الأربعاء 06 / ذو الحجة / 1443 - 06 / يوليو 2022
(30- ب) حرف السين سبحان إلى سول
تاريخ النشر: ١٣ / رجب / ١٤٣٦
التحميل: 1611
مرات الإستماع: 1399

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد:

"سُبحان: تنزيه، وسبَّحتُ [وفي نُسخةٍ خطيّةٍ: سُبحان الله] أي: نزَّهته عمَّا لا يليق به من الصَّاحبة، والولد، والشُّركاء، والأنداد، وصفات الحدوث، وجميع العيوب والنَّقائص".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس -رحمه الله- إلى أصلين:

الأول: هو جنسٌ من العبادة، يُقال: السُّبحة هي الصَّلاة؛ وذلك يُقال لما كان من قبيل النَّفل منها: السُّبحة، وكذلك يُقال: التَّسبيح، وهو تنزيه الله -تبارك وتعالى- من كل سوءٍ، فالتَّنزيه هو التَّبعيد، والعرب تقول: سُبحان من كذا، أي: ما أبعده[1]، وفي صفات الله -تبارك وتعالى-: السّبّوح، يعني: المتنزّه من كل شيءٍ لا ينبغي له.

الأصل الثاني: هو جنسٌ من السَّعي، والسّبح والسِّباحة: العوم في الماء.

فهذان معنيان ذكرهما ابنُ فارس -رحمه الله-، وعلى كل حالٍ، يقال: سبح سبحًا وسِباحةً، بمعنى: مرَّ في الماء، وقال: سبح سبحًا، بمعنى: جرى، فهو سابح، يقول الله -تبارك وتعالى-: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا [المزمل:7] يعني: تقلبًا في المعاش، وتصرفًا فيه، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا [النازعات:3] يعني: الجاريات، هكذا فسّره بعضُهم.

ويقال: سبَّح تسبيحًا، بمعنى: نزَّه، أو قال: (سبحان الله) تنزيهًا لله، فهو مُسبّح: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:1]، وهكذا: وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة:15]، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران:41]، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا [مريم:11]، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، فهذا كلّه يكون بمعنى التَّنزيه.

وابن جُزي -رحمه الله- ذكر معنى التَّنزيه، قال: يعني: فيما يُنزّه عنه من الصَّاحبة والشُّركاء والأنداد، وصفات الحدوث، وجميع العيوب والنَّقائص.

لكن كلمة (الحدوث) هذه كلمة مُجملة؛ فإنَّ المتكلمين كثيرًا ما يُعبّرون بمثل هذا، ويقصدون به نفي بعض الصِّفات؛ كالصِّفات المتعلقة بالمشيئة والإرادة، مثل: النُّزول إلى السَّماء الدنيا مثلًا، أو الغضب، والرضا، والضَّحك، ونحو ذلك.

كذلك ينفون الصِّفات الذَّاتية غير المعنوية، مثل: الوجه، واليد، والعين، ونحو ذلك، يقولون: لأنَّ ذلك من صفات الحدوث.

فهذه العبارة مُجملة، والعبارات الـمُجملة تُجتنب، لكن صفات الربِّ -تبارك وتعالى- لا تُماثل صفات المخلوقين: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

وقولنا: (سُبحان الله) هذه صيغة التَّسبيح: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا [البقرة:32]، وذلك يرجع إلى معنى التَّنزيه: سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68] يعني: تنزّه.

"سار، يسير: مشى ليلًا، أو نهارًا.

وسرى، يسري: مشى ليلًا، ويُقال أيضًا: أسرى، بالألف".

فهاتان المادتان (سار، وسرى) مختلفتان؛ فلا يرجعانِ إلى أصلٍ واحدٍ، فإنَّ (سار) أصلها (السين والياء والراء)، وهذا يرجع إلى معنى الـمُضي والجريان عند ابن فارس[2] -رحمه الله-، يُقال: سار، يسير؛ وذلك يكون ليلًا ونهارًا.

والسيرة: الطَّريقة في الشَّيء، والسُّنة؛ لأنَّها تسير وتجري، والسَّير: الجلد، يقول: سُمّي بذلك لامتداده؛ كأنَّه يجري.

ولاحظ الربط: السير يعني: لامتداده كأنَّه يجري، هذا يُقال: سار، سيرًا، ومسيرًا، بمعنى: ذهب ومضى، سواء كان هذا السَّير باختياره، أو باضطرارٍ، يعني: مُسخّر: وَسَارَ بِأَهْلِهِ [القصص:29] فهذا سيرُ اختيارٍ، لكن: وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور:10] هذا تسيير اضطراري، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [يوسف:109]، وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ [سبأ:18] أي: جُعِلت المراحل والمنازل مُتقاربة، بحيث يخرجون من هذه القرية فتبدو القرية الأخرى شاخصةً أمامهم، أو أنَّهم في وقت المقيل في وسط النَّهار يصلون إلى القرية الثانية، وفي آخر النَّهار يصلون إلى القرية الأخرى، وهكذا، لا يحتاجون إلى زادٍ، ولا يحصل لهم شيءٌ من الخوف؛ لطول المسافة.

ويُقال: سيره تسييرًا، يعني: جعله يسير، وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ [الكهف:47]، هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [يونس:22]، وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد:31].

والسيرة تُقال للهيئة والحالة التي يكون عليها الشيء: قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:21]، يقال: فلان عاد إلى سيرته الأولى، وهي الحالة التي كان عليها.

والسيارة تُقال للرُّفقة السَّائرة: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ [يوسف:19]، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96] يعني: هذه الرُّفقة السَّائرة بسفرٍ، أو نحو ذلك. فهذا هو الأصل الأول: سار، تقول: سار، يسير.

وأمَّا المادة الثانية: (سرى، يسري)، يقول: "مشى ليلًا، ويُقال: أسرى، بالألف"، فهذه أصلها (السين والراء والحرف المعتل)، فهذه ذكر ابنُ فارس -رحمه الله- أنَّها تأتي لمعانٍ مختلفة، لا تجتمع على شيءٍ[3]، وذكر من ضمن ذلك: السُّرى، وهو سير الليل، يُقال: سريت، وأسريت.

قلنا: (والحرف المعتل)، فهذه (السين والراء والحرف المعتل) يُقال: منه السّري: وهو السيد الشَّريف، ويُقال: السّري أيضًا للجدول، أو النَّهر الصَّغير. وبكليهما فُسّر قوله -تبارك وتعالى-: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم:24]، قيل: جدول صغير من الماء، تشربين منه، وعندك أيضًا نخلة؛ هزِّي الجذع، فيتساقط عليك من هذا الرُّطب. فعندها الطَّعام والشَّراب.

وبعضهم يقول: أنَّ السّري في قوله: تَحْتَكِ سَرِيًّا المقصود به أنَّ الولد الذي قد وُلد هو سيد وشريف.

