النفسي من جهة الألم فيكون بمنزلة الذي يحس فيقال: ذاق من التعب، ذاق من المعاناة، ذاق من الحزن، وما إلى ذلك، والله أعلم.

والسلام عليكم ورحمة الله.

  1. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [سورة النبأ:18]: زُمَرًا، برقم (4935)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين، برقم (2955).
  2. رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً... الآيات، برقم (3398)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﷺ، برقم (2373).
  3. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (220).
  4. رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم (249).
  5. رواه مسلم، في أوائل كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، برقم (2822).
  6. رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار، وأنها مخلوقة، برقم (3260)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه، برقم (617).

مواد ذات صلة