الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
[3] من قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} إلى قوله تعالى: {مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}.
تاريخ النشر: ٠٨ / جمادى الآخرة / ١٤٣٥
التحميل: 5119
مرات الإستماع: 13019

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل فقال -جل وعلا: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [سورة الذاريات:17] اختلف المفسرون في ذلك على قولين:

أحدهما: أن "ما" نافية، تقديره: كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنه: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً.

وقال قتادة عن مطرف بن عبد الله: قلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله ، إما من أولها وإما من أوسطها.

 وقال مجاهد: قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون، وكذا قال قتادة.

وقال أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.

والقول الثاني: أن "ما" مصدرية، تقديره: كانوا قليلا من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر.

وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ عرفنا أن الهجوع هو النوم في الليل خاصة، وهذه الأقوال التي ذكرها مرجع الخلاف فيها وسبب الإشكال هو "ما" هذه، فمن قائل: إنها نافية -كما ذكر في القول الأول- وعلى هذا فالمعنى كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يعني: أن هؤلاء مُدحوا، مدحهم الله وأثنى عليهم بأن لهم نصيباً من الليل قليلاً -وقتاً يسيراً- لا ينامون فيه، يصلون، مدحهم بأنهم يخصون وقتاً يسيراً من الليل للصلاة.

كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، في وقت قليل من الليل لا يهجعون، هذا معنى، وهذا الوقت هل أنهم يصلون ما بين المغرب والعشاء، فهذا وقت من الليل؛ لأن الليل يبدأ من غروب الشمس، وكما ورد عن بعض السلف أنه في رمضان كان يقرأ ما بين المغرب والعشاء ويقول: هذا وقت غفلة، ومنهم من كان يصلي بين العشاءين، لكن هذا لا يقال: إنه قيام الليل، ليس ذلك بقيام الليل.

ومن أهل العلم من يقول: يصلون من الليل وقتاً يسيراً، لكن هل هذا هو ما دل عليه السياق، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، مع قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة المزمل:2]، وتَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [سورة السجدة:16]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنهم يحيون كثيراً من الليل في الصلاة، فهذا القول فيه بُعد، أن "ما" نافية بمعنى أن وقتاً يسيراً من الليل يحيونه بالصلاة، لم يمدحهم بصلاة عشر دقائق من الليل، ليس السياق في هذا.

وهكذا قول من قال: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ عكس هذا القول، لا يهجعون قليلاً بمعنى أنهم يحيون الليل كله، ما يهجع قليلاً ولا وقتاً يسيراً، وهذا أيضاً فيه إشكال، فخير الهدي هدي محمد ﷺ، والله ما قال له: قم الليل كله، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ [سورة المزمل:2، 3]، وكذلك في آخر السورة -سورة المزمل، وكذلك ما جاء عن النبي ﷺ في قيام داود وصلاة داود -عليه الصلاة والسلام، فكان يصلي صلاة لا تستغرق كل الليل، ولا يشرع للإنسان في غير العشر الأواخر من رمضان أن يحيي الليل كله، فهذا خلاف هدي النبي ﷺ.

وفي قصة سلمان الفارسي المعروفة: إن لنفسك عليك حقاً[1]، فنهاه أن يصلي الليل كله، وأقره النبي ﷺ على ذلك، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما كان يحيي الليل فالنبي ﷺ لم يقره على هذا، فليس المقصود بهذه الآية -والله تعالى أعلم- أن الله مدحهم أنهم يصلون وقتاً يسيراً، ولا أنهم لا ينامون وقتاً يسيراً، ما ينامون ولو قليلاً من الليل، ليس هذا ولا هذا، والله أعلم.

ومن أهل العلم من يقول: إن "ما" هذه صلة، يقصدون زائدة إعراباً، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يعني: قليلاً من الليل، وقتاً من الليل الذي يهجعونه، أو هجوعهم قليل، فإذا حذفت "ما" هذه صار المعنى كانوا قليلاً من الليل يهجعون. بمعنى أنهم يصلون وقتاً أطول، وهكذا قول من قال: إنها موصولة، كانوا قليلاً من الليل الذي يهجعون، وهكذا قول من قال: إنها مصدرية كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، وهذه كلها ترجع إلى معنى واحد، وهو أن الله مدحهم بأنهم يصلون من الليل صلاة طويلة، وقتاً طويلاً، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [سورة السجدة:16]، فهذه الآية تدل على أنهم يضّجعون، لا يصلون كل الليل، ولكن لا يستغرقون في نومهم فينامون نوماً طويلاً فيتركون صلاة الليل، يصلون من الليل صلاة طويلة كثيرة، وهذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم، أن الله مدحهم بطول الصلاة في الليل وبكثرتها، بإحياء كثير من الليل في القيام، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [سورة الذاريات:17، 18]، يصلون إلى السحر، ينامون بعض الليل، ويستغفرون في وقت السحر.

وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام[2].

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فقال أبو موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما والناس نيام[3].

وقوله : وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [سورة الذاريات:18]، قال مجاهد، وغير واحد: يصلون، وقال آخرون: قاموا الليل، وأخروا الاستغفار إلى الأسحار، كما قال تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ [سورة آل عمران:17]، فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن.

قوله: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ هل المراد بهذا الاستغفار أنه صلاة، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، يعني: يصلون، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ؟ من أهل العلم من فسره بالصلاة باعتبار أن هذا المصلي يطلب مغفرة الله، فهو سائل بفعله، وقد يكون سائلاً بقوله حينما يستغفر في صلاته، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فهذا الذي يصلي من الليل أو بالسحر إنما يطلب مغفرة الله -تبارك وتعالى.

والمعنى الظاهر المتبادر هو أنهم في السحر يستغفرون، يعني: يطلبون المغفرة بقولهم: أستغفر الله، أو نحو هذا، هذا هو الظاهر المتبادر، وهذا أمر معروف، وهو أنه يشرع للإنسان أن يستغفر كما ورد عن النبي ﷺ بعد الصلاة، فكان إذا انفتل من الفريضة يقول: أستغفر الله، ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام...[4]، فيستغفر بعد هذا، والله يقول: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [سورة البقرة:200]، ويكون ذلك الاستغفار بعد العمل الطيب الصالح من القيام، يستغفر في السحر؛ لأن الإنسان لا يخلو في عمله من تقصير فيحتاج إلى استغفار، وهو بهذا يطرد العجب عن نفسه، فلا يكون مُدِلاً على ربه -تبارك وتعالى- بهذا العمل، يستكثره ويستعظمه، فهذا قد يحبط العمل الصالح، والله أعلم.

وهنا يقول: فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن، يكونون جمعوا بين هذا وهذا، وهذه الآية تدل على فضل الاستغفار في السحر.

وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر[5].

وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخباراً عن يعقوب : أنه قال لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [سورة يوسف:98] قالوا: أخرهم إلى وقت السحر.

الذين قالوا بهذا -أعني التأخير- أخذوه من سوف، سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ [سورة يوسف:98]، فهي تدل على التأجيل، لماذا لا يستغفر في الحال؟ قالوا: أخرهم إلى وقت السحر، وهذا يحتاج إلى دليل، لكنهم أخذوا ذلك من هذه اللفظة سَوْفَ.

وقوله: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [سورة الذاريات:19]: لما وصفهم بالصلاة ثنّى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ أي: جزء مقسوم قد أفرزوه لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.

كثيراً ما نذكر وجه الجمع بين الصلاة والزكاة في كثير من المواضع في القرآن، وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ [سورة البقرة:43]، فهنا ذكر الصلاة بالليل، وذكر أيضاً الإنفاق، إنفاق الأموال في مرضات الله -تبارك وتعالى، وسعادة العبد دائرة بين أمرين: حسن الصلة بالله ورأس ذلك بالصلاة، والإحسان إلى الخلق وأعظم ذلك بالزكاة، وهذا لا ينافي قول من قال: إن الصلاة هي رأس العبادات البدنية، وإن الزكاة هي رأس العبادات المالية؛ لأن العبادات إما مالية وإما بدنية، وإما مركبة من هذا وهذا، لا تخرج عن هذه الأقسام.

لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ أما السائل فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق.

وأما المحروم فقال ابن عباس، ومجاهد: هو المُحَارَف الذي ليس له في الإسلام سهم.

يعني: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ [سورة المعارج:24]، هذه السورة مكية بالإجماع، ومعروف كلام العلماء -رحمهم الله- هل الزكاة فرضت بمكة أو لا، وسورة الأنعام سورة مكية، وقد قال الله فيها: وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [سورة الأنعام:141]، فما هذا الحق؟

العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من قال: هذه الآية من سورة الأنعام مدنية، وفسروها بالزكاة، ومنهم من قال: هذه الآية ليست في الزكاة وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وإنما هو شيء يُعطَى وقت الحصاد غير مقدر، ثم نسخ بالزكاة، وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.

