الأربعاء 15 / ذو الحجة / 1441 - 05 / أغسطس 2020
[3] من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} الآية:13 إلى آخر السورة
تاريخ النشر: ٢١ / ربيع الآخر / ١٤٣٥
التحميل: 6967
مرات الإستماع: 74115

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وبعد.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة الحجرات:13]

يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما: آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أُخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ، وغير ذلك.

وقيل: المراد بالشعوب بطون العَجَم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل. وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب: "الأشباه" لأبي عمر بن عبد البر، ومن كتاب: "القصد والأَمم في معرفة أنساب العرب والعجم"، فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله ﷺ؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا منبهًا على تساويهم في البشرية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌّ يرجع إلى قبيلته.

وقال مجاهد في قوله: لِتَعَارَفُواكما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي: من قبيلة كذا وكذا.

وقال سفيان الثوري: كانت حِمْير ينتسبون إلى مَخَاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

هذا من جملة الآداب التي أدب الله بها أهل الإيمان، فبعد أن نهاهم عن السخرية: لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ [سورة الحجرات:11].

هنا بين لهم أنه خلق الجميع من ذكر وأنثى، والمشهور في أقوال المفسرين وهو المتبادر: أن المقصود بالذكر والأنثى آدم وحواء -عليهما السلام- فالأصل واحد، فعلام يكون التفاخر بالأنساب؟

وإنما يكون التفاخر بأمر آخر هو من الأمور الكسبية، وذلك بالإيمان والعمل الصالح، أو بعبارة أدق من ذلك: إنما يكون التفاضل بالإيمان والعمل الصالح، وليس بالأنساب ولا بالصور والأشكال والألوان، وإنما بما يكون عليه العبد من حاله مع ربه، فبذلك يتفاضلون، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.

فهنا قوله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى يدل على هذا الأصل.

وبعض أهل العلم يقول: إن المقصود بقوله: مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى أن الله خلق الجميع من أب وأم، يعني لم يُخلق أحد هكذا مثلاً بعد آدم ﷺ، أو يخلق من جوهر أو معدن آخر، إنما الجميع من أب وأم، وقد خرج جميعهم من مخرج البول -أعزكم الله- مرتين، فعلى أي شيء يكون تفاخرهم؟!

لكن المشهور الأقرب -والله تعالى أعلم- أن المقصود آدم وحواء، فالأصل واحد للجميع.

وقوله -تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا هنا يقول: جعلهم شعوبًا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أُخر، كالفصائل والعشائر والأفخاذ، وغير ذلك.

الشعوب جمع شَعب بالفتح.

والمقصود بالشعب كما قال ابن كثير -رحمه الله- ما هو أعم من القبائل، يعني يقال للحي العظيم، فربيعة شعب، ومضر شعب، وتحت ربيعة ومضر من القبائل الكثير -كما هو معلوم، فبنو بكر مثلاً من ربيعة، وبنو تميم من مضر.

وكذلك أيضًا بعضهم يقول: إنهم سموا الشعب لتشعبهم واجتماعهم، كشُعب أغصان الشجرة.

مع أن أصل هذه المادة من الأضداد، يعني يقال في الاجتماع وفي التفرق، يقول: شعبته يعني إذا جمعته، وكذلك إذا فرقته.

وهذا التفسير للشعب ليس بمتفق عليه، وبعضهم يفسر ذلك بتفسير مجمل، صاحب الصحاح -أعني الجوهري- يقول: إن الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، وقبله مجاهد يقول: الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك، مع أن قتادة يعكس هذا، ويقول: إن الشعوب ما دنا من النسب، يعني الأقرب، وهذا خلاف المشهور والمعروف، يقول: النسب الأقرب هو الشعب، وبعضهم يقول: إن الشعوب عرب اليمن من قحطان، وهذا تخصيص بلا موجب -والله تعالى أعلم.

في المقابل يجعلون القبائل من ربيعة ومضر، وسائر عدنان.

وبعضهم -كما سبق- يقول: الشعوب هم بطون العجم، والقبائل بطون العرب، وأبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله- يقول -كما هو المشهور: إن الشعوب أوسع من القبائل وأكثر، ثم تأتي بعد ذلك القبيلة، ثم العِمارة بالكسر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، هكذا قسمها.

