الأربعاء 15 / ذو الحجة / 1441 - 05 / أغسطس 2020
[2] من قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} الآية:10 إلى قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} الآية:19
تاريخ النشر: ٠١ / ربيع الأوّل / ١٤٣٥
التحميل: 5578
مرات الإستماع: 3972

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد:

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

 أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ۝ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ۝ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ۝ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [سورة محمد:10-13].

يقول تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا يعني المشركين بالله، المكذبين لرسوله فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي ونجّى المؤمنين من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فالسير في الأرض مضى في بعض المناسبات أن الله -تبارك وتعالى- يأمر به: قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ [سورة الأنعام:11] لمن كان عنده شك أو تردد أو تكذيب، من أجل أن يعرف ما حل بالمكذبين الكافرين.

وأن هذا إنما يتوجه لمثل هؤلاء، وأما غيرهم فإنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك، أعني أهل الإيمان واليقين، فما في كتاب الله من الأمر بالسير في الأرض فهذا محمله، والله تعالى أعلم.

وهنا يخاطب هؤلاء الكفار: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ.

وقوله -تبارك وتعالى: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هذا جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما حل بهم؟ ماذا نزل بهم؟

هنا: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْما عاقبتهم؟

دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ والتدمير هو الإهلاك.

يقول: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا يعني أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم المكذبة الكافرة المتمردة على الله -تبارك وتعالى، المكذبة لرسله -عليهم الصلاة والسلام.

فالضمير يرجع عند طائفة من أهل العلم -أعني "الهاء" في وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا-إلى عاقبة الذين من قبلهم وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا أمثال عاقبة هؤلاء الذين مضوا، الذين من قبلهم، كما يقوله الزجاج، واختاره أبو جعفر بن جرير -رحمه الله.

وهنا تأمل في هذا: أن الله -تبارك وتعالى- قال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا العاقبة واحدة، يعني أنه ذكرها مفردة، قال: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا الأمثال جمع، فهذا باعتبار أن العواقب متعددة بتعدد الأمم المكذبة الذين أنذرهم الله -تبارك وتعالى- مثل هذه العاقبة.

وبعضهم يقول: أَمْثَالُهَا يعني أمثال العقوبة، أو الهلكة، أو التدمير، والله تعالى أعلم.

لكن يبقى أيضًا أن "العاقبة" جنس، فهذه تصدق على الواحد والكثير: عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فكل قوم من هؤلاء الذين مضوا كانت لهم عقوبة تختص بهم.

ثم قال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ولهذا لما قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد، حين سأل عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر فلم يُجَب، وقال: أمّا هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقال: كذبت يا عدو الله، بل أبقى الله تعالى لك ما يسوءك، وإن الذين عددتَ لأحياء، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مُثْلةً لم آمر بها، ولم تسوءني، ثم ذهب يرتجز، ويقول: اعلُ هُبل، اعلُ هُبل، فقال رسول الله ﷺ: ألا تجيبوه؟ فقالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال ﷺ: قولوا: الله أعلى وأجل ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ﷺ: ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم[1].

قوله -تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، ذَلِكَ إشارة إلى ما ذكر من أن للكافرين أمثالها: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ۝ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى ذلك الوعيد للكافرين بأمثال تلك العقوبات، ثم قال: بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ مولاهم، أي: أنه وليهم، كما في قراءة ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه: "ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا" فهذه تفسرها.

ثم قال إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أي: يوم القيامة.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ أي: في دنياهم يتمتعون بها، ويأكلون منها كأكل الأنعام خَضْمًا وقَضْمًا، وليس لهم همة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح: المؤمن يأكل في مِعًي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء[2].

يأكل ولا يشبع.

ثم قال تعالى: وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ أي: يوم جزائهم.

وقوله : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: مكة.

أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ﷺ، وهو سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟

فإنْ رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ [سورة هود:20].

قوله -تبارك وتعالى: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ "كأي" هذه مركبة من "الكاف" و"أي" وهي بمعنى: كم، وتستعمل للتكثير: أن قرى كثيرة أهلكها الله كانت أعظم قوة، وأشد تمكينًا مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أي: من قومك الذين أخرجوك، أهلكهم الله -تبارك وتعالى.

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ يعني: وَكَم مِّن قَرْيَةٍ [سورة الأعراف:4] هذا هو المعنى، -والله أعلم.

