الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[5] من قوله تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} إلى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
تاريخ النشر: ٠٨ / جمادى الآخرة / ١٤٣٥
التحميل: 5669
مرات الإستماع: 8101

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

ثم قال : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [سورة الذاريات:41] أي: المفسدة التي لا تنتج شيئًا، قاله الضحاك، وقتادة، وغيرهما.

ولهذا قال تعالى: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ [سورة الذاريات:42] أي: مما تفسده الريح إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ أي: كالشيء الهالك البالي.

قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله: إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ قالوا: هي الجنوب.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ الريح العقيم يعني التي لا تكون ممطرة، لا تسوق المطر ولا تلقح النبات ولا ينتفع بها، وذكرنا قبلُ أن الريح أنواع فمنها ما يأتي للعذاب كهذه الريح العقيم.

مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ يعني التقدير ما تذر من شيء أتت عليه مما سيقت لإهلاكه إلا جعلته كالرميم، لكنها لم تجعل الجبال كذلك مثلاً، وهذا معلوم، فهذا العموم يحمل على ما يناسبه ويصلح له في المعنى، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب، وهو الذي يسميه الشاطبي -رحمه الله- بالعموم الاستعمالي، لا يحتاج إلا مخصص، والأصوليون يجعلون المخصص في هذا هو الحس.

وهذا لا يخلو من إشكال عند التأمل، فأنت تقول: أنا زرت البلاد، ولبست الثياب، وأكلت الطعام، ورأيت العباد وما أشبه ذلك، وأنت لم ترَ كل الناس ولم تلبس كل الثياب ولم تأكل كل الطعام، وحينما تقول: الناس يحبون كذا، والناس يريدون كذا، والناس يقولون كذا، ما يأتي لك متفلسف ويقول: أنت قابلت كل الناس ووزعت استبانة على جميع المخلوقين -جميع البشر- في مشارق الأرض ومغاربها؟ لماذا لا تتقيد بألفاظك وتدقق؟ هذا كلام غير صحيح، هذه فلسفة، فالعرب تفهم من خطاب من خاطبها مراده في كل شيء بما يناسبه ويصلح له، لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه[1] كما قال، فلربما هو من هذا القبيل.

وكذلك أيضاً أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، ثم ذكر صفتها بأنها ما تأتي على شيء من الأشياء التي سيقت لإهلاكها وإزالتها مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ، وهذا من أقوى صيغ العموم، "شيء" نكرة في سياق النفي مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ والنكرة إذا سبقت بمن فإن ذلك ينقلها من حيز الظهور في العموم إلى حيز التنصيص الصريح في العموم، فهذه من أقوى صيغ العموم، النكرة في سياق النفي مسبوقة بمن، والرميم هو الشيء البالي، رم العظم بمعنى بلي، وبعضهم فسره بما ديس من النبات، بما يداس من النبات، كما يقول كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله.

وبعضهم يقول: هو الرماد، وبعضهم يقول: هو النبات المدقوق، وهذه المعاني لا تتنافى، فهي حصدتهم حصداً فجعلتهم كالرميم، أي الأجزاء البالية كالنبات الذي تهشم وديس أو الرماد أو نحو ذلك، رميم، كما هو مشاهد، انظر مثلاً الطوفان هذا الذي حصل في شرق آسيا، انظر إلى بيوت الناس، والناس معها كيف صاروا؟ صاروا كالرميم، سوى بهم الأرض، واختلطت جثث الناس مع قطع الأخشاب الصغيرة وبقايا البناء فأصبحت البلاد مدكوكة دكاً، مفتتة، مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ –حصْد- إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.

وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: نُصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور[2].

قلنا: الصَّبا الريح التي تأتي من المشرق، والدبور من المغرب.

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ [سورة الذاريات:43].

هذا الحين بينه الله -عز وجل- في الآية الأخرى بقوله: تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ [سورة هود:65].

كقوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ [سورة فصلت:17].

وهكذا قال هاهنا: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ۝ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ [سورة الذاريات:43، 44]، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بُكْرَة النهار.

