الثلاثاء 15 / شوّال / 1443 - 17 / مايو 2022
(27- أ) حرف العين من قوله عين إلى قوله عاقر
تاريخ النشر: ٢٠ / جمادى الآخرة / ١٤٣٦
التحميل: 1577
مرات الإستماع: 1284

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلّمنا الحكمة والقرآن، وصلَّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ، وعلى آله وصحابته الطّيبين الطَّاهرين.

اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولشيخنا، وللحاضرين والمستمعين.

أما بعد: فيقول الإمامُ ابنُ جُزي الكلبي:

"عين: له في القرآن معنيان: العين الـمُبْصِرة، وعين الماء، وله في غير القرآن معانٍ كثيرة".

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فالعين أرجع هذه المادة ابنُ فارس إلى أصلٍ واحدٍ صحيحٍ، يدلّ على عضوٍ به يُبْصر[1] ويُنظر. هذا الأصل، ويُشتقّ منه، يعني: الأصل عنده هو العين الباصرة، ثم يربط بعد ذلك المعاني ويُخرجها على هذا.

ونقل عن الخليل: أنَّ العين النَّاظرة لكل ذي بصرٍ[2]. هكذا قال الخليلُ أيضًا، وتُجمع على: أعين، وعيون، وأعيان، تقول: رأيتُ الشيء عيانًا، يعني: مُعاينةً.

ومن الباب –يعني- الاستعمالات التي تُخرج على هذا، ويُشتقّ منه العين الذي هو الجاسوس، كأنَّه شيء ترى به ما يغيب عنك، يعني: إذا بعثت أحدًا عينًا، فكأنَّه ينظر نيابةً عنك، كأنَّك ترى به ما غاب عنك، فقيل له: عين، فهو عينٌ لمن أرسله.

وكذلك العين الجارية النَّابعة: عيون الماء، ما وجه الارتباط بينها وبين هذا الأصل؟

قالوا: سُمّيت بذلك تشبيهًا لها بالعين النَّاظرة؛ لصفائها ومائها، العين الباصرة في صفائها يُشبه بها العين الجارية، الجامع المشترك من وجهين: الصَّفاء، والماء.

عين الشمس أيضًا مُشبّهة بعين الإنسان، باعتبار الصَّفاء أيضًا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى أنه يُبصر بها، فإنَّ هذه العيون الباصرة لا يتحقق فيها ما وُضعت له من الإبصار إلا بأمرين:

الأمر الأول: وجود ما يُعرف بنور العين.

والأمر الثاني: وجود ضوء الشمس.

فإذا كانت العينُ الباصرةُ فاقدةً لنورها فإنَّها لا تُبْصِر، وإذا كانت العينُ فاقدةً لضوء الشمس فإنَّها لا تُبصر، يعني: في الظلام، فلا بدَّ من هذا وهذا.

والعِين –بالكسر- يُقال لبقرة الوحش: عيناء، ويُقال: رجل أعين، بأي اعتبارٍ؟

عِين قيل لها ذلك لسعة عينها، رجل أعين يعني: واسع العينين، ومن الباب: الأعيان، أعيان الناس، أعيان القوم، وهم أشرافهم، فهؤلاء يُقال لهم ذلك باعتبار ما ذُكِر، كأنَّهم عيون الناس التي بها ينظرون، يعني: هؤلاء الأعيان هم الواجهة، وهم المقدّمون في الأمور، وهم الذين يحكمون بها، هم أولو الحلِّ والعقد، كأنَّهم أعين الناس التي ينظرون بها.

إذن العين في استعمالاتها ترجع إلى أصلٍ واحدٍ عند ابن فارس والخليل، وهي العين الباصرة.

والماء المعين قيل له ذلك باعتبار أنَّه ظاهر للعيون، يعني: ليس في بئرٍ، أو تحت الأرض في مسالكه ومجاريه.

وهناك أيضًا غير الماء مما يجري من العيون: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [سبأ:12]، يعني: النُّحاس.

رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران:13]، هذه العين هي الباصرة.

وَقَرِّي عَيْنًا [مريم:26]، الباصرة، بمعنى: السّرور؛ لأنَّ القلب إذا كان مسرورًا فإنَّ ذلك يكون قُرّةً، أو تُقرُّ به العين، بمعنى: أنَّ دمع العين يكون باردًا، وإذا كان القلبُ حزينًا يكون دمعُ العين ساخنًا؛ ولذلك إذا دُعِيَ على البعيد بالمصيبة أو الحُزن أو نحو ذلك قيل: أسخن اللهُ عينَه. وإذا دُعِيَ له بضدِّه من الفرح ونحو ذلك قيل: أقرّ الله عينَه. من القرّ، وهو البرودة، فهذا هو الفرق: كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا [طه:40].

وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28]، المقصود به الباصرة هنا، وما يلزم منه من الالتفات عنهم والاشتغال عنهم.

ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50]، للماء الظَّاهر، الماء معين.

تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف:86]، هنا فُسّر بالبحر الـمُحيط، باعتبار أنَّ الماء الكثير يُقال له: عين، فهو لما بلغ الـمُنتهى إلى البحر المحيط غربًا، كأنَّ الشمس تسقط فيه في نظر النَّاظر.

وكذلك العين الآنية، يعني: الحارّة، العين الجارية، كذلك أيضًا الماء: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [القصص:9]، يعني: أن ذاك الولد يكون بحالٍ من النَّفع الذي يتسبب عن رضا النفس، وارتياح القلب، فيكون بذلك قُرّة العين.

عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7]، هذا للتأكيد، أي: التي هي نفس اليقين، عين اليقين بمعنى: أنَّ المراتب -كما هو معلوم- ثلاث: علم اليقين؛ العلم الـمُحقق الذي لا يقبل الشَّك أو التَّشكيك. ثم عين اليقين؛ وذلك إذا شاهده بعينه، فهذا عين اليقين، فإذا لابسه فإنَّ ذلك يكون حقّ اليقين.

فإذا جاءك الخبرُ عن الجنة بخبر الصَّادق فذلك علم اليقين، وإذا رأيت الجنة فذلك عين اليقين، فإذا دخلت الجنة فذلك حقّ اليقين.

وإبراهيم سأل ربَّه أن يُريه كيف يُحيي الموتى؟ وكان إبراهيم قد حصل له علمُ اليقين، فهو كامل الإيمان -والكمال على مراتب-، فأراد أن ينتقل من مرتبةٍ من مراتب الكمال وهي علم اليقين إلى عين اليقين؛ ليُشاهِد ذلك، طلب مرتبةً أعلى في العلم والإيمان.

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة:45]، أيّ العيون هذه؟

العين الباصرة.

فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، العين الجارية، وهكذا، والله أعلم.

"عِين -بكسر العين-: واسعات العيون، وهو جمع عيناء".

مما يُلحق بما سبق مما يتعلّق بالعين، هنا طبعًا كلام يتعلّق بما قبله، يعني: العِين هذه مضى الكلامُ عليها، العِين: واسعات العين، جمع عيناء، ويُقال أيضًا مما يتّصل بهذه المادة: (العين والياء والنون) يُقال: العين للمال الحاضر العتيد، يُقال له: عين، يُقال: هذا عينٌ، وليس بدينٍ. يعني: مال حاضر تراه العيون، وعين الشَّيء: نفسه، تقول: هذا بعينه، يعني: بنفسه، لكن الميل الذي في الميزان يُقال له أيضًا: عين، هو كذلك أيضًا من هذا؛ لأنَّ العين كالزيادة في الميزان، والعينة تُقال للمُعاملة المعروفة بالدّين، واشتُقت من عين الميزان، وهي زيادته، الموازين القديمة، فهذا يبيع للآخر سلعةً بالعاجل، ثم بعد ذلك يشتريها منه نقدًا بدون ما باعها به، فيأخذ الزيادة، يحتال بالربا، ذاك بحاجةٍ إلى المال، فيُدخلون بين ذلك سلعةً، فكأنَّه أقرضه وأخذ الزيادة، فأدخلوا بينهما سلعةً. فهذه استعمالات هذه المادة.

"عنت، معناه: الهلاك أو المشقّة، ومنه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة:220]، أي: لأهلككم، أو ضيق عليكم.

والعنت أيضًا الزنا، ومنه: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25].

وأمَّا: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ [طه:111] فليس من هذا؛ لأنَّ لامه واو، وهو من (عنى يعنو) إذا خضع".

كما ذكرنا قبل أنَّ ابن جُزي -رحمه الله- يذكر المعاني المباشرة، فذكر في العين ما سبق من الباصرة والجارية، وكذلك واسعات العين في العِين.

هنا في العنت ذكر الهلاك أو المشقّة، والتَّضييق يرجع إلى المشقّة، (عنت) والفعل منه (عنِتَ)، و(العنت) هو المصدر، (عنِت، يعنتُ، عنتًا).

وابن فارس[3] يُرجع هذه المادة إلى أصلٍ واحدٍ يدلّ على مشقّةٍ، وما أشبه ذلك، وأنَّه لا يدلّ على صحةٍ، ولا سهولةٍ.

ونقل عن الخليل: أنَّ العنت هو المشقّة التي تدخل على الإنسان[4]. ويُحمل على هذا ويُقاس عليه –لاحظ- فيُقال للآثم الذي ارتكب الإثم: لحقه العنت. ويُقال للإثم: العنت. يقال: عنت فلان عنتًا: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، فهذا الذي ارتكب الإثم، فوقع في العنت، يعني: اكتسب مأثمًا: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، هذا يُقال للآثم، وإلا فالأصل أنَّ ذلك يرجع إلى المشقّة، فهذا الذي يلحقه الإثم لا شكَّ أنَّه يلحقه ما يلحقه من المشقّة بسبب ذلك، فإنَّ عذابَ الله -تبارك وتعالى- لا يُطاق.

وكذلك ما يُقال بأنَّ المعاصي نفسها يُقال لها: عنت: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ، يعني: العنت فُسّر بالزنا مثلًا، وفُسّر بنتيجته وهي الإثم، كلّ ذلك يُقال له: العنت، باعتبار أنَّ ذلك يرجع إلى الأصل السَّابق، وهو المشقّة.

يقول الله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، (لأعنتكم) يعني: ألحق بكم المشقّة والضيق، ولم يُوسّع عليكم؛ لأنَّه قال ذلك في سياق التَّعامل مع اليتامى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ يعني: في مأكلهم ومشربهم، فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة:220]، يعني: ألحق الحرجَ بكم، بحيث يفصل طعامه عن طعام اليتيم تمامًا، وهذا يحتاج إلى جُهدٍ وتدقيقٍ؛ فيلحقهم بسبب ذلك الحرجُ كما لا يخفى.

وهكذا في التَّزوج بالإيماء، فإنَّ ذلك غير مُرغَّبٍ فيه شرعًا؛ لما يحصل بسببه من رِقِّ الولد، لكن الله رخَّص فيه قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، خشي العنت: الإثم أو الزنا، والله أعلم.

قال: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، يقول: "فليس من هذا؛ لأنَّ لامه واو"، يعني: المادة مُختلفة؛ لامه واو، العنت، وهنا (عنت الوجوه) عنى يعنو، غير عنت، العنت بمعنى المشقّة كما سبق، هذه مادة أخرى غير عنى يعنو إذا خضع.

