الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
[1] من قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} الآية:1 إلى قوله: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى}.
تاريخ النشر: ٢٤ / جمادى الأولى / ١٤٣٥
التحميل: 5938
مرات الإستماع: 17546

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

تفسير سورة النجم وهي مكية.

روى البخاري عن عبد الله قال: أولُ سورة أنزلت فيها سَجْدة: والنَّجم، قال: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه، إلا رجلا رأيته أخذ كفًّا من تُرَاب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتِل كافرًا، وهو أمية بن خلف[1].

وقد رواه البخاري أيضا في مواضع، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طرق، عن أبي إسحاق به.

 بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى [سورة النجم:1-4].

قال الشعبي وغيره: الخالق يُقسِم بما شاء من خَلْقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق، رواه ابن أبي حاتم.

وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى قال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: يعني بالنجم: الثُّريّا إذا سقطت مع الفجر.

وقال الضحاك: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى إذا رُمي به الشياطين.

وهذه الآية كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۝ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۝ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ۝ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الواقعة:75-80].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، يقول: قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني بالنجم: الثريا، والثريا واحد من النجوم، والله أقسم بالنجم، وَالنَّجْمِ،.

ووجه تخصيص النجم بالثريا عند القائل به -كما نقل الحافظ عن مجاهد، وهو قول كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، أنه الثريا- أن العرب إذا أطلقت النجم فإنها غالباً تقصد به الثريا، هذا وجه هذا القول عند القائل به، وَالنَّجْمِ يقولون: والقرآن نزل بلغة العرب، والعرب تطلق النجم وتقصد به الثريا غالباً، فقالوا: نحمل ذلك على معهودهم في الخطاب؛ لأن القرآن إنما نزل بلغتهم.

وهذا القول وإن كان له وجه إلا أنه لا يخلو من إشكال، وَالنَّجْمِ يعني: هل يقسم الله بالثريا إذا هوى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، هل هذا هو المعنى المقصود؟

القسم كما هو معلوم لا يكون إلا بأمر معظم، والثريا وإن عبدها قوم من أهل الجاهلية إلا أن ذلك لا يعني أن يحمل القسم هنا على الثريا، فالله -تبارك وتعالى- لم يحدد نجماً بعينه، ولهذا حمل بعضهم النجم على الجنس، جنس النجوم، وإن اختلف القائلون بذلك؛ لأن من أهل العلم من قال: المقصود بذلك في الآخرة، يوم القيامة، اليوم الآخر، بمعنى أن النجوم تسقط يوم القيامة.

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى أي: يوم القيامة، فمعلوم أن النجوم تنكدر ويتغير نظام هذا الكون الذي نشاهده، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، وهذا أيضاً لا يخلو من إشكال؛ لأن هؤلاء المخاطبين أصلاً لا يؤمنون باليوم الآخر، والقسم إنما يقصد به تأكيد الشيء وتقويته، فهم لا يؤمنون باليوم الآخر أصلاً، ولا عهد للمخاطبين بهذه القضية، وهي انكدار النجوم في يوم القيامة، فهذا المعنى وإن كان واقعاً -يعني أن النجوم تنكدر أو تسقط- إلا أن حمل القسم عليه هنا لا يخلو من إشكال -والله تعالى أعلم.

وبعضهم يقول: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، حمله على الجنس كما قلنا، لكن قالوا: معنى هَوَى أي: غرب، أقسم الله به حال غروبه، هَوَى، وهذا في الدنيا، فإن النجوم تدور وتتحرك كل في فلك يسبحون، وتطلع وتغرب، فيكون الله أقسم به لهذا المعنى، وهو مظهر من مظاهر العظمة، كما أقسم الله بالليل في حال إقباله وحال إدباره، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [سورة التكوير:17]، فإن كلمة عسعس من المشترك الذي يحمل معاني متضادة، بمعنى أقبل وبمعنى أدبر، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [سورة الضحى:2] يعني: أقبل وأرخى سدوله، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [سورة الليل:1]، بظلامه يعني، وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [سورة المدثر:33] أقسم به في هذا، وفي هذا، فهذا المعنى محمول على هذا.

