الأربعاء 15 / ذو الحجة / 1441 - 05 / أغسطس 2020
[4] من قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} الآية:29 إلى آخر السورة
تاريخ النشر: ٠٨ / ربيع الأوّل / ١٤٣٥
التحميل: 5978
مرات الإستماع: 13179

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ۝ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ۝ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [سورة محمد:29-31]

يقول تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ أي: أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يَفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم، وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم، ولهذا إنما كانت تسمى: الفاضحة.

والأضغان: جمع ضغن، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله، والقائمين بنصره.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ "أم" هذه هي المنقطعة، كما ذكرنا مرارًا أنها بمعنى: بل والهمزة، يعني: بل أحسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم؟

والمرض المراد به هنا: مرض النفاق، وذكرنا في بعض المناسبات: أن المرض في كتاب الله -تبارك وتعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً [سورة البقرة:10] يطلق ويراد به: النفاق، وهذا هو الغالب في كتاب الله -تبارك وتعالى.

وقد يطلق ويراد به: ضعفاء الإيمان، وهو أحد المعنيين في قوله -تبارك وتعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [سورة الأحزاب:12] يحتمل أن هذا لصنفين من الناس: للمنافقين، وعطف عليه الذين في قلوبهم مرض، أن العطف يقتضي المغايرة، عطف عليه ضعفاء الإيمان.

ويحتمل: أنه من قبيل عطف الأوصاف التي ترجع إلى موصوف واحد، وهذا ذكرنا نظائره أيضًا.

والإطلاق الآخر هو الميل المحرم إلى النساء، كما في آية الأحزاب: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [سورة الأحزاب:32] يعني المريض الذي يميل ميلاً محرمًا إلى النساء.

فهنا في هذه الآية المراد: النفاق أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وتموت كما تموت الأبدان، وشر عللها هو النفاق.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يعني المنافقين أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ؟

الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه، حتى يَفهمهم ذوو البصائر.

أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ الإخراج بمعنى: الإظهار، يعني: أن الله يكشف دخائلهم، وما تنطوي عليه نفوسهم من الضغائن.

وفسر ذلك -أعني الأضغان- بالأحقاد، هذا قال به جماعة من السلف فمن بعدهم.

وفسر ذلك بمعانٍ أيضًا متقاربة.

بعضهم يقول: الغش.

وبعضهم يقول: الحقد.

وبعضهم يقول: الحسد.

وبعضهم يقول: العداوة.

وكل هذا متقارب؛ لأن هذه الأحقاد التي في قلوبهم إنما تثمر غشًّا وعداوة، فتارة يفسرون هذا ببعض لوازمه، أو ببعض آثاره، أو ببعض معانيه.

فالأضغان هي ما ينطوي عليه القلب من المشاعر غير الحميدة تجاه الآخرين.

يعني أنه يحمل في نفسه عليهم حقدًا وغلا، يعني أنه يتحامل عليهم، هذا هو المراد.

والعقائد وما تنطوي عليه النفوس لا شك أنه يؤثر في سلوك الإنسان، فيظهر ذلك في نظر العين، ويظهر ذلك على اللسان، ويظهر في تصرفات الجوارح، وذلك أن الناس أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم، هذه المكنونات في النفوس تسيطر على تصرفات أصحابها، وتسوقهم إلى مقتضياتها، فيصدر عنهم كل قول قبيح، وكل فعل قبيح، كما هو معلوم.

وهذا يدل دلالة واضحة لا لبس فيها على أن هؤلاء المنافقين ليسوا فقط يكفرون في الباطن، ويريدون مجرد حقن الدماء، وإحراز الأموال، وإنما هم أيضًا يتحاملون على أهل الإيمان، ويحملون نحوهم مشاعر العداوة والبغض، فهذه المشاعر التي يحاولون أن يداروها وأن يخفوها يظهرها الله -تبارك وتعالى- على فلتات الألسن، وصفحة الوجه، وتأتي الأحداث والمواقف التي تبين وتكشف عن حقيقة هؤلاء، بحيث لا يستطيع الواحد منهم أن يخفي هذه المكنونات في بعض الأحوال، وذلك إما بحالات تمر على أهل الإيمان من الضعف أو الهزيمة، أو نحو ذلك، فيرفع هؤلاء عقيرتهم بالوقيعة، والثلب، والسب، والشتم، والأذى، ويرمونهم بكل قول قبيح، وبكل وصف شنيع، فهم لا يفتئون في الوقيعة، والتخذيل، والذم، وتفريق الصف، وبث الأراجيف، فهذه بضاعتهم، وهذه آثار هذه الأضغان التي تنطوي عليها نفوسهم.

وقوله تعالى: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ يقول وَلَوْ نَشَاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانًا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترًا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، وردًّا للسرائر إلى عالمها.

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان : "ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه".

قوله -تبارك وتعالى: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ يعني: أنْ تعرفهم بأشخاصهم تحديدًا، فلان، وفلان، وفلان، وفلان، وهذا كان قبل أن يُطلع الله نبيه ﷺ على جماعة من المنافقين بأعيانهم، وأسرّ النبي ﷺ إلى حذيفة -كما هو معلوم- بأسماء جماعة من المنافقين.

وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ يعني: لعرّفناك هؤلاء، يقول: ولكن لم يفعل ذلك في جميع المنافقين سترًا منه على خلقه.

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: لحن القول: فحواه ومغزاه، وذلك مما يتفوهون به من ثلب ووقيعة، أو توهين أمر النبي ﷺ، وأصحابه، وسوء الظنون بالله -تبارك وتعالى، فتارة يقول قائلهم: "سمِّنْ كلبَك يأكلْك".

وتارة: "والله ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أشد حرصًا على البطون، وأجبن عند اللقاء".

وتارة: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [سورة المنافقون:8]، وقولهم: لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا [سورة المنافقون:7].