وقوله تعالى: مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أي: الذين أخرجوك من بين أظهرهم.

وروى ابن أبي حاتم: عن ابن عباس -رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ: لما خرج من مكة إلى الغار وأتاه قال: فالتفت إلى مكة، وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليّ، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [سورة محمد:13][3].

قوله: عن ابن عباس -رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ: لما خرج من مكة إلى الغار، وأتاه، فالتفت إلى مكة، وقال: أنتِ أحب بلاد الله إلى الله الحديث.

هنا السياق الذي ورد فيه هذا الحديث على أنه سبب نزول هذه الآية لا يصح.

ومن هنا قال بعض أهل العلم -كما سبق: إن سورة محمد -كما هو معلوم- هي من السور المدنية بالاتفاق، لكن كما سبق أنه روي عن بعض السلف استثناء هذه الآية، بناءً على ماذا؟

بناءً على رواية في أسباب النزول، لكنها لا تصح، وهي أن النبي ﷺ قال ذلك حينما كان خارجًا إلى الغار، لما خرج من مكة في هجرته -عليه الصلاة والسلام.

وكثيرًا ما نجد من الأقوال في التفسير، سواء كان في استثناء بعض الآيات، في أنها مثلاً مكية، أو أنها مدنية، أو في بعض الأقوال التي لربما فيها غرابة في التفسير، ولا يساعد عليها السياق، كثيرًا ما نجد لو أجَلْنا النظر في كتب المأثور، نجد لها مستندًا من روايات قد لا تصح، بمعنى: أن هذا القول الذي ذكر في التفسير في كثير من الأحيان له مستند، لو أنك بحثت ونظرت، له مستند، تجد رواية، وإن لم يصرح بها هذا القائل، لكن حينما تنظر في الروايات الموجودة ستجد أن هذه الرواية مطابقة أحيانًا بلفظها في بعض الأقوال، وهذا كثير، والأقوال التي قد يرى أنها بعيدة أو غريبة أو لا وجه لها أحيانًا تستند إلى مرويات، لكنها لا تصح، وهذا مهم في تبرير هذه الأقوال، أنها لم تكن لمجرد الرأي المحض، وإنما كان لذلك مستند بالمأثور، ولكنه لا يثبت، وغالب ذلك من غير ذكر هذا المستند.

وهنا في قوله -تبارك وتعالى: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ذكرنا مرارًا أن النبي ﷺ خرج مستخفيًا، وأنه -عليه الصلاة والسلام- هو الذي خرج بنفسه، وأن المشركين ما كانوا يريدون خروجه، وكذلك أصحاب النبي ﷺ في هجرتهم كما هو معلوم، ولكن الله أضاف ذلك إلى المشركين، بأي اعتبار؟

أنهم اضطروهم إلى الخروج، فأضيف الإخراج إليهم: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [سورة الممتحنة:1] فهذا مضى في عدد من المناسبات، وهنا يقول: فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية، ذحول الجاهلية يعني ثأر الجاهلية، ما كانوا عليه من الثأر، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ فتأمل: هنا جعل ذلك هو سبب النزول، فهذا السياق لا يصح.

وقوله -تبارك وتعالى: أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ يحتمل أن يكون المراد وهذا هو الظاهر -والله أعلم- الذي يدل عليه السياق: أنه فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ عند نزول العقوبة، وحلولها بهم، لمّا وقع بهم بأس الله لم يكن لهم من ينصرهم، ويخلصهم من ذلك فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ.

ويحتمل أن يكون: فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ يعني الآن بعدما أهلكوا من عذاب الله الذي يلقونه، ولا مخلص لهم من ذلك.

وهذا تحتمله الآية باعتبار أنه قال: فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ فيمكن أن يكون في المستقبل، أو في الحال، لا ناصر لهم يخلصهم من عذاب الله في قبورهم، وفي القيامة.

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۝ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [سورة محمد:14، 15].

يقول تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي: على بصيرة ويقين من أمر الله ودينه بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أي: ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [سورة  الرعد:19].

وكقوله تعالى: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [سورة الحشر:20].