ويقال: سرى، يسري، بمعنى: مضى وذهب، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر:4] أصلها: (يسري) بالياء، لكن الحذف قيل: من أجل مُراعاة الفاصلة في الآية، يعني: حين ينقضي وقتُ الفجر.

سرى، يسري، سريًا، وأسرى، إسراءً، بمعنى: سار ليلًا، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [هود:81].

فهناك (سار) بمعنى: ذهب ومضى: سار، يسير، وليس معناها أنَّ ذلك يتقيد بالليل، وإنما ذاك (أسرى، وسرى)، وليس (سار، يسير)، والله أعلم.

"سَخِر، يسخَر: بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع، أي: استهزأ.

سخّر –بالتَّشديد- من التَّسخير. وسُخريا -بضم السين- من السُّخرة، وهي تكليف الأعمال. وبالكسر من الاستهزاء".

هذه المادة (السين والخاء والراء) جعلها ابنُ فارس -رحمه الله- ترجع إلى معنى مُطَّردٍ يدلّ على احتقارٍ واستذلالٍ[4]، من ذلك: سخّر اللهُ الشّيء؛ إذا زَلَّـلَهُ لأمره وإرادته: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجاثية:13]، يُقال: رجل سُخرة، يعني: يُسخر في العمل. ويُقال أيضًا: سُخرة؛ إذا كان يُسخر منه، وهذا الذي يُسخر منه يكون في موضعٍ من الإذلال والمهانة، فإن كان هو الذي يفعل ذلك بغيره يُقال: سُخَرَة، يعني: كثير السُّخرية.

وهكذا أيضًا يُقال: سُفن سواخر ومواخر، فالسّواخر هي المطيعة، الطيبة، يعني: التي تكون طيبة الريح، والمواخر هي التي تمخر الماء وتشقّه.

يقول ابنُ فارس: ومن الباب: سخرت منه؛ إذا هزأت به[5]، فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38]، فهذا بمعنى: الاستهزاء، يُقال: سخر سُخرًا وسُخريةً وسخريًّا، بمعنى: الاستهزاء به، والاحتقار له، واتّخذه سخريًّا، أي: موضع استهزاءٍ، سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة:79]، فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:10]، قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}، {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11]، وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56]، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون:110]، فهذا بمعنى: الاستهزاء، يُقال: سخره، يسخره، وسخَّره، يُسخره، سِخريًّا، بالكسر؛ جعله موضعًا للاستهزاء، ونحو ذلك، وسُخريًّا بالضم: اتَّخذه سُخريًّا، بمعنى: قهره وأخضعه، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32] يعني: أنَّ بعضهم يُسخّر لبعضٍ، فهذا يعمل عند هذا في الخدمة، أو البناء والمهن والصَّنائع، ونحو ذلك، فتقوم مصالح الناس، ولو كان كل أحدٍ يستغني عن الآخر لما قامت مصالحهم؛ مَن الذي يحمل المتاع؟ ومَن الذي يبني البناء؟ ومَن الذي يقوم على الخدمة؟ وما إلى ذلك.

هذا كلّه بما فاوت اللهُ -تبارك وتعالى- هؤلاء الخلق، فصار بعضُهم يحتاج إلى بعضٍ؛ فيُسخر بعضهم لبعض، يقال: سخّره تسخيرًا، بمعنى: ساقه قهرًا إلى غرضٍ معينٍ، فهو مُسخّر: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد:2]، وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ [الأنبياء:79]، كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ [الحج:36]، وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [البقرة:164]، مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف:54]، فكلّ هذا بمعنى: أنَّ الله -تبارك وتعالى- أجراها على هذا.

ويُقال: استسخر، ويُقال: فلان سِخر، يعني: مُبالِغ في السُّخرية، واستسخر: دعا إلى السُّخرية: وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات:14] يُبالغون في السُّخرية، أو يدعون إلى ذلك.

وابن جُزي قال هنا: "سخّر –بالتشديد- من التَّسخير، وسُخريًّا -بضم السين- من السُّخرة، وهي تكليف الأعمال"، وهذا قد مضى، "وبالكسر من الاستهزاء": سِخريًّا، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون:110]، والأخرى: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32].

هنا عند قوله: (سُخريًّا) أكملنا خمسمئة مادة من هذه المواد في الغريب، وبقي نحو مئة، فالمجموع تقريبًا ستمئة واثنين، يعني: تنتهي -إن شاء الله تعالى- في الدروس الثلاثة القادمة، فإن بقي شيء ففي درس رابع، بالسير الـمُعتدل مثل هذا.

"سُلطان، له معنيان: البُرهان، والقوّة، ومنه: لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن:33]".

(السُّلطان) يقول: "له معنيان: البُرهان، والقوّة"، وابن فارس -رحمه الله- أرجع ذلك إلى أصلٍ واحدٍ، وهو القوّة والقهر[6]، ومن ذلك يُقال: السَّلاطة من التَّسلط، وهو القهر؛ ولهذا سُمّي السلطان بذلك، يُقال له: سُلطان؛ لأنَّ فيه معنى القوة والقهر: "إنَّ الله يزع بالسُّلطان ما لا يزع بالقرآن"[7].

ويُقال: السلطان أيضًا للحُجّة، باعتبار أنَّها تفرض الحقَّ وتُثبّته، وتقطع الـمُعاند.

والسَّليط من الرِّجال: الفصيح اللسان، الذّرب، كأنَّه بهذه السَّلاطة يُخضع غيره.

والسَّليطة هي المرأة الصّخابة، طويلة اللِّسان.

ويُقال: (السّلطان) للقهر والغلبة: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22]، ولكن كانت مجرد دعوة دعاهم، فأجابوا، يعني: ما كان لي عليكم من سبيلٍ أقهركم به.

وهكذا: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33] في القصاص، فُسّر بمعانٍ ترجع إلى هذا؛ بعضهم كالحافظ ابن كثير -رحمه الله- قال: جمع بين معنيين بأنَّ ذلك يكون قد سُلط عليه قدرًا وشرعًا[8]، وكأنَّ أصل ذلك -والله أعلم- أنَّ ما له من الحقِّ الثابت في القصاص جعل ولي الدَّم ذا سلطانٍ وسُلطةٍ على هذا الجاني، فيقتصّ منه: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا يعني: إن فسّرتها بالحُجّة فهو عنده ما يُبرر هذا القصاص ويُثبّته، وإن نظرتَ إليها بمعنى: التَّسلط، فإنَّ الشرع مكَّنه من ذلك، ومن ثَم فإنَّه يُسلط عليه، ويقتص منه.

هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] هذا في السُّلطان: القهر والغلبة، ويُستعمل في الحُجّة والبُرهان، وهو الغالب في القرآن: مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40]، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [آل عمران:151] يعني: ليس لهم في ذلك حُجّة، وهكذا.