"عاقب له معنيان: من العقوبة على الذَّنب، ومن العُقبى، ومنه: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ [الممتحنة:11]، أي: أصبتم عُقبى".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس إلى أصلين[5]:

الأصل الأول: يدلّ على تأخير شيءٍ وإتيانه بعد غيره، من ذلك العقوبة، سُمّيت بذلك لأنَّها تكون آخرًا وثاني الذَّنب، يعني: تأتي تاليةً له، يُقال لها: عقوبة، عاقبه من المعاقبة، تأتي بعد الذَّنب.

وذكر الخليل[6] أنَّ عاقبة كل شيءٍ هي آخره؛ لأنَّ العاقبةَ تكون مما يعقبه، فيكون مما في مُنتهاه، تقول: أحسن الله عاقبتك. ويُقال: تعقب فلانٌ فلانًا، يعني: تتبع أثره، فلان يتعقب فلانًا فيما كتب، وقال الله : وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10]، يعني: لم يعطف، يعني: يعطف بمعنى: أنَّه لا يلوي على شيءٍ، ذهب من غير التفاتٍ أو رجوعٍ. وكذلك أيضًا: (عقب القدم) مُؤخّرها، ويُقال: أعقب فلان، بمعنى: رجع، يعني: جاء عُقيب مُضيه.

هذا ما يتعلق بالأصل الأول عند ابن فارس -رحمه الله-.

الأصل الثاني: يدلّ على ارتفاعٍ وشدّةٍ وصعوبةٍ؛ العقبة.

فالمعنى الأول: التَّعقيب، المعاقبة، التَّعاقب، يتعاقبون على الراحلة؛ هذا يركبها، ثم بعده الآخر، ونحو ذلك.

والمعنى الثاني يدلّ على الارتفاع والشّدة والصّعوبة: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد:11]، فالعقبة: الطريق في الجبل -كما هو معلومٌ-، ثم يُردّ إلى هذا كلّ شيءٍ فيه علو، أو شدّة.

الطائر المعروف بالعُقاب، قيل: سُمّي بذلك لشدّته وقوّته، كذلك شُبّهت به الراية –العُقاب-، كأنَّها تطير كما يطير العُقاب، العُقاب: الراية الكبيرة. تعرفون في معارك المسلمين: العُقاب، فنسبة إلى الراية، فهذا يرجع إلى معنى الشّدة والصّعوبة.

قال: رجع على عقبيه، من الأول، رجع على عقبيه، يعني: ارتدَّ وانقلب، عقب الرجل ولده؛ لأنَّهم يتلونه، يعقبونه: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:28]، يعني: في ولده، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:144]، بمعنى: الرجوع، عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144]، وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا [الأنعام:71].

وهكذا العاقبة، والعقب، والعُقبى، إذا كانت من غير إضافةٍ على الإطلاق: جعل اللهُ لك العُقبى، جعل اللهُ لك العاقبة، ونحو ذلك، فهذا يكون بالثَّواب وحُسن الجزاء، ونحو ذلك، لكن إذا أُضيفت تكون في هذا وفي غيره بحسب ما أُضيفت له: كعاقبة الظالمين تكون بالخزي والعذاب ونحو ذلك، عاقبة الذين أساؤوا: فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل:36]، بحسب الإضافة، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]، يعني: العاقبة الحسنة، الثواب.

إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:43]، والعقاب قلنا يتلو الذَّنب، فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:32]، شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196]، وهكذا.

والـمُعقب: لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، الـمُعقب هو الذي يكرّ على الشَّيء، ويعود إلى النَّظر فيه.

وفي قوله: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ [الممتحنة:11]، (عاقبتم) ما المراد به؟

المفسّرون اختلفوا في هذا؛ فبعضهم يقول: فَعَاقَبْتُمْ بمعنى: أنَّه حصلت لكم غنيمة من الكفَّار، أو فيء، أو نحو ذلك، يعني: أخذتم أموال الكفَّار قهرًا، أو نزلوا عنها من غير قتالٍ: فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ [الممتحنة:11]، يعني: من المسلمين، ولم يُرجع الكفَّار مهورهم، آتوهم من هذا المال.

وبعضهم يقول: فَعَاقَبْتُمْ يعني: عاملتم بالمثل، حيث جاء نساء من الكفَّار مؤمنات إلى المسلمين، فطالب الكفارُ بالمهور، فإنَّه لا يُعاد إليهم قدر ما حبسوه عندهم من مهور المسلمين، ما أرجعوه، فيكون هذا من المعاملة بالمثل.

"أعجاز نخلٍ: أصولها، أعجز الشَّيء: إذا فات ولم يُقدر عليه، ومنه: وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [الزمر:51]، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ [فاطر:44]، وأمَّا مُعاجزين بالألف فمعناه: مُسابقين".

ابن فارس أرجع هذه المادة إلى أصلين:

الأصل الأول: يدلّ على الضَّعف[7]، يُقال: عجز عن الشَّيء، يعجز، عجزًا، فهو عاجز، يعني: ضعيف، ويُقال: أعجزني فلان. يعني: إن كنتَ عاجزًا عن طلبه وإدراكه، لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ [الجن:12]، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ [العنكبوت:22].

وابن الأعرابي -رحمه الله- ذكر أنَّه لا يُقال: (عجِز) بالكسر هكذا: عجِز، إلا لمن عظُمت عجيزته[8]. هذا قول ابن الأعرابي، لكن ابن فارس -رحمه الله- يذكره بالكسر من العجز، الذي هو الضَّعف[9]، فيُقال: فلانٌ عجز فلانًا؛ إذا ذهب فلم يُوصل إليه، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [سبأ:5]، يعني: ظانين التَّعجيز.

