تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 01 / ربيع الآخر / 1440 - 09 / ديسمبر 2018
(003-ب) من قوله تعالى "وقودها الناس والحجارة " إلى قوله "ثم يميتكم ثم إليه ترجعون"
تاريخ النشر: ٠٤ / محرّم / ١٤٣٧
التحميل: 1860
مرات الإستماع: 1980

"فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ۝ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ۝ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۝ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:24-28].

وَقُودُهَا حطبها. الْحِجارَةُ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدّة حرها وقبح رائحتها[1]".

القول بأن هذه الحجارة هي حجارة الكبريت هو قول أكثر المفسرين من السلف فمن بعدهم كما قال ابن رجب -رحمه الله-[2]، وهو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير[3]، والحافظ ابن كثير[4]، وممن قال به من السلف: ابن عباس -رضي الله عنهما- وابن جريج والسُّدي[5]، وغير هؤلاء كثير، حجارة الكبريت يقولون فيها خمسة أنواع من العذاب لا توجد في غيرها من الأحجار:

الأول: نتن الرائحة. رائحتها سيئة جدًا.

الثاني: سرعة الإيقاد.

الثالث: كثرة الدخان.

الرابع: شدة الالتصاق بالأبدان.

الخامس: قوة حرها إذا أُحميت.

وهنا أشار إلى ثلاثة أشياء: سرعة الاتقاد، وشدة الحر، وقُبح الرائحة.

"وقيل: الحجارة المعبودة".

الحجارة المعبودة من دون الله ، أي: الأصنام، وهذا يشهد له قوله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]، وهذا مروي عن الربيع بن أنس، ولا يبعد أن يقال: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ حجارة الكبريت؛ لشدة العذاب، وينضاف إلى ذلك المعبودات فإن ذلك يكون نكاية بعابديها حينما تُلقى معهم في النار ويكون ذلك ألمًا لنفوسهم حينما يرى معبوده معه في النار حيث لا يغني عنه شيئًا فيُخذل بذلك.

"وقيل: الحجارة على الإطلاق".

وهذا بعيد.

أُعِدَّتْ دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافًا لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك الجنة.

وهذا غير صحيح، الله قال عن قوم نوح: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح:25]، والنبي ﷺ رأى النار، ورأى أقوامًا يُعذبون كما رأى عمرو بن لحي الخزاعي -وهو أول من غير دين إبراهيم  - يجر قُصْبَه في النار[6].

فالنار موجودة، وقوله: أُعِدَّتْ هذا أبلغ من جعلت؛ لأن الإعداد يدل على عناية بالمعد، كذلك الجنة موجودة ومخلوقة الآن.

وقال ﷺ: اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير[7].

وهذا يدل على أنها موجودة، وهذا من أثرها.

ولما سمع النبي ﷺ وجبة قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن، حتى انتهى إلى قعرها[8].

وقال أبو هريرة : بينا نحن عند رسول الله ﷺ، إذ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله[9].

وعنه : أن النبي ﷺ قال لبلال: عند صلاة الفجر يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي[10].

إلى غير ذلك من الأدلة.

وَبَشِّرِ يحتمل أن تكون خطابًا للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أو خطابًا لكل أحد، ورجّح الزمخشري هذا لأنه أفخم".

أن يكون خطابًا لكل أحد، (بَشِّرِ) فيكون أفخم بهذا الاعتبار، باعتبار أن هذا أمر متحقق لا يتوقف على تبشير الرسول ﷺ، وإنما كل أحد يُبشر من كان بهذه الصفة، وبهذه المثابة من أهل الإيمان والعمل الصالح، من كان كذلك فبشره بما ذُكر. 

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، دليل على أن الإيمان خلاف العمل لعطفه عليه، خلافًا لمن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل.

هذا الكلام غير صحيح، والإيمان لا شك أنه اعتقاد وعمل، قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، والنبي ﷺ يقول: الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق[11]، والله  قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، فالعمل من جملة الإيمان، هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، الذي يقول المؤلف: خلافًا لمن قال: الإيمان: اعتقاد وقول وعمل. هذا قول السلف قاطبة، وأما جعل العمل خارج الإيمان فهذا قول المرجئة.

"وفيه دليل على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال، خلافًا للمرجئة".

يقول: خلافًا للمرجئة. مع أن الذي قاله هو قول المرجئة، لكن المرجئة طوائف: فمنهم من يقول: إن العمل ليس من الإيمان، لا يدخل في مسمى الإيمان، ولكن يحصل به التفاضل والتفاوت بين الناس في مراتب العبودية وفي الثواب والأجر عند الله -تبارك وتعالى- فهذا قول لمرجئة الفقهاء كما يقال، يقولون: لا يدخل في مسمى الإيمان لكن يحصل به التفاضل.

أما الغلاة من المرجئة فهم الذين يقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فيقولون: بأن أفجر الأمة إيمانه كإيمان جبريل هذا قول الغلاة، ولكن مسألة تفاضل الإيمان أيضًا عند هؤلاء الطوائف، كثير منهم يقولون: بأنه لا يتفاوت ولا يتفاضل، وإنما يتفاضل بحسب متعلقاته من الطاعات والأعمال الصالحة، والقضايا التي يؤمن بها الإنسان. فيحصل التفاوت بحسب المتعلقات، والواقع أنه يتفاضل ويتفاوت والنصوص في الكتاب والسنة الدالة على زيادة الإيمان كثيرة ومعلومة.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، أي: تحت أشجارها وتحت مبانيها، وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل وهكذا تفسيره حيث وقع، وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود.

هذا جاء عن مسروق بن الأجدع -رحمه الله-: أنها تجري في غير أخدود[12]. لكن تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ: تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار.

مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا (من) الأولى: للغاية أو للتبعيض أو لبيان الجنس، و(من) الثانية: لبيان الجنس.

لاحظ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا، للغاية يعني لابتداء الغاية، يعني كلما رزقوا ثمرة مبتدأة منها، من أين جاءت هذه الثمرة؟ من الجنة، هذا معنى للغاية، أو للتبعيض منها: يعني من ثمرها، بعض ثمار الجنة.

أو لبيان الجنس كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا، من ثمرة، فتكون بيانية يعني ليس من غيرها، ومن الثانية لبيان الجنس مِنْ ثَمَرَةٍ فهذه لبيان الجنس يعني من ثمرة، ليس من زوجة مثلًا، أو من قصر، أو أرائك، وإنما مِنْ ثَمَرَةٍ فتكون لبيان الجنس. 

مِنْ قَبْلُ أي: في الدنيا، بدليل قولهم: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]، أي: في الدنيا، فإن ثمر الجنة أجناس ثمر الدنيا، وإن كانت خيرًا منها في المطعم والمنظر".

هنا الاستدلال بهذه الآية إِنَّا كُنَّا قَبْلُ هذه الآية لا علاقة لها بالآية التي هنا في سورة البقرة مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، فهذه في ثمار الجنة ورزق الجنة، وهذه إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]، لكن هذا يكون من قبيل تفسير السياق بالسياق، يعني يفسر سياقًا بسياق ولكن السياق هذا في موضوع، وهذا في موضوع آخر، لكن هذا نظير هذا، مثل وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] كما سيأتي، فما المعنى؟

مسألتنا حطة، أن تحط عنا خطايانا، هذا قد يكون مشكلًا بالنسبة للسامع وَقُولُوا حِطَّةٌ ما المعنى؟

فيمكن أن يُفسر له بقوله مثلًا: قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [الأعراف:164]، لما قيل: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [الأعراف:164].