قوله -تبارك وتعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَفَمَنْ "الهمزة" للإنكار، و"الفاء" يقول بعض أهل العلم: إنها للعطف على مقدر،  يعني: أفيستوي من كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ؟ لا يستوون، وهذا كما يقال في الكفار فإنه يقال أيضًا في غيرهم، ممن كان على غير هدى، من أهل الأهواء والضلالات والبدع، ومن ثَمّ فإن المؤمن من شأنه أن يتبصر، وأن لا يُقدم على شيء حتى يعلم أنه حق، وموافق للشرع، فهو على بينة من ربه، يتوثق فيما يأتي وما يذر، ولا يكون الحامل له على الفعل أو الترك هو مجاراة الناس، فيفكر بعقولهم ويجاريهم، سواء كانوا على حق أو على باطل، فهو يتبعهم في ذلك كله.

وأمّا من كان على ضلالة فهو يعمل بحسب ما نشأ عليه، أو تلقفه من غيره، أو كان مجاريًا في ذلك لأهل زمانه، هذا لا يكون عليه المؤمن بحال من الأحوال، لا يستوي هذا وهذا.

والمقصود: أن ذلك يحمل أهل الإيمان على التبصر في كل ما يأتون ويذرون، ولا يكون شيء من العمل أو الاعتقاد إلا على بينة وحجة من كلام الله، أو كلام رسوله ﷺ.

كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هنا بني الفعل للمجهول، فالنفس تزين له، وشياطين الإنس والجن يزينون له، كما أخبر الله -تبارك وتعالى- عن ذلك في مواضع من كتابه، فالشيطان يزين لهؤلاء أعمالهم، فيتشبثون بها ويتعلقون، ويرون أنها الحق الذي لا محيد عنه، ويموتون دونها، وهكذا كل صاحب هوى، فإنه يتشبث في هواه، كما قال الله -تبارك وتعالى: وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [سورة البقرة:93] يعني أشربوا حبه، تعلقوا به، يعني صارت محبته بهذه المنزلة، بلغت إلى حد الإشراب، أُشربتها القلوب، نسأل الله العافية.

فهكذا تفعل العقائد بأهلها وأصحابها، فذلك كله من تزيين الشيطان، يزين لهم هذا الباطل، والعمل السيئ.

وهنا في قوله: وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ جاء الجمع باعتبار معنى "مَن"؛ لأن "مَن" اسم موصول تكون بمعنى الجمع، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فهذه من جهة المعنى تكون للجمع؛ لأن الاسم الموصول من صيغ العموم.

ثم قال مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال عكرمة: مَثَلُ الْجَنَّةِ أي: نعتها.

مَثَلُ الْجَنَّةِ قال عكرمة: أي: نعتها.

وقد مضى الكلام في عدد من المناسبات عن المثل، ومعناه، وأن من أهل العلم من أعاده إلى الشبه في كل استعمالاته، وذكرنا في عدد من المناسبات: أن هذا قد لا يخلو من تكلف في بعض المواضع، وهذا من أجلاها وأوضحها.

مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني صفة الجنة، وربطه هنا بالشبه لا يخلو -والله تعالى أعلم- من تكلف.

وقد مضى الكلام على ذلك في ذكر الأمثال في القرآن مفصلاً، وأن شيخ الإسلام -رحمه الله- يرجع ذلك إلى معنى الشبه.

ولو حمل في بعض المواضع القليلة على غير هذا لكان أبعد عن التكلف والعلم عند الله ، ولهذا هنا في هذا الموضع فسره سيبويه وابن جرير بالوصف، صفة الجنة، فيما يتلى عليكم مثل الجنة، هكذا يقول سيبويه، يعني صفة الجنة، وصف الجنة.

فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ قال ابن عباس -رضي الله عنهما- والحسن وقتادة: يعني غير متغير.

وقال قتادة والضحاك وعطاء الخرساني: غير منتن.

والعرب تقول: أسِنَ الماء إذ تغير ريحه.

هذه اللفظة: آسِنٍ هذه قراءة الجمهور.

وهناك قراءة أخرى متواترة لابن كثير: "أسِنٍ".

و"الآسن" و"الأسِن" بمعنى واحد.

والمقصود به: الماء المتغير، فإن الماء إذا طال مكثه فإنه يتغير طعمه وتتغير رائحته، وهذا أمر معلوم، ولذلك نجد في كلام الشعراء حينما يصفون الماء في مواضعه التي يجتمع فيها، يصفونه أحيانًا بالحركة، أو الجريان، أو نحو ذلك؛ كقول كعب بن زهير:

تَنْفِي الرِّيَاحُ القَذَى عنْهُ وَأفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ

وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وفي حديث مرفوع: لم يخرج من ضروع الماشية[4].

لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ يعني اللبن يتغير طعمه كثيرًا للحموضة، كما هو معلوم، فهذه آفة تعتري اللبن في الدنيا.

هنا هذا اللبن: لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ لا بالحموضة ولا بغيرها، مما يكرهه الناس، ولا يستسيغون شربه معه.

وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [سورة الصافات:47]، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ [سورة الواقعة:19]، بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [سورة الصافات:46].

وفي حديث مرفوع: (لم يعصرها الرجال بأقدامهم[5].

هذا الحديث لا يصح من جهة الإسناد.

والخمر هنا: وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ ليست كالخمر التي في الدنيا تُعصر، وتحتاج إلى شيء من المكث والتخمير الذي تتغير معه الرائحة والطعم، ويحصل معه الكدر، ولذلك نجد أن ذلك يصاحبه أمور معروفة لدى شاربيها، فيكثر استفراغهم لها، وما تحدثه من علل عارضة ومستديمة في أجوافهم وأبدانهم، ولذلك في تلك البلاد التي أدمن أهلها على شرب الخمور، وتوجد حاناته في كل ناحية، وفي كل طريق وسوق، المحلات التجارية غالبًا عندهم تتوقف في وقت في ساعة معينة في الخامسة مثلاً مساءً، أو نحو ذلك، لا أحد يفتح متجرًا ولا غير ذلك، إلا أماكن الخمور، فهؤلاء يعطون في بعض البلاد التي يقال لها: بلاد متقدمة، يعطون ما يقابل ذلك لما يلقونه من أنواع الأذى.

من هذا الأذى الذي يلقونه: كثرة الاستفراغ -أعزكم الله، يعني تجد المكان محلا لهذه القاذورات، هم يتعبون في التنظيف ليلاً طويلاً، هذا بالإضافة إلى أن هؤلاء الذين فقدوا عقولهم، يمكن أن يقتل، ويمكن أن يفعل كل شيء، ولذلك تسمع الأصوات في ساعات متأخرة من الليل، يعني من بعد الساعة الثانية عشرة، تسمع الأصوات في الطرقات، مجانين، يمشون مجموعات، شباب وفتيات، ورجال ونساء، يصرخون بأعلى أصواتهم، وتجده يقف عند هذا المكان الذي يبيع الخمر، أو غيره، ويضرب رأسه بالزجاجة، يترنح، نسأل الله العافية.

فهذه الخمر ليس فيها شيء من هذا، ليس فيها الطعم الكريه، وليس فيها الرائحة الكريهة، وإنما هي مستلذة، يعني أن أهل الدنيا حينما يشربون الخمر لا يشربونها للذة في طعمها يجدونها، وإنما يشربونها لما تؤثره من السكر وذهاب العقل، وما يجدونه من النشوة، لهذا السبب، فيتحملون الرائحة، ويتحملون الطعم الكريه، ولذلك الواحد -كما سبق- يستفرغ -أعزكم الله- من شدة ما يجد، فجوفه قد لا يتقبلها، ولكنه يحمل نفسه على ذلك لعاقبتها القبيحة، وهي السكر، من أجل أن يسكر، هم لا يشربونها يستلذون، كما يستلذ بالطيبات، هنا: لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ.

وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى أي: وهو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: لم يخرج من بطون النحل[6].

وهذا أيضًا لا يصح.

لكن هو عسل مصفى، هي أنهار من عسل مصفى.

والعسل المصفى لا شك أنه هو الأجود والأفضل، كما هو معلوم عند أهل العسل، مصفى، ليس فيه قذى، ليس فيه بواقٍ من نحل ميت فيه، أو أجزاء وأبعاض من هذا النحل، كما يشاهد في عسل الدنيا، ليس فيه شيء من الشمع، ليس فيه شيء من الكادورات، وإنما هو في غاية الصفاء، لا يخالطه شيء آخر.

وروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد[7]، ورواه الترمذي في صفة الجنة، وقال: "حسن صحيح".

وفي الصحيح: إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن[8].

وقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ، كقوله يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [سورة الدخان:55].

