الخميس 18 / ذو القعدة / 1441 - 09 / يوليو 2020
(010-أ) من قوله تعالى (وما كان لنبي أن يغل..) الآية 161 – إلى قوله تعالى (فرحين بما ءاتاهم الله من فضله..) الآية 170
تاريخ النشر: ١٦ / ربيع الأوّل / ١٤٣٨
التحميل: 1240
مرات الإستماع: 1208

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى:

"وَما كانَ لِنَبِيءٍ [آل عمران:161] قال: هو من الغلول وهو أخذ الشيء خفيةً من المغانم وغيرها، وقُرئ بفتح الياء، وضم الغين، ومعناه تبرئة النبي ﷺ من الغلول، وسببها أنه فُقدت من المغانم قطيفةٌ حمراء، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله ﷺ أخذها، وقُرئ بضم الياء، وفتح الغين، أي ليس لأحد أن يغُل نبيًا أي يخونه في المغانم، وخُص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورًا مع الأمراء لشنعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، وقيل: معنى هذه القراءة أن يوجد غالًّا كما تقول: أحمدت الرجل إذا أصبته محموداً، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة إلى معنى فتح الياء".

فقوله: "وَما كانَ لِنَبِيءٍ" بالهمزة على قراءة نافع[1]، باعتبار أنها القراءة التي بنى عليها الكتاب.

وهو من الغلول وَما كانَ لِنَبِيءٍ هنا الأصل أن تكون الآية متضمنةً لذلك، يعني أن يكون فيها وَما كانَ لِنَبِيءٍ أَنْ يَغُلَّ وهو لم يذكر هذا الجزء في الآية وهو يفسره، يقول: "هو من الغلول، وهو أخذ الشيء خفيةً من المغانم، وغيرها" فالأخذ من الغنيمة قبل أن تُقسم يُقال له: غلول، ويُستعمل بإطلاقٍ أوسع على الأخذ من الأموال العامة بغير وجهٍ صحيح؛ ولهذا جاء الحديث: هدايا العُمّال غلول[2]، لكن المعنى الأخص هو الأخذ من الغنيمة قبل أن تُقسم.

يقول: "وقُرئ بفتح الياء، وضم الغين" يَغُل، وهي القراءة التي نقرأ بها، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو وابن كثير، وقراءة الجمهور بالضم، أي يُغَل، ومعنى هذه القراءة بالفتح التي نقرأ بها، أي: يَغُل[3]، تبرئة النبي ﷺ من الغلول، وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يعني لا يمكن أن يصدر منه ذلك، وهذا الذي قاله ابن عباس وجماعة من السلف كمجاهد والحسن[4]، وهو اختيار الحافظ ابن كثير -رحمه الله-[5]، أي أنه تنزيه للرسول ﷺ من هذا العمل القبيح، وَما كانَ ونفي ذلك عنه لا يقتضي الوقوع، أو لا يقتضي إمكان الوقوع في بعض صوره، كما في المضاف إلى الله -تبارك وتعالى- كما هي القاعدة، كقوله: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ [مريم:35].

قال: "وسببها أنه فُقدت من المغانم قطيفةٌ حمراء" يعني يوم بدر، "فقال بعض المنافقين" الوارد في الرواية: فقال بعض الناس[6]، ومعروف أن يوم بدر لم يكن فيه من المنافقين أحد، "فقال بعض الناس: لعل رسول الله -صلّى الله عليه وآله سلّم- أخذها"، قال: "فأكثروا في ذلك، فأنزل الله" وهنا لم يذكر هذا الجزء من الرواية، وهو في غاية الأهمية؛ لأنه مُصرّح بسبب النزول، قال: "فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ" سبب النزول هذا مروي عن ابن عباس -ا-[7]، وقد أخرجه بعض أصحاب السنن، وحسّنه السيوطي[8]، وصححه الألباني[9] وضعّفه آخرون، كالمُنذري[10]، والمُناوي[11]، فالمناوي أنكر على السيوطي تحسينه، وقال: بأنه اغتر بتحسين الترمذي؛ لأن الترمذي قال: "حسنٌ صحيح"[12]، والحديث أخرجه أبو داود[13]، والترمذي[14]، وإسناده لا يخلو من ضعف، فيه رجل ضعيف يُقال له: خُصيف، وكذلك في السند اضطراب.

