الإثنين 02 / شوّال / 1441 - 25 / مايو 2020
[3] من قوله تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} الآية:22
تاريخ النشر: ٠٥ / رمضان / ١٤٣٤
التحميل: 7505
مرات الإستماع: 5268

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فبعد أن أقسم الله هذه الأقسام الخمسة على قضية البعث أخبر عن حال المكذبين حينما تقوم الساعة وينفخ في الصور، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [سورة النازعات:8] فتكون في حال من الاضطراب والقلق، والخوف المزعج، ويحصل لهم من الذل ما يبدو على ظواهرهم، فتخشع أبصارهم، وهؤلاء المكذبون بالبعث يتساءلون على سبيل الاستبعاد أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً [سورة النازعات:11] أي: بالية قد صارت بها ثقوب وتجاويف، وهذا يذكرونه من صفتها إمعاناً في استبعاد البعث، فلم تكن تلك العظام سوية على حالها، بل تغيرت.

يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ [سورة النازعات:10]، نرجع إلى ما كنا عليه من الحياة بعد أن متنا وصارت عظامنا بهذه المثابة؟! تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ [سورة النازعات:12] يعني: إن كان ثمّة بعث، وإن كان ما يقوله محمد  ﷺ حقاً فهذه رجعة خاسرة؛ لأنهم كذبوا بها، ولم يؤمنوا، ولم يكن لهم رصيد من الإيمان والعمل الصالح، فهم إلى خسران، والله -تبارك وتعالى- يقول: الأمر في غاية اليسر فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [سورة النازعات:13]، نفخة في الصور، صيحة واحدة ثم بعد ذلك يقومون أحياء، فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [سورة النازعات:14] بعد أن كانوا في بطن الأرض، في قبورهم ولحودهم أصبحوا أحياء على ظاهرها.

ثم ذكر الله خبر فرعون لما جاءه موسى ﷺ فكذب به ولم يؤمن، هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ۝ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [سورة النازعات:15، 16]، ناداه الله بصوت يسمعه بالوادِ المسمى بطوى، قال له: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [سورة النازعات:17]، وفرعون لقب على كل من ملك مصر.

إِنَّهُ طَغَى تجاوز الحد في الطغيان والعتو على ربه -تبارك وتعالى، فقل له على سبيل العرض والتلطف في العبارة: هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى [سورة النازعات:18]، تؤمن فتتطهر نفسك من أدناس الشرك والكفر والمعاصي، وتزكو وتطيب بالإيمان، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [سورة النازعات:18، 19] أدلك على الله فتؤمن وتعرف ربك معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته فتخشاه، ثم بين له البرهان الساطع على نبوته وحقيّة ما جاء به.

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى [سورة النازعات:20]، أراه العصا حيث تنقلب حية، وأراه يده تخرج بيضاء من غير سوء، فَكَذَّبَ وَعَصَى۝ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى [سورة النازعات:21].

وقوله تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى [سورة النازعات:22] أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جَمْعُهُ السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى من المعجزات الباهرات.

ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى [سورة النازعات:22] بعد أن كذب وعصى، أَدْبَرَ يَسْعَى، في مقابلة الحق بالباطل، وجَمَعَ السحرة، وسعى في الكيد، ليبطل ما جاء به موسى ﷺ، هذا حاصل ما ذكره ابن كثير -رحمه الله.

وابن جرير –رحمه الله- يقول: يسعى: يعني في معصية الله ، وفيما يسخطه عليه، كلام ابن جرير أعم من كلام ابن كثير.

ومن أعظم معصية الله تعالى ومما يسخط الله عليه هو الكيد والسعي في إبطال ما جاء به موسى ﷺ، فيكون ما ذكره ابن كثير أخص.

ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ۝ فَحَشَرَ فَنَادَى [سورة النازعات:22، 23] الفاء تدل على التعليل، وترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهذا يسمى بدلالة الإيماء والتنبيه: أن يقرن الحكم بوصف لو لم يكن علة له لكان ذلك معيباً عند العقلاء، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ۝ فَحَشَرَ فَنَادَى فدل على أن هذا السعي يطلق ويراد به العمل، فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [سورة الجمعة:9] يعني: اعملوا على حضور الجمعة، وترك الاشتغال عنها بالبيع والشراء وما إلى ذلك، وهذا كثيراً ما يأتي بهذا المعنى في كتاب الله ، وأصل السعي هو ضرب من المشي بإسراع؛ ولهذا قال النبي ﷺ: لا تأتوها وأنتم تسعون[1] يعني: تسرعون، مع قوله في الجمعة: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ  [سورة الجمعة:9]، يقول ابن كثير: أي: اعملوا على حضورها، وبادروا، وليس المراد هو الإسراع في المشي، فالمقصود أن أصل كلمة السعي فيه معنى الإسراع.