هذا هو الأصل الأول، يدلّ على الضَّعف.

الأصل الثاني: مُؤخّر الشيء، ويُجمع على أعجاز، يُقال: عجُز الأمر، يُقال: عجزُ الأمر، العجُز بمعنى: المؤخّر، أعجاز الأمور: أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7].

والعجيزة؛ يُقال: (عجيزة المرأة) خاصّةً إذا كانت ضخمةً.

والإعجاز من أيّ الأصلين؟

الإعجاز بمعنى: الفوت والسَّبق، فهو من الأول.

والعجوز من التَّأخير، تأخّر، أتت عليه أزمان وسنون طويلة في العمر: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود:72]، إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الشعراء:171]، هذا يُرجعه بعضُهم إلى مُؤخّر الشيء، يعني: كأنَّها في آخر العُمر، عجوز. ولا يبعُد أن يرجع إلى الأول؛ من الضَّعف، العجز بمعنى: الضَّعف، والله أعلم.

أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ [المائدة:31]، هذا من الأول الذي هو الضَّعف، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ [فاطر:44]، كذلك أيضًا من هذا، والله أعلم.

المادة التي تليها: (عال) بموجب النُّسخ الخطيّة، الآية هذه زائدة؛ التي هي: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]، غير موجودةٍ في جميع النُّسخ الخطيَّة.

وهي ليست أيضًا في الطبعة الإماراتية: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، وليست في الطَّبعات الأخرى، وليست موجودةً في النُّسخ الخطية، لكن لا إشكالَ بذكرها؛ لأنَّ موضعَها صحيحٌ.

"عال، يعيل، عيلةً، أي: افتقر، ومنه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8].

وعال، يعول: عدل عن الحقِّ.

وعال، يعول أيضًا: كثُر عياله. والأشهر أن يُقال في هذا المعنى: (أعال) بالألف.

هنا المادة فيما ذكره ابنُ جُزي -رحمه الله-: (عال، يعيل، عيلةً) أي: افتقر، هذا أصل مادته: (العين والياء واللام).

وأمَّا الثاني: (عال، يعول) عدل عن الحقِّ.

و"عال، يعول، أي: كثُر عياله"، إلى آخره.

(عال، يعول) يعني: عدل عن الحقِّ، هذا مادّته ترجع إلى: العين والواو واللام، مادة أخرى، وقد تدور مادّته -عال يعول- على الثِّقل، أصل المادة يرجع إلى الثِّقل، يُقال: عال الميزان، ثَقُلَ أحدُ طرفيه، ومنه العول، بمعنى: الجور والميل في الحُكْم.

وقوله -تبارك وتعالى-: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، المشهور في التفسير أنَّ أَلَّا تَعُولُوا بمعنى: الجور؛ ألَّا تظلموا، إذا كان لا يستطيع القسط مع هؤلاء النِّساء فإنَّه يكون جائرًا: أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا، مع أنَّه نُقل عن الشَّافعي -رحمه الله-: أَلَّا تَعُولُوا أن لا تكثُر عيالكم[10].

لكن العلماء تكلّموا في هذا، وردّوا مثل هذا المعنى، فهو مُفسّر بتجوروا، فذلك يرجع إلى معنى الثِّقَل.

وابن فارس -رحمه الله- يقول: أنَّ العين والياء واللام ليس فيه إلا ما هو مُنقلب عن واو، وذكر العيلة أنَّها الفاقة والحاجة، ويُقال: (عال، يعيل، عيلةً) إذا احتاج. هذا الذي ذكره ابنُ فارس[11].

والواوي يدور معناه -والله أعلم- على الثِّقل، وأمَّا اليائي: (عال، يعيل، عيلةً) ابن فارس جعله من الواوي في أصله، فإذا كان من الواوي يكون عال بمعنى: افتقر، وعال بمعنى: عدل عن الحقِّ وجار؛ أنَّ ذلك جميعًا يرجع إلى الواوي.

يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]، يعني: إن خفتم الفاقةَ والفقرَ والحاجةَ؛ لأنَّ المشركين كانوا يأتون إلى الحجِّ -إلى الموسم- من أنحاء الجزيرة العربية، ويأتون معهم بالأزباد والأقط والسّمن، وغير ذلك من الأشياء التي يجلبون معهم، فتكون السوقُ قائمةً، ويكثر الناسُ فيها، وتكثر السِّلَع، فهو موسمٌ للتجارة، والله قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، يعني: التِّجارة في الحجِّ.

وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، هنا في آية براءة لما منع المشركين من الحجِّ، أو من دخول الحرم عمومًا قال: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ يعني: الفقر.

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8]، العائل هنا بمعنى: الفقير على الأرجح، والله أعلم.

"عرَج، يعرُج: بفتح الرَّاء في الماضي، وضمّها في المضارع: صعد وارتقى، ومنه: المعارج.

وعرِج: بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع؛ صار أعرج".

ابن فارس[12] -رحمه الله- أرجع هذه المادة إلى ثلاثة أصول:

الأصل الأول: يدلّ على ميلٍ، وهذا الذي أشار إليه ابنُ جُزي -رحمه الله- آخرًا، يدلّ على ميلٍ، هذا الميل منه قيل للأعرج: أعرج؛ عرِج، يعرج، عرجًا. إذا صار أعرج، يُقال: عرِج، يعرج؛ إذا كان ذلك خلقةً فيه، هكذا خُلِقَ، هكذا وُلِدَ.

وعرج، يعرُج: إذا مشى مشية العُرجان. عرج، يعرُج: إذا مشى هذه المشية.