على كل حالٍ، يقال: سلَّطه على غيره، مكَّنه منه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ [النساء:90]، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [الحشر:6].

"سام، يسوم، أي: كلف الأمر وألزمه، ومنه: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [البقرة:49]، وأصله من سوم السّلعة في البيع".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس -رحمه الله- إلى أصلٍ يدلّ على طلب الشَّيء[9]، ومنه السوم في الشِّراء والبيع، ومن الباب: سامت الراعية تسوم، فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10] يعني: ترعون، فهذه السَّائمة تطلب الكلأ، العُشْب، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [آل عمران:14] فُسّر بالـمُرسلة وعليها رُكبانُها، وفُسّر بغير هذا، كما سيأتي.

وابن فارس -رحمه الله- يقول: "مما شذَّ: السُّومة"[10]، يعني: العلامة تُجعل في الشَّيء، والسِّيما من ذلك، كما في قوله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]، فإذا مدُّوه قالوا: (السِّيماء) بألفٍ وهمزةٍ، فهو يرى أنَّه مما شذَّ في الباب الذي هو يرجع إلى معنى الطَّلب، يُقال: سامه الأمر، كلَّفه إياه، وسامه خسفًا، يعني: جشمه إياه.

لكن لاحظ المعنى الذي ذكره ابنُ جُزي -رحمه الله- قال: "يسوم أي: كلف الأمر –كذا- وألزمه، ومنه: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وأصله من سوم السلعة في البيع"، يعني: هنا ألزمه إياه، كلّفه الأمر، سامه خسفًا: جشمه إياه.

يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، ويقال أيضًا: أسام الإبل يُسيمها، يعني: أخرجها للمرعى، فِيهِ تُسِيمُونَ، فسوم الشيء أيضًا تسويمًا: جعل عليه علامة، فهو مُسوّم، بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] فُسّر بأنَّهم قد علَّموا أنفسَهم بعلامات، أو علَّموا خيولهم بعلامات: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ [هود:83] فُسّر: بمُعلّمة.

وسوم الماشية يعني: أخرجها وأرسلها للمرعى، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قيل: الـمُرسلة للمرعى، أو الـمُعلّمة، أو ذوات الغُرّة والتَّحجيل، أو الحِسان من الخيل، ونحو ذلك، فهي من السّيما بمعنى: الحُسن.

والسّيما تُقال للعلامة التي يُعرف بها حال الإنسان في الخير والشَّر، كما في قوله –تعالى-: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وذلك بالإشراق، وأثر الطَّاعة، والاستقامة والصَّلاح في الوجه.

وهكذا يُقال أيضًا: أنَّ أصل السِّيما: السُّوما، قُلبت الواو ياءً، والله أعلم، هذا في سام.

"سأم، يسأم، أي: ملَّ، ومنه: وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ [فصلت:38]".

السَّآمة تُقال: للملالة مما يكثر لُبْثُه، سواء كان فعلًا، أو غيره، سأم الشيء، وسأم منه، بمعنى: ملّه وضجر منه، وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ [البقرة:282]، كذلك –يعني- لا تتركوا ذلك استثقالًا له، لَا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ [فصلت:49] يعني: لا يملّ، ولا ينقطع من ذلك، فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ [فصلت:38]، أي: لا يملّون.

"سُنّة: أي: عادة".

السُّنة يقول: العادة، يُقال: سُنّ الشيء بمعنى: تغيّرت رائحته، أو صُبَّ في قالبٍ، والشَّيء يُقال له: مسنون، وسن الوجه: صوره وصقله، فهو مسنون.

وقد فُسّرت لفظة (مسنون) في الآيات بمعنى هذه التي أوردتها: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ [الحجر:26] فُسّر بالمتغير رائحته، أو الذي صور.

ويُقال: السِّن واحدة الأسنان، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، إلى أن قال: وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ [المائدة:45].

والسُّنة هي الطَّريقة، والخطّة المتبعة، وسنة الله: ما جرى به نظامه في خلقه، يُقال: السُّنن الإلهية، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:38]، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا [الإسراء:77]، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [آل عمران:137]، فهذه أمور أجراها الله -تبارك وتعالى- في هذا الخلق، لا يستطيع أحدٌ تبديلها وتغييرها.

"سلف الأمر، أي: تقدّم، وأسلفه الرجل، أي: قدّمه، ومنه: هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ [الحاقة:24]".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس إلى أصلٍ يدلّ على تقدّمٍ وسبقٍ، يُقال: السَّلف: هم الذين مضوا[11]، ومن ذلك من الباب: يُقال: السلف في البيع، كأنَّه مال يُقدّم لما يُشترى نسيئةً.

وابن فارس يقول: أنَّ هناك مَن يُسمّون القرض: السلف؛ لأنَّه شيء يُقدّم بعوضٍ يتأخّر[12].

ولاحظ: أنَّه أرجع ذلك جميعًا إلى معنى التَّقدم والسَّبق.

لكن ابن جُزي هنا قال: سلف الأمر، أي: تقدّم، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] يعني: ما قد سبق. يُقال: سلف؛ مضى وتقدّم، فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275] يعني: ما مضى، وما أخذ من المال –الربا- قبل نزول الآية.

والسَّلف يُقال لمن تقدّم الإنسان من آبائه، أو غيرهم: فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا [الزخرف:56] يعني: سابقين، يعتبر بهم الخلق، وأسلف بمعنى: قدّم، هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ [يونس:30] يعني: ما قدّمت، بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] يعني: بما قدّمتم.

"سراء: فعلاء، من السُّرور".

(سراء) هذه المادة ذكر ابنُ فارس -رحمه الله- أنها لا ترجع إلى أصلٍ مُحدَّدٍ مُعينٍ[13]، وإنما المواد الدَّاخلة تحتها مُتفاوتة جدًّا.

وعلى كل حالٍ، السُّرور معروف، وهو ما يجده الإنسانُ في نفسه من الفرح والانشراح: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69]، وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:11]، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:9].

والسَّراء: هي الخير والنِّعمة التي يُسرّ بها، و الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران:134]، يعني: في حال السُّرور، وفي حال السّعة، وفي حال الغنى والجِدَة، وفي حال الشّدة والضّيق والضَّراء، وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [الأعراف:95]، كذلك أيضًا.

"سارع إلى الشَّيء: بادر إليه".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس إلى أصلٍ واحدٍ يدلّ على خلاف البُطء، فالسَّريع خلاف البطيء، وسرعان الناس: أوائلهم الذين يتقدّمون سراعًا[14]، يُقال: لسرعان ما صنعتُ كذا، يعني: ما أسرع ما صنعت، وسرعان ما ذهب فلان، يعني: أنَّه ذهب سريعًا، ويُقال: سرُع، يسرُعُ، سرعةً وسرعًا: خفَّ وبادر، يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا [ق:44] يعني: يخرجون منها مُسرعين، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:202]، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] يُحاسِب الخلائق على كثرتهم وكثرة أعمالهم كنفسٍ واحدةٍ.