وعلى هذا التقسيم تكون الطبقة الأولى هي الشعب، والطبقة الأخيرة هي العشيرة، وتأتي بعد العشيرة الأسرة القريبة، وإنما العشيرة -كما سبق ذكر ذلك في بعض المناسبات- قيل لها ذلك، قيل: لمعنى المعاشرة، للقرب، يعاشر بعضهم بعضًا، ويخالط بعضهم بعضًا، بخلاف القبيلة، أو الفخذ مثلاً.

والمقصود أن الشعب على هذا يجمع القبائل، تتفرع منه القبائل، والقبيلة تجمع العماير، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، فمثلاً يقولون: إن مضر شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة -فإن قريشًا من كنانة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وبنو العباس فصيلة، هكذا يمكن أن يمثل لهذا.

فهذه ستة، والقرآن لم يذكر إلا ثلاثة: الشعوب، والقبائل، والفصيلة: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ [سورة المعارج:13]، فذكر هؤلاء الثلاثة، بل ذكر رابعًا: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214].

واختلفوا إلى أي حد تكون العشيرة، يعني ما هو الجد الذي يجمعهم؟ بعضهم يقول: سميت العشيرة؛ لأنهم يجتمعون في الجد العاشر، لكن هذا بعيد، والنبي ﷺ لما قال الله له: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214] قال: يا بني...[1]، فيُنظر هل هو الجد الرابع الذي يجتمعون فيه؟ أهل العلم لهم كلام في هذا، والعرب قد تطلق بعض هذه الأسماء في موضع غيرها، في الموضع الآخر، فلا يشكل عليكم مثل هذا، تجدونه في كلامهم شعرًا ونثرًا، والأمر في ذلك يسير.

لكن إطلاق الشعب على أهل البلد عمومًا، كما يطلق في هذا العصر: الشعب الفلاني هذا قد لا يكون له أصل في اللغة، أيْ خليط من الناس، مزيج من الناس، لا يرتبطون، لا بنسب وقبيلة، لا قريب ولا بعيد، أخلاط، أصول من العرب ومن العجم، ومن غيرهم.

هذا الإطلاق لا أصل له في اللغة، لكن قد يكون أخذ من هذا المعنى الواسع: أن الشعب قيل لهم ذلك؛ لتشعبهم مثلاً، فأُطلق، فيبدو أنه استعمال محدث.

هنا يقول: "وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة، جمعتها من كتاب: "الأشباه" لأبي عمر بن عبد البر "الإنباه" وليس الأشباه، "الإنباه على قبائل الرواة" لابن عبد البر.

وكذلك الكتاب الآخر: "القصد والأَمم في معرفة أنساب العرب والعجم"،هذا أيضًا لابن عبد البر، كلاهما لابن عبد البر، الأول في أنساب الرواة، وهذا في أنساب العرب والعجم.

هنا يقول: فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء -عليهما السلام- سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ، قال: وقوله -تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا يعني "اللام" هذه للتعليل، ليحصل التعارف بينكم، كل يرجع إلى قبيلته، قال مجاهد: كما يقال فلان بن فلان، يعني من أي قبيلة كان، يعني يحصل التعارف بينهم حينما ينتسبون: أن هذا من بني فلان، وهذا من بني فلان، فقط، وابن جرير -رحمه الله- يقول: ليعرف بعضكم بعضًا في قرب القرابة مِن بُعده، وهذا قد يكون من المعنى الداخل فيه "لتعارفوا"، ليعرف قُرب فلان منه، وبُعد فلان منه، فهذا ابن عم قريب، وهذا ابن عم بعيد، وهذا لا قرابة بينه وبينه، وأيضًا ليعرف بعضهم بعضًا حينما ينتسب: أن هذا من بني فلان، وهذا من بني فلان، إلى آخره.

هذه هي العلة التي ذكرها الله الذي خلق الخلق، وجعلهم على هذه الأحوال، يقول: إنه جعلهم كذلك للتعارف، ليتعارفوا.

إذًا اتخاذ ذلك لغير التعارف هو معنى مرفوض، وعبث من عمل الجاهلية، التفاخر على الناس بالأنساب، وهذا مما أخبر النبي ﷺ أن الأمة لا تدعه، أنه باقٍ فيها التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب، مع أنه من أعمال الجاهلية وخصالها، وهذا كما أنه موجود في قبائل العرب كذلك أيضًا هو موجود بين النواحي والأقاليم -للأسف- والبلاد المختلفة عند العرب والعجم، عند الجميع -إلا من رحم الله.