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، وفي قراءة أخرى متواترة وهي قراءة الكسائي {الصعقة} وهما بمعنى واحد، والصاعقة يفسرها كثير من العلماء بالعذاب المهلك المميت، ويقولون: معناها الأخص: نار من السماء محرقة، وهذا لا يتنافى مع تفسير المعاصرين لها بأنها شحنة كهربائية عاتية تحرق ما وقعت عليه، فالعلماء فسروها بأثرها  -نار من السماء محرقة، وهؤلاء ذكروا حقيقتها.

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ [سورة الذاريات:44]، قول ابن كثير -رحمه الله- هنا: وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع، وَهُمْ يَنظُرُونَ ابن كثير -رحمه الله- فسر يَنظُرُونَ بالانتظار، يعني وهم ينتظرون العذاب؛ لأنهم وُعدوا به تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ [سورة هود:65] فجلسوا ينتظرون فجاءهم العذاب في وقت الإنظار، وهذا معنى يحتمله قوله: وَهُمْ يَنظُرُونَ

وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير قال به أيضاً جماعة، ومنهم أيضاً ابن جرير -رحمه الله، ومن أهل العلم من قال: وَهُمْ يَنظُرُونَ أي: من النظر، أخذتهم وهم ينظرون، لكن لربما يكون الذي حمل مثل ابن جرير -رحمه الله- والحافظ ابن كثير على القول بأنه بمعنى الانتظار وَهُمْ يَنظُرُونَ أنهم إذا أخذتهم الصاعقة فإنها تأخذهم جميعاً، وليس هناك مجال للنظر، بخلاف قوله تعالى مثلاً: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [سورة البقرة:50]، لكن هذا ليس بقاطع، والله لما ذكر الصعق الذي وقع لبني إسرائيل لما كانوا مع موسى -عليه الصلاة والسلام- حينما قالوا: أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً [سورة النساء:153]، قال: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [سورة البقرة:55]، فهنا ما كان فيه إمهال ولا انتظار، وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، فينظرون الصاعقة وهي تنزل عليهم -والله تعالى أعلم.

ولو فسر هذا بذاك -أي بما جاء في خبر بني إسرائيل- وهو موافق له وهناك ليس ثمة انتظار، بعض العلماء هناك يقول: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، يقول: ينظر بعضكم إلى بعض وهو يقضي -يموت، يعني على أساس أن الصاعقة التي أخذت بني إسرائيل كانت صعقة موت، وليست صعقة إغماء؛ لأن الله قال: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ [سورة البقرة:56]، فماتوا حقيقة ثم أحياهم الله ، وهو أحد دلائل البعث المذكورة في سورة البقرة، وأَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ [سورة البقرة:259]، وأَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [سورة البقرة:260].

فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ أي: من هَرَبٍ ولا نهوض، وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ أي: ولا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه.

يعني ما استطاعوا الخلاص لا بالفرار والنجاء منها، ولا بدفعها والانتصار بقوتهم، وإنما وقع بهم وهم ينظرون لا يستطيعون حراكاً.

وقوله: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَوكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة، والله تعالى أعلم.

فالله يذكر في كل موضع ما يليق ويناسب الموضع الذي ذكره، تارة يذكرها مختصرة وتارة يذكرها مبسوطة، في كلٍّ بحسبه.

وقوله: وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فـ"إن" هذه تدل على التعليل، يعني أهلكهم الله ؛ لأنهم كانوا قوماً فاسقين، والفسق معروف هو مطلق الخروج، ويطلق على الفسق الأكبر والأصغر، فالفسق هنا هو الفسق الأكبر وهو الكفر بالله -تبارك وتعالى، ولذلك فإن المثال الذي يذكره الأصوليون كثيراً على مفهوم المخالفة الأولوي الظني، يقولون: إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [سورة الحجرات:6]، مفهوم موافقة أولوي، يعني من باب أولى إن جاءك كافر تتبين، لكن يقولون: ليس بقطعي؛ لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه يتحرز من الكذب، دينه يحرم عليه الكذب، فلا يُقطع أن التبين مطلوب في مثل هذه الحالة، هكذا يقولون، وهذا المثال فيه نظر؛ لأن الفاسق يطلق على الكافر والعاصي، "إن جاءكم فاسق"، فما يحتاج أن يقال: هذا من باب أولى الكافر نتثبت في خبره.