وسارع في كذا: مضى فيه وبادر، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم [المائدة:52]، وهكذا في قوله: وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [آل عمران:114]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133]، وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [آل عمران:176].

"إسراف: إفراط، والمسرفون أي: المبذّرون، أو المفرّطون في الكفر والمعاصي".

هذه أيضًا أرجعها ابنُ فارس إلى أصلٍ واحدٍ يدلّ على تعدي الحدِّ والإغفال للشَّيء، تقول: في الأمر سرف، يعني: مُجاوزة القدر[15].

وأمَّا الإغفال، يُقال: مررتُ بكم فسرِفتكم، يعني: أغفلتكم.

يقول ابنُ فارس: يقولون: إنَّ السرفَ: الجهل، والسِّرف: الجاهل[16]. وهذا يرجع إلى معنى الإغفال، فإنَّ هذا الجاهل مُغفّل، لا يتبصّر بما ينفعه، فيغيب ذلك عنه.

ويُقال: أسرف، بمعنى: جاوز الحدَّ والاعتدال والقصد، فهو مُسرف، وهم مُسرفون، وأكثر ما يُستعمل ذلك في إنفاق المال بطريقةٍ غير صحيحةٍ، وإنفاق المال في غير موضعه، يقول الله : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67]، وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6]، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]، وفسّر ابنُ جُزي هنا ذلك بالإفراط في الكفر والمعاصي، وفي المال بالتَّبذير.

فالإسراف يدلّ على تعدِّي الحدِّ، فالذي يُنفق المالَ بطريقةٍ يتوسّع فيها، مُجاوزًا الحدَّ الذي يصلح لمثله يُقال له: مُسرف، والذي يُنفق المال في غير وجهه يُقال له: مُسرف، ولو كان ذلك قليلًا، يعني: لو أنَّ أحدًا من الناس أخذ ريالًا ومزَّقه، ماذا يُقال لهذا؟ يُقال: إسراف، فإذا اشترى به ما يضرّه، فهذا أشدّ من الذي مزَّقه، كأن اشترى به -أعزكم الله- الدّخان، وهو نتنٌ وسمومٌ، فيضعها في جوفه، فهذا يُقال له: إسراف أيضًا، كذلك أيضًا التَّبذير: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، والتوسع وفعل المعاصي.

وكذلك أيضًا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].

والتوسع في القتل بقتل غير القاتل، حيث كانوا في الجاهلية ربما يقتلون غير القاتل، يقولون: لأنَّ القاتل لا يُكافئه، فإذا قُتِل شيخُ القبيلة والسّيد، أو الفارس، أو نحو ذلك، قد يكون الذي قتله لا يُكافئه، فيقتلون فارسَ القبيلة، أو مَن يعتقدون أنَّه يُكافئه، أو ربما يرون أنَّ هذا لا يُكافئه واحدٌ منهم، فيقتلون بالواحد عشرةً مثلًا، بزعمهم: من أجل أن تتكافأ الدِّماء: فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33].

ويدخل في الإسراف في القتل: أن يُمثّل بالمقتول، ونحو ذلك، فهذا كلّه داخلٌ فيه، والله -تبارك وتعالى- يقول: وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ [طه:127]، ويقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف:31].

"سوءة: عورة، والسّوء: ما يسوء، بالفتح والضمِّ، والسُّوء: فُعلى من السّوء، وسِيءَ بِهِمْ [هود:77] فُعِلَ بهم السُّوء".

هذه المادة (السين والواو والهمزة)، يقول ابنُ فارس: أنها من باب القُبْح، تقول: رجل أسوأ، يعني: قبيح[17]، ورَحْلٌ أسوأ أيضًا: قبيح؛ ولذلك سُمّيت السيئة: سيئة، باعتبار أنَّها قبيحة؛ أو لأنها تسوء صاحبها إذا رآها في كتاب الأعمال.

وسُميت النار: سوأى؛ لقُبح منظرها، هكذا قالوا: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى [الروم:10]، ويُقال: ساء الشيء، بمعنى: قَبُحَ عمومًا، ومُؤنّثه: السّوأى، إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22]، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة:66]، وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، يُقال: ساءه، يسوؤه، أو ساءه سوءًا ومساءً ومساءةً، أصابه بما يكره وغمّه، تقول: ساءني ما سمعتُ، ساءني ما رأيتُ، ساءني ما لقيتُ، وقد يُضاف ذلك إلى الوجه باعتبار ما يبدو عليه، في قوله –تعالى-: سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الملك:27]، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [الإسراء:7].

ويُقال أيضًا: أساء إساءةً، يعني: فعل سوءًا، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46]، وَإِنْ أَسَأْتُمْ [الإسراء:7]، ويُقال: أساء العمل: أفسده، وَلَا الْمُسِيءُ [غافر:58]، والسُّوء والسَّوْء مصدران لـ(ساء)، لكن في الغالب أنَّ السَّوء بالفتح يُضاف إلى ما يُراد ذمّه، مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم:28]، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة:98].

وبالضمِّ (السُّوء) بمعنى: القُبح، ويُستعمل في الشَّر والأذى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [البقرة:49]، تَخْرُج بَيْضَاءَ أي: اليد مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [طه:22] يعني: من غير آفةٍ وعِلّة برصٍ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [البقرة:169].

والأسوأ هذه أفعل تفضيل من السُّوء، بمعنى: القُبح والشَّر، لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [الزمر:35]، هل معنى ذلك أنَّ السّيئ يبقى على حاله؟

لا، فهنا يحتمل أن تكون أفعل التَّفضيل ليست على بابها، بمعنى: السيئ، يكون المقصود بها مُطلق الاتِّصاف، ويحتمل أن يكون: أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا أنَّ أعمالهم منها ما هو طاعات، ومنها ما هو مُباحات، ومنها ما هو معاصٍ، فالمعاصي هي الأسوأ، أعمال حسنة، وأعمال سيئة، وأعمال ذات طرفين، فهذه السّيئة بالنَّظر إلى مستوى الطرفين، أو بالنَّظر إلى الطَّاعات هي أسوأ أعمال هؤلاء، فهي التي تُكفّر، يعني: السّيئات، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت:27].

ويُقال: (السوأى) للأذى البالغ أيضًا، فهو مُؤنّث، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى.

والسيئ -كما سبق-: القبيح الضَّار، يُقال للمُنكر: المكر السيئ، والله يقول: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، وَآخَرَ سَيِّئًا [التوبة:102] الخلط بين الأعمال، كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ [الإسراء:38].