هنا المعنى واضح معذرة: أي موعظتنا معذرة؛ من أجل الإعذار، هذا واضح، فهذا مثل: وَقُولُوا حِطَّةٌ، وإن كان هذا موضوع وهذا موضوع آخر يختلف تمامًا لكن من أجل أن يتبين لك المعنى في السياق، هذا تفسير سياق بسياق وهذا له نظائر، فهذا من الأمثلة: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ.

قبل متى؟ في الدنيا، لكن قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ليس هذا بالضرورة، والمسألة فيها خلاف معروف، قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ أي في الجنة، والخلاف في هذا أيضًا قد جرى في قوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا، ويتضح هذا -إن شاء الله- في الكلام على هذه الجملة.

وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا، أي: يشبه ثمر الدنيا في جنسه.

هنا قوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا: أي يشبه ثمر الدنيا في جنسه. فهذا يتفق مع قوله: مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا. فهذا احتمال على كل حال.

بعضهم يقول: متشابهًا يعني كله طيب خيار ليس كثمر الدنيا. ثمر الدنيا يتفاوت في جودته، فثمر الجنة هو على أكمل الحالات، ليس فيه رديء وجيد.

وأما القول بأن ذلك وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا: يعني يشبه ثمر الدنيا في جنسه، يعني هذا عنب، وهذا رمان، وهذا تفاح، وهذا برتقال، وهذا كذا، فهذه معلومة لكن الذي في الجنة هو من هذا الجنس لكن يختلف تمامًا في حقيقته وكنهه وطعمه. وهذا القول اختاره كبير المفسرين: أبو جعفر بن جرير الطبري[13]، أنه يشبه ثمر الدنيا في الجنس، لكن في حقيقته وفي طعمه يختلف، واحتج لهذا القول قال: لو كان كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، يشبه الذي أُوتوه في الجنة قبله لكان أول مرة يعني أو ما قُدم لهم منه لا يصدق هذا.

أي يقول: لو كان على القول الآخر وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، يعني: يشبه الذي أوتوه في الجنة قبله، أن ثمر الجنة يشبه بعضه بعضًا، فالذي يؤتونه الآن يشبه الذي قبله، الذي كان قبل ساعة أو نحو ذلك، يقول: لو كان كذلك فأول شيء قُدم لهم منه أول ما دخلوا الجنة يشبه ماذا؟ ما الذي قبله؟ هذا أول ما أُعطي لهم في الجنة من الثمر، أول ما رأوا من ثمر الجنة، يشبه ماذا إذن؟ لو كان يشبه بعضه بعضًا في الجنة، يشبه ثمر الجنة، لكن يتجدد في الطعم والجودة، كله في منتهى الجودة، لكن في طعمه ومذاقه، لكن يمكن أن يُجاب عن هذا بأن يقال: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا أنهم حينما يكون ذلك بعد الأول الذي يعطونه الباقي يحصل فيه فيصدق عليه مثل هذا الوصف، يتشابه، لكن هذا القول: بأنه يشبه ثمر الدنيا.

هذا الذي اختاره ابن جرير، وأيضًا مروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وجمع من السلف: كقتادة، ومجاهد، علي بن زيد، والسُدي، وابن زيد[14]، يقولون: يشبه ثمر الدنيا في جنسه.

"وقيل: يشبه بعضه بعضًا في المنظر ويختلف في المطعم".

يشبه بعضه بعضًا في المنظر يعني يشبه الذي في الجنة، الذي في الجنة يتشابه، كل ما قُدم لهم ثمر قالوا: هذا الذي قُدم لنا وأعطي لنا قبله.

فإذا ذاقوه وجدوا الطعم يختلف، ولذلك في الجنة لا يوجد فيها سآمة وملل، الإنسان حينما يكون عنده أطعمة ولو كانت فاخرة وجيدة بعد مدة يمل، وانظروا إلى بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم في التيه المن والسلوى وهو من أجود ما يكون وبلا مؤنة ولا تعب، ومع ذلك قالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61].

يعني: استبدلوا المن والسلوى بالثوم أو الفوم والعدس والبصل، فملوا وسئموا مع أنه ليس بطعام واحد، هو متنوع: مَن وسلوى، ومع ذلك سئموه لكن هو باعتبار أنه لا يتغير، عبروا عنه بهذا لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، وإن كان يتكون من أنواع، فعلى كل حال القول: بأنه يشبه بعضه بعضًا في المنظر. هذا منقول عن بعض السلف أيضًا، يعني يشبه الذي في الجنة قبله، يحيى بن أبي كثير، وعن أبي العالية، لكن الأكثر على الأول: أنه يشبه الذي كان في الدنيا.

الذين يقولون: يشبه بعضه بعضًا في ثمر الجنة. يحتجون لهذا بجملة أمور: منها:

أولًا: أن المشابهة بين ثمر الجنة أعظم من المشابهة بين ثمر الجنة وثمر الدنيا، فالمشابهة تدل على المقاربة والمشاكلة، وإن كان هذا ليس بلازم، فإن المشابهة تدل على اشتراك في بعض الأوصاف، فقد يكون الاشتراك في الصورة، يعني على القول الأول، يمكن أن يعترضوا بهذا الاعتراض.

ثانيًا: أن ما ذُكر من ثمر الجنة إذا نُزع منه شيء ظهر مثله مكانه.

وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، هذا يُروى أن ثمر الجنة، كل ما نزع منه ثمرة خرج مكانها ثمرة مثلها، قالوا: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا؛ لأن ذلك لا يفنى.

ثالثًا: قالوا: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا هذا كالتعليل لقولهم.

يعني قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل. لماذا قالوا هذا؟ لأنهم أتوا به متشابهًا. هذا الذي رزقنا من قبل يعني في الجنة أعطينا، لماذا؟ لأنه كان متشابهًا، فلما ذاقوه وجدوا الاختلاف في طعومه.

رابعًا: أن ليس كل ما في الجنة رزقوه في الدنيا، يعني يوجد في الجنة ثمار لا توجد في الدنيا، فقالوا: لو كان يشبه الذي في الدنيا وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا؛ فإن ما في الجنة من الثمار أعظم مما في الدنيا وأكثر، فهل كل ما في الجنة من الثمار يكون مشاكلًا لما في الدنيا من حيث الصورة بخلاف الحقيقة والكنه والطعم؟، أو أنه يوجد في الجنة ثمار متنوعة لا توجد في الدنيا؟ فهو يشبه بعضه بعضًا يعني الذي في الجنة وليس يشبه الذي في الدنيا؛ لأنه في الجنة أشياء لا يوجد لها نظير أصلًا في الدنيا، يوجد ثمار لا نظير في الدنيا حتى تشبهها حتى في الصورة.

فهذه أربعة أوجه يحتج بها من يقول وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، أي: يشبه الذي أعطوه في الجنة. وتلاحظون أن القولين: كل قول له وجه، والآية تحتمل هذا وهذا، كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا، لكن هذا القول يقتضي أنه كلما يعني هذا في التكرار، ويدل على العموم، أن كل هذه الثمار التي يعطونها يقولون: هذا الذي رزقنا في الدنيا. يعني معناها أنه في صوره مثل الذي في الدنيا، فالقول الآخر: أنه يشبه بعضه بعضًا في الجنة. هذا أبلغ في النعيم، من جهتين:

الأولى: أنه في الجنة ثمار كثيرة لا توجد في الدنيا. لا توجد لها صورة أصلًا أو نظير أو مسمى في الدنيا، هذا أبلغ من هذه الناحية.