يعني حتى يتفرقوا عنه، ويطلبوا بلدًا آخر يُؤويهم، فلا يتواردون على مدينتكم وبلدتكم، فيزاحمونكم في أقواتكم وأرزاقكم، اقطعوا عنهم النفقة، وغير ذلك من العبارات التي كانوا يتفوهون بها، فقد سجل القرآن عليهم جملة من ذلك، وكذلك جاء في السنة في أسباب النزول، وفي غيرها، فهذا مما يعرف به أهل النفاق، وذلك أن ما يتفوه به بلسانه، أو يكتبه بقلمه يُنبئ عن حاله، فهذا الذي لم تزل كتاباته في الوقيعة، والثلب، والحط على أهل الإيمان، وليس له بضاعة، وليس له شيء يشتغل به إلا هذا اللون من الأذى لأولياء الله -تبارك وتعالى، وتوهين كل ما يتعلق بأمر الدين، فهو تارة يعلن فرحه بكل ما يحصل ويوجد ويقع من الأمور التي من شأنها أن تضعف الدين في نفوس الناس، أو في تمسكهم به أو في ذيوعه وانتشاره بينهم، أو يكون ذلك بإظهار الشماتة بأهل الإيمان، وإطلاق الألقاب القبيحة عليهم، أو التشكيك في مقاصدهم، أو التندر بالعبارات أو الشعارات التي يذكرونها، فهذه بضاعة أهل النفاق، وهذا من لحن القول الذي يعرفون به، حينما لا يعرف عن هذا الكاتب، أو هذا الذي يطعن ويثير قالة السوء بين أهل الإيمان، ما يعرف عنه إلا هذا فمثل ذلك ينادي على نفسه أنه ممن في قلوبهم مرض.

فمثل هذا حينما يصدر منه خلاف ذلك، يعني يغلط مرة، أو يفيق ضميره ويستيقظ قلبه، فيكتب كتابة حسنة، يستغرب الناس ويقلّبونها ويتداولونها بينهم، ما الذي حدث؟

لأنه كما قال الله : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [سورة النور:26].

وذكرنا هناك: أن ابن جرير -رحمه الله- حمل ذلك على الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين من الناس، فهم معادنها، فإذا صدرت عنهم فإن ذلك لا يستغرب، وأثر ذلك يرجع عليهم، ولا يضر أهل الإيمان، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والأفعال، وإن كان المعنى أعم من هذا، الخبيثات من النساء والأوصاف والأقوال والأفعال للخبيثين من الناس، لكن هذا المعنى الذي ذكره ابن جرير هو بعض ما يدخل في معناها، الخبيثات من الأقوال للخبيثين من الناس.

فهؤلاء هم مظنة لصدور مثل هذه المقالات، والأفعال القبيحة، ولم يزل ذلك منذ عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وهم يشتغلون هذا الاشتغال، ويتكلمون بمثل هذه القبائح، فهذا لحن القول، يعني فحواه ومغزاه.

وأصل اللحن هو إمالة الكلام إلى نحو من الأنحاء، لغرض من الأغراض، فهو يلحن في كلامه، لا يأتي به صريحًا فيعلن نفاقه، وإنما يتكلم بطريقة تدل على أن قائلها والمتفوه بها من المِراض وليس من الصحاح، أنه مريض، نسأل الله العافية.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى: في قوله تعالى: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ: "وذلك في حق المنافقين: فالأول: فراسة النظر والعين: فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ.

والثاني: فراسة الأذن والسمع: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: علق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة، ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط، بل أخبر به خبرا مؤكداً بالقسم، فقال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وهو تعريض الخطاب، وفحوى الكلام ومغزاه.

والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم، فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه؛ أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه، فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السيماء المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر والسماع"[1].

وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي ﷺ قال: اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله ثم تلا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ [سورة الحجر:75][2]، والحديث فيه ضعف.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: "وَذَلِكَ أَن ظُهُور مَا فِي قلب الْإِنْسَان على لِسَانه أعظم من ظُهُوره فِي وَجهه، لكنه يَبْدُو فِي الْوَجْه بدوًّا خفِيًّا يُعلمهُ الله، فَإِذا صَار خلقًا ظهر لكثير من النَّاس، وَقد يقوى السوَاد وَالْقتمَة حَتَّى يظْهر لجمهور النَّاس، وَرُبمَا مُسخ قردًا أَو خنزيرًا، كَمَا فِي الْأُمَم قبلنَا، وكما فِي هَذِه الْأمة أَيْضا"[3].

قال ابن القيم -رحمه الله: "وظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظم من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو في الوجه بدوًّا خفيًّا يراه الله، ثم يقوى حتى يصير صفة في الوجه يراها أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس، ثم يقوى حتى يُمسخ الوجه على طبيعة الحيوان الذي هو على خلقه من قرد أو خنزير، كما جرى على كثير من الأمم قبلنا، ويجري على بعض هذه الأمة، كما وعد به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى"[4].

هذا صحيح، ولذلك ترى ذلك يظهر جليًّا يعرفه كل أحد فيما يتعلق بأصحاب البدع الغليظة، من الرافضة مثلاً، فإذا رأيته بين ملايين الناس عرفت أنه رافضي، وهذا فيه أكبر عظة وعبرة، لو أن هؤلاء يعقلون لتابوا إلى الله -تبارك وتعالى- من هذا، بمجرده، دعك مما وراءهم من العقائد الفاسدة.

فما يكنّه الإنسان يظهر على وجهه، فيقوى تارة فيعرفه كل أحد، وقد يكون دون ذلك فيراه أهل الفراسة، ولذلك مهما كان يتصنع في مظهره، في محاكاة أهل الإيمان، ونحو ذلك، فهم يرون في وجهه شيطانًا، يرون هذه اللحية التي ظهرت على وجهه أنها ليست بلحية حقيقية تظهر عليها أنوار السنة، ويظهر ذلك على وجهه، وإنما هي لحية تحت كل شعرة منها شيطان، وهذا أمر مشاهد لا يخفى يلوح على وجه صاحبه، يراه أهل الإيمان، "فما أسرّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه، وفلتات لسانه".