فإن صح أن هذا هو سبب النزول وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ فالآيات تتحدث عن غزوة أُحُد، وهذه الواقعة بناءً على هذه الرواية حصلت في يوم بدر، وكون هذا صدر من بعض الناس، هنا قال: "بعض المنافقين" والرواية: "بعض الناس" كما سبق أن يوم بدر لم يكن معهم أحد من المنافقين، فيكون -إن صحّت الرواية- قد صدر ذلك عمّن صدر عنه من غير قصد الإساءة إلى النبي ﷺ والله أعلم؛ وذلك أنه في بدر لم تنزل أحكام الغنيمة؛ ولهذا حصل بينهم التنازع في الغنيمة، فنزلت: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ [الأنفال:1] الآيات[15]، فرُبما ظنوا أنه يسوغ للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يأخذ ما شاء من الغنائم، وكذلك يسوغ لغيره.

قال: "وقُرئ بضم الياء، وفتح الغين" (يُغَل) يعني يُنسب إلى الخيانة، إلى هذا الفعل وهو الغلول، وبعضهم يُفسر هذا: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ يعني ما كان لنبيٍ أن يُغِلَّه أحد، فالقراءة الأولى: يَغُلَّ يعني أن تقع منه الخيانة، وعلى قراءة: يُغَلَّ أي يُغلَّه أحد، أي ينسبه إلى الخيانة، فعلى هذا التفسير الثاني فإن هذه القراءة ترجع إلى معنى القراءة الأولى، يعني الأولى تنزيهٌ له عن الغلول، والثانية زجرٌ عن نسبته إلى الغلول، فالكل يرجع إلى التنزيه، ولا شك أنه على هذا المعنى في القراءة الأخرى زيادة في المعنى، الأول الله يُنزهه، والثاني يكون ذلك زجرًا للناس عن نسبته إلى الغلول، أي: أن يُغِلَّه أحد، إلا إذا قيل: بمعنى "أن يُغِلَّه أحد" أي: أن يخونه أحد.

وعلى كل حال هذه قراءة الجمهور أَنْ يُغَلَّ "أي ليس لأحد أن يغُل نبيًا، أي يخونه في المغانم، وخُص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورًا مع الأمراء لشنعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته" يعني لا يجوز الغلول بحالٍ من الأحوال، لكن على هذه القراءة أَنْ يُغَلَّ يعني يُؤخذ من الغنيمة، ويُخان في الغنيمة، فهذا لا يجوز لا مع النبي ﷺ ولا مع غيره، لكن مع النبي ﷺ يكون أشد، وصاحبه أعظم جراءةً، فالخيانة مع النبي أعظم من الخيانة مع غيره، "وقيل: معنى هذه القراءة أن يوجد غالًّا" "كما تقول: أحمدت الرجل إذا أصبته محموداً، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة إلى معنى فتح الياء" يعني يكون ذلك تنزيهًا له كما سبق، والله أعلم.

س:...

ج: يقول: "معنى هذه القراءة أن يوجد غالًّا" يعني أن يقع منه ذلك، وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ أن يوجد غالًا، ويمكن أن يكون أَنْ يُغَلَّ أي يُنسب إلى الغلول، لكن المعنى الأول أوضح، يعني أن يؤخذ من الغنائم بحضرته، فتكون القراءة الأولى أَنْ يَغُلَّ يعني أن يقع منه ذلك، الثانية: أَنْ يُغَلَّ أن يقع من أحدٍ غلول بحضرة نبيه، يعني وهو معه في المعركة، ويحتمل المعنى أيضًا ما ذُكر، والله أعلم.

"قوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ [آل عمران:161] وعيدٌ لمن غل بأن يسوق يوم القيامة على رقبته الشيء الذي غل، وقد جاء ذلك مفسرًا في الحديث، قال رسول الله ﷺ: لا أُلفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير، لا أُلفين أحدكم على رقبته فرس، لا أُلفين أحدكم على رقبته رقاع، لا أُلفين أحدكم على رقبته صامت، لا أُلفين أحدكم على رقبته إنسان، فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك[16]".

هنا يقول في قوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "وعيدٌ لمن غل بأن يسوق يوم القيامة على رقبته الشيء الذي غل، وقد جاء ذلك مفسرًا في الحديث" هذا الحديث مُخرج في الصحيحين، وهذا اللفظ لمُسلم.