والأقرب -والله أعلم: أن أصل الزكاة فرض بمكة من غير تقدير وتحديد للأنصباء، ثم بعد ذلك في المدينة فصلت هذا التفصيل: أنواع الأموال الزكوية، ومقادير الأنصباء، وما أشبه ذلك، هذا كله في المدينة، فالآية مكية -أعني من سورة الأنعام، وهنا هذه السورة مكية وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ هل هذا الحق هو الزكاة؟ أو أنه حق جعلوه على أنفسهم ولم يوجبه الله عليهم؟ وقد جاء في الحديث: إن في المال حقاً سوى الزكاة[6]، فمن قائل: إن هذا قد نسخ بالزكاة، ومن قائل: إنه موجود لكنه شيء يُعطَى غير مقدر كما دلت عليه آية الأنعام، ويقول هنا في تفسير المحروم: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد: هو المُحَارَف الذي ليس له في الإسلام سهم، يعني ليس له سهم من الغنيمة مثلاً، ما عنده سهم يستغني به.

والمقصود بالمُحارَف: هو الشخص الذي يطلب ويبتغي ويكتسب يعني لا يكسب مالاً لكنه يطلب ذلك ويروح ويجيء ويعمل ولكنه لا يخرج بطائل، يعني: أنه لا يحصل له كسب، يعمل ويزاول أعمالاً من أول النهار إلى آخر النهار، لكنه لا يخرج بنتيجة، فالله قد قدر له هذا، صار في ضيق من العيش، قدر عليه رزقه، والله جعل الخلق في هذا التفاوت الذي نراه في المعايش والمكاسب لحكمة يعلمها، ومن الناس من يعمل عملاً يسيراً تافهاً ويكتسب الملايين في لحظات، ومن الناس من يجد ويجتهد ويعمل أعمالاً كثيرة تستغرق عليه يومه وليلته ولا يجد قوتاً، فهذا المُحارَف هو الذي يعمل ولكنه لا يخرج بنتيجة، ليس عنده مال يكفيه، هذا المحروم على هذا التفسير.

يعني: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها.

وقالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها: هو المُحَارَف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه.

وقال قتادة والزهري:الْمَحْرُوم: الذي لا يسأل الناس شيئاً.

المحروم الذي لا يسأل الناس شيئاً، هذه المعاني التي ذكروها للسائل والمحروم كلها صحيحة، وكذا قول من قال: إنه مَن أصابته جائحة ذهبت بماله، حرم ماله، فهو يستحق أن يعطى وأن يلتفت إليه، وهكذا قول من قال: إنه المملوك، محروم؛ لأنه لا مال له، كل ما يكتسب فهو للسيد، وهكذا قول من قال: الكلب، فالكلب يزجر ويطرد إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [سورة الأعراف:176] تحمل عليه يعني تدفعه وتطارده.

أَمَا تَرَى الأُسْدَ تُخشَى وهي صامتةٌ وَالكَلْبُ يَخْسى لَعَمْرِي وَهو نَبَّاحُ

يَخْسى، فهذا قال به بعض السلف، أن المراد به الكلب، وهذا من باب التفسير بالمثال، فكل واحد من هؤلاء ذكر مثالاً على ما يصدق عليه أنه محروم يحتاج أن يلتفت إليه ويعطى، وكل هذه المعاني لا إشكال فيها، وكلها صحيحة، وإن استشكل هذا بعض أهل العلم، مثل الشعبي -رحمه الله- إمام من أوعية العلم- كان يقول: منذ احتلمت وأنا أتطلب معنى المحروم، ولم أصل فيه إلى شيء إلى يومي هذا، يقول: ما عرفت معنى المحروم، لكن هؤلاء العلماء فسروا المحروم بهذه التفسيرات، وكل ذلك صحيح، فالمحروم هو المحروم، لا يسأل ولا يُتفطن له، ليس عنده وظيفة تكفيه ولا دخل ثابت، وليس عنده تجارة، وإذا ذهب هنا وهناك يطلب الرزق يخرج صفر اليدين، وهكذا كل من كان بهذه الصفة -ليس عنده ما يكفيه- فإنه محروم، ويحتاج إلى أن يحسن إليه، والله لم يجمع عليه حرمانين، حيث حرمه قدَراً فأمر شرعاً بإعطائه والإحسان إليه ورعايته، والله أعلم.

قال الزهري وقد قال رسول الله ﷺ: ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنى يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه[7]، وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر.