الثانية: أنه إذا كان الذي في الجنة يؤتون بألوان الثمار التي في صورة لربما واحدة يقولون: هذا الذي أوتينا من قبل: رزقنا من قبل. والطعوم تختلف، فهذا أبلغ في النعيم، فكما أن جمالهم يتجدد فكذلك أيضًا هذه الطعوم تتجدد، فالجنة من نعيمها وهو مما ينفي السآمة عن أهلها، فإن النعيم حينما يؤلف فإن ذلك يكون مؤذنًا بالملل والسآمة منه كما هو معلوم في الدنيا، مهما يسكن الإنسان من الدور والقصور فإنه إذا ألفها وبقي مدة فيها سئمها ولم تعد تلفت نظره أو تستدعي نظره، وهكذا المناظر الجميلة ونحو ذلك، يذهب الإنسان إلى مكان جميل أخضر، ويفرح به ساعات، وقل إن شئت أيامًا ولكن الذين يسكنون في هذا المكان، ولدوا فيه لا يلفت نظرهم شيء بل أحيانًا يبحثون عن الصحراء الجرداء التي ليس فيها شيء، فإذا رأوها هالتهم وأعجبوا فيها غاية الإعجاب، ويتعنون إليها لربما من آلاف الأميال يستمتعون بذلك، وهكذا، الذي لا يجد اللحم لربما كانت رائحته تفعل فعلها في نفسه، والذي اللحم على موائد صباح مساء يزهد فيه ويعرض عنه ولا يكاد يطعم منه شيئًا، هذا مشاهد، والإنسان يمل النعيم، فالقول -والله أعلم-: بأنه يشبه بعضه بعضًا يعني الذي في الجنة أبلغ في النعيم. من كونه يشبه الذي كان في الدنيا.

والضمير المجرور يعود على المرزوق الذي يدل عليه المعنى.

يعني: وَأُتُوا بِهِ الضمير المجرور (به) الهاء، يرجع إلى ماذا؟ يعود على المرزوق الذي يدل عليه المعنى، يدل عليه المعنى بمعنى أنه يُفهم من السياق، المرزوق كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ، الضمير مذكر هنا، ما هو؟ المرزوق، يفهم من السياق، بل قد يأتي الضمير يرجع إلى غير مذكور أصلًا لكن يُفهم من السياق، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله -تبارك وتعالى- على أحد المعنيين: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32]، يعني: الشمس، والقول الآخر: أنها الخيل. يكون مذكورًا، هنا إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1]، أنزلناه ما هو؟ القرآن، هل هو مذكور؟ الجواب: لا، لكنه معلوم من السياق.

مُطَهَّرَةٌ من الحيض وأقذار النساء وسائر الأقذار التي لا تختص بالنساء كالبول وغيره، ويحتمل أن يريد طهارة الطيب وطيب الأخلاق.

هنا حذف المتعَلق الذي تحدثنا عنه، يُحمل على أعم معانيه، يعني العموم المناسب، مُطَهَّرَةٌ فهنا لم يقل: مطهرة مما يختص بالنساء من المستقذرات: كالحيض والنفاس، أو مما لا يختص بهن: كالبول ونحوه، وكذلك أيضًا لم يخص ذلك بالنجاسات المحسوسة والمستقذرات الحسية فيدخل في ذلك الأمور المعنوية، فيُحمل على أعم معانيه، وتكون مطهرة من الحيض والنفاس، ومطهرة أيضًا من البصاق والبول وكل المستقذرات، وقد ذكر بعض أهل العلم تزهيدًا في العشق، والتعلق بغير الله  يكون هذا الرأس الذي هو أشرف جزء القذى والأذى والقذر يخرج من خمسة مواضع منه، هذا بالإضافة إلى ما يكون من الشعث في الشعر، وما يكون فيه من الأذى أيضًا، والعرق ونحو ذلك، والرائحة، أما سائر البدن فحدث ولا حرج، وأما ما يحمله في أحشائه فذلك يجل عن الوصف، فكيف يُتعلق بمن كان بهذه المثابة ويتغنى، كما يقول الشاعر:

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي عبدها

وهي تحمل في أحشائها ما قد عُلم، لو نظر إليها وما يسيل من أنفها وأذنها وعينها، إلى غير ذلك، وإذا ذهبت إلى الخلاء فإن ذلك يزهد في الدنيا وأهلها بأسرها، لكن هذه فطر وغرائز جعلها الله  في الخلق، ومن سنن الأنبياء والمرسلين النكاح، وإلا لزهد الإنسان في الدنيا وفي النساء وفي كل ما فيها، لكن هذا يوجه ويقال لأولئك الذين يتعلقون ويبحثون هنا وهناك وصرف حياته وهمته كلها من أجل طلب هذه المتع بالحرام، أو لربما الحلال لكن بصورة مبالغ فيها، كأن حياته قد قُصرت على هذا النوع من اللذات والمتع، يقال له: تفكر وتبصر الأمر دون ذلك.

و مُطَهَّرَةٌ أيضًا فيما يتعلق ببذاءات اللسان، والنظر إلى غير الزوج، فهي عفيفة طاهرة لا تتطلع إلى غير زوجها، وليس في قلبها من الغل والحقد والحسد ومساوئ الأخلاق، فقد تكون المرأة في غاية الجمال في الصورة الظاهرة، ولكن يصدر من لسانها عبارات بذيئة، وفي قلبها من أنواع الآفات: فهي حقودة، أو حسودة، تحمل الغل، ضيقة العَطَن، ضيقة النفس، كلمة تذهب بها وتحولها إلى شيء آخر، تسيء الظن بالآخرين، تحملهم على أسوأ المحامل، لا تفوت شيئًا، شديدة الغضب، غير مواتية لا تُؤلف ولا تألف، متكبرة، تحتقر الناس، هذه كلها آفات، قد تكون جميلة لكنها سيئة الظن، حساسة جدًا، تحمل الأمور على أسوأ المحامل لأتفه الأسباب، تضيق بزوجها وتغضب، فهذه آفات تُزهد فيها، ولربما لا يستطيع أن يعاشرها وأن تستمر هذه العشرة فيطلق، لا تحتمل، أما في الجنة مُطَهَّرَةٌ، ظاهرًا وباطنًا، صورة ومعنى، غاية الجمال في الظاهر وغاية الجمال في الباطن، نظيفة، نقية، لسانها نظيف عف، عين نظيفة، قلب نظيف، فهذا الذي ينبغي أن تتوجه الهمم إلى طلبه.

لا يَسْتَحْيِي، تأول قوم أن معناه لا يترك، لأنهم زعموا أن الحياء مستحيل على الله لأنه عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر، وليس كذلك وإنما هو كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب، ويرد عليهم قوله ﷺ: إنّ الله حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا[15].

هنا المؤلف -رحمه الله- أثبت صفة الحياء، مع أن الكثير من المتكلمين لا يثبتونها، وهذا كما قلت لكم من قبل: بأن المؤلف لا يطرد على طريقة واحدة في الإثبات أو التأويل، فهو يثبت بعض ما يُنكره الأشاعرة، ويؤول بعض الصفات، فهو يرد هنا على الذين تأولوا الحياء ففسروه بلازمه بمعنى ترك ما لا يليق وما لا يحسن، هذا من لوازم الحياء؛ لأنه لا يأتي إلا بخير كما قال النبي ﷺ فيترك ما لا يليق حياء، لكن هؤلاء قالوا: الحياء لا يليق بالله  باعتبار أنه انكسار.

وهذا بالنسبة للمخلوقين، أما الله -تبارك وتعالى- فإنه يتصف بالحياء ولكن على ما يليق بجلاله وعظمته إن الله حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا.