والمقصود بالصامت في قوله: على رقبته صامت يعني الذهب والفضة، جاء أيضًا عن معاذ قال: "بعثني رسول الله ﷺ فلما سرت أرسل في أثري، فرددت، فقال: أتدري لِمَ بعثت إليك؟ لا تُصيبنّ شيئًا بغير إذني فإنه غلول، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] لهذا دعوتك، فامضِ لعملك[17]، فحديث معاذ هذا أعم من المعركة، الأخذ من الغنيمة بغير إذنه، الغنائم تُقسم، ويقسمها الأمير بين المُقاتلين أربع أخماس الغنيمة للمقاتلين، ويأخذ الخُمُس، فهو مقسوم على الأقسام الخمسة، كما هو معلوم، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال:41]، وكذلك في حديث أبي حُميد في خبر الرجل الذي استعمله النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على صدقات بني سُليم، وهو ابن الأُتبية، فلما جاء حاسبه، قال: "هذا مالكم وهذا هدية، فقال النبي ﷺ: فهلّا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا[18]، وهذا معيار فيما يصل إلى الموظفين في الدولة من الأموال والمصالح الشخصية، التي يتوصّلون إليها بسبب عملهم، فيقول: هذه هدايا تصلني، قد يكون طبيبًا، فيأتي المريض الذي انتفع به، وأجراه الله سببًا لشفاءٍ حصل، أو نحو ذلك فيُعطيه هدية، وكثير من الناس يسألون عن هدايا ثمينة يُقدمونها لبعض من باشر علاجهم، فهذا لا يجوز، وهكذا بالنسبة للتلاميذ والطالبات في إعطاء المُعلمين والمعلمات، كثيرًا ما يسألون عن هذا، والطالبات أحيانًا يسألن عن ذهب وحُلي ومجوهرات في آخر العام، وهم يسألون كثيرًا عن جانبٍ آخر، وهو ما يتصل بميل هذا المُعلم مثلًا إلى هذا الطالب، أو هؤلاء التلاميذ، فيقول: بعد ما ينتهي العام، أو بعد ما نتخرج، أو بعد ما نُنهي هذه السنة؛ لأنه لن يُدرسنا بعدها، فليست القضية هكذا، وإنما هي ذات شقين، الشق الأول: أن هدايا العُمال غلول، فهذا أجير ليس له أن يأخذ شيئًا، هذا الجانب الأول درّسهم أو لم يُدرّسهم، الجانب الثاني: وهو ما يتعلق بميل القلب، وتكون كالرشوة، فهذه التي يسألون عنها، ويقولون: لن يُدرّسنا أو بعد ما نتخرج أو نحو هذا، فهذا إن سلِم بقي الجانب الأول، لكن الأمور اليسيرة التي لا شأن لها مما يُعطى لجميع الناس، كالتقويم، ونحو هذا من الدعايات التي لا شأن لها ولا قيمة، وتُعطى لجميع الناس، فهذا لا إشكال فيه، كذلك ما جرت به العادات مما يشترك به الناس ويستوون ونحو هذا وهو الأمر اليسير، لا إشكال فيه، والورع أن يترك ذلك جميعًا، أما إذا كان بينهم من العلاقة والصداقة ونحو ذلك ما يحصل به التهادي بينهم بصرف النظر عن هذا العمل وُجد أو لم يوجد، فهذا لا إشكال فيه، فقد يُعطي الإنسان رئيسه في العمل، أو صاحبه، أو نحو ذلك في عمله، ولو لم يكن في هذا المكان لأعطاه، فهو يُعطيه لصداقته ولصلته به ولمحبته، ونحو هذا، فهذا بهذه الصورة لا إشكال فيه، أو يكون ذلك عامًا، ككتاب يُوزع على الجميع لينتفعوا به فهذا لا إشكال فيه، وأما أن يُخص هذا فلا، هذا إذا كان من صاحبه أو ممن يعمل معه، لكن بالنسبة للطلاب لو جاء بكتاب للأساتذة فقط، فليس لهم أن يأخذوه، إلا إذا كان بينهم من الصلة ما لا يتعلق ويتصل بهذا العمل، إلا إذا كان من الكتب التي تُوزع على الجميع، ونحو هذا.