عرِج، يعرج، يعني: إذا كان ذلك خلقةً فيه. وقيل للأعرج ذلك لكونه يميل إلى أحد شقّيه، ففي مشيته ميلٌ.

هذا الذي قاله ابنُ جُزي: "وعرِج: بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع -يعني: يعرج-، صار أعرج".

وكلام ابن فارس في التَّفريق بين عرِج وعرَج واضح؛ فـ(عرِج، يعرج) إذا كان خلقةً، و(عرج، يعرُج) إذا مشى هذه المشية.

إذن هذا يرجع إلى الميل؛ الأعرج: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور:61]، هو ذاك الذي به عيبٌ لا يستقيم معه في مشيته، هذا الأول: الميل.

الأصل الثاني: يدلّ على عددٍ، هذا لم يرد في القرآن: عرْج، يعني: عدد من الإبل، قيل: من الثَّمانين إلى التِّسعين. وقيل: ما بلغ المئة والخمسين يُقال له: العرْج، الذي يبلغ مئةً وخمسين. هذا الأصل الثاني.

والأصل الثالث: يدلّ على سمو وارتقاء، هذا الذي ذكره أولًا ابنُ جُزي، بمعنى: صعد وارتقى.

الله -تبارك وتعالى- يقول: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5]، يعني: يصعد.

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، يعني: الصُّعود.

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14]، يعرجون يعني: يصعدون.

وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف:33]، المقصود الدَّرج يصعدون عليه، قيل له: معارج؛ لأنَّه يُعرج عليه، بمعنى: يُصعد.

مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج:3]، فُسّر بالرُّتَب والفواضل والصِّفات الحميدة، وبنحو هذا.

قال كبيرُ المفسّرين أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله-: ذو العلو والدَّرجات والفواضل والنِّعَم: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ. وقيل غير هذا.

"عُتبى، معناه: الرِّضا، ومنه: فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:24]، وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية:35]، والعتاب: العذل".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس إلى أصلٍ واحدٍ[13]: وهو الأمر الذي فيه بعض الصُّعوبة، من كلامٍ أو غيره، بمعنى: أنه يأتي في الأمور الحسيّة، وفي الأمور المعنويّة.

وكثيرٌ من هذه المواد منها ما يرجع إلى ما يُستعمل في أمورٍ حسيّة، أو في أمورٍ معنويّة، العتبة المعروفة: عتبة الدار هي أسكُفة الباب، قيل لها ذلك لارتفاعها عن المكان الـمُطمئنّ السَّهل: عتبة، فهي ليست مستويةً، بل أرض، هذا في الأمور الحسيّة.

وفي الأمور المعنوية: العتب: الموجِدة، تقول: فلانٌ عاتب على فلانٍ، في نفسه عتبٌ عليه. تقول: عتبتُ على فلانٍ عتبًا ومعتبةً، يعني: وجدتُ عليه. كذلك المعاتبة تكون بمعنى: اللوم، ثم يُشتقّ منها فيُقال: أعتبني، يعني: ترك ما كنتُ أجد عليه ورجع إلى مسرّتي. أعتبني: ترك ما حملني على الموجِدة عليه، يعني: ترك ذلك التَّصرف، أو الفعل، أو ما صدر عنه مما أوجب الموجِدة عليه، وهو مُعتب: راجع عن الإساءة.

ويقولون: أعطاني العُتبى، يعني: أعتبني، ويُقال للرجل إذا طلب أن يُعتب: قد استعتب.

فهذا نفهم به الآيات الواردة في هذا المعنى، فما ذكره ابنُ جُزي بأنَّ العُتبى بمعنى: الرضا: فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ، قال: "طلب العُتبى، أعتبني إذا طلب العُتبى"، فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ، يعني: هذا الذي طلب أن يُعتب يكون قد استعتب، هؤلاء ما هم من المعتبين، لا يُطلب منهم الاعتذار الذي يحصل بسببه التَّجاوز والرِّضا عنهم بعد هذا الإجرام والإساءة، وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، يعني: لا يُسمح لهم بالإعتاب.

قال: "والعتاب: العذل"، يعني -كما قلنا-: اللوم، فلان يُعاتب فلانًا، كثرة العتاب والمعاتبة، يعني: اللوم، والعتب، ونحو ذلك.

هذا ما يتعلّق بهذه المادة.

"أعدَّ –بالألف- يسّر الشيء وهيّأه، وعدَّ -بغير ألفٍ- من العدد".

هذه المادة: (العين والدال) أرجعها ابنُ فارس إلى أصلٍ صحيحٍ واحدٍ لا يخلو من العدِّ الذي هو الإحصاء[14]، العدّ: إحصاء الشَّيء، تقول: عددت الشَّيء، أعدّه، عدًّا، فأنا عادّ، والشيء معدود، ومن ذلك يُقال: (العديد) للكثرة، فلان في عِداد الصَّالحين، يعني: يُعدّ معهم. وكذا العدد: مقدار ما يُعدّ، هذا بمعنى: الإحصاء.

ومن الإعداد الذي هو تهيئة الشّيء، فهذا معنًى آخر، ومن ذلك العُدّة: ما أُعدّ لأمرٍ يحدث، يُقال: أعددتُ الشّيء أُعدّه إعدادًا، واستعددتُ للشيء، وتعددتُ له، يعني: تهيّأت لذلك.

فصارت هذه المادة تأتي بمعنى: العدّ؛ الذي هو الإحصاء، والإعداد؛ الذي هو التَّهيؤ ونحو ذلك.