وقولِه -تبارك وتعالى: فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [سورة الرحمن:52].

وقولِه : وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ أي: مع ذلك كله.

"التنكير" هنا للتعظيم، يعني مغفرة عظيمة من ربهم.

وقوله : كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ أي: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، أي: ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات.

وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا أي: حارًّا شديد الحر لا يستطاع.

فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذاً بالله تعالى من ذلك.

قوله -تبارك وتعالى: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ يقول: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ؟  يعني: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟

وهذا قال به بعض المفسرين، وبعض أصحاب المعاني كالفراء في معاني القرآن.

وبعضهم كالزجاج يرى أن ذلك يرجع إلى قوله: أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ يعني: أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وأعطي هذه الأشياء: كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وصارت عاقبته إلى النار؟!

وكأن الأقرب -والله تعالى أعلم- أن ذلك يرجع إلى ما قبله، فمن كان بهذا النعيم، وهذه الأنهار من العسل والخمر واللبن: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ؟

قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۝ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ۝ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ۝ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [سورة محمد:16-19].

يقول تعالى مخبراً عن المنافقين في بلادتهم، وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ، ويستمعون كلامه، فلا يفهمون منه شيئًا، فإذا خرجوا من عنده: قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَمن الصحابة : مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ أي: الساعة، لا يعقلون ما قال، ولا يكترثون له.

هذا المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير من أن ذلك بسبب بلادتهم، وقلة فهمهم، وإدراكهم يشهد له قوله -تبارك وتعالى- بعده: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ [سورة محمد:16] فإذا طُبع على قلب الإنسان فإنه لا يعي، ولا يفقه، ولا ينتفع بما سمع، ولا تصل هذه المواعظ إلى قلبه بحال من الأحوال.

مع أن الكثيرين فسروا هذا الموضع باعتبار أنهم يقولون ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء والاستخفاف، يعني يقولون مستهزئين مستخفين: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ هو يقول ماذا؟ يعني أنهم يظهرون قلة الاكتراث بكلامه، وما يوحى إليه، هكذا قال كثيرون، وهذا يحتمل.

لكن قوله -تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ قد يفهم منه أن ذلك بسبب كون هذه القلوب لا تعي ولا تعقل عن الله -تبارك وتعالى، فهم لهم قلوب لا يعقلون بها، فيسألون أهل العلم والفقه: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ ولهذا يقول: قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ لو كانوا يقولون هذا على سبيل السخرية لربما لا يجترئون أن يسألوا أهل العلم هذا السؤال البارد، وإنما يسألون إخوانهم من المنافقين على سبيل الاستهزاء، إذا تسللوا وخرجوا من مجلسه، لربما يواجه بعضهم بعضًا بهذا السؤال الذي ينبئ عن بلادتهم: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ على سبيل الاستخفاف والاستهزاء.

يعني أنهم يقولونه لأصحابهم؛ لأنه ما يُظن بهؤلاء المنافقين أنهم يجترئون بهذا القول الذي يواجهون به أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ أن يقولوه على سبيل الاستخفاف، فإن الغالب أن المنافق هو أضعف من أن يقف أمام الذين أوتوا العلم؛ لأنه يذوب كما يذوب الماء في الملح، يتلاشى، لا يستطيع أن يتمالك، فضلاً عن أن يستطيع أن يسأل بطريقة فيها استخفاف.

يعني لو أراد أن يسأل من غير استخفاف يمثّل أنه حريص وأنه يريد الفائدة، وما أشبه ذلك، هو لا يجرؤ على هذا، إذا رآه من جهة انحاز إلى ناحية أخرى؛ لأن الضعف الذي يملأ قلبه، التخوف من كل شيء، التردد يجعله لا يستطيع أن يواجه هؤلاء أصلاً بشيء من الحق الذي يسأل عنه، لو سأل بجد، فكيف يقول لهم على سبيل الاستهزاء والاستخفاف؟!، والله أعلم.

قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَما كانوا يقولون لإخوانهم وأصحابهم هذا، ومن هنا فإن الذي ذكره ابن كثير -رحمه الله- كأن السياق يشعر به، لا يفقهون، ولهذا قال الله عنهم: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ [سورة المنافقون:4].