فالشاهد: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: هلّا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟[19]، قال: "ثم خطبنا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل، مما ولّاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أُهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا[20]، فهذا هو الضابط، لا يستغل هذا العمل ليتوصّل به إلى حظوظ شخصية، قد لا تكون أموال تُدفع، وإنما هدايا، أو نحو ذلك، كشركات مثلًا الأدوية تُقدّم للأطباء هدايا قيّمة، كأجهزة حواسيب، أو أجهزة طبية غالية ذات شأن، وذات قيمة، ونحو هذا، أو كميات من الأدوية يقول: هذا لك هدية، ونحو هذا، فهذه لا تجوز، ولو كان يعمل أجيرًا في مكانٍ خاص، كمستشفى خاص، أو مدرسة خاصة، أو نحو هذا، فليس له أن يأخذ من الناس؛ لأنه يأخذ أجرًا على هذا، لكن بإذن صاحب المدرسة أو إدارة المدرسة يكون عن طريقهم؛ لئلا تُفسد الذمم.

فهذا الذي يمسح المكتب، إذا أعطيته صار يأتي ويمسح المكتب بجدٍ واجتهاد، والذي لا يعطيه -يتورّع- لا يدنو منه، ولا يقوم بعمله، وهكذا.

فهنا قال: والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطه، يقول: اللهم هل بلغت؟[21].

وكذلك أيضًا في حديث أبي هريرة قال: غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن، ولا آخر قد بنى بنياناً، ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً -أو خلفات- وهو منتظر ولادها، قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهم، احبسها علي شيئاً، فحبست عليه حتى فتح الله عليه قال: فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فبايعته قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال، وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا؛ ذلك بأن الله -تبارك وتعالى- رأى ضعفنا وعجزنا، فطيبها لنا[22].

وكذلك في حديث عمر قال: "لما كان يوم خيبر أقبل نفرٌ من صحابة النبي ﷺ فقالوا: فلانٌ شهيد، فلانٌ شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلانٌ شهيد، فقال رسول الله ﷺ: كلا، إني رأيته في النار في بُردةٍ غلّها، أو عباءة ثم قال رسول الله ﷺ: يا ابن الخطاب اذهب فنادي في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون...[23] الحديث.

وفي حديث أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم خيبر فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجلٌ من بني الضبيب، يُقال له: رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلامًا يُقال له: مِدعَم، فوجّه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مِدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذا سهمٌ عائر فقتله" يعني سهم لا يُعرف من رمى به فقتله، "فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصبها المقاسم هذا ضابط الغلول، أخذ من الغنيمة من قبل أن تُقسم لتشتعل عليه نارًا وفي هذا إثبات عذاب البرزخ "فلما سمع ذلك الناس جاء رجلٌ بشراكٍ أو شراكين" شراك أو شراكين يعني السيور التي بظهر النعل يُقال لها شراك "إلى النبي ﷺ فقال: شراكٌ من نار، أو شراكان من نار[24].

فهذه الأحاديث واضحة وصريحة، وهي تُوضح قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فتكون هذه الآية عامة في لفظها، فيدخل في الغلول دخولًا أوليًّا الأخذ من الغنيمة قبل القسم، وهذا المتبادر، ولكنه يؤخذ من عموم اللفظ، ومن هذه الأحاديث: كل من أخذ، سواء كان ذلك من الغنيمة، أو كان في عملٍ عمله، استُعمل على عمل فأخذ لنفسه، إما أن يأخذ من الناس، وإما أن يأخذ من الأموال العامة، وبعض الناس يتساهلون في هذا ويأخذون ولا يُبالون، إما بحُجة أن الناس يأخذون أكثر من هذا، فهو يرى أن يأخذ نارًا دونهم، أو أنه يدّعي أن له حقًّا في بيت المال، فيأخذ، والواقع أن هذا غلول، والله المستعان.

"قوله: أَفَمَنِ اتَّبَعَ [آل عمران:162] الآية، فقيل: [وفي جميع النسخ قيل]: إن الذي اتبع رضوان الله من لم يغلل، والذي باء بالسخط من غلَّ، وقيل: الذي اتبع الرضوان من استُشهد بأحد، والذي باء بالسخط المنافقون الذين رجعوا عن الغزو".