تجد في البلاد الأعجمية على سبيل المثال، بلاد متجاورة في الصورة الظاهرة، لا فرق بينهم إطلاقًا، لا تميز بين هؤلاء وهؤلاء، وكلهم من الأعاجم، تجد أن هؤلاء لا يزوجون هؤلاء، وهؤلاء لا يزوجون هؤلاء، كلهم من المسلمين، وتجد أنهم يحتقرونهم ويرون أنهم دونهم، وإذا أراد أن يسب أحدًا، قال له كذا، يعني العبارة التي تدل على أولئك، هذا موجود، ولطالما سألت بعض هؤلاء الذين يفتخرون ويترفعون: أنتم تترفعون بماذا؟ كلكم أعاجم، وبلادكم متلاصقة، والصورة الظاهرة متحدة، لا تفرق بين هؤلاء وهؤلاء، على أي شيء تتفاخرون؟ بماذا؟

ما في أي موجب، إلا أنه من عمل الشيطان، وتجد أنهم لا يزوجونهم، ويحتقرونهم، ولا يرونهم شيئًا، وتجد هذا في البلد الواحد في بلاد الأعاجم أيضًا، قد نكون مثلاً في بعض البلاد الأعجمية لا نعرف إلا مسمى معيناً، والواقع أن هذا المسمى يطلق على أهل ناحية معينة في بلادهم، ويأنفون منه -يعني بقية النواحي والأقاليم- ويعتبرون أن ذلك من الانتقاص والمسبة أن يوجه لأحد مثل هذه اللفظة، ونحن نعبر بها عنهم، لا نقصد بذلك إلا التعريف، لا نعلم، نظن أنه شيء يجتمعون عليه، وإذا ذهبت إلى بلادهم، وذهبت إلى الأقاليم الأخرى يقول: أنتم تقولون عنا كذا، يعني تسموننا بكذا، ونحن لا نقبل، يعتبرون هذا من الانتقاص، مع أن هذا يمثل لربما ناحية هي أوسع تلك النواحي، بل هي أشهرها، والبقية يأنفون، ولا يرونهم شيئًا، فهذا كله من أجل ماذا؟ على أي شيء؟ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [سورة المائدة:90].

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا وهؤلاء الأعاجم أيضًا هم قبائل، يرجعون إلى قبائل في الغالب، سواء كان ذلك في أفريقيا، أو كان في آسيا، أو كان في غيرها من البلاد.

وهنا يقول: قال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها، مخاليف اليمن كثيرة جدًّا، وهذه المخاليف هي نوع من التقسيم نستطيع أن نقول: الإداري، يعني مثل المديريات، أو المحافظات في العصر الحديث، يقال: مخلاف صنعاء، مخلاف صعدة، هذه كلها مخاليف في اليمن، ويقال: مخلاف بكيل، مخلاف ذمار، وغير ذلك من المخاليف التي يطول تعدادها وذكرها، يقولون: هي مثل الرساتيق للأعاجم.

وقد تكلمنا على الرساتيق في موضع آخر وقلنا: مثل مجموعة من القرى في ناحية، يقال لها: رساتيق في بلاد الأعاجم، فهذه القرى المجتمعة في ناحية مثل المحافظة، وتسمى في بعض البلاد قضاء هي المخاليف، فيقولون: إن هذه القبائل في اليمن نزلت في نواحٍ، وسميت هذه النواحي بأسمائها، وصاروا ينتسبون إلى ذلك، لا أدري هل هي موجودة إلى الآن تسمى مخاليف، كذا مخلاف بني فلان، ومخلاف فلان، مديريات، محافظات، أو شيء من هذا، وكل مخلاف الأصل أنه يكون لقبيلة، هذه المخاليف في اليمن، والنبي ﷺ لما بعث معاذًا وأبا موسى الأشعري كان كل واحد منهم على مخلاف، وإلى عهد ليس بالبعيد كان في القريب من جيزان -أظن- المخلاف السليماني.

وقوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ:

روى البخاري عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهُوا[2] [رواه البخاري في غير موضع، ورواه النسائي في التفسير].

حديث آخر: روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم[3] [ورواه ابن ماجه].