هذا الحديث يدل على معنى المحروم هو لا يسأل فلا يتفطن له، ما عنده شيء يكفيه إن تطلب لم يربح، وليس له سهم في بيت المال ولا الفيء ولا الغنيمة، فهو ما عنده كفاية، مثل ابن القيم -رحمه الله- يفسر المحروم بالذي لا يسأل الناس فلا يتفطنون له، وهذا معنى صحيح، وكل المعاني التي ذكرها السلف لا تنافي هذا، ولهذا يحمله مثل ابن جرير -رحمه الله- على أعم معانيه، كل المعاني التي ذُكرت داخلة تحته؛ لأن أصل معنى الحرمان المنع، فهذا محروم أي أنه ممنوع لا يصل إليه رزقه، لا يسأل وليس عنده كفاية، لا من تجارة أو غيرها.

وقوله : وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ [سورة الذاريات:20] أي: فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال، والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جُبلوا عليه من الإرادات والقُوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحِكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه؛ ولهذا قال: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [سورة الذاريات:21]، قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة.

الآيات التي في الأرض والآيات التي في الأنفس لا يمكن حصرها، ولو بقي الناس يعددون هذا لاستغرق منهم أوقاتاً طويلة، وكلما أمعن الإنسان النظر ودقق ظهر ولاح له أشياء وأشياء عجيبة، فانظروا في الكتب التي تتحدث عن عجائب المخلوقات، وآيات الله في هذا الخلق من الدواب والجمادات، وفي الدقائق والأشياء العجيبة التي ركب الله -تبارك وتعالى- منها هذا الكون، وأجراه على سنن ثابتة بانتظام، وهذا أمر يطول وصفه.

وقد تكلم ابن القيم -رحمه الله- على أشياء كثيرة جداً في عدد من كتبه، مثل "التبيان في أقسام القرآن"، و"مفتاح دار السعادة"، وعدد من الكتب، وهناك كتابات مثل "النحلة تسبح الله"، وهناك كتابات عن الفلك، وهناك كتابات عن الإنسان وخلق الإنسان تثير الدهشة، فإذا نظرت إلى هذه المخلوقات بصنوفها وأنواعها وحكمة الله فيها، الأرض السباخ يأتيها الماء من أماكن بعيدة عن طريق الأنهار؛ لأنه إذا نزل عليها المطر لا تنتفع به، والأرض التي تصلح للإنبات ينزل عليها المطر فتُخرج من كل زوج بهيج، وهذا التوازن الموجود في المخلوقات عجب، وذكرت نماذج وأمثلة من هذا في الكلام على اسم الله الخالق في تفسير آخر سورة الحشر.

تجد نوعاً من النمور تعيش على نوع من الغزلان تتكاثر، فتقتل هذه النمور كثيراً منها في أرض، ثم بعد ذلك تتكاثر هذه الغزلان بشكل عجيب وهي تتغذى على نوع من النبات فيفنى هذا النبات فتموت جموع كبيرة منها، وقد كانت تأكلها تلك النمور، وأنواع من الديدان تتكاثر بشكل عجيب لا يخطر على بال، ثم تكون خطاً مستقيماً تتوجه فيه إلى النهر فتلقي بنفسها وتموت، ولو بقيت لأفنت كل شيء من النباتات، وأشياء عجيبة جداً، اقرءوا مثل هذه الكتب، كتاب "غريزة أم تقدير إلهي"، كتاب "النحلة تسبح الله"، "خلق الإنسان في القرآن"، "مفتاح دار السعادة"، "التبيان في أقسام القرآن"، وأمثال هذه الكتب.

ثم قال تعالى:وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [سورة الذاريات:22] يعني: المطر، وَمَا تُوعَدُونَ يعني: الجنة، قاله ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- ومجاهد وغير واحد.

وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ قال: يعني المطر، باعتبار أن كل ما علا يقال له سماء.

إذا نزل السماءُ بأرضِ قومٍ رعيناه وإن كانوا غِضابا

نزل السماء يعني المطر، السحاب، فكل ما علاك فهو سماء، وكثير من أهل العلم فسر السماء هنا وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ قالوا: يعني المطر، السحاب، باعتبار أنه ينزل فتكون به حياة الإنسان والحيوان، والله يقول: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [سورة الأنبياء:30]، فهذا الماء الذي ينزل منه ما يكون في باطن الأرض فيستقون منه عن طريق الآبار، وبه يخرج النبات الذي يأكله الإنسان مباشرة، أو بواسطة عن طريق الحيوان، حيث تدر ضروعها الألبان، ويأكلون لحمها وما إلى ذلك نتيجة لنزول المطر.

وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ أي: السحاب والمطر، هذا قال به كثير من أهل العلم، والله يقول: وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا [سورة غافر:13] يعني: هذا المطر، فقد سماه الله رزقاً، كما قال الله وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [سورة الجاثية:5]، فالآيات يفسر بعضها بعضاً، ولهذا فسره بعض المفسرين -بعض الأئمة- مثل ابن جرير -رحمه الله- بأنه المطر، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم، وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ أي: السحاب أو المطر، باعتبار أن كل ما علاك فهو سماء، ويفسره الآيات الأخرى، وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ [سورة الجاثية:5]، يعني: من مطر.

ومن أهل العلم من قال: إن المقصود بهذا وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ يعني: عند الله في السماء الرزق، وبعضهم فسره بما يجري من التقدير في السماء، تقدير الأرزاق والمعايش وسائر الأمور كل ذلك يجري في السماء، فتكون السماء ليس مراداً بها السحاب والمطر، وإنما السماء حقيقة، وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ فالله -تبارك وتعالى- يقدر في السماء، كما قال الله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ [سورة السجدة:5]، فتقدير الأرزاق في السماء، وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ أي: تقدير الأرزاق، والآية تحتمل هذا وهذا، ولا شك أن التقدير في السماء، والله هو المقدر، وما يأتي للناس من أرزاق فإنما ذلك بتقدير الله -تبارك وتعالى، والسحاب رزق يقدره الله -تبارك وتعالى- فينزل على من شاء الله نزوله عليه.

وهنا قال: قاله ابن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد وغير واحد، يعني قالوا: إن وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ يعني: الجنة، وبعضهم قال: الجنة والنار، أما الجنة فلا شك أنها في السماء، وأما النار فهذا يحتاج إلى نظر وتأمل، النار يؤتى بها، ومن أهل العلم من يقول: إنها ليست في السماء، ويمكن أن يحمل قوله: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ على أعم معانيه من المطر، وما فيها من تقدير الأقوات والمعايش، وما يجري من القضاء والقدر، وفيها جنة الله -تبارك وتعالى، وجزاء الأعمال وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [سورة الذاريات:22]، ما توعدون: توعدون من الجنة.

ومن أهل العلم من قال: النار، وذكرتُ أن هذا فيه ما فيه، لكن وَمَا تُوعَدُونَ من جزاء الأعمال من الثواب، كل هذا لا يتنافى، وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ تقدير الأرزاق والسحاب، وما أشبه ذلك، وما توعدون من الجنة من ثواب الأعمال، والقضاء والقدر.

وقوله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [سورة الذاريات:23] يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون.

وكان معاذ ، إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك هاهنا.

يقول الله : فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ، يحتمل أن يكون ما أخبر عنه بهذه الآيات، ومن أهل العلم من قال: ما أخبر عنه في القرآن إِنَّهُ لَحَقٌّ، وبعضهم يقول: هذا فيما يتعلق بالرزق أو الآيات التي ذكرها، أو ما قص في كتابه عموماً، إِنَّهُ لَحَقٌّ، الله يقول: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، ثم قال: فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ يعني: ما قصه في كتابه، ما أخبر عنه، أو هذه الأشياء المذكورة آنفاً، وبين القولين ملازمة، فما قصه الله في كتابه وأخبر عنه هذا بعضه، والله تعالى أعلم.

مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ أي: أنه حق ثابت محقق كنطقكم، كما هو أحد المعاني في قوله -تبارك وتعالى: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [سورة الإسراء:24] أي: ارحمهما رحمة محققة، فتربيتهما في حال الصغر ثابتة محققة، كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ، فنطقكم ثابت لا مرية فيه، لا يجادل فيه أحد.

  1. رواه أبو داود، أبواب قيام الليل، باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة، برقم (1369)، والترمذي، في كتاب الزهد عن رسول الله ﷺ، برقم (2413)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (1239).
  2. رواه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم (3251)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7865).
  3. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (6615)، وقال محققوه: "حديث حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف"، والحاكم في المستدرك، برقم (1200)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
  4. رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم (591).
  5. رواه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، برقم (1145)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم (758).
  6. رواه الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة، برقم (660)، والطبراني في المعجم الكبير، برقم (979)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (1903).
  7. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (3636)، وقال محققوه: "صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف".

مواد ذات صلة