أَفَمَنِ اتَّبَعَ قيل: "من لم يغلل"، وقيل: "الذي اتبع الرضوان من استُشهد بأُحُد، والذي باء" باء يعني رجع، باء بكذا يعني رجع بكذا، ولا يُقال هذا إلا بشرّ عادةً، باء بغضب من الله، وباء بسخط، فيُقال للرجوع -وعلى سبيل الدقة- الرجوع بشر، يقول: "والذي باء بسخط المنافقون الذين رجعوا عن الغزو" هذا يُشبه أن يكون من قبيل التفسير بالمثال، يعني من اتبع رضوان الله لم يغُلّ، أو استُشهد بأُحُد، ومن باء بسخطٍ من الله غلّ، أو رجع لم يشهد أُحُدًا، فهذا من قبيل التفسير بالمثال، وإلا فالمعنى أعم من ذلك، ويمكن أن يُحمل على الجميع، فمن اتبع رضوان الله بالإيمان، والعمل الصالح، وترك المعاصي، وباء بسخطٍ من الله: بالكفر والنفاق والمعصية والغلول، ونحو هذا، والغلول نوعٌ من المعاصي.

والحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول بأن المعنى أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ: لا يستوي من اتبع رضوان الله تعالى فيما شرّعه[25]، كقوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد:19] وقوله: أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [القصص:61].

وبعضهم يقول: بأن هذه الآية يُفسّرها قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ۝ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [آل عمران:173، 174] لكن كما ذكرت: إن المعنى أعم من ذلك.

وهكذا فإن بعض هؤلاء يقولون: بأن المتبع لمساخط الله -تبارك وتعالى- كما قال الله : تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:80] والمعنى يشمل ذلك جميعًا، والله أعلم.

"قوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ [آل عمران:163] [في جميع النسخ: أي] ذووا درجاتٍ، والمعنى: تفاوت ما بين منازل أهل الرضوان وأهل السخط، أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان، فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط".

هُمْ دَرَجاتٌ يقول: "والمعنى: تفاوت ما بين منازل أهل الرضوان، وأهل السخط" أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ هذا قال به بعض أهل العلم كالكسائي[26]، وأيضًا أبو عبيدة معمر بن المُثني[27]، قال: هذه الدرجات حاصلة بين الفريقين.

وقال بعضهم: "أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان، فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط" وهذا منقول عن الحسن[28]، وبه قال مُحمد بن إسحاق[29].

والفرق بين المعنيين: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ قال: "ذووا درجاتٍ، والمعنى: تفاوت ما بين منازل أهل الرضوان، وأهل السخط" يعني أهل الرضوان في الجنة، وأهل السخط في النار، فشتّان ما بين المنزلتين.

والقول الآخر: أن أهل الجنة درجات ليسوا على مرتبة واحدة، وأهل النار دركات، فليسوا سواء في عذابهم، فهذا الفرق بين القولين.

والآية تحتمل هذا وهذا، والقول الثاني كأنّه يتضمن القول الأول وزيادة، يعني هؤلاء يتفاوتون في النعيم، وهؤلاء يتفاوتون في العذاب، فهؤلاء أهل الجنة في منزلةٍ غير منزلة أهل النار، وهم يتفاوتون فيها، وكذلك أهل النار، هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ، فكأن هذا القول الثاني أشمل من القول الأول، يتضمّنه وزيادة، فأهل الجنة في منزلةٍ رفيعة، وأهل النار في منزلةٍ وضيعة، وهؤلاء على درجات، وهؤلاء في دركات، والله أعلم.

"قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ [آل عمران:164] الآية، إخبارٌ بفضل الله على المؤمنين ببعث رسول الله ﷺ".

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ يعني أنعم، فالمنّة: هي النعمة الثقيلة، وأصل ذلك: اصطناع المعروف.

"قوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران:164] معناه: في الجنس واللسان، فكونه من جنسهم يوجب الأُنس به، وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حُسن الفهم عنه، ولكونه منهم يعرفون حسبه، وصدقه، وأمانته ﷺ ويكون هو ﷺ أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين".

مِنْ أَنْفُسِهِمْ يقول: "معناه في الجنس" يعني من جنسهم، يعني من البشر، وأنه ليس من جنسٍ آخر، فيستوحشون منه، أو لا يطيقون الاقتداء به، أو مخالطته، أو نحو ذلك، وهذا الذي اختاره الحافظ ابن كثير -رحمه الله-[30].