يقول: يعني بالنجم الثريا إذا سقطت مع الفجر، وقال الضحاك: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى إذا رمي به الشياطين، وهذه الآية كقوله: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [سورة الواقعة:75، 76]، بين هذه الآية وهذه الآية ارتباط، لكن العلماء الذين يقولون بالارتباط بين الآيتين يختلفون في تفسير ذلك، على أي شيء تحمل هذه الآيات؟

فالشاهد نعود إلى القائلين بأن المقصود به النجم يعني جنس النجوم، فمنهم من قال: من يرمى به الشياطين، وهم لا يقصدون أن الشياطين يرمون بنفس النجم، يسقط عليهم، وإنما يسقط عليهم شهب من هذه النجوم، فهو من باب إطلاق الشيء على بعضه أو جزئه، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى يعني: ما يرجم الشياطين من الشهب، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة:75] أي: بمساقطها.

فمن أهل العلم من قال: إن الآيتين بمعنى واحد، فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ أي: بمساقطها، حينما يرمى بها الشياطين الذين يسترقون السمع، وهذا القول اختاره الحافظ ابن القيم -رحمه الله- واحتج له بقرينة من الآيات في السياق، فالله -تبارك وتعالى- يقول: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى أقسم على ماذا؟ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ۝ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [سورة النجم:2-6] إلى آخره.

ويقول: هذه النجوم التي يرمى بها الشياطين الذين يسترقون السمع هي حماية للوحي من الشياطين، فالله أقسم بها للون من الارتباط بينها وبين المقسم عليه، وهو أن النبي ﷺ ما ضل عن الحق وما غوى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، فهذا من عند الله ليس فيه شيء من الاختلاق والباطل أو من تدخل الشياطين، فيقول: الدليل على أن المقصود بالنجم إذا هوى يعني الشهب أن هذه النجوم حراسة للوحي، فدل ذلك على أن هذا هو المقصود بهذا القسم، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى.

ومن أهل العلم من يقول: إن المعنى في الآيتين فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة:75] ووَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى أن المقصود بالنجم وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى يعني: نجوم القرآن، وقالوا: هذا كقوله: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۝ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة:75-77]، بمعنى: أن القرآن نزل منجماً بمواقع النجوم، نزل منجماً، ولم ينزل جملة واحدة كما كانت الكتب السابقة.

وهذا القول اختاره جماعة من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله، واحتج له بهذه القرينة، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۝ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، وفي الآية هنا وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، وهناك إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فيقول: هذا النجم هو قرآن كريم، ليس بضلال ولا غواية ولا من قول الشياطين، وقال: تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الواقعة:80]. 

ويقول: إن الله قد أقسم بالقرآن كما قال الله في مواضع: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [سورة يس:2]، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [سورة الدخان:2]، وما شابه ذلك، فوجه هذا القول واضح، النجم المقصود به ما ينزل من القرآن؛ لأنه نزل منجماً، وقيل له: نجم؛ لأنه نزل مفرقاً، والعرب تسمي المفرّق منجماً، وتسمي التفريق تنجيماً، والسبب في هذا في الأصل -والله تعالى أعلم- أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت لحلول آجال الدين، هذا في الأصل، مواقيت لحلول آجال الديون، فيقولون: إذا طلع النجم -يعنون الثريا مثلاً- حل عليك الدين، متى موعد السداد؟ إذا طلع النجم.

فالقرآن لما نزل منجماً صاروا يقولون هم في استعمالهم لكل ما فرّق: إنه منجم، فيقولون: هذا جعله نجوماً، حينما يكاتب مثلاً السيد العبد فهي كتابة منجمة، يعني: يدفعه له أقساطاً، هذا الذي نسميه أقساطاً هو التنجيم عندهم، يدفعه على نجوم، في كل نهاية شهر يدفع قدراً معيناً، فالقرآن نزل في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة -على الخلاف المعروف- نجوماً.

فهؤلاء يقولون: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى يعني: القدر الذي نزل من القرآن إِذَا هَوَى، لكن هذا غير متبادر، والله تعالى أعلم، وهل يقال لما ينزل من القرآن: إنه يهوي؟ وهل هذا معهود في القرآن أن يسمى نزول القرآن بالهَوِىّ، ففيه بعد، والله تعالى أعلم، ولو أن قائلاً قال: إن المقصود بالنجم جنس النجم فإن هذا لعله أقرب من تخصيصه بالثريا، ومِن حمْل النجم على القدر من الشيء كالأقساط أو المعنى الذي ذكرناه -بمعنى ما ينزل من القرآن، وتكون النجوم هي التي يرمى بها الشياطين، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، والعلم عند الله -تبارك وتعالى.

ويقول: وهذه الآية كقوله: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة:75].

وقوله تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بأنه بارٌّ راشد تابع للحق، ليس بضال: وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم.