وذكرنا هناك: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ أن هذا يدل أيضًا على البلادة، فإن البليد يقال له: لوح، فلا يفهمون، وذكرنا هناك أن هذه الخشب أيضًا لا يستفاد منها، فهي مسندة، هي عالة على غيرها، هي ليست بسقف ولا عُمد، ولا ينتفع بها في بناء ولا غيره، وإنما هي مسندة، تعتمد على غيرها.

فهؤلاء -أعني المنافقين- هم من الطفيليات التي تعيش في المجتمع، في جسد الأمة، وتنخر فيه، ولا خير فيهم، ولا فائدة، هم يحضرون مجلس النبي ﷺ، ولكن لا ينتفعون بهذا الحضور، فهم كأنهم ألواح في هذه الأجسام والقامات الممتدة، التي ينظرون إلى طولها وعرضها، صباح مساء؛ لأنها غاية ما يؤملون، وجُلّ الهم متوجه إلى هذه الأجسام أن تُحفظ، وأن تطعم، وأن تستريح، وأن تحصل من اللذات، لكن ما يفوتها من النعيم الحقيقي، نعيم الأرواح أضعاف ما تتعاطاه من المآكل والمشارب، ونحو ذلك، ولذلك فإن الخوف يملأ قلوبهم والقلق كما قال الله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ فنعيم الأبدان غير نعيم الأرواح، ينعمون الأبدان، ولكن الأرواح خاوية، فتكون في شقاء دائم، وعذاب وقلق، بحيث يتخوف من كل شيء، ويتوقع المكروه دائمًا، فلا خير في هذه اللذات من المطعوم والمشروب مع حال بائسة كهذه، وروح خاوية كهذه الروح، نسأل الله العافية.

قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ أي: فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح.

لا فهم صحيح باعتبار أن الله طبع على قلوبهم، لا يفهمون، ولا قصد صحيح؛ لأنهم يتبعون الهوى، وإذا لم يوجد الفهم الصحيح، واجتمع مع ذلك سوء القصد فإن غواية الإنسان تكون أسبابها قد استحكمت، فإن الضلال إنما يكون بسبب هذا أو هذا، يعني إما أن يكون الإنسان لم يؤتَ فهمًا، فيقع في الانحراف؛ لأنه لم يعرف الحق أصلاً، أو لسوء قصده.

والانحراف عن الحق إما أن يكون لهذا أو هذا، فإذا اجتمع الأمران: سوء الفهم، وسوء القصد فلا طب لمن كانت هذه حاله، نسأل الله العافية.

وهذا قد يوجد بعضه لدى بعض المنتسبين للإسلام، فيكون انحرافهم بسبب هذين الأمرين، يعني لا فهم صحيح، ولا قصد صحيح، ومتبع لهواه، ومتعصب له، لا يريد أن يغير هذه الحال، وإذا كُلم ونوقش ونصح وعلم لربما لا يفهم هذه النصيحة على وجهها، ولربما ينقل عن هذا الناصح كلامًا مقلوبًا، لا تدري هل فهمه هكذا، أو لسوء قصده قلبه، فيقوّل الناس ما لم يقولوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم قال وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها.

وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ أي: ألهمهم رشدهم.

قوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ الطبع على القلب بمعنى الختم، بحيث يصير هذا القلب عليه ما يغلفه، ويحول بينه وبين الهداية، فجاء الختم والطبع والأكنّة: وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ [سورة البقرة:88] الغلاف الذي يغطيه، فلا يصل إليه الهدى ولا الموعظة، وغير ذلك من الران، ونحوه، كل هذا مما يحجز عن الفهم، وعن الفقه، وعن الانتفاع، انتفاع الإنسان بما يسمع، وهذه الألفاظ -هذه العلل- التي تحول دون الفهم بالكلية تكلم عليها الحافظ ابن القيم -رحمه الله- جميعها، وشرحها وفسرها في بعض كتبه، كـ"إعلام الموقعين"، ولعلّي ذكرت شيئًا من هذا في الكلام على التدبر.

يقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى  يعني: أن الله -تبارك وتعالى- يزيد المهتدين هدى هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ الحديد:9] فهداياته -تبارك وتعالى- لأوليائه متتابعة ومستمرة: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ [سورة التوبة:115]، فالله -تبارك وتعالى- يزيد عبده المؤمن الذي أقبل عليه، وصدق معه، يزيده من الهداية، وينقله من هداية إلى هداية، ومن حال إلى حال أكمل منها زَادَهُمْ هُدًى.