وابن جُزي يقول: "أعدّ: يسّر الشَّيء وهيَّأه، وعدَّ من العدد"، تقول: عدده بمعنى: حسبه، ويُتجوّز بالعدد عن القِلّة، فاللغة العربية واسعة -كما هو معلوم-، فأحيانًا يكون المعدود القليل المحصور: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة:80]، معدودة يعني: قليلة، والله قال عن الصيام؛ تسهيلًا له على الـمُكلَّفين، قال: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، فهو شيء يسير، فهذا يُقال للشيء المحصور القليل: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ [يوسف:20]، معدودة، والشيء الكثير لا يُعدّ.

وقول ابن القيم -رحمه الله-:

فالبُهت عندكم رخيصٌ سعره حثوًا بلا عدٍّ ولا ميزان[15]

أو قال: بلا كيلٍ ولا ميزان. (حثوًا) الشَّيء الذي يُحثى لا يُعدّ، ولا يُكال، ولا يُوزن.

وقد يُراد به الكثرة أحيانًا بحسب السياق: سِنِينَ عَدَدًا [الكهف:11]، يعني: كثيرة.

والعِدّة ما يُعدّ، تُجمع على عِدَدٍ، عِدّة المرأة: ما تعُدّه من أيام أو أقراء، هذا من العدِّ: نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84]، كذلك: عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس:5]، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، يعني: عدد، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة:185]، يعني: العدد، مدّة الصوم، رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الكهف:22]، يعني: بعددهم، فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، قلنا: ما تعتدّ به المرأة من الأيام أو الأقراء، بحسب: إذا كانت آيسةً أو صغيرةً فإنَّها تعتدّ ثلاثة أشهر، أعني: المطلّقة، وإذا كانت من ذوات الأقراء فإنَّها تعتدّ ثلاثة قروء: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ [ص:62]، فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49]. كلّ ذلك من العدد.

ومن معنى التَّهيئة والإحضار ونحو ذلك قوله –تعالى-: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة:46]، يعني: أعدّوا له عدّةً، يعني: من السلاح والزاد والراحلة. وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] يعني: هيَّأه. أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24]، النار -أعاذنا الله وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين منها-، يعني: هُيّئت.

وهكذا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، إعداد القوّة بكلِّ ما يصدق عليه ذلك -والله أعلم-. هذان معنيان.

القارئ: أحسن الله إليكم.

"عرش: سرير الملك، ومنه: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [يوسف:100]، وأَهَكَذَا عَرْشُكِ [النمل:42]، وعرش الله فوق السَّماوات، وتعرشون: تبنون، وعلى عروشها: سقوفها".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس إلى أصلٍ واحدٍ، ومعنًى واحدٍ؛ يدلّ على ارتفاعٍ في شيءٍ مبنيٍّ، ثم بعد ذلك يُستعار في غير هذا، من ذلك: العرش، قال الخليل: "سرير الملك"[16]، المقصود بـ(سرير الملك) الذي يجلس عليه، لا كما نقول للسرير اليوم الذي يكون فراشًا للنوم، إنما الذي يجلس عليه الملك يُقال له: عرش.

كذلك من الباب: تعريش العنب؛ لأنَّه رفعه والتَّوثّق منه، تعرفون الأعناب: جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ [الأنعام:141]، فيضعون لها أخشابًا، ثم بعد ذلك يجعلون العنبَ فوقها؛ ولأنَّ العنب -كما هو معلومٌ- لا يكون على الأرض.

وكذلك أيضًا كلّ بناءٍ يُستظلّ به يُقال له: عرش وعريش، ويُقال لسقف البيت: عرش، فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45]، يعني: أنَّ السقفَ يسقط، ثم تتهافت عليه الجُدران.

إذًا هذه المادة في استعمالاتها تدلّ على الارتفاع: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]، بمعنى: سرير الملك، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ سرير الملك، أَهَكَذَا عَرْشُكِ سرير الملك، جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ ما يُوضَع من العريش ويُرفع عليه، وهكذا.

"عورة، أصل معناه: الانكشاف فيما يُكره كشفه؛ ولذلك قيل: عورة الإنسان، وثلاث عورات، أي: أوقات كشاف، وبُيُوتَنَا عَوْرَةٌ [الأحزاب:13]، أي: خالية مُعرّضة للسُّرَّاق".

هذه المادة: العورة، (العين والواو والراء) أرجعها ابنُ فارس إلى أصلين:

الأول: يدلّ على تداول الشَّيء.

والثاني: يدلّ على مرضٍ في إحدى عيني الإنسان، وكلّ ذي عينين، معناه: الخلو من النظر، ثم يُشتقّ منه[17]، يعني: كأنَّ العورةَ شيءٌ ينبغي مُراقبته لخلوه، فالثُّغور المتاخمة لبلاد الكفَّار -ثغور المسلمين- يُقال لها: عورات، عورات البلاد، ونحو ذلك، باعتبار أنَّها شيء ينبغي مُراقبته ومُلاحظته.

وبهذا فُسّر قوله -تبارك وتعالى-: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، يقصدون أنها ليست بحريزةٍ، يعني: أنها مكشوفة، الخندق بعد جبل سلع -الجبل المعروف في المدينة-، هذا في شمال المسجد النبوي، أو شمال المدينة، هذا الخندق هناك نواحٍ خارج الخندق، يعني: حُفِرَ الخندق من أجل ألَّا يدخل الكفَّارُ –الأحزاب- المدينة، ألَّا يقتحموها، وهناك نواحٍ خارج الخندق، مثل: أرض بني سلمة كانت في ناحية القبلتين الآن تقريبًا، فهم يقولون: إنَّ بيوتنا عورة. يعني: أنها غير حريزةٍ، يعني: أنها عُرضة للنَّهب والسَّرقة والاعتداء ونحو ذلك.