حديث آخر: روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القَصْواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة -العُبِّيَّة يعني الكبر- الجاهلية وتعظُّمها بآبائها، فالناس رجلان: رجلٌ بَرٌّ تقي كريم على الله، ورجل فاجر شقي هين على الله، إن الله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، ثم قال ﷺ: أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم[4] [هكذا رواه عبد بن حميد].

وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي: عليم بكم، خبير بأموركم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله.

وقد استدل بهذه الآية الكريمة، وهذه الأحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين؛ لقوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْْ.

لأهل العلم كلام في مسألة النسب، هل العرب أكفاء لبعضهم؟ أو يكون الجميع في ذلك أكفاء؟ أو يقال: إن العرب أكفاء إلا قريش مثلاً؟

وكلام أهل العلم في مراعاة مثل هذا معروف، والإمام أحمد -رحمه الله- وإسحاق بن راهويه أيضًا لهم كلام فيما إذا تزوج من كانت غير مكافئة له في النسب، فيرون أن ذلك إذا أجازه العصبة، أو أجازه بنو العم فإن ذلك يكون مراعاة لما قد يحصل من إشكالات بسبب هذا في البيئات التي يحصل فيها بسبب ذلك قطيعة وصرم، ولربما قتل، والله المستعان.

والنبي ﷺ زوج ابنة عمته زينب بنت جحش -رضي الله عنها- بمولاه زيد بن حارثة ، ثم تزوجها النبي ﷺ، ولو نظرتم في ترجمة زيد بن حارثة تزوج نحو سبع نسوة، هؤلاء النسوة فيهن ما لا يقل عن خمس من أشراف العرب في النسب، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أول مهاجرة بعد صلح الحديبية، وهو مولى للنبي ﷺ، وعقبة بن أبي معيط معروف أنه من أشراف قريش، فزوجه النبي ﷺ، ولم يجد في ذلك غضاضة.

والوقائع في السيرة التي تدل على هذا معروفة، وكثير من العامة لربما يترخصون حينما يكون لهم هوى في ذلك، فإذا أراد أن يتزوج الواحد منهم امرأة يرغبها، وليس لها نسب معروف أصلاً، فيذهب ويتزوج، ويعلل ذلك بأن المرأة مثل الوعاء، يقولون: "ماعون"، وأن التزوج بها لا يضره في نسبه، ولو كانت غير ذات نسب، ولكن لو طلب منه أن يتزوج أو أن يزوج ولده مثلاً من امرأة من بلده ممن قد لا يكون لها نسب معروف، أو نحو ذلك قد يأنف غاية الأنفة، لكنه يذهب إلى بلاد أخرى يتزوج امرأة لا يعرف لها نسبًا أصلاً، ولا يعرف تربيتها، ولا منشأها، وعلى أي حال هي، إنما تعجبه صورتها حينما تعرض عليه، فيأتي بها ويتزوجها، وقد تكون غير مسلمة أصلاً، قد تكون نصرانية، قد تكون ولدت قبل عقد الزواج، عادة ينجبون الطفل الأول أو الطفل الأول والثاني قبل عقد الزواج، ويتزوجها، ولو قيل له: تزوج من البلد امرأة ولدت قبل عقد النكاح لاعتبر ذلك شتمًا ومسبة، لا يمكن أن يقبل سماع هذا الكلام، فضلاً عن أن يتزوج بها.

فتجد أن المقاييس والموازين غير قائمة على أصل صحيح، فهذا الذي لربما يتعصب غاية التعصب في هذه الأمور، ويذهب ويتزوج امرأة لو سئل: ما نسبها؟ إلى من ترجع من قبائل العرب؟

لا يوجد شيء، قد لا تعرف هي، وأهلها لا يعرفون أكثر من الجد الرابع، فأين هذا النسب الذي يقف عنده ويتعصب له، ويقاطع ويوالي، ويفتخر من أجله؟ فليس هناك ميزان يمكن أن ينضبط مع هؤلاء الناس، فالله قال: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ فللإنسان أن يراعي ما يتعلق بالصلات: صلات القرابة، وألا يتصرف بتصرف يمكن أن يؤدي إلى قطع قراباته وعداواتهم، أو قتل، أو نحو ذلك، فلا بأس أن يتحاشى هذه الأمور، لكن ليس معنى ذلك أنه يفتخر، أو يحتقر الآخرين، وهذا للأسف أحيانًا يصل إلى حالات مشينة، والله المستعان.

قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ۝ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۝ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [سورة الحجرات:14- 18].

يقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل -عليه الصلاة والسلام- حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.

روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص  قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يُعطِ رجلا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ: أو مسلم؟ حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي ﷺ يقول: أو مسلم؟ ثم قال النبي ﷺ: إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إليّ منهم فلم أعطه شيئًا؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم[5] [أخرجاه في الصحيحين].

فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام.

وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة.

فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأُدبوا في ذلك.

قوله -تبارك وتعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا بعض أهل العلم يقول: إن وجه الارتباط بين هذه الآيات وما قبلها من الآداب كقوله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا يقولون: لما قرر أن الأكرم عند الله -تبارك وتعالى- هو الأتقى، يقول: فادعى بعض الأعراب الإيمان، ليحصّلوا مرتبة لم يصلوا إليها، ويرتقوا مرتقى لم يحققوا شرطه، فرد عليهم بهذه الآيات: وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ هكذا قال بعض أهل العلم.

وهذا يتصل بالآداب إما من هذا الوجه، أو من ناحية أخرى، وهي ما يتعلق بالتفاضل أيضًا، لمّا كان التفاضل بالتقوى فرّق بين من حقق الإيمان ومن لم يزل دون ذلك، أسلم ظاهرًا ولمّا يدخل الإيمان قلبه، فهذا له تعلق بالتفاضل، كذلك أيضًا الدعاوى التي قد يدعيها الناس دون أن يكون لها حقيقة.

وقوله -تبارك وتعالى- هنا: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا بعضهم يقول: هؤلاء الأعراب هم من بني أسد.

وبعضهم يقول: من بني أسد وكذلك خزيمة، أظهروا الإسلام في سنة مجدبة، من أجل الصدقة.

ومن هنا اختلف أهل العلم في هؤلاء الأعراب، هل هم منافقون أو غير منافقين؟ هل هم من المسلمين الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم دون أن يكونوا من المنافقين، أو أنهم من المنافقين؟

فبعض أهل العلم يقول: هؤلاء كانوا من المنافقين باعتبار أن الله نفى عنهم الإيمان: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ فالمنافقون يظهرون الإسلام ظاهرًا، ولكن الباطن لم يتحلَّ بالإيمان، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، فقالوا: حينما نفى الله عنهم ذلك وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ فإن هذا لا ينتفي عن المؤمن بحال من الأحوال؛ إنما يكون ذلك وصفًا للمنافق، هكذا احتجوا، وممن ذهب إلى هذا جماعة، كالزجاج، ومن المفسرين أيضًا الشوكاني والشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحم الله الجميع.

ابن كثيرهنا يقول: إن هؤلاء لم يكونوا من المنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، يعني كانوا قد دخلوا في الإسلام من غير نفاق، ولكن لم يحسن إسلامهم بعد، ويدخل الإيمان في قلوبهم، ويتمكن منها.

والحافظ ابن القيم -رحمه الله- ينتصر لهذا القول من وجوه متعددة، يأخذها من هذه الآيات.

ابن كثير-رحمه الله- يقول هنا في الأصل: "وإنما قلنا ذلك؛ لأن البخاري -رحمه الله- قال..، يعني نبهْنا على أنهم ليسوا بمنافقين؛ لأن البخاري قال: إنهم كانوا من المنافقين.

لكن الذي يحتج به من قال: إنهم من المنافقين: أن الله نفى عنهم الإيمان، ولا ينتفي إلا عمن كان منافقًا، فالمؤمن لا يُنفى عنه الإيمان، لكن هؤلاء يجيبون عن هذا بأجوبة، ويحتجون على أنهم كانوا من المسلمين لكن لم يحققوا الإيمان الكامل، كان هؤلاء من ناقصي الإيمان.

قال الإمام الحافظ ابن القيم -رحمه الله: "قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا نفيًا للإيمان المطلق لا مطلق الإيمان لوجوه"[6].

لاحظ الإيمان المطلق، يعني الإيمان الكامل، أما مطلق الإيمان فيعني أدنى ما يتحقق ويصدق عليه الإيمان، يعني الإيمان المنجي ولو كان ناقصًا.

وقال: " لوجوه منها: أنه أمرهم، أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقال له ذلك.