وبعضهم يقول: زَادَهُمْ هُدًى يعني: زادهم إعراضُ المنافقين هدى.

وبعضهم يقول: زَادَهُمْ أي: النبي ﷺ.

وبعضهم يقول: أي: القرآن.

ولكن السياق في أن الله -تبارك وتعالى- زَادَهُمْ هُدًى مع أنه يحتمل أن يكون يعني ما يسمعون من النبي ﷺ من الهدى والقرآن والوحي يزيدهم هدى، وأما أولئك فلا يزيدهم سماع الآيات إلا رجسًا إلى رجسهم.

وهذا القول لا ينافي ما ذكره الحافظ ابن كثير: أن الله وفقهم فهداهم، إلى آخره؛ لأن الله -تبارك وتعالى- هو الذي أنزل هذا الوحي، وهو الذي يوفق للانتفاع به، والاهتداء به من شاء من عباده.

وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ قرينة تدل على أن ما ذكره الحافظ ابن كثير: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ أي: الله هداهم وآتاهم تقواهم، أن هذا هو الأولى.

وقوله تعالى: فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً أي: وهم غافلون عنها فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَاأي أمارات اقترابها؛ كقوله -تبارك وتعالى: هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى ۝ أَزِفَتْ الْآزِفَةُ [سورة النجم:56، 57]، وكقوله -جلت عظمته: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر:1].

وقوله : أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [سورة النحل:1]، وقوله -جل وعلا: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [سورة الأنبياء:1].

فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين، وأقام به الحجة على العالمين.

وقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله، كما هو مبسوط في موضعه.

وروى البخاري عن سهل بن سعد ، قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: بعثت أنا والساعة كهاتين[9].

ثم قال تعالى: فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [سورة محمد:18] أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك؟ كقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [سورة الفجر:23]، وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ [سورة سبأ:52].

وقوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هذا إخبار بأنه "لا إله إلا الله"، ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه قوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [سورة محمد:19].

وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي[10].

وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت[11].

وفي الصحيح أنه قال: يا أيها الناس: توبوا إلى ربكم، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة[12].

وقوله -تبارك وتعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم، كقولِه -تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [سورة الأنعام:60].

وقولِه : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سورة هود:6].

قوله -تبارك وتعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْالحافظ ابن كثير هنا فسره بقوله: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم، في ليلكم، وذكر الشواهد في ذلك.

وهذا القول هو الذي يدل عليه ظاهر السياق -والله تعالى أعلم، وهو الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله.

وبعضهم يقول: يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ أي: في أعمالكم.

وهذا لا ينافي ما ذكر.

وبعضهم يقول: يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ متقلبكم في الأصلاب، ومثواكم في الأرحام.

وتخصيص المعنى بهذا لا دليل عليه.

وهكذا قول من قال: إن ذلك في الآخرة، أو يعلم متقلبكم في الأصلاب والأرحام، ومثواكم في الأرض، أو يعلم متقلبكم يعني أعمالكم، ومثواكم في الآخرة.

لكن الأقرب -والله أعلم- هو ما ذكره ابن كثير، واختاره ابن جرير: تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم.

  1. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم (4043).
  2. رواه البخاري، كتاب الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معي واحد، فيه أبو هريرة، عن النبي ﷺ، رقم (5393)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب المؤمن يأكل في معي واحد، رقم (2060)، ورقم (2061).
  3. رواه ابن جرير في تفسيره (22/ 165) بلفظ: "فأعتى الأعداء من عتا..."، بدلا من: "فأعدى الأعداء من عدا...".
  4. كنز العمال (2/ 464)، رقم (4504)، وضعفه الألباني، في سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم (6724).
  5. المصدر السابق.
  6. المصدر السابق.
  7. رواه أحمد، رقم (20051) وقال محققو المسند: "إسناده حسن".
  8. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي، وهذا سبيلي، رقم (2790).
  9. رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: بعثت أنا والساعة كهاتين رقم (6504)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، رقم(2951).
  10. رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت رقم (6399)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، رقم (2719).
  11. رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ [سورة الفتح: 15]، رقم (7499)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (769).
  12. رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة، رقم (6307) من حديث أبي هريرة، بلفظ: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة.

مواد ذات صلة