وقوله وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه، ولهذا يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- في مثل هذا: إِلَّا لِنَعْلَمَ  [سورة سبأ:21] أي: لنرى.

قوله -تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ هذا كما قال الله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ [سورة البقرة:214].

وهكذا في قوله -تبارك وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [سورة آل عمران:142].

وفي قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [سورة التوبة:16] إلى غير ذلك مما وعد الله به.

وذكرنا هناك في سورة الأحزاب عند قوله -تبارك وتعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [سورة الأحزاب:22] تعليقًا على قول ابن كثير -رحمه الله- حينما ذكر معنى حسنًا فيها: أن ذلك إشارة إلى ما وعد الله به من الابتلاء وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وهو: أَمْ حَسِبْتُمْ.

والقول الآخر: هذا ما وعد الله ورسوله من النصر.

وبين القولين نوع ملازمة، ذكرنا أن المعنى -والله تعالى أعلم- هو الذي ذكره الحافظ ابن كثير: الابتلاء الذي يعقبه النصر، هذا الذي وعد الله ورسوله، وأن المؤمن إذا رأى الابتلاء تذكر وعد الله به: أَمْ حَسِبْتُمْ والنصر يعقب ذلك، والتمكين يحصل بعد الابتلاء.

وهنا: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ لنختبرنكم بالأوامر والنواهي، وليس ذلك فحسب، وإنما فيما يبلوهم به مما يجريه -تبارك وتعالى- في خلقه، ويقع في كونه مما يكون ابتلاء لعباده من تسلُّط الكافرين، ومن إنهاض عزائمهم وهممهم لحرب المسلمين، فيبتلي الله بذلك أهل الإيمان، فالكفار يُبتلون بالمسلمين، والمسلمون يُبتلون بالكفار، والله يبلو الناس بعضهم ببعض.

فهنا هذه الأمور الواقعة مما يبتلي الله بأمره ونهيه وشرعه.

وكذلك أيضًا فيما يقع في هذا الباب من النسخ، كنسخ القبلة مثلاً: لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [سورة البقرة:143].

وكذلك أيضًا ما يجري في قدره، كل هذا يقلب الله فيه الناس، فيبتليهم حتى يعلم المجاهدين منهم والصابرين.

قال: وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ يعني نظهرها ونكشفها امتحانًا لكم، ليظهر للناس من أطاع ومن عصى، ومن آمن ومن كفر.

وابن جرير -رحمه الله- يقول: وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ يعني فنعرف الصادق منكم من الكاذب، والله لا يخفى عليه شيء، ولكن كما ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بقوله: فالمراد حتى نعلم وقوعه، يعني هذا يفسر به المواضع في كتاب الله -تبارك وتعالى- التي ذكر فيها التعليل بالعلم: إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [سورة البقرة:143] الله يعلم ولكن القصود العلم الذي يترتب عليه الجزاء.

وقل مثل ذلك في سائر المواضع.

وتارة يراد به العلم الذي يحصل به الظهور والانكشاف للناس، يعني في آية الكهف في قوله -تبارك وتعالى:ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا الكهف:12] لنعلم هذا العلم الذي يحصل به الانكشاف للناس والظهور، وإلا فالله يعلم: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ۝ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۝ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [سورة محمد:32-35].

يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه، ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله، فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقّبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات.

وقد روى الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، عن أبي العالية قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فخافوا أن يُبطل الذنب العمل"[5].

ثم روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [سورة النساء:48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها[6].

قوله -تبارك وتعالى- هنا في صفة هؤلاء: مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى هو الذي اقتضى اختلاف المفسرين في هذا الموضع، يعني أن أول الآية ظاهره العموم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ والاسم الموصول -كما هو معلوم- من صيغ العموم، فهذا يصدق على كل الكفار الذين هم بهذه المثابة.

لكن حينما قال الله : مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى فهذا في نوع من المشاقين والكافرين، ومن هنا حمله بعض أهل العلم على أهل النفاق، عرفوا الحق ثم بعد ذلك انحرفوا عنه، ووقعوا في النفاق.

وبعضهم يقول: إن ذلك في أهل الكتاب، عرفوا صفته ﷺ، وأن ما في كتبهم ينطبق على النبي -عليه الصلاة والسلام، ويصدق عليه، ولكنهم جحدوا وكفروا.

وبعضهم يقول: إنها في المطعمين يوم بدر، والمطعمون يوم بدر -كما هو معلوم- لما سار المشركون إلى بدر، فكان في كل يوم يطعمهم واحد من أهل الجدة من كبراء قريش، يطعمهم عشرًا من الإبل، ينحر عشرًا من الإبل، لكن هذا كأنهم نظروا فيه إلى قوله: وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فهذا أضعف هذه الأقوال.

وهنا الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا.

فهذا يصدق على المرتدين، كما أنه يصدق على المنافقين، وعلى كل من ينطبق عليه هذا الوصف: كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى وأهل الكتاب الذين عرفوا حقية ما جاء به ﷺ داخلون في ذلك.

ولكنها تصدق بصفة أو بصورة أولية على من دخل في الإسلام، ثم ارتد عنه ردة مكشوفة، أو دخل في باب النفاق.

وقوله: وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ سبق الكلام على هذا في مواضع من كتاب الله -تبارك وتعالى- وذكرنا أن "صد" تأتي لازمة ومتعدية.

"صد" لازمة، أي: صد في نفسه، تقول: فلان صدَّ وصادٌّ، يعني أنه انقبض، وبقي في حاله، وانطوى على نفسه.

ويمكن أن تكون متعدية: وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وقد ذكرنا هذا في مواضع، من ذلك في سورة المنافقين: أن هؤلاء يكون صدودهم بما ذكره السلف من المعاني: أنهم صدوا في أنفسهم، إذا فسرت بأنها لازمة.