أَنْ يَضْرِبَ، سبب الآية أنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت، عاب الكفار على ذلك[16].

عاب الكفار ذلك يعني اعترضوا كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن الله ذكر آلهة المشركين فقال: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج:73]، وذكر كيد الآلهة فجعلهم كبيت العنكبوت، حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد ﷺ، يعني باعتبار أنه منزل على دعواه وبحسب زعمه، وهم لا يعتقدون ذلك، قالوا: أي شيء يُصنع بهذا؟ يعني ما الفائدة من ضرب الأمثال بهذه التوافه: العنكبوت، والذباب، فأنزل الله هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا[17].

لكن هذه الرواية لا تصح من جهة الإسناد في سبب النزول، لكن ذكرته فقط من أجل بيان وجه قول المؤلف، قول المؤلف: بأنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت عاب الكفار ذلك. هذه الرواية التي يشير إليها، وهذه الرواية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- جاء نحوها عن جمع من السلف: كقتادة والحسن، وإسماعيل بن أبي خالد، هذه روايات مراسيل في سبب النزول.

وقيل: المثلين المتقدّمين في المنافقين تكلموا في ذلك فنزلت الآية ردًّا عليهم[18].

المثلين المتقدمين: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة:17]، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:19]، وهذا أيضًا جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما ضرب الله المثلين للمنافقين قالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب المثل. فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً، وهذا أضعف من الذي قبله، لا يثبت بحال، وجاء نحوه عن السُّدي، وإنما ذكرت هذا والذي قبله في سبب النزول مع أنه لا يصح من أجل بيان وجه ما أورده المؤلف. 

مَثَلًا ما بَعُوضَةً، إعراب بعوضة مفعول بـ (يضرب).

إعراب بعوضة مفعول بـ (يضرب) يعني يضرب بعوضة حال كونها مثلًا، (مثلًا): تكون حال، يضرب بعوضة، يضربها ماذا؟ مثلًا.   

 ومثلًا حال، أو: مثلًا مفعول، وبعوضة بدل منه أو عطف بيان.

أن يضرب مثلًا، فبعوضة تكون بدل أو عطف بيان

أو هما مفعولان بـ (يضرب)؛ لأنها على هذا المعنى تتعدّى إلى مفعولين، وما صفة للنكرة أو زائدة.

يعني: مفعول أول، ومفعول ثان، يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً وتكون (ما) صفة للنكرة، أو زائدة، زائدة يعني إعرابًا، أن يضرب مثلًا بعوضة، هذه احتمالات على كل حال في الإعراب. 

فَما فَوْقَها في الكبر، وقيل: في الصغر، والأول أصح.

فَمَا فَوْقَهَا، في الكبر يعني أكبر منها باعتبار أن البعوضة ضُرب بها المثل باعتبار الصغر، أنها صغيرة لا شأن لها، ويحتمل أن يكون في الصغر، يعني: فَمَا فَوْقَهَا أصغر منها.

والعلماء من السلف فمن بعدهم: منهم من فسرها بالأول، ومنهم من فسرها بالثاني، فَمَا فَوْقَهَا يعني: في الصغر يعني أصغر منها، أو أكبر منها، ويمكن أن تحمل الآية -والله أعلم- على المعنيين، فإذا قال قائل ذلك لم يكن بعيدًا، أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا بالبعوضة، أو بما هو أصغر من البعوضة، أو بما هو أكبر من البعوضة، فالله يضرب الأمثال بما شاء، ليس لأحد أن يستدرك عليه، وله في ذلك الحكمة البالغة.

أما ما يقوله من يدعي أن في الآية من الإعجاز العلمي. فهذا باطل لا أساس له، ولم يقل به أحد من السلف، ولم يخطر لهم على بال، ولا يمكن أن يخاطب الناس إلا بما يعهدون، فَمَا فَوْقَهَا، فمنهم من يزعم: إن المعنى فَمَا فَوْقَهَا، أنه يوجد حشرة صغيرة فوق ظهر البعوضة لا تُرى إلا بالمجهر، فهذه غير مرئية لهم، ولا يخاطب هؤلاء بما لا يكون معلومًا ولا يشعرون به بحال من الأحوال ولا يخطر لهم في بال، ولا يرد على الأذهان أصلًا، هذا لا يمكن أن يأتي مخاطبًا به؛ لأن المقصود هو البيان والإيضاح وهذا لا يحصل به البيان، ثم أيضًا هذا يعود إلى أقوال السلف بالإبطال، يعني إذا اختلفوا على معنيين فَمَا فَوْقَهَا يعني: أصغر أو أكبر، هذا يقول: لا أصغر ولا أكبر.

فإنما فوقها يعني فوق ظهرها، الفوقية بمعنى العلو والظهور، هناك شيء يوجد فوق ظهر البعوضة، فهذا يعود إلى أقوالهم بالإبطال معناها أن الأمة من عهد الصحابة  إلى عصرنا هذا لم يفهموا الآية على وجهها الصحيح، وأخطأوا في فهمها. ونسبة الجهل إلى الأمة من الصحابة فمن بعدهم هذا إزراء بهم، إزراء بالأمة، إزراء بالصحابة، إزراء بأعلم الأمة، الأمة تفهم الآية غلط حتى يأتي هؤلاء ويقولون: نحن الذين فهمنا الآية، هذه فيها إعجاز علمي، يوجد حشرة صغيرة فوق ظهر البعوضة!.

الواقع أن هذا مضحك ومبكي في نفس الوقت، فهذا لا يخطر على بال، وكذلك قول من قال: بأن الآية ضرب المثل بالبعوضة باعتبار أن البعوضة فيها أشياء. فذكروا أعين البعوضة، وذكروا خرطوم البعوضة الذي تمتص به الدماء وكيف أنها تفرز مادة مخدرة بحيث لا يشعر الإنسان وتغرز هذا الخرطوم في جلده وهو لا يشعر، وذكروا أشياء فيها يخيل إليك أن هذه البعوضة كأنها طائرة أباتشي تمامًا أو أعظم منها، بينما العرب تضرب المثال بالصغر أو الحقارة بالذرة والبعوضة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء[19].

أنا أدعو هؤلاء الذين يدعون الإعجاز العلمي في مثل هذه الأشياء، ويتكلمون بلا علم، أنا أقول لهم: إذن ادرسوا جناح البعوضة لعله فيه أيضًا من الخصائص العظمى، والأشياء الهائلة التي يمكن منه الثروات والبترول، واليورانيوم، والذهب، والفضة.

يا أخي، لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، والبعوضة حقيرة لا قيمة لها، فهؤلاء يضخمون البعوضة، ويقولون: ضُرب المثل بالبعوضة؛ لأنها شيء عظيم.

لو كان كما يقولون لم يرد: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا؛ لأنه شيء هائل على دعواهم وزعمهم، فهذا في الواقع يعود على الضرر، ضرر يضرون الإسلام، ويضرون القرآن من حيث أرادوا النفع والإحسان والدعوة وإبراز عظمة القرآن، ولكنها لا تكون بمثل هذه المزاعم والأباطيل، فهذه الأمثلة التي يذكرونها ويقولون فيها إعجاز ونحو ذلك، هذه الكلام يحتاج إلى تحرير؛ لئلا يُضاف إلى القرآن ما ليس منه، ولا يُحمل كلام الله على معان غير مرادة، ولا تُجهّل الأمة وسلف الأمة ويقال: إنهم فهموا الآية على غير مراد الله حتى جئنا وفهمنا نحن.