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ۝ وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ۝ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ۝ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [سورة الذاريات:47-51].

يقول تعالى منبها على خلق العالم العلوي والسفلي: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا أي: جعلناها سقفاً محفوظا رفيعاً، بِأَيْدٍ أي: بقوة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد.

هنا بِأَيْدٍ، الأيد القوة، كما قال الله : دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [سورة ص:17] يعني: القوة، وليس جمع يد قطعاً، فإن هذه مادة أخرى، اليد تجمع على الأيدي، وهذه أيد بمعنى القوة، وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ أي: بقوة، فليست من آيات الصفات التي تدل على صفة اليد مثلاً، ليست منها، ولهذا بعض الناس يرى في كتب التفسير مثلاً من يفسر الأيد بالقوة ويقول: هذا تأويل، وهذا ليس بصحيح، هذه مادة أخرى، ليست جمع يد.

وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، أي: قد وسعنا أرجاءها، ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي.

هذا الذي قاله الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هو الذي عليه عامة أهل التفسير، عامة أهل العلم على أن قوله تعالى: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، أنه خبر عن خلقها، عن الماضي، خلقناها ووسعنا أرجاءها، فصارت كما ترون، خلقناها قوية واسعة الأرجاء.

وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، خبر عن خلقها في الزمن الماضي وصفته أنه خلق شاسع واسع، وما في ضمن ذلك من الأفلاك والنجوم، والكواكب وما أشبه ذلك، فهذا كله خلق هائل واسع لا يحيط به إلا الله -تبارك وتعالى.

وبعضهم يفسر وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ من الوُسْع الذي هو القدرة والطاقة، خلقناها بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي: أصحاب وُسْع أو صاحب وسع بمعنى القوة والقدرة، تقول: في وسعي أن أفعل كذا، ما يسعني أن أفعل كذا، ما في وسعي صناعة هذا يعني ليس في قدرتي وإمكاني، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي: لأقوياء قادرون متمكنون من ذلك، هكذا فسره بعض السلف.

ولكن المعنى الأشهر والمتبادر من قوله -تبارك وتعالى: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أنه من السعة، وهي ضد الضيق، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، ومن أهل العلم من فسر وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: الرزق بالمطر، وهذا بعيد، وسع عليه الرزق، بسط رزقه، وتقول: هذا قدر عليه رزقه وضيق عليه رزقه، وإنا لموسعون الرزق بالمطر، هذا بعيد، هذه أقوال أهل العلم في وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ

وإذا اختُلف في تفسير آية على معنيين أو ثلاثة أو أكثر فإنه لا يجوز لمن جاء بعدهم أن يأتي بقول يعود على أقوالهم بالإبطال والتخطئة، بمعنى كل الأمة ما فهموا الآية ثم نأتي نحن نقول: لا، المعنى كذا، كل الذي قالوه غلط، هذا لا يمكن، هذه مبادئ أساسية في طلب العلم، يتربى عليها طلاب العلم منذ بداية طلبهم للعلم، فمجال النظر والاختيار والترجيح هو بين هذه الأقوال الموجودة.

ومن جاء باستنتاج واستنباط تحتمله الآية فلا بأس، بشرط أن يكون هذا الاستنباط والمعنى غير خارج عما قالوه، بمعنى أن يكون زيادة في الفهم دون أن يعود بالتخطئة على جميع الأقوال، بمعنى أن الأمة أجمعت على الخطأ وإن تفرقت أقوالها، وبهذا نعرف بطلان قول أصحاب الإعجاز العلمي الذين يزعمون أن قوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي أن الكون في اتساع، وأنه تولد مجرات جديدة الآن، ولا زال الكون يتمدد، وأن هذه الآية تدل عليه، فمن أدرى محمداً ﷺ بهذا؟