والسّيئة مؤنث السيئ، بمعنى: القبيح والضَّار، وتأتي بمعنى: الذَّنب، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81] فهنا المراد الكُفر؛ لأنَّه الخطيئة التي تُحيط بصاحبها، ويقول الله –تعالى-: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا [النحل:34]، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء:18].

ويُقال: السّوءة: ما يقبُح إظهاره، وينبغي ستره، يعني: في قوله: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة:31]، فرؤية الميت، الجثة مُلقاة هكذا لا تُوارى، ولا تُدفن، هذا أمرٌ يسوء، قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ [الأعراف:26] يعني: العورات؛ لأنَّه يسوء الإنسان ظهورها وانكشافها، ووقوع نظر النَّاظرين عليها، لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا [الأعراف:20]، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22].

فستر العورات أمرٌ فطريّ جبليّ، وإنما يدعو الشيطانُ إلى خلافه من كشف العورات، فالتَّكشّف من الأمور المخالفة للفطرة، وهو مما يدعو إليه الشَّيطان؛ ولذلك تجدون الصَّغير قد جُبِلَ على الحياء، وإذا ظهر منه شيءٌ ربما بادر إلى ستره، وإذا رأى من أحدٍ شيئًا ربما عابه، وهو صغير، بل ربما الـمُحْرِم قد أبدى شيئًا من جسده فيزجره ويعيبه ويُعيره بهذا الطفل الصَّغير الذي ربما لم يبلغ السنتين، هذه فطرة، كما أنَّ الحياء فطرة فيه، فإذا نظر إليه مَن يستحي منه طأطأ برأسه، لا سيّما البنت.

وأمَّا التَّجرئة على التَّكشف والتَّبرج، وأن تُجعل البنتُ بحالٍ ينتزع منها الحياء، فيكون ذلك سببًا لضياع الحشمة والأخلاق، فتُربّى منذ الصِّغر البنت على لبس القصير، وأخوها يلبس الطويل الذي يجرّ خلفه، فهذا من انتكاس الموازين، وانعكاس المعايير عند الناس، ولا شكَّ أنه أمرٌ مُخالفٌ للفطرة، كما أنَّه أيضًا مُخالفٌ لما جاء في الشَّرع، والفطرة من أدلة الشَّرع -كما هو معلومٌ-، والله المستعان.

ويقولون: هذه صغيرة، وليس ذلك يُبرر مثل هذه الأفعال، فإنَّ الصَّغير يجب أن يُنشّأ على السّتر والعفاف والحشمة، وما يجمل، وما يليق.

وأمَّا الحجاب: فإنَّ ذلك لا يختصّ -كما يظنّ كثيرٌ من الناس- بالبلوغ، وإنما يجب ستر البنت إذا كان الانكشافُ فتنةً، بأن تكون البنتُ تفتن: إمَّا لجمالها، وإمَّا لجِرمها، كما يقول الإمامُ أحمد -رحمه الله- فيمَن يُوطأ مثلها[18]، يقولون: هذه البنت ما بلغت. مع أنَّ شبابها يكون سريعًا، فيكون جِرمُها كبيرًا، وإن كانت غير بالغةٍ، فيجب سترها، تحتجب حجابًا كاملًا؛ لماذا؟

لأنَّ المقصود بالحجاب هو دفع الفتنة والسّتر، وليست القضيةُ مُتعلّقةً بكونها مُكلَّفة، أو غير مُكلَّفة، جرى عليها القلمُ، أو لم يجرِ عليها القلمُ، فباب النَّظر والحجاب لا يتعلّق بما يجري فيه التَّكليف والقلم؛ ولذلك في الصِّغار يُقال: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]، بمعنى: أنَّهم لا يُميزون مفاتن المرأة، فيجب حجبه إذا ميّز، ولو كان عمره سبع سنوات، إذا كان يتميّز عنده، ويعرف أنَّ هذه جميلة، وهذه قبيحة، وهذه فيها كذا، وهذه فيها كذا من الأمور التي تفتن، هذا يجب الاحتجابُ منه.

وفي باب الدُّخول والاستئذان قيّد ذلك من أهل البيوت من الطّوافين من الخدم والصِّغار، فقال: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59] هذا في الاستئذان، يدخل حُجرة أبيه، ونحو ذلك، في أوقات الرَّاحة ووضع الثِّياب؛ قبل الفجر، وفي وقت القيلولة، وبعد صلاة العشاء، فهذا يستأذن إذا كان قد بلغ مبلغ الرجال.

هنا فرقٌ بين هذا وهذا، فتجد البنت ربما تمشي في الطَّريق، أو في السُّوق، وقد أبدت شعرها، أو في الحرم، ومثلها مما يُوطأ، وهي تامّة الخلق، وإن كانت لم تبلغ، وتمشي ولا تُستر، ويُقال: صغيرة، وإذا أُنكر على هؤلاء قالوا: وطِّي عينك، ونزِّل بصرك، لا تنظر! الله قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]، قال ابنُ جرير: فإن غضَّها من النَّظر عمَّا لا يحلّ النَّظر إليه، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار النَّاظرين[19]، يعني: أمر بغض الأبصار، والطرف الآخر أيضًا يستتر، ما ترك الفتنةَ تموج وتروج في المجتمع، ثم يُطالَب الناس بغضِّ الأبصار، إذًا فلتَمْشِ هذه عارية في الطَّريق، وتقول لمن نظر إليها: غضّ بصرك! للأسف إذا أنكرتَ عليها ردّت عليك بنفس العبارة: وطِّي عينك! للأسف نسمع هذه العبارة كثيرًا، إذا أُنكر على هؤلاء قالوا مثل هذه الكلمات التي تُنبئ عن جهلٍ وضعفٍ في التَّفكير والعقل، وجهلٍ بالشرع مُطبق، وقِلّة مُبالاة، وقِلّة حياء أيضًا.

"سَنَة -بفتح السين-: عام، ولامُها محذوفة، وجمعها: سنين، وقد تُقال بمعنى: القحط والجدب".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس -رحمه الله- إلى أصلٍ واحدٍ يدلّ على زمانٍ، السَّنة معروفة، يقول: قد سقطت منها الهاء، ألا ترى أنَّك تقول: سُنيهة؟

يقول: وقوله: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259] أي: لم يصر كالشَّيء الذي تأتي عليه السّنون فتُغيره[20].

وبعضهم غاير بين مادة (السنة)، ولفظة (يتسنّه)، فقال: الأول آخره واو، وهذا (يتسنّه) آخره هاء. لكن مَن يجمع السَّنة على سنهات، فالأصل عنده واحدٌ.

وابن فارس هنا جعل أصل المادة (السين والنون والهاء)؛ ولذلك جمع بين هذا وهذا، وجعلهما يرجعان إلى أصلٍ واحدٍ، لكن ليس هذا محل اتِّفاقٍ؛ ولذلك لاحظ الرَّبط، قال: لَمْ يَتَسَنَّهْ ما مضت عليه السُّنون.