فهم يعتذرون من المرابطة مع النبي ﷺ، فيتسللون ويذهبون إلى بيوتهم بهذه الأعذار الكاذبة.

فهذه المادة فيما يتعلّق بالمعنى الأول الذي ذكره ابنُ فارس: يدلّ على تداول الشَّيء، من ذلك المعاورة، يعني: التَّداول، ويتعاورون كذا، يعني: يتعاقبونه، أو يتداولونه، أو نحو ذلك.

أمَّا ما يتعلق بالمعنى الثاني: فهذا يرجع إلى معنى النَّقص الحسيّ في الأصل: كالعور في العين، ثم المعنوي؛ لأنَّه يُشتقّ من ذلك، فالعور بالعين هذا حسيّ، ذهاب بصر إحدى العينين؛ لأنَّه إذا ذهب البصرُ من العينين جميعًا فذلك العمى، لا يُقال له: عور، وإنما ذهاب البصر من إحدى العينين هذا هو العور، ويُستعمل في الأمور المعنوية، يُقال: العور؛ لقُبح الأمر وفساده: عور، هذا فيه عورٌ ظاهر، في هذا الأمر عورٌ ظاهر، في هذا الرأي عورٌ ظاهر، يعني: فساد ظاهر، ومن هنا قيل: العورة، عند بعض أهل العلم أنها ترجع إلى ذلك: خلل في الثُّغور التي يُتخوّف من ناحيتها.

ومنه: العورة، والعورات: كلّ مكمن للسّتر، عورة الإنسان: سوءته، لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]، قيل: المعنى: لا يتفطّنون لمفاتن النِّساء، صغير لا يتفطّن لذلك، ولا يلتفت إليه.

وقيل: الظُّهور، بمعنى: القوّة والغلبة، فهو لا يُطيق الجماع.

وبعضهم يقول: لم يكشفوا عن عورات النِّساء لجماعهنَّ.

والمعنى الأقرب -والله أعلم-: لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ هو ما اختاره ابنُ كثير -رحمه الله-[18]: أنهم لا يتفطّنون لمفاتن النِّساء. وهذا هو الضَّابط في دخول الصِّبيان والغِلمان على النِّساء.

كثيرٌ من العامّة يظنّ أنَّ هذا مُقيّد بالبلوغ، وهذا غير صحيحٍ، وإنما ذكر الله ذلك في الاستئذان: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور:59]، هذا في الاستئذان على مَن يدخل عليهم من أبيه وأمّه ونحو ذلك، فيستأذن كما يستأذن الكبار في هذه الأوقات الثلاثة.

لكن في الدخول على النِّساء، أو الاحتجاب من الصّبي أو الغلام: الضابط فيه ليس هو البلوغ، وإنما هو أنَّه لا يتفطّن لمفاتن النِّساء، فلا يُحتجب منه، فإذا كان هذا الولدُ قد بلغ سبع سنين، لكنَّه يتفطّن ويُميز بين الجميلة والقبيحة، ويتكلم أنَّ هذه كذا، وأنَّ هذه قوامها كذا، فمثل هذا يُحتجب منه، لا سيما مع كثرة الفساد اليوم، فهؤلاء الصبيان قد يُشاهدون أشياء لا يعرفها آباؤهم عن طريق الخُلطة في المدارس ونحو هذا، ويُشاهد مشاهد سيئة، فيتفطّن لأمورٍ لا تخطر على البال.

فهنا ابنُ جُزي ذكر "الانكشاف فيما يُكره كشفه" السّوءة، وقال: "بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ أي: خالية مُعرّضة للسُّراق"، فالعورة: كلّ شيءٍ يُحترز له، ويُحتاط له، يُقال له: عورة.

النبي ﷺ يقول: المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطانُ[19]؛ لأنَّه يُحترز لها، ليس هذا عيبًا في المرأة كما قد يُتوهم أنَّها مثل: السوءتين، لا، ليس هو المراد، الآن البلاد فيها مُدن متاخمة لبلد العدو يُقال لها: عورات؛ لأنَّه يُحترز لها، ويُحتاط لها، فالمرأة تُصان، وتُحفظ، ويُحتاط لها، ويُغار عليها؛ لئلا تمتدّ إليها الأيدي الآثمة، والعيون الخائنة، فالمرأة عورة بهذا الاعتبار؛ لأنَّها موضع الصيانة والحفظ والاحتراز، فهذا تكريمٌ للمرأة، خلافًا لما قد يتوهمه البعض، فلا تكون سائبةً مُضيَّعةً كما هو الحال في كثيرٍ من البلاد.

"عاقر، له معنيان: المرأة العقيم، واسم فاعل من عقر الحيوان".

العاقر: هذه المادة أرجعها ابنُ فارس إلى أصلين مُتباعدين[20]:

الأول: الجرح، أو ما يُشبه الجرح في الشَّيء، وله استعمالات مُتعددة في هذا المعنى، يُقال: عقرت الفرس، كسعت قوائمه بالسيف، وهكذا النَّاقة تُعقر، يعني: بضرب قوائمها بالسيف حتى تسقط، فإذا سقطت نحرها مُستمكنًا منها.

ومن الباب: العاقر من النِّساء، هي التي لا تحمل، وذلك أنَّها كالمعقورة، وذكر الخليلُ أنَّ ذلك باعتبار أنَّه شيء ينزل بها من غيرها، وليس هو من فعلها بنفسها، يعني: هي ابتُلِيت بهذا، ولا تستطيع الخلاص أو الخروج منه، عاقر.

وتلك النَّاقة التي عُقِرت؛ ضُربت قوائمها، أو الفرس التي عُقرت؛ ضُربت قوائمها، فهي لا تستطيع أن تنهض، ولا تنطلق، ولا تجري.