نقول لهم: كلامكم هذا غير صحيح، ولا تفسر به الآية؛ لأن عندنا مبادئ و أصولاً نمشي عليها، لا يمكن للأمة أن تجمع على الخطأ في تفسير الآية، يمكن أن تخطئ طائفة، يمكن أن تقول: قول ابن جرير غلط، قول ابن كثير غلط، يقول هذا أهل العلم لا يقوله إنسان تخصصه رياضيات ويأتي ويقول: هذا غلط، ابن جرير أخطأ، فالأرضية التي عندك يمكن أن تنطلق منها حتى تخطّئ ابن جرير، أمّا أن تخطّئ الجميع، تقول: كل هؤلاء ما فهموا الآية، فهذا قطعاً يحكم بغلطه وأنه غير صواب، فهذا أصل من الأصول التي يبنى عليها التفسير ويعرف فيها صحيح الأقوال من باطلها.

وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا أي: جعلناها فراشًا للمخلوقات، فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ أي: وجعلناها مهدا لأهلها.

كالمهد للصبي، ووصْفُ الأرض بأنها فراش ومهاد، وأنه -عز وجل- جعلها بساطاً كل ذلك لا ينافي أن الأرض كروية؛ لأن الجسم الهائل العظيم الواسع الشاسع لا تتبين كرويته بنظر الإنسان القصير -نظر العين، وإنما تكون كرويته بالتدريج، لكن في أمد واسع جداً لا يلوح للعين بنظرها المعروف المجرد وهي على الأرض، فقضية كروية الأرض ذكرها العلماء منذ قرون متطاولة، ولم ينكرها السلف، ولا أحد من علماء المسلمين المحققين أبداً، فما جاء في القرآن من وصفها بأنها بساط وفراش وما أشبه ذلك فهو بالنسبة لنظر الناظر، فهي منبسطة كما نراها الآن ونشاهدها، والله يخاطب الناس بحسب ما يرون، بل لربما خوطبوا بحسب ما يعتقدون وإن كان اعتقادهم باطلاً.

كما سمى الله آلهة المشركين آلهة في مواضع من القرآن، وهي ليست آلهة، لكن هذا اعتقادهم، وسمى كلامهم والشبهات التي يلقونها حجة، وهي شبهات وتُرّهات، ليست حججاً، وعبر عن آلهة المشركين وهي جمادات أصنام بما يعبر به عن العقلاء، كما قال الله أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا [سورة الأعراف:195]، الأصل تمشي بها، هذا الذي يعبر به عن غير العاقل، تمشي، تقول: هذه السارية تقف على قاعدة، هذه السواري واقفة على قواعد، ما تقول: يقفون، فلماذا قال: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا، أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا؟ لأنهم جعلوهم آلهة لا عقلاء فقط، فعبر عنهم بخطاب يستعمل مع العقلاء.

كما قال يوسف ﷺ حينما نسب إلى الشمس والقمر فعلاً من أفعال العقلاء، قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [سورة يوسف:4]، ما قال: رأيتها، الأصل أن يقول: رأيتها لغير العاقل، رأيتهم هذا للعقلاء، لِي سَاجِدِينَ الأصل أن يقول: ساجدة، لكن لما فعلت فعلاً من أفعال العقلاء نسب إليها ما يصلح للعقلاء وعبر عنها بما يعبر به عن العقلاء، وهذا كثير في القرآن، حتى القائلون والمتكلمون أنفسهم ممن نقل الله كلامهم في القرآن ربما يخاطِبون بهذا الأسلوب: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [سورة الحجر:6]، هم ما آمنوا أنه أنزل إليه الذكر، لا يؤمنون بهذا، وإنما أرادوا بحسب زعمك.

وهكذا، كثير جداً، تارة يعتقد السامع خلافه، وتارة يقول ما يعتقد، وتارة بحسب فهم المخاطب، يقول الله مثلاً إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ [سورة الصافات:147] في قصة يونس ﷺ، مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، إذا كانت "أو" هنا بمعنى "بل" فلا إشكال، بل يزيدون، لكن إذا كانت "أو" التي تذكر للشك، أَوْ يَزِيدُونَ للتردد -وهو أحد الأقوال في تفسيرها، فالله يعلم كم عددهم بالضبط، لكنه عبر بحسب نظر المخاطبين، فالناظر إليهم من المخاطبين يقول: مائة ألف أو يزيدون، بحسب نظر المخاطب.