والسَّنة: العام، وبعضهم يقول: إنَّ هذا أصله (السين والنون والواو): السّنة، وقد يُراد بها الجدب والشّدة، يُقال: أصابتهم السّنة، وفي الحديث: اجعلها عليهم سنين كسني يوسف[21].

تُجمع السنة على سنوات، وسنهات، وسنين، عند مَن يقول: إنَّ ذلك يرجع إلى شيءٍ واحدٍ.

فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42]، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف:130] يعني: الجدب، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ [يونس:5] يعني: السّنوات.

وأمَّا (سنا) بالمدِّ، فيُقال: سنة النار سناءً، بمعنى: علا ضوؤها، والسَّنا: ضوء النار والبرق: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43]، السَّنا هذا الضَّوء الشَّديد واللَّمعان يكاد يخطف الأبصار، فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة:26] هذه السنين المعروفة، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [البقرة:96] كذلك أيضًا.

"سِنَة -بكسر السين-: ابتداء النوم، وفاؤها واو محذوفة؛ لأنَّها من الوسن".

لاحظ: هذه مادة أخرى غير الأولى، هذه أصلها (الواو والسّين والنون)، وابن فارس -رحمه الله- ذكر أنَّ هذه المادة تأتي منها كلمتان مُتقاربتان:

الأولى: الوسن، وهو النُّعاس، وكذلك السِّنَة.

والكلمة الأخرى من قولهم: دع هذا الأمر، فلا يكونن لك وسنًا، يعني: لا تطلبنَّه، ولا يكونن من همِّك[22]، يُقال: وسِن، يوسن، وسنًا، وسِنَةً، بمعنى: نام نومةً خفيفةً، فُسّرت السّنة بالنوم الخفيف، وقد تُفسّر بفتورٍ يسبق النوم، أو بأول النوم، أو بالنُّعاس.

ويقول بعضُهم: هو ثقلة النوم. ولا يقصدون بثقلة النوم: النوم العميق، لا، فلا يُقال لذلك: سِنَة، وإنما يقصدون بثقلة النوم: خثورة النوم، والضَّعف الذي يعتري الإنسان قبل النوم.

وبعضهم يُفرّق بين السِّنة والنُّعاس، يقولون: السِّنة في الرأس، والنُّعاس في العين، والنوم في القلب: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة:255]، وقد تأتي السِّنةُ والنُّعاس، ولا يأتي النوم؛ ولهذا جاء النَّفي عنهما، يعني: البعض قد يسأل ويقول: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ إذا كان لا يأخذه نومٌ، فكذلك لا تأخذه سِنَةٌ، وإذا كان لا تأخذه سِنَةٌ، فكذلك لا يأخذه نومٌ؟

يُقال: لا مُلازمة، فقد يقع الإنسانُ في النوم مباشرةً من غير مُقدّمات، أليس كذلك؟ وقد يُصارع النوم ويُغالبه، فيجد أنَّ ذلك في رأسه كأنَّ فكره وعقله يُسلب، وهو يُحاول أن يسترجعه؛ فيعقل بعضَ ما يُقال، ويذهب عليه بعضُه.

والنُّعاس في العين، فذلك كلّه من مُقدّمات النوم، فقد توجد المقدّمات، ولا يوجد النوم؛ ولهذا نفى الله عن نفسه الأمرين: السِّنَة والنوم، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.

وابن جرير فسَّره بمعنًى أوسع من هذا؛ أخذًا من هاتين اللَّفظتين المنفيتين، حيث قال: "لا تحلّه الآفات، ولا تناله العاهات"[23].

"سلك، يسلك، له معنيان: أدخل، ومنه: اسْلُكْ يَدَكَ [القصص:32]، فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ [الزمر:21]. ومن سلوك الطَّريق".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس -رحمه الله- إلى أصلٍ يدلّ على نفوذ شيءٍ في شيءٍ، يُقال: سلكت الطريق، أسلكه، سلكت الشّيء في الشّيء، بمعنى: أنفذته[24]، يُقال: سلك اللهُ الطريقَ في الأرض، يسلكها، سلكًا، يعني: أنفذها فيها، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [الزخرف:10]، ويُقال: سلك الطريق، وسلك في الطَّريق، وبالطريق يسلك سلوكًا، يعني: دخل وذهب فيها، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا [نوح:20]، وكذلك في قوله –تعالى-: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا [النحل:69] يعني: النَّحل.

وهكذا يُقال: سلكه في كذا، أدخله، وأنفذه فيه، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر:42] يعني: ما الذي أدخلكم النار؟ وكذلك أيضًا في قوله: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200] فُسّر بأنَّ الوحي لا يدخل في قلوبهم إلا في حال كونهم مُستهزئين، ساخرين، مُستخفّين به.

وفي قوله –تعالى-: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:32]، فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [المؤمنون:27].

يُقال: سلكه الطَّريق، بمعنى: أنفذه، وأذهبه فيها، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ [الزمر:21] يعني: أنفذه ينابيع، ويقول الله –تعالى-: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن:17] يعني: يُنفذه ويُذهبه فيه.

وهكذا يُقال: سلك له بعثًا ورصدًا، بمعنى: أنفذه، فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:27]، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يعني: أدخلها، وهكذا.

"أسفار: جمع سَفَرٍ –بفتحتين-، وجمع سِفْرٍ، وهو الكتاب".

هذه المادة أرجعها ابنُ فارس -رحمه الله- إلى أصلٍ واحدٍ يدل على الانكشاف والجلاء[25].

والسَّفر عند ابن فارس قيل له ذلك؛ لأنَّ الناس ينكشفون عن أماكنهم وإقامتهم، لكن المشهور عند أهل العلم أنَّ السَّفر قيل له ذلك؛ لأنَّه يُسفر عن أخلاق الرِّجال، ويُقال: سفرت المرأةُ عن وجهها؛ إذا كشفته، وأسفر الصُّبح؛ وذلك انكشاف الظَّلام، ووجه مُسْفِرٌ؛ إذا كان مُشرقًا، مسرورًا، يُقال: وجه مُسفر وسَفِر، ويُقال للطَّعام الذي يُتَّخذ للمُسافر: سُفرة، والناس يقولون: سفري، نسبة إلى السَّفر، وفي اللغة يُقال له: سُفرة، وسُميت الجِلْدة أيضًا: سُفرة، ربما يكون ذلك له علاقة بما نُسميه اليوم بالسُّفرة التي يُوضع عليها الطَّعام ونحوه، والله أعلم.

والسّفر يُقال للانتقال المعروف، والسّفرة: الكتابة، والسّفرة: الكتبة، سُمّي بذلك لأنَّ الكتابة تُسفر عمَّا يُحتاج إليه من الشيء المكتوب.