وأنهم صدوا عن الدخول في الإسلام، صدوا الناس هذه متعدية، وكذلك صدوا عن اتباع النبي ﷺ، والجهاد في سبيل الله، والنفقة في سبيله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الأحزاب:18] فهم يعوّقون ويثبطون، ويخذلون عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام.

سَبِيلِ اللَّهِ أيضا مضى الكلام على هذا، وأنه غالبًا ما يأتي في القرآن بمعنى: الجهاد في سبيل الله، وقد يأتي بمعنى أوسع من ذلك.

فهنا: وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ صدوا عن الجهاد، وصدوا أيضًا عن اتباع النبي ﷺ، وعن دين الله -تبارك وتعالى.

وَشَاقُّوا الرَّسُولَ أيضًا ذكرنا أن المشاقة أصلها أن يكون هذا في شق وهذا في شق، مثل المحادة والعداوة، المحادة هذا في حد وهذا في حد، والعداوة هذا في عُدوة وهذا في عُدوة، يعني من شقي الوادي، أو من شفتي الوادي، أو من شاطئي الوادي، يقال: عدوة: إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى [سورة الأنفال:42]، فهنا: وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى هؤلاء ما شأنهم؟

قال: لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا إذًا هؤلاء لن يضروا الله شيئًا؛ لأن الله -تبارك وتعالى- غني عن خلقه إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ [سورة الزمر:7].

وكما جاء في الحديث القدسي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني[7].

فهؤلاء الذين ينتكسون ويرتكسون، ويرجعون بعد الإيمان: لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا؛ لأن الله غني عنهم، وغني عن خلقه أجمعين، إنما هم في الواقع يضرون أنفسهم، ويسيئون إليها، ويحملونها الأثقال والأوزار، ويتقوتون بما يصير بهم إلى النار، فهذا حالهم، وهذا شأنهم، وهذا هو مآلهم ومصيرهم، ولهذا نهى الله -تبارك وتعالى- نبيه ﷺ عن الحزن على الكافرين، وما يصدر عنهم: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [سورة الكهف:6].

بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أي: مهلك نفسك، لكون هؤلاء لم يدخلوا في الإيمان.

وقال: فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [سورة فاطر:8] فالله -تبارك وتعالى- ينهى نبيه ﷺ عن الحزن بسبب كفر من كفر، وإعراض من أعرض، وضلال من ضل؛ لأن هؤلاء هانوا على الله فأهانهم، وصيّرهم إلى هذه الحال التي يرتكسون فيها.

ومثل هذا الخطاب يوجه أيضًا إلى أهل الإيمان: فلا تذهب نفوسهم حسرات بسبب ضلال من ضل، وشقاء من شقي، وإنما عليهم أن يبلّغوا دين الله -تبارك وتعالى، ثم بعد ذلك الله يهدي من شاء من عباده، ويضل من شاء عن علم وحكمة.

فهنا قال: لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وقال: وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ وقد مضى الكلام على الحبوط، وأنه بمعنى الإبطال، النبي ﷺ قال: وإنّ كل ما أنبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلم[8] يعني يقارب.

فالزهوق، البطلان، الإبطال كل ذلك بمعنى الحبوط، فالله -تبارك وتعالى- يحبط أعمال هؤلاء، بمعنى يبطلها ويذهبها.

والله -تبارك وتعالى- يأمر عباده بطاعته وطاعة رسوله ﷺ فلمّا ذكر حال هؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وما آل إليه أمرهم من حبوط الأعمال وجه الخطاب لأهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [سورة محمد:33].

الإحباط، والحبوط بمعنى البطلان.

وأصل الحبوط يقال: للدابة إذا أكلت -كما سبق في الحديث- حتى انتفخ بطنها، ثم بعد ذلك هلكت، وإن مما أنبت الربيع ليقتل حبطًا انتفاخ بطن الدابة، قال: إلا آكلة الخضرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترّت وثلَطَت[9]، فمثل هذا هو الذي يحصل به الانتفاع، وأما التي تأكل وبعد ذلك يتتابع أكلها من غير ما ذكر في الحديث فإن ذلك يؤدي إلى الحبوط، فيكون حتفها في هذا الأكل.

ولهذا نسمع أحيانًا في كلام المرأة لصغيرها، إذا حصل منه شيء من التدنيس والتلويث والتقذير بالنجاسات، أو نحو ذلك، لربما دعت عليه بهذا، وهي قد لا تفقه المعنى، تقول: "حَبَط" ولا زالت هذه الكلمة مستعملة إلى اليوم، تدعو عليه بهذا، وهي تدعو عليه بالهلاك.

وهنا: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن ذلك في الكفر، وأن الردة هي التي تبطل الأعمال، وهذا صحيح في جنس الأعمال، فكل الأعمال يكون بطلانها وحبوطها بالردة عن الإسلام: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [سورة الزمر:65].

والله يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [سورة الفرقان:23].

ويكون بطلان الأعمال الجزئية يعني العمل المعين وليس كل الأعمال، يكون بمبطلات من ذلك الرياء والسمعة، والمقاصد السيئة، فالله أغنى الشركاء عن الشرك.

وكذلك أيضًا: لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى [سورة البقرة:264]، فهذا مما يبطل الأعمال.

فمبطلات الأعمال تارة تكون سابقة لها، وتارة تكون مصاحبة، وتارة تكون تابعة، يعني أنها تحصل بعدها.

فيدخل فيه هذا وهذا، ولكن الذي يدخل فيه دخولاً أوليًّا هو ما يحصل به بطلان جميع الأعمال بالكفر، ولهذا أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، بخلاف حال أولئك الذين شاقوا الرسول -عليه الصلاة والسلام.

وهنا في قوله -تبارك وتعالى: وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ يعني أعمالهم التي عملوها يتقربون بها إلى الله -تبارك وتعالى، هذا هو المشهور الذي عليه الجمهور.