كما قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21] فلو كانت الأزواج من غير جنسهم لما حصل السكن إليهم، وهكذا في قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110] فهو من جنسهم، وليس من جنسٍ آخر، وكما قال: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:20] وهكذا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف:109] فهم من جنس البشر، فهذه آيات تدل على أن ذلك بهذا الاعتبار، مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي من جنسهم، من البشر، وليس من جنسٍ آخر، قال: "معناه في الجنس واللسان" الجنس يعني البشر، واللسان معناه أنه من العرب، بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله- أنه بلسانهم[31].

يقول: "فكونه من جنسهم يوجب الأُنس به، وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حُسن الفهم عنه" فهو من العرب، يقول: "ولكونه منهم يعرفون حسبه وصدقه وأمانته" فهذا كقوله -تبارك وتعالى-: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2] فهذا يشهد لهذا المعنى، وقد يكون ذلك مؤيدًا لما ذهب إليه ابن جُزي -رحمه الله- حيث جمع بين المعنيين، بين المعنى الأول: وهو في الجنس، وهذا اختيار ابن كثير، أو في اللسان، وهذا اختيار ابن جرير، فابن جُزي جمع بين المعنيين بهذه العبارة القصيرة، قال: "معناه في الجنس واللسان" فالأول -وهو الجنس- يشهد له آيات من القرآن، كما سمعتم، والثاني: وهو اللسان، كقوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ فامتنّ عليهم بذلك.

فعلى القول بأنه باللسان، يرد عليه السؤال المعروف: وهو عموم بعثه -صلى الله عليه وآله وسلم- للجميع، فكيف خصّ هؤلاء فقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ؟ يقال: هذا على سبيل الامتنان، والأدلة الأخرى تدل على عموم بعثته، دل على ذلك الكتاب والسنة، لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، وقول النبي ﷺ: وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة[32]، وقوله: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار[33]، وكذلك في مكاتباته -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الملوك، فكل هذا يدل على عموم بعثته، والأدلة على هذا معروفة، ولا تخفى.

"قوله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ [آل عمران:165] الآية، عتابٌ للمسلمين على كلامهم فيمن أُصيب منهم يوم أُحُد، ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف، والجملة معطوفةٌ على ما تقدّم من قصة أحد، أو على محذوف".

"من قصة أحد" يعني من قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152] الآية، أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قتلتم منهم هذا العدد، قد أصبتم مثليها هذا في أُحُد، لكن هم قتلوا منهم في أُحُد سبعين، وقُتِل من المسلمين مثل هذا العدد، فكيف قال: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا؟ سيأتي كلامه على هذا على كل حال، لكن كون هذه الجملة معطوفة على ما تقدم من قصة أُحُد، هذا ذكره الزمخشري في الكشاف[34]، كأن المؤلف نقله منه، واستبعده أبو حيّان[35]، قال: "أو على محذوف" يعني كأنه قال: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ كذا، وهذا أيضًا ذكره الزمخشري وجهًا آخر[36]، ورده أيضًا أبو حيان[37].

"قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [آل عمران:165] قُتل يوم أحد من المسلمين سبعون، وكان قد قُتل من المشركين يوم بدرٍ سبعون، وأُسر سبعون".

أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ هذه في أُحُد، قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها هذا في بدر، حيث قتلوا سبعين، وأسروا سبعين.

"قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] قيل: معناه أنهم عوقبوا بالهزيمة لمخالفتهم رسول الله ﷺ حين أراد أن يُقيم بالمدينة، ولا يخرج إلى المشركين، فأبوا إلّا الخروج، وقيل: بل ذلك إشارةٌ إلى عصيان الرماة حسبما تقدم".

وهذا القول الآخر "عصيان الرماة" هذا الذي قال به جماعة من السلف، كابن جُريج والربيع بن أنس، والسُدِّي، ومحمد بن إسحاق[38].

وجاء عن عمر بأن قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بأخذ الفداء يوم بدر[39].