فلما سمع فرعون هذه الدعوة من موسى ﷺ يدعوه إلى توحيد الله والإيمان به، ويقول: إنما أنت عبد لله ، فأدلك عليه من أجل أن تخشاه، ذهب فرعون وجمع قومه وقال هذه المقالة التي هي في غاية الشناعة، أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24]، لكن هذا فيما يظهر كان قبل تحديد الموعد الذي تواعد به مع موسى ﷺ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [سورة طه:59]، فعندها دعا فرعون الناس من أجل الحضور، وحَشَرَ السحرة من أجل المضادة والعمل على إبطال ما جاء به موسى ﷺ؛ ولهذا يقول ابن جرير –رحمه الله: فَحَشَرَ فَنَادَى [سورة النازعات:23] يعني: جمع قومه وأتباعه فقال لهم: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى.

فَحَشَرَ فَنَادَى [سورة النازعات:23] أي: في قومه، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى [سورة النازعات:24] قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38] بأربعين سنة.

هذا مأخوذ من الإسرائيليات -والله أعلم، وهذا صريح في أنه ادعى الربوبية، وفي الآية الأخرى مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38]، فادعى الإلهية والربوبية -قبحه الله، وهذا يرد على من قال من المفسرين: إن فرعون قصد حينما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24] أنا الملِك، فمن معاني الرب: الملِك، والسيد، أي: أنا سيدكم، أنا ملككم الأعظم.

ومنه قوله سبحانه: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [سورة يوسف:76]، وقوله: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ [سورة يوسف:43]، ولا منافاة، هو ملك، وفي عهد إبراهيم ﷺ في الحديث الذي ذكره النبي ﷺ في خبره لما أراد أن يأخذ امرأة إبراهيم جاء في تسميته بالملك، فهؤلاء الفراعنة هم ملوك، ومؤمن آل فرعون قال: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ [سورة غافر:29]، فكان ذلك من قبيل الملك.

ويدل على أنهم امتداد للأولين الذين كانوا في زمن إبراهيم، ثم في زمن يوسف -عليهما الصلاة والسلام- أن مؤمن آل فرعون قال مخاطباً لهؤلاء الفراعنة لما أرادوا قتل موسى -عليه الصلاة والسلام، قال: وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا [سورة غافر:34]، فدل على أن هؤلاء امتداد له، فهذا الخطاب لا يتوجه إليهم إلا إذا كان أولائك من أسلافهم وأجدادهم وآبائهم قطعاً، فإن الأبناء يخاطبون بخطاب الآباء إذا كانوا على طريقتهم في المذمة.

وأما النعمة اللاحقة للآباء فهي لاحقة للأبناء، ولهذا تجد الخطاب كثيراً في بني إسرائيل وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ [سورة الأعراف:141]، والذين أنجاهم هم أجدادهم، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ [سورة البقرة:61]، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [سورة البقرة:55]، فهذا خطاب للمعاصرين للنبي ﷺ، والذين فعلوا ذلك هم أسلافهم، وأجدادهم، فكل هذا بناءً على أن الأبناء يخاطبون بخطاب الآباء إذا كانوا على طريقتهم في المذمة.

فالمقصود أن هؤلاء المفسرين يقولون: إن فرعون ما كان يدعي الربوبية؛ لأنه يوجد من كبار السن من كانوا يعرفون أن هذه الأكوان مخلوقة، وفرعون ما ولد، فكيف يكون هو الرب الأعلى؟ قالوا: بمعنى أن قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى أنا سيدكم، وهذا الكلام غير صحيح؛ لأنه هنا قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38]، وفعل بالسحرة ما فعل؛ لأنهم توجهوا بالعبادة إلى غيره، ويمكن أن يصل الغرور والجنون ببعض الناس إلى أن يدعي هذا، ويجد من يصفق له، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [سورة الزخرف:54]، والله المستعان.