هذا في حد ذاته هو من أنكر المنكر، ومن أعظم الباطل، كيف يُجهّل سلف الأمة، ويقولون: نحن الذين فهمنا، ومن هم الذين فهموا؟! صيادلة وأطباء وتخصصات رياضيات أو كيمياء أو فيزياء -مع احترامي للجميع- لكن هؤلاء ليسوا علماء بالتفسير، فكيف يقولون: السلف ما فهموا الآية. وهم أعلم الناس بالقرآن ومعانيه وتفسيره، هذا لا يليق، والله المستعان.

فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ رَبِّهِمْ، أن الله ما ضربه إلا لحكمة ولمعنى عظيم، أما هؤلاء الكفار فإنه يستنكفون ويعترضون على أصل ضرب المثل؛ لأنهم لا يؤمنون أن القرآن كلام الله ، يقولون: اختلقه.

يقولون: لا يُتصور أن الله يضرب الأمثال بهذه الأشياء، فالله أجل وأعظم من أن يضرب المثل بها، لكن أهل الإيمان يقبلون عن الله ، ويعلمون أن ذلك ما قاله الله إلا لحكمة.

لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء؛ ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمة: وضرب أمثال، وبيان للناس؛ ولأن الصادق جاء بها من عند الله.

ماذا أَرادَ اللَّهُ، لفظه الاستفهام، ومعناه الاستبعاد، والاستهزاء، والتكذيب، وفي إعراب "ماذا" وجهان: أن تكون (ما) مبتدأ، (وذا) خبره وهي موصولة.

يعني: ماذا، ذا موصولة، يعني: ما الذي أراد الله.

وأن تكون كلمة مركبة في موضع نصب على المفعول بأراد.

لاحظ الأول بتفريقها (ما) للاستفهام، و (ذا) موصول، أو (ماذا) تعتبر كلمة واحدة تدل على الاستفهام، وأراد ماذا؟. 

و "مثلًا" منصوب على الحال أو التمييز.

يعني: حال كونه مثلًا.

يُضِلُّ بِهِ من كلام الله جوابًا للذين قالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلًا، وهو أيضًا تفسير لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال.

يعني: هذا من بقية كلامهم، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا انتهى وقف تام، ثم قال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا، هذا كلام الله ، يعني ليس من جملة كلامهم: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، لا، انتهى كلامهم، فالله يقول: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا. 

عَهْدَ اللَّهِ، مطلق في العهود.

يعني: أن الله لم يخص عهدًا بعينه فيُحمل على سائر العهود، ولذلك فسره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بوصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله[20].

ونقض هؤلاء لهذا العهد هو ترك العمل به، يعني عهد إليهم بالإيمان به وطاعته وتصديق رسله، فتركوا ذلك، هذا الترك هو النقض.

وقيل: ما أخذه الله على بنى آدم من الميثاق: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، فبعضهم يقول: هو الميثاق. حينما استخرجهم كهيئة الذر، وبعضهم يقول: هذه عامة في الكفار والمنافقين وأن عهده هو توحيده بما وضع لهم من الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وأن عهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غير الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أن يأتي بمثلها، مما يدل على صدقهم، فالنقض يكون بترك الإقرار بما ظهر لهم صحته.

هذا قال به: مقاتل ابن حيان، واستحسنه الحافظ ابن كثير[21]، الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، فحمل ذلك على كل حال على العموم أقرب، والله أعلم. 

وكذلك ما بعده من القطع والفساد.

يعني: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، والفساد، يعني أنه يحمل على العموم، كل ما أمر الله به أن يوصل ونهى عن قطعه، ولا يختص بنوع منه.

ويحتمل أن يشار بنقض عهد الله إلى اليهود؛ لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد ﷺ.

وبعضهم يقول: العمل بالتوراة. فكل هذا داخل فيه، الله  قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ [البقرة:84]، أخذ عليهم هذا الميثاق، وأخذ عليهم مواثيق أخرى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [المائدة:12].

كذلك أيضًا ما ذكره الله: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا [المائدة:70]، فهذا كله داخل في هذه العهود والمواثيق، الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، فيدخل فيه اليهود، ويدخل فيه أهل الإشراك، ويدخل فيه كل من نقض عهد الله من بعده ميثاقه.

ويشار بقطع ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين، ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الفساد من أفعالهم، حسبما تقدّم في وصفهم.

كل هذا لا إشكال فيه، وعلى كل حال يشار بقطع مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قريش.

هو لا يختص بهم، لكن قطع ما أمر الله به أن يوصل: يدخل فيه هؤلاء المشركين الذين قطعوا الأرحام، ويدخل فيه غيرهم، فإن ما أمر الله به أن يوصل هي: الأرحام والقرابات، هذا الذي اختاره ابن جرير –رحمه الله[22].

وبعضهم حمله على ما هو أعم من هذا، من كل ما أمر الله به أن يوصل، فقطعوه، وبعضهم يقول: وصل القول بالعمل. وبعضهم يقول: وصل التصديق بجميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام.

فيؤمنون بموسى  وبعيسى ويصلون ذلك بمحمد -عليهم الصلاة والسلام- لكن كما قال ابن عطية –رحمه الله: بأن ذلك عند الجمهور محمول على العموم[23].

وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، كل ما أمر الله به أن يوصل فإنه لا يجوز قطعه، ولاحظ: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ، خارجين عن طاعته -تبارك وتعالى- ما هي صفتهم؟ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، فدل على أن نقض عهد الله من بعد ميثاقه، وقطع ما أمر الله بوصله أن ذلك يكون سببًا للإضلال، فكما أن هذه الأمثال التي تذكر لبيان الحق وتجلية وإبرازه في صورة محسوسة تكون في الوقت نفسه سببًا لإضلال أقوام قد ساءت أعمالهم، ونقضوا عهودهم، وقطعوا ما أمر الله بوصله من الأرحام وغيرها.

مِيثاقِهِ، الضمير للعهد أو لله تعالى.

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، الضمير للعهد بأي اعتبار؟ الآن عهد الله، عهد مضاف، ولفظ الجلالة (الله) مضاف إليه، والأصل أن الضمير يعود إلى المضاف وليس إلى المضاف إليه؛ لأن المضاف هو المحدث عنه، فقاعدة أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور صحيحة، ولكن هنا مضاف ومضاف إليه، فلما كان المحدث عنه  هو المضاف كان عود الضمير إليه هو الأولى، عَهْدَ اللَّهِ، فيعود إلى العهد، والذين يقولون: إنه يعود إلى الله.

نظروا إلى أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، ولكنه ليس دائمًا، ففي مثل هذه الحال: مضاف ومضاف إليه، الأصل أن يرجع إلى المضاف؛ لأن المضاف هو المحدَث عنه الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ.

كَيْفَ تَكْفُرُونَ موضعها الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ.

هو استفهام مضمن معنى الإنكار، كيف يحصل منكم ذلك والحال أنكم كنتم أمواتًا، إلخ.

وَكُنْتُمْ أَمْواتًا، أي: معدومين أي: في أصلاب الآباء".

لأنهم حينما كانوا معدومين أين كانوا؟ والله قد قدر وجودهم؟ كانوا في أصلاب الآباء، هذا هو الواقع، قبل أن يكونوا نطفًا في الأرحام، فإن وجودهم في الأرحام هذا حيث وجد ما يقتضي ذلك، ولكن هنا لا يقال: بأن النطف كيف يقال لها أنها أموات ويوجد فيها الحيوانات المنوية، فإن الحياة والموت في لغة القرآن، لغة الشرع، وهكذا في كلام العرب واستعمال الفقهاء يقال لما لا روح فيه، فالنطفة لا روح فيها، والعلقة لا روح فيها، والمضغة لا روح فيها، فإذا نُفخ فيه الروح فهذه هي الحياة الشرعية، وما قبل ذلك يقال: المضغة ميت.