وذهب بعض أهل العلم: إلى أن هذه الأعمال التي وعد بإحباطها هي الأعمال التي يكيدون بها دين الله -تبارك وتعالى- وأولياءه، يعني ما يبذلونه من الجهود والنفقات في سبيل إطفاء نور الله ، كما قال الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [سورة الأنفال:36] هذا قانون لا يتبدل ولا يتغير، فكل من بذل وأنفق، وجد واجتهد في سبيل إطفاء نور الله فإن ذلك يرجع إليه، ولا يضر الله شيئًا، وجهده وعمله وسعيه وبذله ونفقته، كل ذلك يبطله الله ، ويجعله حسرة عليه: فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ هذه هي العاقبة.

أهل الإيمان يتيقنون هذا؛ لأن الله حكم به، ونواصي الخلق بيده، والملك ملكه، والخلق خلقه، فهو -تبارك وتعالى- العزيز القوي القاهر الذي لا يتعاصى عليه شيء، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يبطل حكمه وقضاءه وأمره.

لكن المعنى هنا: وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ المقصود بها الأعمال التي يرجون فيها الثواب، وهذا هو المستعمل في القرآن، هذا هو الذي يرد في نصوص الكتاب والسنة، أن المقصود الأعمال التي يتقربون بها إلى الله -تبارك وتعالى، وهكذا في قوله: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ.

هنا في هذا الحديث الذي ذكره عن أبي العالية قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب" إلى أن قال: فنزلت[10] هذا مرسل.

ثم أمر -تبارك وتعالى- عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ أي: بالردة، ولهذا قال بعدها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، كقوله إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [سورة النساء:48] الآية.

هنا قوله: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ أي: بالردة".

هذا -كما سبق- في إبطال جميع الأعمال، كل الأعمال تبطلها الردة.

وبعض السلف كالحسن يقول: "لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي".

وهذا مضى الكلام عليه: هل السيئات تبطل الحسنات أو لا؟

وأهل العلم لهم كلام في هذا، وذكرنا في: "شرح طريق الوصول إلى العلم المأمول" كلام أهل العلم في هذه المسألة، والحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ حال قوم يأتون من أمته يوم القيامة بأعمال صالحة، ومثّلها بجبال تهامة البيضاء، ثم بعد ذلك يبطلها الله ، وذكر أنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها[11].

فهنا لم يذكر الكفر والردة، فأخذ منه بعض أهل العلم: أن السيئات تبطل الحسنات.

وذكرنا: أن شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذه المسألة يرى أن السيئة تبطل ما قابلها، وذكرت هناك: أن المتيقن من إبطال الحسنات يكون بالمبطلات لها من المقاصد السيئة، أو المن والأذى، والعجب، ونحو ذلك من الأدواء التي يحصل بها البطلان للعمل المعين.

لكن الحسن يقول: بالمعاصي.

والزهري يقول: بالكبائر.

كل هذا بناءً على المسألة السابقة: السيئة هل تبطل الحسنة أو لا؟

وجماعة من السلف كابن جريج والكلبي يقولون: الرياء والسمعة، وهذا لا شك أنه يبطل العمل المعين، أما الرياء والسمعة إذا دخلا في أصل الإيمان فإن ذلك يبطله بالكلية، يعني هذا هو النفاق، إذا كان آمنَ رياءً وسمعة، وتجد عبارات السلف هي تفسير بالمثال، واضح؟ كقول مقاتل مثلاً: إنه بالمن، تبطلوا أعمالكم، يعني بالمن.

ولكن كما سبق أن المبطلات على نوعين: مبطل عام، ومبطل خاص.

ويقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، تأمل هذه الآية، هي التي يستدل بها العلماء في هذا الباب على حبوط الأعمال بالموت على الكفر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فيكون عدم المغفرة، وحبوط الأعمال إذا مات على الكفر، لكن لو أنه حصلت له ردة ثم رجع إلى الإسلام فإن الله يغفر ما سلف، وأعماله ما حالها؟

ترجع إليه، ولهذا اختلف أهل العلم في حج من حصلت له ردة، حج ثم ارتد، ثم رجع إلى الإسلام، هل يجب عليه أن يحج مرة أخرى باعتبار أن الحج الأول بطل أو لا؟

الأقرب: أن حجه صحيح، وأنه لا يجب عليه أن يحج ثانية.

ثم قال -جل وعلا- لعباده المؤمنين: فَلَا تَهِنُوا أي: لا تضعفوا عن الأعداء وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم، وكثرة عَددكم وعُددكم، ولهذا قال: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي: في حال علوكم على عدوكم.

فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمامُ في المهادنة والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم ﷺ إلى ذلك.

قوله -تبارك وتعالى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا قال: أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين...

يعني الحافظ ابن كثير يرى أن قوله: وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ يرتبط بما قبله، وأنه قيد له، يعني: لا تهنوا وتدعوا إلى السلم إذا كنتم في حال من القوة والتمكن والظهور، وإنما في هذا المقام ينبغي أن تبلوا بلاءً حسنًا في جهاد أعداء الله -تبارك وتعالى، وأن تبذلوا في سبيل ذلك كل مستطاع لإعزاز الدين، هذا المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير، وهو يحتمل، ولكن عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا فسروها بغير هذا، فجعلوا الجملتين منفصلتين فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ هنا وقف تام، ثم: وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ فهذه تكون جملة استئنافية مقررة صفةً لأهل الإيمان، وهي أن العزة والعلو لهم دون غيرهم.

أمّا على ما ذكره الحافظ ابن كثير فإن قوله: وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ يكون في محل نصب حال مما قبله، فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم حال كونكم بهذه المثابة، أنكم الأعلون، فهذا لا يكون محلا للضعف والهوان لأعداء الله ، والدعوة إلى السلم.

والسلم يعني المسالمة، وترك القتال.