هكذا فسّره ابنُ فارس[26] -رحمه الله-، فالسّفر يُقال لقطع المسافة التي في عُرف الناس تكون سفرًا: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184]، لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا [التوبة:42]، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف:62].

والسِّفر: الكتاب؛ لقوله -تبارك وتعالى-: يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5] شبّه اليهود بالحمار يحمل أسفارًا، يعني: جمع سِفرٍ، والكتاب قيل له ذلك -كما سبق- لأنَّه يُسفر عمَّا في داخله من المكتوب.

وسفر بين القوم، يسفر، سفرًا وسِفارةً؛ كشف ما بينهم من الوحشة، يعني: أنَّه أزالها؛ ليُصلح بينهم، ومنه السَّفير والسّفِر للرسول الـمُصلح.

والآن توسّع الناسُ في استعماله، فصار يُقال للمبعوث: سفير، الذي يُمثّل غيره.

والله -تبارك وتعالى- يقول: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس:15] قيل: لأنَّهم يَسفرون بين الله وخلقه من الأنبياء -عليهم السلام-، يعني: يأتونهم بالوحي، أو لأنَّهم ينزلون بالوحي الذي فيه الإصلاح بين الناس؛ لأنَّ السَّفير هو الـمُصلح، فَشُبِّهوا بالسُّفراء الذين يُصلحون بين الناس، فيصلح شأنهم.

وفُسّروا بالكتبة أيضًا -كما سبق-، قيل: الكتبة الذين يكتبون أعمالَ العباد من الملائكة -عليهم السلام-.

يُقال: سفر الصُّبح أسفر، بمعنى: أضاء، وسفر وجهه بمعنى: أنَّه أشرق حُسنًا، وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ [المدثر:34]، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ [عبس:38].

"ساح، يسيح، أي: سار، ومنه: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ [التوبة:2]، والسَّائحون: الصَّائمون".

هذه المادة يقول ابنُ فارس -رحمه الله- أنَّها ترجع إلى المادة التي قبلها، والمادة التي قبلها مما ذكره هو مادة: (السين والياء والباء: سيب)، فيقول: أنَّ أصل ذلك يدلّ على استمرار الشيء وذهابه[27]، يُقال: سيبت الدَّابة؛ تركتها حيث تشاء، والسَّائبة؛ العبد الذي يُسيّب من غير ولاءٍ، يضع ماله حيث شاء.

و(ساح في الأرض) يقول: إنَّه يرتبط بذلك المعنى، قال الله –تعالى-: فَسِيحُوا، فالسّيح هو الماء الجاري، يعني: الشّيء السَّائب الذي يسيب، والشّيء الذي ساح يسيح، فهذا المعنى عنده يرجع إلى شيءٍ واحدٍ.

لكن لو نظرنا إلى الاستعمالات في هذه المادة: ساح فلانٌ في الأرض سياحةً، بمعنى: ذهب ومرَّ حيث شاء، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وفي قوله –تعالى-: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ [التوبة:112] فُسّر بالصَّائمين؛ باعتبار أنَّ الصَّائم ينقطع عن شهواته، كما ينقطع السائحُ في الأرض للعبادة، يعني: هذا الذي يسيح في الأرض، بمعنى: أنَّه يذهب بعيدًا عن الناس للعبادة، نحن نقول: للتَّفكر، وهذا لم يُؤمر به في الشرع، إلا لمن كان عنده تردد في الإيمان، فيُقال له: سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا [النمل:69]، فينظر في عاقبة المكذّبين.

وأمَّا مَن كان يقينه ثابتًا، فهو لا يحتاج إلى أن يذهب إلى آثار المعذّبين لينظر إليها، بل نهى النبيُّ ﷺ عن دخول ديار المعذَّبين، كثمود، فقال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ لا يُصيبكم ما أصابهم[28]، فهذه الأماكن لا يُطلب مُقاربتها؛ خشية أن يقع بمَن حلَّها ما وقع بأولئك.

تصور الآن لو أنَّ الإنسان في ناحيةٍ يُقال: هذه النَّاحية وقع فيها زلزال هائل، فهلك أهلُها، ويحتمل في أي لحظةٍ أن يعود، فهل يأتي الإنسانُ ويبيت فيها؟ أو يأتي الناسُ من أجل الفُرجة والتَّنزه والتقاط الصور؟

لا، هم سيُسرعون، ويتهيؤون إذا قربوا منها: متى يجتازونها؟ وينتابهم ما ينتابهم من الخوف والذُّعر، أليس كذلك؟ وهكذا، فهذه أماكن عذاب؛ ولهذا بعض العلماء يقول: إنَّ وادي مُحسر أسرع فيه النبيُّ ﷺ، ويُشرع للحاجِّ أن يُسرع؛ لأنَّه الموضع الذي هلك فيه الفيل، مع أنَّ هذا لا يثبت من الناحية التاريخية، والله أعلم.

والقصد أنَّ هذه السياحة لم ترد بالمعنى الذي يُستعمل اليوم، وهو الذَّهاب للنُّزهة، وتطريب النفوس، والتَّوسع في الملاذِّ في بلاد الله الواسعة، والنَّظر إلى بهجة الدنيا، ونحو ذلك، فهذا خلاف المعنى المقصود للشَّارع.

فالذين فسَّروا السياحة بالانطلاق في الأرض، ذكروا معانٍ في العبادة: إمَّا للنظر في آيات الله في هذا العالم المشهود؛ من خلق الله -تبارك وتعالى- في العالم العلوي، أو في العالم السُّفلي من الجبال وغيرها، وما أوقعه الله بالمكذّبين والمعرضين والكافرين من الـمَثُلات، فيأتي إلى ديارهم، ويرى آثارهم، فيتَّعظ ويعتبر. فهذه هي السياحة التي ذُكرت، والجهاد في سبيل الله أو نحو ذلك.

وفُسّرت السياحة بالصّوم، وفُسّرت أيضًا بالهجرة في سبيل الله، أو بالعاملين بقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [الروم:9] يعني: للاعتبار -كما سبق-.

وقوله -تبارك وتعالى-: مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ [التحريم:5] هذه أوصاف لهؤلاء المؤمنات، فُسّر بالصَّائمات، وفُسّر بالمهاجرات.