ولما أمر الله موسى وهارون أن يذهبا إلى فرعون، قال: لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [سورة طه:44]، لعل تأتي للترجي، على التفسير الآخر أنها للتعليل أي من أجل أن يتذكر أو يخشى، لكن على أنها للترجي فيكون بحسب نظركما، فالإنسان الداعية إلى الله عندما يذهب إلى آخر يدعوه فهو يترجى أن ينتفع بهذا ويقبل، لَّعَلَّهُ أي: بحسب نظركما، لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، فخاطبهم بحسب نظرهم، وهذا ينحل به إشكالات كثيرة جداً في التفسير، فهنا وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا [سورة الذاريات:48] ما يأتي إنسان ويقول: والله الأرض ما هي ببساط ولا فراش وإنما هي كروية، نقول: هذا لا ينافي كروية الأرض.

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ أي جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ هذا هو المشهور عند عامة أهل العلم، يعنى صنفين متقابلين، نوعين، الليل والنهار، العافية والمرض، الحر والبرد، الشدة والرخاء، القوة والضعف، وهكذا، خَلَقْنَا، هذا الذي عليه عامة أهل العلم، وليس الزوج يعني الذكر والأنثى، وإن كان هذا قال به بعض أهل العلم -الذكر والأنثى، فهذا يوجد في بعض المخلوقات ولا يوجد في بعضها، فكلمة زوج بمعنى صنف، فالله يقول: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [سورة الصافات:22] ليس المراد زوجاتهم، قد تكون مؤمنة مثل زوجة فرعون ما تحشر معه، وإنما احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ أي: ونظراءهم، من يشاكلونهم على طريقتهم ودينهم واعتقادهم، فهذا معنى الزوج، وهو أحد الأوجه أيضاً في قوله: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [سورة الدخان:54]، يعني: قرناهم، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في سورة الطور.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتعلموا أن الخالق واحدٌ لا شريك له.

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ.

وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ أي: لا تشركوا به شيئاً، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ.

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ۝ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ۝ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ۝ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ۝ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ۝ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ۝ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [سورة الذاريات:52-60].

يقول تعالى مسليا نبيه ﷺ: وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ!

قال الله : أَتَوَاصَوْا بِهِ أي: أوصى بعضُهم بعضا بهذه المقالة؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، يمكن أن تكون "أو" هذه للترديد، بمعنى أنهم يقولون: لا يخلو أمره إما أن يكون ساحراً، وإما أن يكون مجنوناً، لا يخلو من هذا أو هذا، ويمكن أن تكون "أو" هنا للتقسيم، بمعنى أن منهم من قال: ساحر، ومنهم من قال: مجنون، فهم في أمر مريج مضطرب، وقد يكون القائل الواحد تارة يقول كذا، وتارة يقول كذا؛ لأنه لا يثبت على أصل صحيح.

وإذا كانت "أو" للتقسيم فهذا احتمال في الآية، وهو وجه صحيح في تفسير "أو" في بعض المواضع، كقوله -تبارك وتعالى: وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ [سورة البقرة:135]، فالنصارى لا يقولون: كونوا يهوداً تهتدوا، يقولون: في النار، وكذلك اليهود لا يقولون: كونوا نصارى تهتدوا، أبداً.

وكذلك في قوله: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى [سورة البقرة:111]، فـ "أو" في الموضعين قطعاً للتقسيم وليست للتخيير، بمعنى قال اليهود: كونوا هوداً تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، ولكن القرآن أبلغ الكلام، ويعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فيفهم المخاطب من هذا الخطاب المراد من السياق لأنه يعرف أن اليهود لا يقولون: كونوا نصارى تهتدوا، بل العكس، فالمعنى قطعاً قال اليهود: كونوا هوداً تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ [سورة البقرة:135]، كل طائفة قالت.