ومنها: أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات، ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاء لا نفاقًا وكفرًا"[7].

قد يرِدُ على هذا أنه هل هؤلاء الأعراب الذين قال الله عنهم: وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا هم نفس الذين ينادونه من وراء الحجرات؟

لا يلزم؛ لأن أهل العلم مثلاً من قال: هؤلاء من بني أسد، أو من خزيمة قالوا: جاءوا في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام من أجل الصدقة، أن يعطوا من الصدقة.

وقال -أيضا: "ومنها: أنه قال: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام، كما نفى الإيمان"[8].

وهذا يرِدُ عليه أنه هنا نفى عنهم الإيمان في القلوب، والإسلام والإيمان إذا ذكرا: فالإيمان ما يتصل بالقلب، والإسلام إسلام الظاهر، فهنا ما يقال: إنه لم ينفِ الإسلام عن قلوبهم، فإذا نفى الإيمان عن قلوبهم فبقي الإسلام إنما هو في الظاهر فقط.

وقال -رحمه الله: "ومنها: أن الله تعالى قال: وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا أي: لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له"[9].

نعم، هم لو أطاعوا الله ورسوله وكانوا محققين لشرطه فإن الله لا ينقصهم، فهذا معلق على شرط، يعني كل هذا ليس بدليل واضح على أن هؤلاء كانوا من غير المنافقين، مع أن هذا لا يستبعد أن يكون هؤلاء لم يقصدوا بذلك النفاق، وإنما هم أناس أظهروا الإسلام، ولم يعرفوا حقائقه، ولم يتغلغل ويتمكن في نفوسهم، هذا لا إشكال فيه، لكن الكلام في الوجوه التي يستدل بها لهذا، فالمقام يحتمل.

لو أطاعوا الله ورسوله وكانوا محققين لشرطه فإن الله لا ينقصهم، فهذا معلق على شرط، يعني كل هذا ليس بدليل واضح على أن هؤلاء كانوا من غير المنافقين، مع أن هذا لا يستبعد أن يكون هؤلاء لم يقصدوا بذلك النفاق، وإنما هم أناس أظهروا الإسلام، ولم يعرفوا حقائقه، ولم يتغلغل ويتمكن في نفوسهم، هذا لا إشكال فيه، لكن الكلام في الوجوه التي يستدل بها لهذا، فالمقام يحتمل.

وقال -رحمه الله: "ومنها: أنه قال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم فأثبت لهم إسلامًا، ونهاهم أن يمنوا على رسول الله ﷺ"[10].

هو هذا، الإشكال فيه؛ لأنه قال: وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا الكلام في نفي الإيمان عنهم، يعني هذا الآن التعداد لهذه الحجج والوجوه أكثرها قد لا يكون متجهًا في موضع الإشكال، نفى عنهم الإيمان، هذا الذي يحتاج إلى جواب، أمّا أنه أثبت لهم الإسلام فهؤلاء لا ينكرونه -أي الذين قالوا: إنهم من المنافقين، إسلام الظاهر، لكن قال: وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا، وقال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ هذا هو الذي قد يُحتج به: أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ فأثبت لهم إيمانًا، لكن لأولئك الذين قالوا: إنهم كانوا من المنافقين أن يجيبوا عن هذا بجواب، كأن يقول قائل: إن الله يذكر منته على عباده فيمن هداهم إلى الإيمان، ولا يعني أن هؤلاء قد حققوا هذا الإيمان.

يقول ابن القيم: "ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا، بل أنتم كاذبون، كما كذبهم في قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [سورة المنافقون:1] لمّا لم تطابق شهادتهم اعتقادهم"[11].

هناك فرق بين هذا وهذا، هنا: قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ فهذه الشهادة كاذبة، لكن هنا إسلام الظاهر يثبت لهؤلاء الذين أظهروه، لكن يبقى الإيمان، فلو كان هؤلاء من المنافقين؛ لأنه تُجرى عليهم أحكام الإسلام لِمَا أظهروا.

وقال أيضا ابن القيم -رحمه الله: "ومنها أنه قال: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ولو كانوا منافقين لما منَّ عليهم.

ومنها: أنه قال:أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ، ولا ينافي هذا قوله: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا فإنه نفَى الإيمان المطلق، ومنّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذى هو متضمن لمطلق الإيمان"[12].