ولو قال الأطباء: يوجد نبض، أو إنها نامية. أو نحو هذا، فإن هذه ليست هي الحياة الشرعية التي تترتب عليها الأحكام: من الصلاة عليه إذا سقط، وتغسيله وتكفينه، ونحو ذلك.

أو نطفًا في الأرحام فأحياكم أي أخرجكم إلى الدنيا.

القول بأن وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا، يعني: نطفًا في الأرحام هذا المنقول عن كثير من السلف: كابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة، وكذلك منقول عن جمع من التابعين: كأبي مالك، ومجاهد، ويدل على هذا المعنى قوله -تبارك وتعالى-: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر:11] أمتنا اثنتين، الإماتة الأولى: حينما كانوا نطفًا في الأرحام، أو أيضًا حينما كانوا بأصلاب آبائهم، فهذا يقال إنه داخل في هذا المعنى والله أعلم، والموتة الثانية: بعد خروجهم إلى هذه الدنيا ومفارقة الحياة، نهاية الآجال، والإحياءتان: الأولى: بنفخ الروح حينما يستتم له أربعة أشهر، والإحياءة الثانية: بالبعث والنشور، فهما إحياءتان وإماتتان.

وهذا -والله تعالى أعلم- بعضهم يقول: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا، يعني نطفة وعلقة ومضغة، هذا كله في الواقع يصدق عليه أنه ميت، حينما كان في هذه الأطوار، حتى تُنفخ فيه الروح، وبعضهم يقول: في ظهر آدم .

لكن هذا مثل قول من قال في أصلاب الآباء إلا أن من قال في أصلاب الآباء قوله أعم من تخصيصه بآدم .

 ثُمَّ يُمِيتُكُمْ الموت المعروف.

ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالبعث.

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء، وقيل: الحياة الأولى حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد، وقيل: في الحياة الثانية إنها في القبور، والراجح القول الأول لتعينه في قوله: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الحج:66].

فوائد ثلاثة:

الأولى: هذه الآية في معرض الردّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم، فإن قيل: إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج عليهم بالبعث وهم منكرون له؟.

يعني بقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، يعني: هو يقول: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، يحتج عليهم بكفرهم وإشراكهم بأنهم كانوا أمواتًا، ثم أحياهم، ثم يميتهم، ثم يحييهم، ثم إليه يرجعون، هذه الجملة الأخيرة ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هم لا يقرون بها، فكيف يحتج عليهم ويرد كفرهم بكونهم يرجعون إليه بعد أن كانوا أمواتًا مرتين، وأحياهم مرتين، هذا السؤال.  

فالجواب: أنهم ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله.

يعني: هذا الذي فعل بهم هذا أحياهم مرتين وأماتهم مرتين قادر على الإعادة، وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا، فحصلت لهم الحياة في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هذا القدر هنا ثُمَّ يُحْيِيكُمْ مع ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، هم لا يثبتون الأخيرة هذه: ثم يحييكم للبعث والنشور، والرجوع إلى الله -تبارك وتعالى- يقول: إن ما قبله يدل على إثباته فأُلزموا بمقتضاه.

الثانية: قوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتًا في موضع الحال.

قوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتًا في موضع الحال: يعني والحال أنكم. 

فإن قيل: كيف جاز ترك قد وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال؟.

يعني ما قال: وقد كنتم أمواتًا. 

فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد مجموع الكلام. كأنه يقول: وحالهم هذه. فلذلك لم تلزم قد.

الثالثة: عطف فأحياكم بالفاء لأن الحياة إثر العدم.

إثر العدم يعني على إثره يعني تكون بعده، وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ، فالأموات في حكم العدم، يعني: جاء بالفاء، والفاء تدل على الترتيب المباشر (كُنْتُمْ أَمْوَاتًا) هذا حكم العدل فَأَحْيَاكُمْ لا واسطة بين الحياة والعدم، يعني هو بمجرد ما ينتقل من العدم أين يكون؟ إلى الحياة، كُنْتُمْ أَمْوَاتًا لا يكون بهذا الوصف، الموت فينتقل إلى الحياة، فاء، فلذلك عبر بالفاء، يدل على التعقيب المباشر، ينتقل من حال كونه في وصف الموت أَمْوَاتًا حال العدم إلى الحياة بنفخ الروح، ما في واسطه بينه، بين بين لا حي ولا ميت، برزخ، لا يوجد.

 ولا تراخي بينهما.

لا تراخي بينهما، أو ولا تراخي بينهما بإثبات الواو، فيصح هذا وهذا.

وعطف ثم يميتكم وثم يحييكم بـ ثم للتراخي الذي بينهما.

يعني: الآن إذا أحياهم الله، نفخ فيه الروح لأربعة أشهر ثم بعد ذلك يولد لتمام التاسع مثلًا كما هو الغالب، ثم يخرج إلى الدنيا ويعيش مائة سنة، أو سبعين سنة، أو أقل أو أكثر، فهذه مدة، فالإماتة تكون بعد مدة، فثم تدل على التراخي ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، يعني: بعد ما تقضون الآجال تعيشون الأعمار التي كُتبت لكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثم يبقون في البرزخ مدة، الله أعلم كم تكون، فحاء بـ ثم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، لكن الإحياء الأول وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ما قال: ثم أحياكم؛ لأنه بمجرد نفخ الروح تكون الحياة فلا يوجد مهلة، فجاء بالفاء التي تدل على التعقيب المباشر، وفيما بعدها جاء بـ ثم التي تدل على التراخي، هذا ملحظ بلاغي.

أسئلة:

س: هل يجوز الاستدلال بالقرآن في الإعجاز العلمي والعلم بالدنيا من غير إزراء بالسلف، ومن غير تكلف، ولكن من باب اكتشاف معنى جديد لا يقدح بالمعاني السابقة، وذلك أن القرآن يعبر بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، وهل اقتصر التدبر على هذا النوع؟.

جـ: هذه كما في حديث أبي جحيفة في الصحيح: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ لما سأل عليًا  قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله رجلًا في كتابه أو ما في هذه الصحيفة. فإذا كانت المعاني التي تذكر هي باب الزيادة في المعنى لا ترد أقوال السلف -هذا هو الشرط الأول- مع احتمال اللفظ لها، مع كونها ثابتة فهذا من حيث المبدأ لا إشكال، لكن يبقى النظر في هذه المقدمات أولًا، يعني هل هذا يعود إلى أقوال السلف بالإبطال أو لا؟ هذه أول قضية، وكثير مما يقولونه يعود على أقوال السلف بالإبطال، ويقولون: السلف ما فهموا هذه الآية. ولا يعرفون أصلًا الإجماع، يعني هؤلاء في الغالب مقدمات العلم التي يدرسها طلاب العلم الصغار ما يعرفونها، ما يعرفون شيء اسمه إجماع، وخلاف، وأنه لا يجوز مخالفة الإجماع، يقول: لست ملزمًا بأقوال السلف. هكذا، ولا يعرفون قيمة أقوال السلف، ولا يعرفون التفصيل في قول الصحابي أو التابعي متى يكون حجة أو لا يكون حجة، وقول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف، هذا كله لا يعرفونه -إلا من رحم الله- فبكل بساطة يجيبك ويقول لك: أنا لست ملزمًا بأقوال السلف، نحن عرب وهم عرب. هو يظن أن المسألة كلام في علوم تجريبية ومادية.