ويحتمل أن تكون "الواو" هذه -كما ذكرت- استئنافية مقررة لما قبلها من النهي، يعني يقول لهم: لماذا التنازل؟ ولماذا الدعاء إلى السلم والواقع أنكم الأعلون؟ يقول: لماذا يحصل هذا الذل والضعف أمام الأعداء والدعاء إلى المسالمة أن يكون ذلك مبتدَأً منكم ومبادرة من قِبَلكم، والواقع أنكم الأعلون، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولو كانوا في حال ضعف أو هزيمة، فإن هذا هو حالهم، ولهذا قال الله  معزيًا لهم بعد وقعة أحد كما جاء ذلك في سياق طويل في سورة آل عمران وكان مما قال فيه: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا [سورة آل عمران:139] يعني يعزيهم بهذا العزاء اللطيف الرقيق، وهم في حال هزيمة وانكسار، فيذكرهم بهذا، هذا المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير مع أنه يحتمل إلا أنه خلاف قول عامة أهل العلم.

الشنقيطي -رحمه الله- رد على الحافظ ابن كثير هذا القول، وحاصل ما ذكره: أن العزة وصف لازم لأهل الإيمان، فلا ينبغي أن يتطرق إليهم الضعف وطلب المهادنة والمسالمة من الكفار، ومن ثم فإن بعض أهل العلم قالوا: إن هذه الآية منسوخة.

ما الذي نسخها؟

قالوا: نسخها قوله -تبارك وتعالى: وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ [سورة الأنفال:61] قالوا: هذه تقرر السلم وهذه تنهى عنه مطلقًا، هكذا فهموا.

وبعضهم يقول: هذه الآية ناسخة لتلك، باعتبار أن سورة الأنفال نزلت بعد بدر.

لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن ذلك ليس بناسخ ولا منسوخ، وإنما هي آية محكمة في هذا الموضع، وكذلك آية الأنفال، وأن المقصود بهذه الآية: النهي عن الدعاء إلى السلم، أن ذلك لا يكون مبتدَأً منهم، لكن إذا طلبه الكفار فإن آية الأنفال تدل على أنه يمكن النظر فيه، وأن يقبل إذا كانت المصلحة تقتضيه: وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فيكون ذلك مبادرة من الكفار، لا يكون ذلك مبادرة من أهل الإيمان، هذا هو المعنى الذي حمل الآيةَ عليه جماعةٌ من المحققين، -والله تعالى أعلم.

وقوله -جلت عظمته: وَاللَّهُ مَعَكُمْ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء: وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئًا، والله أعلم.

يعني هنا في قوله -تبارك وتعالى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِفهنا الجملة حينما نقول: إنها استئنافية: وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَالقرينة التي تدل على هذا المعنى الذي ذكره الجمهور ما ذكره بعده، قال: وَاللَّهُ مَعَكُمْ يعني في حال النصر، وفي حال الهزيمة، وفي حال القوة، وفي حال الضعف، فالله معكم، ومن كان الله معه فإنه لا يتطرق إليه الهوان، ولا يمكن أن يخنع ويضعف أمام عدوه.

قال: وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ هنا قال: أي: ولن يحبطها ويبطلها، ويسلبكم إياها، وأصل ذلك من النقص، يقال: وتره حقه يعني نقصه، تقال: فلان موتور، مثل الذي قُتل له قتيل ولم يستوفِ القصاص مثلاً، لم يستوفِ حقه، لم يحصل له ثأره، فيبقى موتورًا؛ لأنه صار بهذه المثابة، وصار منقوصًا، فأصله بمعنى النقص: وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ يعني أن الله يوفيكم الجزاء الكامل على هذه الأعمال، ولن يتطرق إلى ذلك نقص في كل الحالات، فضلاً عن الإبطال، أي أن الجزاء على الله -تبارك وتعالى، وأنه متحقق وثابت، سواء كنتم في حال قوة، أو كنتم في حال ضعف، فلا يظهر منكم أدنى تضعضع أمام الأعداء ولا خنوع ولا ذل ولا استكانة، فأنتم الله معكم، وجزاؤكم عليه، وسيكون هذا الجزاء وافيًا، وإنما غاية ما هنالك أن الله يطالبكم بما كان تحت قُدركم وإمكاناتكم فقط، ويجازيكم على هذه الأعمال الجزاء الأوفى.

إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ۝ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ۝ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [سورة محمد:36-38].

يقول تعالى تحقيرًا لأمر الدنيا وتهوينًا لشأنها: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله ، ولهذا قال تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ أي: هو غني عنكم، لا يطلب منكم شيئًا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم.

قوله -تبارك وتعالى: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌمضى الكلام على الفرق بين اللعب واللهو، وأقوال أهل العلم في ذلك في مواضع سبقت من هذا التفسير، وكذلك أيضًا في الكلام على الأمثال في القرآن، عند الكلام على الأمثال المضروبة للحياة الدنيا، لعب ولهو، من أهل العلم من يقول: إن اللعب هو الشيء الذي لا حاصل تحته، لا نفع فيه، ولا طائل من ورائه، وإن اللهو كل ما يتلهى به، ويشغل الإنسان عما هو بصدده من حق وباطل، فهذا حال هذه الحياة الدنيا، والله -تبارك وتعالى- يدعو أهل الإيمان من أجل أن لا يتعلقوا بها، ويتشبثوا بحطامها، وإنما تكون قلوبهم معلقة بمراضيه، والعمل للآخرة، فهذه الحياة لا تستحق أن يتشبث الناس بها، وأن تكون هي غاية مطلوبهم، وعليها يؤملون ومن أجلها يعملون.

يقول هنا: أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله : وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ يقول: أي: هو غني عنكم، لا يطلب منكم شيئًا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم، كما قال الله : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ [سورة البقرة:272] فهذه نفعها يعود عليكم، والله لا يسألكم.

وبعضهم يقول: وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ بمعنى أنه لا يسألكم أن تخرجوا جميع المال، وإنما يخرجون قدرًا من هذا المال، ليعود نفعه على إخوانهم، وتقوم مصالحهم من الجهاد، وغيره، ويعود جزاء ذلك وثوابه عليهم في العاجل والآجل.