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، فالله نفى عن نبيه ﷺ الضلال والغي، فهو على رشد، وقد وصفه الله بالأوصاف الكاملة في القرآن، سلوك طريق الاستقامة إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [سورة الزخرف:43]، إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [سورة النمل:79]، إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ [سورة الحج:67]، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ، الضلال بمعنى الذهاب عن الحق، ترك الحق بسبب الجهل به غالباً، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، هنا فقط لما قال: وَمَا غَوَى، وإلا فقد يضل الإنسان على علم، لكن يعبر في كل مقام بما يليق، كما في قوله تعالى: غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [سورة الفاتحة:7]، ففسر الأول باليهود لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وفسر الثاني بالنصارى، ضلوا عن الحق لجهلهم.

وهذا وجه في تفسير قوله -تبارك وتعالى- في سورة النور في اللعان، لما ذكر لعان المرأة ختمه بقوله: وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [سورة النور:9]، وفي لعان الرجل ذكر اللعن، فتوجيه ذلك يمكن أن يقال: لأن النساء لا يبالين باللعن غالباً، كما قال النبي ﷺ: تكثرن اللعن[2]، فهو خفيف على لسانها فجيء بالغضب في حق المرأة، واللعن في حق الرجل في الشهادة.

أو يقال -وهو الشاهد: إن هذه المرأة تعلم أن ما قاله زوجها حق أو باطل، هل هو كاذب عليها أو غير كاذب، فجيء بالغضب؛ لأنها إن أنكرت وهو صادق فهي مستحقة للغضب، فقوله: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ عبر بالصاحب؛ لأنه أبين في إقامة الحجة، وذلك أنهم يعرفونه تمام المعرفة، لا يخفى عليه من أمرهم شيء، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ، صاحبكم الذي تعرفونه، وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ [سورة التكوير:22]، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [سورة المؤمنون:69]، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى والغي ضد الرشاد، يعني ما صار غاوياً.

ليس بضال: وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم.

والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو -صلوات الله وسلامه عليه- وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أي: ما يقول قولا عن هوى وغرض، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى أي: إنما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان.

قوله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، الضمير في قوله: هُوَ يرجع إلى القرآن، هذا يحتمل، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ يعني: القرآن الذي جاء به إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، ويحتمل أن يرجع إلى النطق المفهوم من الفعل ينطق، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ أي: النطق الذي ينطق به وَحْيٌ، إِنْ هُوَ أي: النطق، فهو إنما ينطق بالوحي.

وهذا أحسن من الأول، فيدخل في ذلك القرآن، ويدخل فيه السنة، والنبي ﷺ لما قالت قريش لعبد الله بن عمرو بن العاص وكان يكتب عن رسول الله ﷺ كل ما يقول، فقالوا: إنك تكتب عن رسول الله ﷺ في الغضب والرضا، وإن رسول الله ﷺ بشر... إلى آخر ما قالوا، فقال له النبي ﷺ: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق[3]، وأشار إلى فمه -عليه الصلاة والسلام، فالسنة وحي، والنبي ﷺ يقول:ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه[4]، والله يقول: وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة النساء:113]، يعني السنة، فهي وحي من الله، فإذا فسر بهذا المعنى كان أشمل من المعنى الأول، إِنْ هُوَ لو فسرناه بالقرآن فيكون هذا التفسير قاصراً عن السنة، والتفسير الثاني أشمل وأوسع، وهو أقرب وأرجح، والله تعالى أعلم.

كما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة -رضي الله تعالى عنه- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحَيَّيْن -أو مثل أحد الحيين: رَبِيعة ومُضَر، فقال رجل: يا رسول الله، أوََمَا ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول[5].

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال:(اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق[6]، ورواه أبو داود

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ۝ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ۝ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ۝ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ۝ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ۝ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ۝ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ۝ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ۝ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ۝ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [سورة النجم:5-18].

يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد ﷺ أنه عَلَّمه الذي جاء به إلى الناسشَدِيدُ الْقُوَى، وهو جبريل -عليه الصلاة السلام، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۝ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ۝ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [سورة التكوير:19-21].

وقال هاهنا: ذُو مِرَّةٍ أي: ذو قوة، قاله مجاهد، والحسن، وابن زيد.