وأما قوله -تبارك وتعالى- عن قيل الملأ لفرعون: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [سورة الأعراف:127] فهذا لا إشكال فيه، فهو له آلهة يعبدها، ولكنه كان أيضاً يخاطب قومه بهذا مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38]، فهو يعبد آلهة، لكنه يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي، ويقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، والله المستعان.

قال الله تعالى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى [سورة النازعات:24] أي: انتقم الله منه انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [سورة هود:99]، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ [سورة القصص:41].

الآن ظاهر كلام ابن كثير أن الآخرة هي يوم القيامة واليوم الآخر، والأولى هي الدنيا، وهذا في الواقع معنًى ذكره جماعة من السلف، النكال: مصدر، ويمكن أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، يعني: أخذه أخْذَ نكال.

ونكال الآخرة هو عذاب النار، قال سبحانه: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [سورة غافر:46]، فهذا نكال الآخرة، ونكال الدنيا الغرق، وهذا قال به جمع من السلف، وهو الذي مشى عليه ابن كثير، وقال به قتادة، والحسن.

وبعضهم يقول: نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى ليس الآخرة يوم القيامة، وإنما في أول حياته وآخرها، نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى عذاب أول عمره وآخر عمره، وهذا قاله مجاهد، لكن الذي قبله هو المتبادر، والله تعالى أعلم.

وبعضهم يقول: المراد بالآخرة والأولى من الكلمتين، فالآخرة حينما قال لهم: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، والأولى: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي، هذا يقوله ابن جرير -رحمه الله- وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والشعبي والضحاك.

وبعضهم يقول: الآخرة: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، والأولى: هي تكذيبه لموسى ﷺ، يعني: أن الله نكّل به لسوء صنيعه، وقبح مقاله أولاً وآخراً.

والمعنى الذي ذكره ابن كثير -رحمه الله- هو الأقرب وهو المتبادر، وهو الذي سبقه إليه ابن عباس، وطائفة من التابعين كما سمعتم.

وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [سورة النازعات:26] أي: لمن يتعظ وينزجر.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً يعني: فيما ذكره الله من خبر الآخرة والقيامة، وما ذكره من خبر موسى وفرعون.

أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ۝ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ۝ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ۝ وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ۝ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ۝ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ۝ مَتَاعاً لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ [سورة النازعات:27-33].

يقول تعالى محتجاً على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: أَأَنْتُمْ أيها الناس أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ؟ يعني: بل السماءُ أشدّ خلقاً منكم، كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [سورة غافر:57]، وقال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ [سورة يس:81].

الاحتجاج على منكري البعث بهذه السماء، وهذه الأجرام العظيمة التي هي أشد خلقاً من الإنسان هو واحد من الأدلة التي احتج الله بها عليهم.

وقوله تعالى:بَنَاهَا فسره بقوله: رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مُكللة بالكواكب في الليلة الظلماء.

قوله -تبارك وتعالى: رَفَعَ سَمْكَهَا، رفعه يعني: أعلاه في الهواء، وجعله عالياً، لا يصل إليه الناس، وهذا معنى رفْع السَّمْك، أي إعلاؤه، إعلاء البناء، رَفَعَ سَمْكَهَا، يقال: هذا بناء مسموك، أي: مرتفع، وعلى هذا قول الفرزدق:

إنّ الذي سمَكَ السماءَ بنى لنا بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطولُ

إن الذي سمك السماء، يعني: رفع السماء.

أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ۝ رَفَعَ سَمْكَهَا، وهذا لا يعارض قول من قال كالبغوي: رَفَعَ سَمْكَهَا يعني: سقفها، والمعنى واحد؛ لأن الرفع مذكور قبله، رَفَعَ سَمْكَهَا يعني: رفع السماء، رفع سقفها، وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا [سورة الأنبياء:32]، فهي سقف، وهذا كله يرد على أهل الفلك من القدماء الذين يقولون: إن السماء ليست بسقف، وإنما غازات، وللأسف الكثير من المسلمين ممن يشتغلون بعلوم الفلك فضلاً عن غيرهم يتابعونهم في هذا، حتى بعض الذين يتكلمون عن الإعجاز العلمي ظاهر كلامهم أنهم لا يثبتون سقفاً، فمن ثنايا الكلام واضحٌ أنهم يتحدثون عن غازات ويقولون: هذه هي السماء، والله يقول: وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا [سورة الأنبياء:32]، ويقول: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [سورة الذاريات:7]، أي: متقنة الصنع، ومحكمة البناء، أو التي فيها تمويج مثل الرمال إذا جاء عليها الهواء يكون فيها نوع من التمويج.

أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا ۝ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [سورة النازعات:27، 28]، جعلها الله في حال من الاستواء، واكتمال الخلق، واعتداله، وقوته، ليس فيها تفاوت، ولا تصدع، وليس فيها ضعف في البناء كما يحصل في البناء الذي يبنيه الناس، فجعلها مستوية معتدلة، لا اعوجاج فيها ولا فطور.

وقوله تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [سورة النازعات:29] أي: جعل ليلها مظلماً أسودَ حالكاً، ونهارها مضيئاً مشرقاً نيّراً واضحاً.

ابن جرير -رحمه الله- يقول: إن معنى رَفَعَ سَمْكَهَا يعني: سوّى السماء فلا شيء أرفع من شيء، وجعلها في حال من الاستواء، ليس فيها تضاريس ومرتفعات ومنخفضات كما هي في الأرض، فَسَوَّاهَا، فجميعها مستوٍ في ارتفاعها وامتدادها، فهي مستوية الأرجاء والأبعاد.

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [سورة النازعات:29]، قال: جعل ليلها مظلماً أسودَ حالكاً، ونهارها مضيئاً مشرقاً نيراً واضحاً، قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه.

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا أظلمه، الله -عز وجل-يقول: فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ يعني: القمر، وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [سورة الإسراء: 12]، هي الشمس.

وأضاف الليل إلى السماء؛ لأن الشمس تشرق وتغرب في السماء، فإذا أشرقت الشمس طلع النهار، وإذا غربت جاء الليل، فأضاف ذلك إليها، فالليل هو غروب الشمس، وطلوعها يساوي طلوع النهار، فأضيف إليها، كما قيل: نجوم الليل؛ لأنها تطلع في الليل، والنهار عبر عنه بالضحى مع أن الضحى هو جزء من أجزاء النهار، ووقته من بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح، وله أول، وله أوسط، وهناك الضحى الكبير أو الأكبر الذي يكون في آخره؛ ولهذا جاء في صلاة الأوابين حين تَرْمَض الفِصال[2]، الإبل الصغار لا تحتمل حرارة الشمس، فتصيبها الرمضاء فتحرك قوائمها، إذا رمضت الفصال.

قال بعض أهل العلم: عبر بالضحى؛ لأنه أشرف أوقات النهار من حيث البركة، والنشاط، والانطلاق، والعمل، والسعي، بورك لأمتي في بكورها[3]، ولا زال الناس مِن أمثالهم: أمير النهار أوله.

فقوله: وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا يعني: أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس، هذا كله من دلائل قدرته -تبارك وتعالى- على بعث الأجسام وإعادتها من جديد.

قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وجماعة كثيرون.

وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا أي: أنار نهارها.

وقوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [سورة النازعات:30] فسره بقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا [سورة النازعات:31] وقد تقدم في سورة "حم السجدة" أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير.

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [سورة النازعات:30]، أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا [سورة النازعات:31]، يعني: كان ذلك مهيأً فيها، قد جعلها الله بهذه المثابة، فيها ماء، وهي أيضاً قابلة للنبات، فإذا فُجرت العيون وجرت على ظهرها فهذا إخراج بالفعل، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، فجعله الله كامناً فيها، دَحَاهَا ۝ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، خلقها خلقاً مهيأً لذلك، وهذه الأوصاف كامنة فيها، فخروجها هذا هو الخروج بالفعل.

بعض أهل العلم قال: الدحو هو ما ذكره الله في قوله: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، والواقع أن هذا من الدحو ومما يدخل فيه.

وقوله: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [سورة النازعات:32] أي: قررها وأثبتها وأكَّدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرءوف بخلقه الرحيم.

وقوله مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ [سورة النازعات:33] أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبت جبالها، لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعا لخلقه ولِمَا يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل.

  1. أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيا (1/ 421)، رقم (602).
  2. أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال (1/ 515) رقم: (748)
  3. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1/ 229)، رقم: (754)، وأخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الابتكار في السفر (3/ 35)، رقم: (2606)، والترمذي، أبواب البيوع عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في التبكير بالتجارة (3/ 509)، رقم: (1212)، بلفظ: اللهم بارك لأمتي في بكورها.

مواد ذات صلة