وبعضهم يقول: إن قوله -تبارك وتعالى- هنا: وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ أي: إنما يسألكم ماله هو ؛ لأن هذه الأموال وديعة في أيديكم، وأنتم مستخلفون فيها، وإلا فالمال حقيقة لله -تبارك وتعالى- فهو المالك الحقيقي، وإنما جعل ذلك في أيديكم من أجل أن يبتليكم، وأن ينظر كيف تعملون وتتصرفون، هكذا قال بعض أهل العلم، وهذا فيه بعد لا يخفى.

وبعضهم يقول: هذا من قبيل الآيات الأخرى التي يَذكر فيها الرسلُ -عليهم الصلاة والسلام- لأقوامهم أنهم لا يسألونهم على البلاغ والدعوة أجرًا ومالاً، وقد مضى الكلام على هذا في مناسبات من هذا التفسير، كذلك في مجالس خاصة في بعض الموضوعات، مثل: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [سورة فصلت:41] طلب الدنيا بالقرآن، وكذلك أيضًا في الكلام على الدعوة إلى الله في قوله -تبارك وتعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [سورة النحل:125].

هنا: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ فهو يدعو إلى سبيل الله ، لا يدعو إلى نفسه، ولا يدعو من أجل أن يحصّل عرضًا من الدنيا، وأن يتخذ الدعوة تجارة، فمن أهل العلم من حمل هذه الآية على هذا باعتبار أن الدعوة مجانًا، فهو حينما يدعوكم إلى الإيمان لا يطلب على ذلك شيئًا من عرض الدنيا مما في أيديكم مقابل دعوته وتبليغ الرسالة.

وتأمل قوله -تبارك وتعالى- بعده: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ يعني هذا يمكن أن يكون قرينة للقول بأن المقصود بذلك: إخراج جميع الأموال؛ لأنه لو طلب منهم أن يخرجوا جميع الأموال لضاقت نفوسهم بذلك، وظهر منهم ما لا يجمل ولا يحسن، ولبقي في نفوسهم مما يكون من أثر ذلك مما هو من قبيل الأضغان: وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ.

هنا في قوله -تبارك وتعالى: وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ۝ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا أيضًا يحتمل أن يكون هذا قرينة للقول الآخر: أن المقصود بذلك أنه لا يسأل هذه الأموال مقابل الدعوة وتبليغ الرسالة، يعني أن هذه الدعوة لا يطلب العوض المادي عليها، ولو طلب العوض المادي عليها لتحركت النفوس، ولم يكن لذلك من القبول ما يكون لمن بذل الدعوة مجانًا، نصحًا للناس، ومحبة للخير لهم، فالناس يستثقلون من يطلب منهم الأموال، ولهذا قال: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ.

ثم قال : إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا أي: يحرجكم تبخلوا.

وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْقال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان.

وصدق قتادة؛ فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه.

قوله -تبارك وتعالى- هنا: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا قال: "يحرجكم".

وهكذا فسره بعضهم بـ"يجهدكم".

وهذا مقارب لما قاله ابن كثير، وأصل الإحفاء الاستقصاء، يقال: أحفى في المسألة يعني استقصى، حيث يسأل بطرق ووسائل وأساليب متنوعة، فيستقصي في ذلك، لا يدع طريقًا يمكن أن يتوصل به إلى أموال الناس إلا سلكه، فهذا الإحفاء في المسألة.

ابن جرير يقول: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ يعني يجهدكم بهذا السؤال، يشق عليكم، حينما تطلب الأموال: تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ يجهدكم بالمسألة، ويلح عليكم بطلبها، طلب هذه الأموال منكم.

تَبْخَلُوا ابن جرير يقول: تَبْخلوا بها، وتمنعوها إياه منًّا منكم بها.

يعني يكون المعنى هكذا: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ يجهدكم بهذا السؤال يشق عليكم بهذا الطلب، طلب الأموال، النتيجة ما هي؟

تَبْخَلُوا إذا سألكم الأموال شق عليكم وأجهدكم، ونتج عن ذلك بخلكم في هذه الأموال، فتضنون بما في أيديكم، وليس ذلك فحسب: وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ.

هنا نقل عن قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان، هذا في الأصول، يعني الكتب التي تذكر المرويات، لربما تكون العبارة فيها بعض المغايرة، أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان؛ لأن العبارة هنا بمجردها محتملة، إخراج الأضغان بمعنى أنه يحصل تطهير النفوس من الأضغان مثلاً، كأن هذا غير مراد -والله تعالى أعلم، وإنما إخراج الأضغان بمعنى أنها تبدو وتتكشف وتظهر؛ لأن طلب الأموال يبدي ويبين ويظهر ويكشف، بل وينبت الأضغان في النفوس، الناس يشق عليهم ويثقل جدًّا طلب الأموال، ولهذا قيل: "استغن عما في أيدي الناس يحبك الناس"

فالناس يستثقلون من يطلب ولو كان لغيره، وقد ذكرت في بعض المناسبات: قول الإمام أحمد -رحمه الله- لما سئل عمن يطلب المال لغيره، مع أن هذا مأجور، وعلى عمل صالح، فالإمام أحمد -رحمه الله- كره ذلك، وذكرت هناك أن هذا لا يعارض قوله -تبارك وتعالى: وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [سورة الفجر: 18] فالحث على إطعام المسكين، وعلى الإنفاق، والتصدق يبينه فعل النبي ﷺ، فقد كان يقف أمام الناس، ويدعو إلى الصدقة دعاءً عامًا، يأمر الناس بالصدقة، ولا يحرج أحدًا بعينه فيقول: يا فلان تبرع، يقف على النساء: (يا معشر النساء تصدقن...[12].