ذُو مِرَّةٍ أي: ذو قوة، وشدة في الخلق، ولكن هذا قد يكون تكراراً مع ما قبله عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، شديد القوى، ذو قوة، فكأنه تكرار على هذا التفسير، ولهذا فسره جماعة من أهل العلم بغير هذا، فمن قائل: ذو مرة أي اكتمال في الخلق، أنه مكتمل الخلق، صحيح الجسم، سليم من الآفات، كما قال ابن جرير -رحمه الله، ومن قائل: إن المراد ذو مرة أي حصافة في الرأي، وهذا وإن كانت اللفظة تحتمله في اللغة إلا أنه لا يخلو من بعد، الكلام هنا على الوحي وأن جبريل جاء للنبي ﷺ، فهل المراد أن يمدح جبريل بأنه ذو حصافة في الرأي في هذا المقام؟ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وفسره بعضهم كالحافظ ابن قيم -رحمه الله- ذُو مِرَّةٍ أي: حسن وبهاء وجمال في الهيئة والصورة وما إلى ذلك، ذُو مِرَّةٍ يقول: أي ذو قوة، قاله مجاهد، والحسن، وابن زيد.

وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهم- أن النبي ﷺ قال: لا تحل الصدقة لغنيٍّ، ولا لِذِي مِرّة سَوِيّ[7].

وقوله تعالى: فَاسْتَوَى يعني: جبريل ، قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس.

استوى أي جبريل -عليه الصلاة والسلام، فمن أهل العلم من قال: استوى أي ارتفع؛ لأن من معاني الاستواء الارتفاع، فهو لما علّم النبي ﷺ وأوحى إليه ارتفع، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى بعدما علّمه، يعني ارتفع، صعد، علا.

الآية: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ۝ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، استوى وهو بالأفق الأعلى، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المراد فَاسْتَوَى: أي قام واعتدل وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، يعني أنه هبط من السماء فرآه النبي ﷺ مستوياً في الأفق، ثم دنا فتدلى إلى النبي ﷺ، يعني رآه بين السماء والأرض ساداً ما بين الأفق، فهذا معنى فَاسْتَوَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى.

من أهل العلم من يقول: معنى استوى: أي أنه قام في صورته التي خلقه الله عليها، كان يأتي إلى النبي ﷺ أحياناً في صورة الآدميين كدحية الكلبي -بعد ذلك في المدينة، وأحياناً يأتي كصلصلة الجرس إلى غير ذلك من الحالات كما في الحديث في سؤال الحارث بن هشام للنبي ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فجاءه ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى أي: بصورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح.

وتفسير استوى بالمعنى الثاني -والله تعالى أعلم- أقرب، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى أي: رآه بين السماء والأرض مستوياً ساداً ما بين الأفق، وهذا في نزوله على النبي ﷺ، هذا غير الذي عند سدرة المنتهى، فإنه كان في المرة الثانية، لكن هذا حينما هبط إليه في الأرض، وابن جرير -رحمه الله- حمل ذلك على معنى استغربه ابن كثير -رحمه الله- في الأصل، وذكر أنه لم يقل به غيره، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ أي: جبريل، فَاسْتَوَى ۝ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، يقول: يعني النبي ﷺ حينما أسري به، يقول: هذا ليلة الإسراء لما صعد بالنبي ﷺ جاءه جبريل فعرج به إلى السماء إلى الأفق الأعلى، وهذا فيه بعد، فهذا حينما نزل جبريل على النبي ﷺ بالوحي كما تدل عليه الأحاديث، وليس المقصود أنه عرج به إلى السماء.

وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى يعني: جبريل استوى في الأفق الأعلى.

وليس النبي ﷺ، والسياق يدل على هذا.

قاله عكرمة وغير واحد، قال عكرمة: والأفق الأعلى: الذي يأتي منه الصبح، وقال مجاهد: هو مطلع الشمس، وقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار، وكذا قال ابن زيد، وغيرهم.

هذه الأقوال الآن هل هي أقوال مختلفة يحتاج أن يقال: القول الأول: مطلع الشمس.

والثاني: الذي يأتي منه الصبح.

والثالث: الذي يأتي منه النهار؟

الصبح من مطلع الشمس، ومطلع الشمس هو الذي يطلع منه النهار، فهذا يسمى باختلاف التنوع، يعني عبر كل واحد من هؤلاء بعبارة تدل على المراد غير عبارة الآخر، والمعنى واحد، فالأفق الأعلى هو مطلع الشمس، والأفق هو ناحية السماء في الأصل، ومراد هؤلاء بِالأفُقِ الأعْلَى يعني: المرتفع الذي يأتي منه الصبح، وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى.

وروى الإمام أحمد عن عبد الله –أي ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سَدّ الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل، والدر والياقوت ما الله به عليم[8]، انفرد به أحمد.

كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل، العرب تقول التهاويل للشيء الذي له ألوان مختلفة، الأشياء المختلفة الألوان يقولون لها: تهاويل، يسقط من جناحه التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم، هذا الحديث في إسناده ضعف، وله شواهد متعددة.

وروى أحمد عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: "سأل النبي ﷺ جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربك، فدعا ربه ، فطلع عليه سواد من قبل المشرق، فجعل يرتفع وينتشر".

ما المقصود بالسواد؟ يعني شخصاً، فطلع عليه سوادٌ، سواد إنسان، صورة إنسان، هذا المراد وليس اللون الأسود.

"فلما رآه النبي ﷺ صَعِق، فأتاه فَنَعَشَه ومسح البُزاق عن شِدْقه"[9].

وهذا أيضاً في إسناده ضعف.

وفي قوله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، من أهل العلم من قال: إن "عن" بمعنى الباء، وما ينطق بالهوى، ومنهم من قال: لا، "عن" على بابها، ما يصدر نطقه عن هوى، قالوا: وهذا أبلغ من تفسير "عن" بالباء، لماذا؟ قالوا: إذا كان لا يصدر نطقه عن هوى فإن هذا يتضمن المعنى الثاني وهو أنه لا ينطق بالهوى، من كان نطقه صادراً عن هوى فإن ما سينطق به سيكون تابعاً للمصدر، فسيكون بالهوى، فهذا المعنى أبلغ من تفسير "عن" بالباء، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى أي: ليس مصدر هذا النطق من الهوى، قالوا: هذا يتضمن المعنى الثاني وهو قولهم: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، أي: بالهوى؛ لأن نطقه إن كان صادراً عن هوى فسيكون حتماً ولا محالة بالهوى، فما كان مصدره باطلاً فإنه باطل.

  1. رواه البخاري، أبواب سجود القرآن، ما جاء في سجود القرآن وسنتها، برقم (1067)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة، برقم (576).
  2. رواه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم (304)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق، برقم (79).
  3. رواه أبو داود، كتاب العلم، باب في كتاب العلم، برقم (3646)، وأحمد في المسند، برقم (6510)، وقال محققوه: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الوليد بن عبد الله -وهو ابن أبي مغيث العبدري- فمن رجال أبي داود وابن ماجه، وهو ثقة، يحيى بن سعيد: هو القطان"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1532).
  4. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (17174)، وقال محققوه: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي فمن رجال أبي داود والنسائي، وهو ثقة"، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي ﷺ (ص171)، وفي تخريج مشكاة المصابيح، برقم (4247).
  5. رواه أحمد في المسند، برقم (22215)، وقال محققوه: "صحيح بطرقه وشواهده دون قوله: "فقال رجل: يا رسول الله ... إلخ"، فهي زيادة شاذة لم ترد إلا في حديث أبي أمامة، ورواتها ليسوا بأولائك الأثبات، وعبد الرحمن بن مَيْسرة -وهو أبو سلمة الحمصي- وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن المديني وحده: مجهول، لم يرو عنه غير حريز بن عثمان، وقوله هذا مردود برواية اثنين عنه غير حريز، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الصحيح، يزيد: هو ابن هارون السُّلمي"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5363)، وحسنه في السلسلة الصحيحة، برقم (2178).
  6. تقدم تخريجه
  7. رواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى، برقم (1634)، والنسائي، كتاب الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، برقم (2597)، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة، برقم (653)، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى، برقم (1839)، وقال الألباني: "قلت: حديث صحيح، وصححه ابن الجارود، وحسنه الترمذي" في صحيح أبي داود، برقم (1444).
  8. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (3748)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لضعف شريك -وهو ابن عبد الله النخعي، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين غير عاصم -وهو ابن أبي النجود- فقد أخرج له البخاري ومسلم في المتابعات، وهو حسن الحديث، حجاج: هو ابن محمد الأعور، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي".
  9. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (2965)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف، إدريس ابن منبه -وذكر الحافظ ابن حجر في "التهذيب" أنه في نسخة من "المسند": عن إدريس ابن بنت منبه: هو إدريس بن سنان اليماني ابن بنت وهب بن منبه، فقوله هنا: عن إدريس ابن منبه عن أبيه فيه تجوز، وإنما هو جده لأمه، قال ابن معين: يُكتب من حديثه الرقاقُ، وقال ابن عدي: هو من الضعفاء الذين يُكتب حديثهم، وقال الدارقطني: متروك".

مواد ذات صلة