فهنا "أو" في هذه الآية عندنا إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ تحتمل أن تكون للتقسيم، طائفة قالت هذا، وطائفة قالت هذا، وهو أحد الأوجه في تفسير قوله -تبارك وتعالى: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ [سورة المائدة:33]، تحتمل أن تكون للتخيير بمعنى أن الإمام مخير بما يرى من المصلحة، إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء نفى، وتحتمل أن تكون للتقسيم، إن فعلوا كذا قتلوا وإن فعلوا كذا صلبوا وإن فعلوا كذا فالنفي، كما يقول الإمام الشافعي -رحمه الله.

أَتَوَاصَوْا بِهِ كأنه يتلقى بعضهم عن بعض في هذه القضايا، ثم قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ طغيانهم هو الذي حملهم على هذا، كما قال الله في سورة البقرة: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [سورة البقرة:113]، يعني: وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم العرب، أهل الجاهلية، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ يعني يقولون: اليهود والنصارى على شيء، -نحن على ملة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وقال في الموضع الآخر: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني الجاهليين، لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ يعني: مما نقترحه من الخوارق، أن يجعل لهم الصفا ذهبا، أو تأتينا بآية، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، فكأنهم تواصوا بهذا، ولكنهم تشابهت قلوبهم، فهم ما أدركوهم حتى يتواصوا معهم، ما أدركوا ثمود وعاداً، لكن القلوب تشابهت في الكفر والطغيان ومحادة الله ورسله -عليهم الصلاة والسلام.

بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم.

قال الله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: فأعرض عنهم يا محمد، فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ يعني: فما نلومك على ذلك.

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة.

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ، "إنّ" هنا تعليلية وهي للتوكيد؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين، ينتفعون بها بعد غفلتهم، يفيقون ويحصل لهم التذكر، ومن أهل العلم من قال: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: ذكر جميع الناس فإن الذكرى تنفع من علم الله أنه سيؤمن، تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من كانوا في سابق علمه سيدخلون في الإيمان، هكذا قال بعض أهل العلم.

والحافظ ابن كثير قال: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة، وهذا هو الموافق لظاهر القرآن، وما كان موافقاً لظاهر القرآن فهو أولى بتفسير الآية، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، لكن قالوا: لمن كان في سابق علم الله، والسياق: أن الله يقول: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ۝ وَذَكِّرْ، يعني: لا تحزن عليهم ولا تقلق، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ [سورة الكهف:6]، لكن ذكر وسينتفع بهذا التذكير من سبق في علم الله أنه يؤمن، هكذا قالوا، هو يذكّر الجميع، وإنما ينتفع بذلك أهل الإيمان، وهذه الآية تضمنت إحدى حكم التذكير وهي انتفاع أهل الإيمان.

وجاء في آيات أخرى بيان الحكم الأخرى أو بعض الحكم، مثل ما في قصة اليهود في القرية التي كانت حاضرة البحر، قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [سورة الأعراف:164]، لما قال لهم من قال: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً [سورة الأعراف:164]، أي: وعْظُنا وتذكيرنا معذرة أي: من أجل المعذرة إلى الله ، لإبراء الذمة، لإلقاء العهدة، فنقوم بما أوجب الله علينا، وكذلك ذكر الله حكمة بعث الرسل لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [سورة النساء:165]، فهذه إحدى حكم التذكير وبعث الرسل، إقامة الحجة على الناس.

ثم قال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما: إِلا لِيَعْبُدُونِ أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً.

القول الأول الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله: أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، وهذا هو المعنى الظاهر المتبادر الذي تدل عليه الآيات الأخرى، خلقهم لعبادته، أي لآمرهم وأنهاهم ليوحدوني، فهذا الذي قال به عامة المحققين، ومنهم ابن القيم -رحمه الله- وشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحم الله الجميع، خلقتهم لأجل عبادتي، لآمرهم وأنهاهم ليوحدوني، هذا هو الذي خلق الله من أجله الخلق.