وهذه المرأة عاقر، نزل بها ذلك، فهي لم تفعله بنفسها، وإنما شيء وقع لها وابتُلِيَت به.

يقولون: (رفع فلانٌ عَقيرته)، إذا تغنّى أو قرأ رفع صوتَه، هذا كأنَّه من باب المجاورة، أصل ذلك يُقال: إنَّه رجلٌ قُطِعت إحدى رجليه، فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ بأعلى صوته. فالعقيرة هي الرِّجْل المقطوعة، رفع عقيرتَه: أخذ رِجْلَه ووضعها على الأخرى وصاح بأعلى صوته، فصار ذلك يُقال لمن يرفع صوتَه بغناءٍ، أو قراءةٍ، أو غير ذلك، يُقال: رفع عقيرتَه، يرفع صوتَه بكلامٍ يقوله، يُقال: رفع عقيرتَه بكذا؛ لأنَّ ذاك الذي قُطِعت رِجْلُه قد رفع صوتَه، فصار ذلك مع هذا الحدث من قطع الرِّجْل، وإلا فالعقيرة هي الرِّجْل المقطوعة، فصار هذا يُقال لكل مَن رفع صوتَه، ولما كان رفعُ الصوت عندها سُمّي الصوتُ بها، يعني: عند القطع.

ويُقال من ذلك أيضًا للمرأة: عقرا حلقا. كما قال النبي ﷺ لأمِّ المؤمنين لما حاضت في الحجِّ: عقرا حلقا[21]، قيل: معناه: عقرها الله، يعني: عقر جسدَها وحلقها.

طبعًا هذا لا يكون المرادُ به معناه، وإنما كقولهم مثلًا: تربت يداه، ونحو ذلك.

وقيل: إنَّ المراد بقولهم: (عقرا حلقا)، أنَّها تُوصَف بالشُّؤم، أي: أنَّها تحلق قومَها وتقرّهم، تكون سببًا لذلك.

والعقاقير تُقال لأخلاط الدَّواء -كما هو معروف-: عقاقير طبية، واحدها: عقّار؛ لأنَّه كأنَّه عقر الجوف، ويُقال: العقر داء يأخذ الإنسان، وعند الروع، فلا يقدر أن يبرح، وتُسلمه رجلاه، وهذا معروفٌ إلى اليوم، العامَّة يقولون: أمّ الرُّكب، هو العقر إذا خاف خوفًا شديدًا لم تحمله رجلاه. وقد يحصل هذا للإنسان حال الفرح الشَّديد؛ لا يستطيع أن ينهض، بعضهم قد يُبشّر بالولد فيأتي حبوًا، لا يستطيع أن يمشي، وهذا الأول؛ الجرح وما يُشبه ذلك.

الثاني: يدلّ على الثبات والدَّوام، فالعقر يُقال للقصر الذي يكون مُعتمدًا لأهل القرية، يلجؤون إليه.

وقال أبو عبيدٍ: "العقر: كل بناءٍ مُرتفعٍ"[22].

وذكر الخليلُ: أنَّ عقرَ القوم أو الناس أو نحو ذلك هو محلة القوم بين الدَّار والحوض[23]، سواء وجد بناء، أو لم يوجد.

وذكر أيضًا: أنَّ العُقر أصل كل شيءٍ، والعقار: ضيعة الرجل.

وذكر ابنُ الأعرابي: أنَّ العقار هو المتاع المصون، والعقار الذي يقوله الناس الآن هو إطلاق صحيح لضيعة الرجل، أو الأصول؛ أصل كل شيءٍ، فالأرض يُقال لها: عقار، والبناء يُقال له: عقار، ونحو ذلك.

فهنا ذكر ابنُ جُزي المرأةَ العقيم، واسم الفاعل من عقر الحيوان: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران:40]، يعني: لا تحمل، وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا [مريم:5]، فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ [الأعراف:77]، فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [القمر:29]، فَعَقَرُوهَا [هود:65]، والله أعلم.

  1. "مقاييس اللغة" (4/199).
  2. "مقاييس اللغة" (4/199).
  3. انظر: "مقاييس اللغة" (4/150).
  4. "مقاييس اللغة" (4/150).
  5. انظر: "مقاييس اللغة" (4/77).
  6. "مقاييس اللغة" (4/77-78).
  7. انظر: "مقاييس اللغة" (4/232).
  8. المصدر السابق.
  9. المصدر السابق.
  10. انظر: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" (5/190).
  11. "مقاييس اللغة" (4/198).
  12. "مقاييس اللغة" (4/302).
  13. "مقاييس اللغة" (4/225).
  14. "مقاييس اللغة" (4/29).
  15. "نونية ابن القيم = الكافية الشافية" (ص187).
  16. "مقاييس اللغة" (4/264).
  17. "مقاييس اللغة" (4/184).
  18. قال ابنُ كثير -رحمه الله- في "تفسيره" ت: سلامة (6/49): "يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النِّساء وعوراتهن من كلامهنَّ الرَّخيم، وتعطفهنَّ في المشية وحركاتهنَّ، فإذا كان الطفلُ صغيرًا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النِّساء".
  19. أخرجه الترمذي: أبواب الرّضاع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في كراهية الدُّخول على المغيبات، برقم (1173)، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ، صحيحٌ، غريبٌ"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (6690).
  20. انظر: "مقاييس اللغة" (4/90).
  21. أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنَّه يجوز إفراد الحجِّ والتمتع والقران، وجواز إدخال الحجّ على العمرة، ومتى يحلّ القارن من نُسُكِه، برقم (1211).
  22. "مقاييس اللغة" (4/94).
  23. انظر: "مقاييس اللغة" (4/94).

مواد ذات صلة