هذا والذي قبله واحد: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ هذا متصل بما بعده: يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ المنة بالهداية للإيمان، يعني هذا وجه الاحتجاج، فدل على أنهم كانوا مؤمنين، الاثنان واحد.

وقال -رحمه الله: "ومنها: أن النبي ﷺ لما قسم القسم، قال له سعد: أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن؟ فقال: أو مسلم؟ ثلاث مرات[13]، وأثبت له الإسلام دون الإيمان، وفي الآية أسرار بديعة ليس هذا موضعها"[14].

هذا يحتمل، وأهل العلم اختلفوا فيهم -كما سبق، والمقام يحتمل، ولا يترتب بالنسبة إلينا على هذا شيء، فيوجد في الآية قرينة تدل على أنهم كانوا غير منافقين، وهي قوله: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ.

ويوجد فيها قرينة على أنهم كانوا منافقين، وهي قوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.

ولو قيل: إن هؤلاء كانوا من الأعراب، فأظهروا الإسلام، ولكن على جهل وجفاء، دون أن تخالط بشاشته قلوبهم لكان هذا له وجه، فإن الرجل قد يدخل في الإسلام لرغبة أو رهبة من غير نفاق، ثم بعد ذلك يحسن إسلامه، كما حصل لكثير ممن دخلوا عام الفتح، فهؤلاء قد يحصل منهم ردة لعارض، ولكن قد يحصل لهؤلاء ثبات، ويحسن إسلامهم بعد ذلك.

قال: وهذا معنى قول ابن عباس -رضي الله عنهما- وإبراهيم النخعي وقتادة، واختاره ابن جرير.

ابن جرير-رحمه الله- يقول: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان، وحقائق معانيه في قلوبكم، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فسره بهذا، يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائق معانيه في قلوبكم.

وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.

ثم قال: وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا أي: لا ينقصكم من أجوركم شيئا؛ كقوله : وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ [سورة الطور:21].

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي: لمن تاب إليه وأناب.

وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي: إنما المؤمنون الكُمَّل: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: في قولهم إذا قالوا: إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة.

وقوله : قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أي: أتخبرونه بما في ضمائركم؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

ثم قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم يعني: الأعراب الذين يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول ﷺ يقول الله ردًّا عليهم: قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ فإنّ نفعَ ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه.

يعني كانوا يقولون: أسلمنا وتابعناك ولم نقاتلك، أسلمنا طواعية، ولم نكن كسائر العرب، يمنون على النبي ﷺ بهذا، يقولون: أتيناك طواعية بأهلنا من غير قتال.

بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ[15].

وروى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، فقال رسول الله ﷺ: إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم، ونزلت هذه الآية: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[16].

ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

آخر تفسير الحجرات، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

  1. رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب: هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ رقم (2753)، ومسلم، كتاب الأيمان، باب في قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء: 214] رقم (204).
  2. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ [سورة يوسف:7]، رقم (4689) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ [سورة البقرة:133] رقم، (3374).
  3. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، ودمه وعرضه وماله، رقم (2564).
  4. رواه ابن أبي شيبة، كتاب المغازي، حديث فتح مكة، رقم (36919) وصحح إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم (2803).
  5. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، رقم (150)، وأبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم (4683) والنسائي، كِتَابُ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِهِ، تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [سورة الحجرات:14]، رقم (4992) وأحمد، رقم (1522).
  6. بدائع الفوائد (4/ 17).
  7. المصدر السابق.
  8. المصدر السابق.
  9. المصدر السابق.
  10. المصدر السابق.
  11. المصدر السابق.
  12. المصدر السابق.
  13. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، رقم (150).
  14. بدائع الفوائد ( 4/ 17).
  15. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، رقم (4330).
  16. رواه البزار، رقم (5141) وقال البزار: "وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نعلَمُ أحَدًا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا اللَّفْظِ إلاَّ ابْنُ عَبَّاسٍ، ولاَ لَهُ طَرِيقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إلاَّ هَذَا الطَّرِيقَ، ولاَ نَعْلَمُ أَسْنَدَ مُحَمدُ بْنُ عُبَيد اللَّهِ عَن سَعِيد بْنِ جُبَير غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، ومُحَمَّد بْنُ عُبَيد اللَّهِ هُوَ: أَبُو عَوْنٍ".

مواد ذات صلة