وهنا ملحظ هو الذي جعل بعض أهل العلم يقولون بغير ذلك كما سيأتي مما ورد عن ابن عباس وعن غيره، -جاءت أقاويل موافقة ومخالفة، الآن الناس الله خلقهم ليعبدوه، أكثر الناس تركوا عبادته، خلقهم ليعبدوه فترك أكثر الناس عبادته، والمراد بيعبدون: هنا ذكر قول ابن عباس: ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً، يعني ما يخرج عن هذا أحد، عبادة الاختيار، عبودية الاختيار من أهل الإيمان، وعبودية الاضطرار إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [سورة مريم:93]، فكلهم لا يخرجون عن عبودية الاضطرار، كلهم عبيده شاءوا أم أبوا، وهم تحت قبضته وسلطانه، لا يخرجون عن ذلك، يتصرف فيهم كما يشاء، فهذا قال به بعض أهل العلم.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قالوا: ليشمل الجميع، لينطبق على الجميع، فقالوا: من أجل أن يقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً فيدخل فيها الكفار، هذا الذي جعل بعض أهل العمل يقولون هذا القول، وكذلك قول من قال -وهو فيه بعد: من أجل أن يعرفوه، يعرفوا الله ، من أجل العلم به وكذا، وهذا فيه إشكال، وبعضهم قال: هذا من العام المراد به الخصوص، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ يعني: ممن سبق في علمي أنه يؤمن، ما خلقته إلا لعبادتي، وهؤلاء يستدلون بقراءة غير متواترة قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب {وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون} والقراءة الأحادية إذا صح سندها فإنها تفسر القراءة المتواترة، قالوا: من أجل أن الآية تكون صادقة على المطلوب، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.

فأكثر الناس على غير ذلك، فإما أن نقول: طوعاً أو كرهاً، أو نقول: إنها من العام المراد به الخصوص، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ [سورة آل عمران:173] يعني: نعيم بن مسعود على قول بعض المفسرين، إِنَّ النَّاسَ يعني: أبا سفيان، والَّذِينَ اسم موصول يفيد العموم، الَّذِينَ يعني: أبا بكر، قالوا: هذا عام مراد به الخصوص.

فهنا قال بعضهم: إن هذا وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ الجن "ال" هنا تفيد الاستغراق إذا كانت غير معرّفة، والإنس كذلك، إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فتخلف كثير منهم عن العبادة فقال بعض أهل العلم: أي ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً، فتكون صادقة عليهم جميعاً، أو قالوا: من العام المراد به الخصوص بمعنى أن هذا فقط في من سبق في علمي أنهم يؤمنون، لكن على قول ابن كثير -رحمه الله- هنا وهو أن المراد به إلا لآمرهم وأنهاهم، طبعاً هذا القول الذي قال به ابن عباس هو قول ابن جرير، وقول ابن كثير يخالفه، أي إلا لآمرهم وأنهاهم، إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.

فإذا قلنا بقول ابن كثير فتكون الإرادة إرادة شرعية، والإرادة الشرعية لا يجب معها أن يحصل المراد، فالله أراد أن يصلي الناس، كل الناس يصلون؟ لا، هذه إرادة شرعية، لكن الإرادة الكونية لا يتخلف معها المراد، إذا أراد الله كان ولابد، فهذه الإرادة إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إرادة شرعية وليست كونية.

فيبقى هنا سؤال وهو أن الله قال في الموضع الآخر في الاختلاف بين الناس وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [سورة هود:118، 119]، إذا فسرت بأن المراد وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ أي: للاختلاف على قول من قال هذا، فهنا قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وهناك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ؟ هناك للإرادة الكونية وهذا في الإرادة الشرعية، فهذا وجه الجمع بين الآيتين، هناك لابد أن يقع الاختلاف بين كفار ومؤمنين، هؤلاء يكونون للنار وهؤلاء للجنة، فريق في الجنة وفريق في السعير، وهنا في إرادته الشرعية أنه خلقهم من أجل عبادته، لكن هي إرادة شرعية لا يلزم معها وقوع المراد، تقول: يا فلان، الله خلقك من أجل أن تعبده وتوحده.

  1. رواه البخاري، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، برقم (7068).
  2. رواه البخاري، أبواب الاستسقاء، باب قول النبي ﷺ نصرت بالصبا، برقم (1035)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، برقم (900).

مواد ذات صلة