فهذه الأولى: ألا يعود على أقوال السلف بالإبطال.

الثاني: أن ننظر هل اللفظ يحتمل هذا أو لا؟، وهذا يحتاج إلى تحقيق وتحرير، فبعض الأشياء التي يذكرونها لا تحتمل اللفظ.

الثالث: أن ننظر هل هذا الذي قالوا ثابت؟، يعني مثل ما قلت لكم في بعض المناسبات: أكبر مثال كان يردده المتحفظون هو: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، قالوا: الذرة هي أصغر جزء في الكون، مكونة من: شحنة سالبة وموجبة، يعني ليست صغار النمل، فقالوا: هذا أصغر جزء في الكون، فهذا إعجاز علمي، من الذي أدرى محمدًا ﷺ الأمي الذي في بيئة أمية قبل ألف وأربعمائة سنة -لأن هذا كانوا يرددونه القرن الماضي- من الذي أعلمه أن هذا أصغر جزء في الكون؟ وملأوا الدنيا بهذا المثال، على أنه إعجاز، ثم ظهر في العلم الحديث أن هناك ما هو أصغر من الذرة، أجيبوني: ماذا سيقولون بعد هذا؟، سيقابلهم أولئك يقولون: إذن القرآن الذي تقولون أصغر جزء في الكون هو الذرة معلومات غير صحيحة، القرآن يحمل معلومات مخالفة لما دلت عليه التجربة والعلم الحديث، يوجد شيء أصغر من الذرة، ماذا سيقولون؟! ما عندهم جواب، الصمت، وليس غير الصمت شيء، لكن نحن نقول من البداية قبل أن يقولوا: هناك أصغر من الذرة. نقول: تُحمل ألفاظ الكتاب، نصوص الكتاب على معهود الأميين في الخطاب. فمعهود الأميين الذرة: صغار النمل وليست شحنة وغير شحنة، فهي صغار النمل، وحينما يقولون: وجد أصغر من الذرة. نقول: هذا لا شأن لنا به، وجد أم لم يوجد، لكن القرآن يقول: (ذرة)، العرب تذكر الذرة وتقصد بها الشيء الصغير، صغار النمل؛ لبيان الصغر، هذا كان يقوله المتحفظون الذين يذكرون ضوابط ويدققون في مسألة الإعجاز العلمي، عندهم هذا المثال أنه سليم، وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن حُمل القرآن فيه على مصطلح حادث وهذا لا يجوز، فهنا منشأ الخطأ، إذن عندنا شرط آخر: أن يكون اللفظ يدل عليه، وهذا يحتاج إلى تحرير وتحقيق بحيث لا نحمل القرآن على مصطلحات حادثة، ومسألة احتمال اللفظ هذه تحتاج إلى علم باللغة والتفسير وأصول الفقه وأصول التفسير، ومن الذي يعلم هذا؟! اللفظ يحتمل هذا أو لا يحتمل.

ثم أيضًا إذا كان اللفظ يحتمل يحتاج أن ننظر هل هذا إعجاز فعلًا أو ليس بإعجاز؟ يعني على سبيل المثال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، طبعًا الذي قاله السلف: أنه يحاول الصعود فيعجز. هؤلاء يقولون: يصعد في السماء أنه إذا صاعد في السماء ينقص نسبة الأكسجين فيحصل عنده ضيق في الصدر. السلف يقولون: يحاول الصعود ولا يستطيع.

ليست له أجنحة يطير، هؤلاء خالفوا أقوال السلف، سلمنا لكم أنه صعد ونقص نسبة الأكسجين، هل هذا إعجاز؟ ليس بإعجاز، لماذا؟ لأن الناس تعرف -العرب والعجم- أنه إذا كان في الأماكن المرتفعة يضيق النفس عنده، هذا الأمر يعلمونه ما يحتاج أنه يطلع فوق الغلاف الجوي، أو دون الغلاف الجوي حتى يجرب على نفسه، هم يعرفون أنهم في الأعالي يضيق النفس، فلسفة هذه القضية ونسبة الأكسجين تقل، هذا موضوع آخر، لكن أَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ لو فرضنا أنه إذا صعد يضيق النفس هذا أمر مدرك لهم وليس بإعجاز.

مثال أوضح من الذي قبله: قال تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، قالوا: اكتشف العلم أن مركز الإحساس في الجلد، أنه العصب الذي ينقل الإحساس في الجلد، فإذا ذهب الجلد بطل الإحساس.

نقول: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، الآية تدل على أن تبديل الجلود لعلة ذوق العذاب، هل ذهاب الجلد وما ينتج عنه من عدم الإحساس، هل هذه القضية كانت مجهولة بالنسبة للسابقين أو معلومة؟

يعني الناس في السابق أليست جلودهم تموت أحيانًا بسبب ضرب كثير عليها يموت الجلد؟، أو بسبب علة، أو بسبب حرق يذهب معها الجلد، أول بسبب سلخ للجلد في حروبهم وغيرها، هم لا يعرفون إذا ذهب الجلد لا يوجد إحساس؟ يوجد علم عند الأوليين قبل الإسلام عند الفلاسفة؛ لأن الطب من علوم الفلاسفة، من العلوم المحمودة؛ لأن ما كل علوم الفلاسفة مذمومة، فتركيب الفلسفة في القديم منها الطب، هو داخل في علوم الفلسفة، لكن الكلام في الإلهيات من علوم الفلاسفة هو الضلال المبين، وإلا فالعلوم الرياضية والجبر والهندسة ونحو ذلك كل هذا من علوم الفلاسفة، فالذم الوارد في الفلاسفة هو الكلام في الإلهيات ونحو ذلك.

المهم أن قوله: لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، هذا صريح في العلة، لكن هل هذا الأمر مجهول بالنسبة للسابقين؟ من علومهم في الطب القديم، علوم الفلاسفة علم اسمه التشريح، شرحوا الإنسان وما تركوا شيئًا إلا وصفه، ووصفوا العلل، كل شيء وصفوه، فهل كانوا يجهلون أنه إذا ذهب الجلد ينعدم الإحساس وهو أمر واقع لهم صباح مساء؟ في حروبهم وفي حروقهم وفي كل شيء؟ هل كان هذا مجهول لديهم؟ إذا قلت: إنه لم يكن مجهولًا؛ معلوم بالتجارب والوقائع؛ فالمعلومة أنه إعجاز ليست صحيح؛ لأنه خاطبهم بأمر يعلمونه، أما العلة فالنص صريح في هذا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، فهذا موضع الإحساس، ما يحتاج أن يقال: هذا أعجاز. لأنهم يعلمون هذا، وأنه إذا ذهب الجلد لم يعد يشعر الإنسان، ولذلك الإنسان يُضرب، يُضرب، يُضرب، كما قال ذاك للإمام أحمد -رحمه الله- الذي في الحبس، قال: ما هو إلا سوط أو سوطان أو نحو ذلك ثم لا تدري أين يقع. لماذا؟ لأن الجلد هنا يحصل له من الخدر فما يشعر بالضرب، وهكذا، والله أعلم، الإنسان أحيانًا يكون في شدة برد فلربما وضع يده على المدفئة أو رجله ولا يشعر وتحترق وهو لا يشعر؛ لأن موضع الإحساس عندهم شبه معطل تجمد.

س: هل عطف العمل على الإيمان من عطف الخاص على العام الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:25]؟.

جـ: إذا ذُكر العمل الصالح مع الإيمان فيكون الإيمان بمعنى التصديق الانقيادي والإذعان القلبي بمعنى الإقرار، يكون عمل القلب، فيكون العمل الصالح هذا مغايرًا للإقرار، فيكون هذا له معنى وهذا له معنى، أما إذا ذُكر الإيمان وحده فإنه يكون الإيمان منتظمًا للثلاثة: تصديق القلب، وإقراره، وكذلك قول اللسان، وعمل الجوارح.