ولم تأتِ السياحةُ قطّ في القرآن ولا في السُّنة بمعنى: السفر الذي لا يرضاه الله -تبارك وتعالى-، حيث يذهب إلى أماكن يرى فيها المنكر ظاهرًا، لا يستطيع أن يُغيره، بل ما ذهب لتغييره، ولا خطرَ ذلك في باله، وإنما يذهب إلى هذه الأماكن ليستمتع بالنَّظر إليها، وإلى مَن يردون ويفدون عليها، مما يكون بها من أنواع المنكرات: من الاختلاط، والتَّكشف، والتَّهتك، وقِلّة الحياء، وقِلّة الدِّين، ولا يستطيع أن يُغير شيئًا من ذلك، فهذا السَّفر حرام، لا يجوز، والذي يُسافر يكون عاصيًا بهذا، ونفقاته حرام، وذهابه بأهله وأولاده إلى تلك الأماكن أشدّ، فيألفون المنكر، وتتحرك نفوسُهم تجاه المنكر، ويكون ذلك إغراءً لهم بالمنكر والشَّر، ويرجعون يحملون أثرَ ذلك معهم، فتكون تلك ثقافةً؛ فتهون عليهم رؤية التَّهتك والمنكرات، ثم ما يلبث أن يكون ذلك فيهم، وهذا شيء مُشاهد.

ومَن اعتادوا السَّفر والذَّهاب هنا وهناك في بلادٍ قد نُزع من أهلها الحياء، إلا مَن رحم الله ، وظهرت وفشت فيها أنواع المنكرات؛ فإنَّ هؤلاء يتأثَّرون ولا بدَّ.

وانظر في المطارات إلى قومٍ قد جاءوا من العُمرة أو من الحجِّ عند سير الأمتعة، وانظر إلى الذين جاءوا من تلك البلاد التي يُشاهدون فيها ما لا يحلّ، سترى الفرق واضحًا على هؤلاء، وعلى مَن معهم من أولادهم وبناتهم، لا تُخطئه العين.

وبعضهم يقول: نُسافر إلى بلادٍ إسلاميةٍ سياحةً إسلاميةً! لا يوجد شيء من هذا اسمه: سياحة إسلامية؛ لأنَّ السياحة بمعنى: الجهاد أو الهجرة، أو نحو ذلك من المعاني التي سبقت، وأمَّا السفر إلى هذه البلاد التي يقولون عنها: بلادًا إسلامية، فهم يُشاهدون فيها أنواع المنكرات التي لا يستطيعون تغييرها، ولم يخطر ذلك في بالهم أصلًا، فما هذه السياحة الإسلامية التي يقولون؟! هم يذهبون إلى التَّنزه، فيرون أنواع المنكرات، يرونها في المطارات، ويرونها في الأسواق، ويرونها في المنتجعات، وفي كل مكانٍ مما قد لا يراه كثيرٌ من أهل تلك البلاد من الصَّالحين؛ لأنَّ أهل تلك البلاد يتوقَّون الذَّهاب إلى بعض الأماكن؛ لأنَّها أماكن للسّواح، وأماكن مُنكرات، فلا يذهبون إليها.

وتجد مَن يغترب ويُسافر، وقد يكون فيه خيرٌ وصلاحٌ يذهب إلى أماكن وبؤر يستغرب أولئك منها، ولو قيل لأحدهم: دُلَّني على المكان هذا، أو اذهب معي إليه، لقال: معاذ الله، نحن لا نأتي إلى هذه الأماكن، ولا نرضى لأنفسنا ولا لأهلنا أن يأتوا إليها. وهذا يذهب إليها ويُسافر آلاف الأميال، ويبذل الأموال، ويفتخر، ويرجع ويتحدث: قضينا الإجازة الفلانية في المكان الفلاني، ورأينا كذا، ويبعث بالصّور أولًا بأولٍ؛ ليُشاركه غيرُه بهذه المشاهد التي شاهدها، هذا لا يجوز، وينبغي أن يُعلّم الناسُ هذا، ولا يُقتدى ببعض الناس الذين ربما ينتسب أحدُهم إلى دعوةٍ، أو إلى علمٍ، ويذهب ويحتجّ الناسُ به: وأنَّهم رأوه في السوق، أو رأوه في المنتجع الفلاني. هؤلاء ليسوا قدوةً في هذا، ولا يُعتبر بهم، وربما ينشرون صورهم، ولا يستترون بهذا الفعل، فمثل هذا لا يجوز، ويكون من قبيل التَّبجح بالمعصية، والإعلان بها: كل أُمّتي مُعافًى إلا المجاهرين[29].

"سوّل -بتشديد الواو-: زيَّن، ومنه: سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف:18]".

هذه المادة -ولعلنا نختم بها- يقول ابنُ فارس -رحمه الله-: أنَّها تدلّ على استرخاءٍ في شيءٍ[30]، يُقال: سَوِلَ، يَسْوَل، سولًا؛ استرخاء، يقول: فأمَّا قولهم: (سوّلت له الشيء) إذا زيّنته له. هذا يمكن أن يكون بمعنى: أعطيته سُؤله، على أن تكون الهمزةُ مُلينةً من السؤل، يعني: مُسهلة.

لكن أصل المادة عند ابن فارس: أنَّها من (السين والواو واللام)، يُقال: سوّلت له نفسُه كذا، زيّنته وحبّبته إليه ليفعله، أو ليقوله: الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25]، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا يعني: زيّنت لكم أنفسُكم أمرًا، وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [طه:96] يعني: زيّنت لي.

نكتفي بهذا، والله أعلم.

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

  1. "مقاييس اللغة" (3/125).
  2. "مقاييس اللغة" (3/120).
  3. "مقاييس اللغة" (3/154).
  4. "مقاييس اللغة" (3/144).
  5. "مقاييس اللغة" (3/144).
  6. "مقاييس اللغة" (3/95).
  7. هو في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" لابن عبدالبرّ (1/118) من قول عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ولفظه: "ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن".
  8. "تفسير ابن كثير" ت: سلامة (5/73).
  9. "مقاييس اللغة" (3/118).
  10. "مقاييس اللغة" (3/118).
  11. "مقاييس اللغة" (3/95).
  12. "مقاييس اللغة" (3/96).
  13. "مقاييس اللغة" (3/68).
  14. "مقاييس اللغة" (3/152).
  15. "مقاييس اللغة" (3/153).
  16. "مقاييس اللغة" (3/153).
  17. "مقاييس اللغة" (3/113).
  18. "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي (9/376).
  19. "تفسير الطبري = جامع البيان" ت: شاكر (19/154).
  20. "مقاييس اللغة" (3/103).
  21. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب يهوي بالتَّكبير حين يسجد، برقم (804)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، برقم (675).
  22. "مقاييس اللغة" (6/111).
  23. "تفسير الطبري = جامع البيان" ت: شاكر (5/393).
  24. "مقاييس اللغة" (3/97).
  25. "مقاييس اللغة" (3/82).
  26. "مقاييس اللغة" (3/82).
  27. "مقاييس اللغة" (3/119).
  28. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، برقم (433)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، برقم (2980).
  29. متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، برقم (6069)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب النَّهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، برقم (2990).
  30. "مقاييس اللغة" (3/118).

مواد ذات صلة