فإذا خص ذلك بأحد بعينه فإن ذلك يشق عليه، فيستثقله الناس، ولهذا فإن الإمام أحمد كأنه كره ذلك، مع أنه صح عن النبي ﷺ فيمن يسعى على الصدقات، ونحو ذلك، لكن فرق بين هذا وبين من يأتي للمعين يطلب منه الصدقة والتبرع، فيوقع هؤلاء في شيء من الحرج، فيخرج أضغانهم، إذا رأوه تذكروا مباشرة أن هذا جاء ليطلب منهم، فيتبرمون منه ويستثقلون، ولربما تحاشوا مقابلته، وهذا أمر مشاهد.

وكان بعضهم لربما إذا رأى بعض هؤلاء ممن يطلب منهم دائمًا بأعيانهم، وبأشخاصهم أن يتبرعوا، وأن يتصدقوا ونحو ذلك، إذا رأوه قام في المسجد يعظ، أو نحو ذلك، بعد الصلاة انسلوا من المسجد لئلا يراهم، أو ليتحاشوا مقابلته، هذا أمر واقع.

ولربما تجد الرجل الحليم إذا جاءه هذا -ولكثرة من يأتيه- لربما بدر منه بعض ما لا يليق، مما يدل على ضيق وضجر، مما لا يحسن في الرد على من ذكّره بالصدقة، ودعاه إليها، لكن هذا كما قال الله : وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ فالنفوس تتحرك في هذا النوع من المزاولات، ويحصل بسبب ذلك من الكدر فيها والضيق بمن يسأل هذه الأموال.

ولذلك ينبغي لمن ينتسب إلى العلم، أو الدعوة إلى الله أن يخفف على الناس، وأن لا يطلب منهم شيئًا، إلا على سبيل العموم، يدعو الناس إلى الصدقة، وإذا جاءه من يريد من أصحاب المشروعات، والأعمال الخيرية، والمعاهد والمدارس والجامعات، ونحو ذلك، ممن يحتاجون إلى التبرعات، ونحو هذا يمكن أن يرسل ذلك بعنوانه، وما يتصل به إليهم، ويترك ذلك إليهم، فعندهم أرقام حسابات هؤلاء، دون أن يُلحف في المسألة، وأن يتابع، وأن يقول لهم: يا فلان، تبرعْ، وما إلى ذلك، إنما يدع الإحراج، ويترك ذلك بينهم وبين الله ، وهم أعلم بأحوالهم، وأدرى بشئونهم، فقد يكون هؤلاء عندهم من الالتزامات بأعمال ينفقون عليها من أعمال البر والخير ما لا يتحملون معه الزيادة.

فلا داعي للإحراج، وإن كان ولابدّ فيمكن أن يقوم بهذا آخرون، يعني ممن لا يقدمون نفعًا للناس من العلم والدعوة، من أجل أن لا يُستثقل هؤلاء، أن يَقبل الناس منهم، إذا رأوهم فرحوا بهم، وإذا دخلوا دارهم سروا واستبشروا، لكن إذا عرفوا أنه كلما جاء فمعناه أنه يطلب منهم أن يتبرعوا فإنهم لا يستبشرون بمجيئه، ولا يفرحون به، بل يستثقلون ويتبرمون، ويتنصلون من ذلك، فلا داعي لمثل هذا الإثقال، يكون الإنسان خفيف الظل على عباد الله ، ويدعو دعاءً عامًّا: من شاء أن يتصدق، فهذه أبواب من البر وأبواب من الخير يوفق الله لها من شاء من عباده.

هذا ما يتصل بهذه الجزئية، -والله أعلم.

وقوله تعالى: هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ أي: لا يجيب إلى ذلك.

وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ أي: إنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه.

وَاللَّهُ الْغَنِيُّ أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما، ولهذا قال تعالى: وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء أي: بالذات إليه، فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه.

وقوله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا أي عن طاعته واتباع شرعه.

يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره.

آخر تفسير سورة القتال، ولله الحمد والمنة.

قوله -تبارك وتعالى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء كما قال الله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [سورة فاطر:15] فهو محمود في غناه.

وقوله -تبارك وتعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا هنا تتولوا عن ماذا؟

قال: هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ تتولوا عن الإيمان، تتولوا عن الجهاد، تتولوا عن الإنفاق في سبيل الله ، وإعزاز الدين، ونصرته، وتشتغلوا بحظوظ النفوس: يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ هنا لا داعي للاشتغال بتحديد هؤلاء القوم من هم، وإنما أطلق الله -تبارك وتعالى- ذلك، فيستبدل من شاء بدلاً من هؤلاء الذين أعرضوا، وتولوا.

أعرض أهل مكة عن الاستجابة للنبي ﷺ فهيأ الله له الأنصار في المدينة، فأعز الله دينه، ونصر نبيه ﷺ.

وهكذا العرب إذا أعرضوا وتركوا وضيعوا فإن الله يقيض لهذا الدين من ينصره، فقام بذلك بعض الأعاجم، وامتدت ساحة الإسلام، ونصر الله الدين بهؤلاء، فجاهدوا في سبيله، وكسروا أعداءه، وفتحوا الممالك، فهذه سنته في هذا الخلق.

  1. مدارج السالكين (2/ 452).
  2. أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب: ومن سورة الحجر، رقم (3127)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، برقم (1821) وفي ضعيف الجامع الصغير، برقم (127).
  3. الاستقامة (1/ 355).
  4. بدائع التفسير، (2/ 455)، دار ابن الجوزي، ط1، سنة النشر:1427هـ.
  5. رواه المَرْوَزِي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 645) رقم (698).
  6. رواه المَرْوَزِي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 646) رقم (699).
  7. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (2577).
  8. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل النفقة في سبيل الله، رقم (2842)، ومسلم، كتاب الكسوف، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، رقم (1052).
  9. المصدر السابق.
  10. رواه المَرْوَزِي في تعظيم قدر الصلاة، (2/ 645) رقم (698).
  11. رواه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، رقم (4245)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم (505) وفي صحيح الترغيب والترهيب، رقم (2346).
  12. جزء من حديث رواه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم (304)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، رقم (79،80).

مواد ذات صلة