س: هل الموت يكون ابتداء أم بعد حياة؟.

جـ: هذه النطف التي سماها الله بـ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا، أو كونهم في الأصلاب أو نحو ذلك، هذا لم يكن بعد حياة، ولكن الموت الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية هو مفارقة الروح الجسد، فإن كان حتف أنفه يعني ليس بفعل فاعل فهو الموت والوفاة، وإن كان بفعل فاعل فهو القتل والجناية.

س: يقول الأخ: بأن الكلام في الإعجاز إذا كان الإنسان لا بصر له في العلم الشرعي والتفسير هل يجوز له أن يتكلم في هذه القضايا؟.

جـ: لا، ليس له أن يتكلم فيها، لكن يعرض ما عنده على أهل العلم فينظرون فيه، فإذا كان له وجه بينوه وإن كان يحتاج إلى تقييد قيدوه، يعني قد تكون معلومة صحيحة لكن لا ارتباط لها باللفظ، لا ارتباط لها بالقرآن في الواقع، وقد تكون لها نوع ارتباط لكنها ليست بإعجاز، وقد تكون المعلومة غير ثابتة، يعني هي نظرية وليست بحقيقة، والواقع أن هناك سباق محموم في الاكتشاف وإضافة أشياء إلى القرآن مع أنه يوجد فلترة كبيرة عبر بعض اللجان الشرعية، وإلا فإنه يُعرض عليهم من الأشياء العجيبة ويردونها، وقد ذكر لكم بعض الأمثلة البعيدة تمامًا، مثل: الذي يقول: بأن العَرق علاج للأعمى.

لما يوسف أعطى إخوته القميص، قال: فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا [يوسف:93]، قالوا: من أجل العرق. ما يحتاج أنه يعطيهم القميص، يقول: ألقوا عليه قميص أحدكم، أو يأخذ من عرقه هو فيضعه في عينه.

هذه آية وهذه معجزة، قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ [يوسف:94]، يقولون: لما وصلوا إلى العريش في مصر. فهذه معجزة وإلا فخذ عرق من شئت وألقه على العمي وانظر يرجع إليهم أبصارهم أم لا؟! ألقى قميصك أو قميص غيرك على أعمى وانظر هل يرجع إليه بصره أم لا؟!، فمثل هذا لا يمكن أن يُصدق ولا يمكن أن يُقبل، وهكذا ترهات، أحيانًا لا يذكرون أنها إعجاز ولكنها مضحكات مبكيات، ولا تدري هذا الذي يقولها هو يعي ما يقول أو لا؟!، يقول لك: الشرب قائمًا والشرب جالسًا.

النبي ﷺ أخبر أنه يشرب معه الشيطان، وهذا يقول: إنه إذا شرب قائمًا فإن هذا الماء ينزل بحيث يقع على المعدة وقعًا شديد فيتضرر الإنسان به، لكن إذا جلس لا.

هي نفس المسافة سواء كان قائمًا أم جالسًا، يعني من الفم إلى المعدة نفس المسافة بالنسبة للقائم والجالس، فيخيلون لهؤلاء كأنه إذا كان قائمًا فالماء كأنه يقع من أعلى جبل إلى الأرض السابعة، مع أن الجالس والقائم سواء في بعد المسافة يعني من الفم إلى المعدة، يمر بالمريء، نفس المسافة فيقولون: لا، إذا كان قائمًا فيكون الماء ينزل من مسافة بعيدة فيتضرر. يتضرر ماذا؟!، وهؤلاء الذين يتكلمون الآن عن الحروف المقطعة لعل يأتي مناسبة -إن شاء الله- نتكلم عليها، نبين لكم هذه الجهالات المركبة وهذه العجمة، أنا ما كنت أظن أن أحد يقبل هذا ولا يصدقه، لكن كثر السؤال عنه، لماذا لا يرد على هؤلاء إن كان كلامهم غير صحيح؟ كنت أظن أن هذه القضايا لا تحتاج إلى رد؛ لأنها في غاية الوضوح، لكن يبدو أنه يوجد نفوس تقبل هذه الأشياء.

س: يقول في قوله: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا في قولهم: لولا كذا. لولا الكلب لأخذنا اللصوص، أو لسُرق المتاع، أو نحو ذلك؟.

جـ: النبي ﷺ قال للذي قال له: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندًا، فإضافة ذلك إلى غير الله مشيئة، ما شاء الله وشئت، أو مع الله، وكذلك أيضًا حينما يقال: لولا الطبيب لهلك فلان، لولا الدواء لهلك فلان. ونحو ذلك، فهذا لا يصح، باعتبار أن هذه العبارات تنافي كمال التوحيد، فقد تدخل في هذا المعنى، لكن ليس ذلك باتخاذ الأنداد المعبودة من دون الله بعبادة غير الله من الأصنام والأوثان ونحو ذلك.

س: هل هناك إشكال في قول مولانا؟.

جـ: المولى يقال للسيد، ولذلك المملوك مولى أدنى، يقول: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب:5]، المماليك هؤلاء موالي، هذا مولى أدنى، وهناك مولى أعلى، لا يقول: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي. ولا يقول: سيدي. وأرشده إلى أن يقول: مولاي.

المولى بمعنى السيد والناصر ونحو ذلك من المعاني، لا إشكال، فالنبي ﷺ مولانا، والله مولانا، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وأنتم معاشر المصريين تقولون: يا مولانا. أليس كذلك؟ بلى، ما في إشكال.

س: الوقف على (ما)؟.

جـ: حسب الإعراب، فإذا قيل: بأن (ما) هذه صلة يعني زائدة إعرابًا فلا يقف عليها، إذا قيل: بأن بعوضة مفعول به ثاني، والمثل (مثلًا) مفعول أول، لا يصح الوقف دون بعوضة، فيذكر المفعولين فلا بد للفعل أن يستوفي مفعوليه أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، والذي يظهر أنها على هذه الوجوه كلها ما جاء بعده فَمَا فَوْقَهَا أنه يصل، لكن لو قيل: بأن ذلك من قبيل عطف البيان يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فيحتمل، والله أعلم. 

  1. تفسير الطبري (1/381)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/287)، رقم: (3034).
  2. تفسير ابن رجب الحنبلي (1/101).
  3. تفسير الطبري (1/380).
  4. تفسير ابن كثير (1/201).
  5. تفسير ابن كثير (1/201).
  6. صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة، ولا وصيلة ولا حام} [المائدة:103]، رقم: (4624)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: (2856).
  7. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار، وأنها مخلوقة، رقم: (3260)، ومسلم، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه، رقم: (617).
  8. أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، رقم: (2844).
  9. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم: (3242)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه، رقم: (2395).
  10. أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار، رقم: (1149).
  11. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، رقم: (35).
  12. تفسير الطبري (1/384).
  13. تفسير الطبري (1/387).
  14. تفسير الطبري (1/386).
  15. أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، رقم: (3556).
  16. تفسير الطبري (1/399)، تفسير عبد الرزاق (1/262).
  17. انظر: أسباب النزول، للواحدي (ص:24).
  18. تفسير الطبري (1/399).
  19. أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله -عز وجل، رقم: (2320).
  20. تفسير ابن كثير (1/210).
  21. المصدر السابق.
  22. تفسير الطبري (8/274).
  23. تفسير ابن عطية (1/113).

مواد ذات صلة