لكن هذا يُمكن أن يُشكل عليه أن الله عفا عنهم، وطيّب لهم المغانم، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا [الأنفال:69]، فكيف عاقبهم به؟ حيث قال: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ [الأنفال:68] فلولا هذه حرف امتناع لوجود، فدل على أن العذاب مصروف عنهم، فكيف عاقبهم به في يوم أُحُد؟! ولكن قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بالمعصية، وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ الهزيمة، لِيَبْتَلِيَكُمْ [آل عمران:152] فهذا هو الذي وقع منهم، وهو العصيان والاختلاف، والله تعالى أعلم.

"قوله: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران:166] أي: جمع المسلمين والمشركين يوم أحد، وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا [آل عمران:167] الآية، كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول: ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قومٌ من المسلمين، فخرج رسول الله ﷺ غضب عبد الله، وقال: أطاعهم وعصانا، فرجع، ورجع معه ثلاثمائة رجل، فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري [وفي جميع النسخ: ابن حرامٍ الأنصاري].

الصواب ابن حرام، وهو والد جابر  واستُشهد في هذه الغزوة.

"وقال لهم: ارجعوا، قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، فقال له عبد الله بن أُبيّ: ما أرى أن يكون قتالٌ، ولو علمنا أنه يكون قتالٌ لكنا معكم، أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران:167] أي: كثّروا السواد، وإن لم تقاتلوا".

"أي: كثّروا السواد، وإن لم تقاتلوا" هذا قول، وقال به بعض السلف، مروي عن ابن عباس، وعِكرمة، وسعيد بن جُبير، والضحّاك، وأبي صالح، والحسن، والسُدّي[40]، فأكثر السلف قالوا بها.

وجاء عن بعضهم كالحسن بن صالح: أَوِ ادْفَعُوا يعني بالدعاء[41]، وهذا بعيد، كيف يخرج ثلث الجيش من أجل الدعاء؟ يدعون في بيوتهم، فليس هذا هو المقصود.

وقال بعضهم هو بمعنى: رابطوا[42].

وعلى كل حال مُباشرة القتال والدفع يمكن أن يكون بمعنى اتخاذ مواقف دفاعية، وتحصين ظهور المسلمين، والاحتراز لهم، ودفع من أراد بهم غِرَّة، والحراسة، ونحو هذا مما يُحتاج إليه، والله أعلم.

"قوله: الَّذِينَ قالُوا [آل عمران:168] بدلٌ من الذين نافقوا، ولِإِخْوَانِهِمْ في النسب؛ لأنهم كانوا من الأوس والخزرج".

"الَّذِينَ قالُوا بدلٌ من الذين نافقوا" فهم القائلون، "لِإِخْوَانِهِمْ في النسب؛ لأنهم كانوا من الأوس والخزرج" هذا كما سبق في موضعٍ سابق، بأن هذه الأخوة قد تُقال للأخوة في النسب باعتبار أنهم من القبيلة نفسها، وقد تكون هذه الأخوة باعتبار الاشتراك في البلد، وذكرت لكم أن ذلك مما يحتمله قوله تعالى في قصة الأحزاب: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب:18]، يحتمل أنه قاله لأخيهم بالنسب أو لإخوانهم من القبيلة، أو الإخوة في الدين، سواء كان المقصود أهل النفاق فهم الأخوة بينهم على هذا الأساس الفاسد، أو باعتبار ما ينتسبون إليه ظاهرًا من الإسلام، أو باعتبار البلد التي يشتركون فيها.

"قوله: قُلْ فَادْرَؤُا [آل عمران:168] أي: ادفعوا، والمعنى ردٌّ عليهم".

الدرء: يُقال للميل إلى أحد الجانبين، وأصله دفع الشيء، يعني: ادفعوا عن أنفسكم.

"قوله: بَلْ أَحْياءٌ [آل عمران:169] إعلامٌ بأن حال الشهداء حال الأحياء من التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين، فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة".

قوله: بَلْ أَحْياءٌ جاء في سبب النزول في الحديث قال: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا، أنا أحياء في الجنة نرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران:169] إلى آخر الآية[43]، فهذا سبب النزول.

وفي حديث ابن عباس -ا-: الشهداء -هذا في الشهداء عمومًا والأول فيمن أصيب في أُحُد - وأرضاهم- على بارق نهرٍ -يعني الموضع الذي يبرق من النهر الذي بباب الجنة ويظهر- بباب الجنة، في قبةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةً وعشيًا[44] فهذا في عموم الشهداء.

ويقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "كأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح -يعني يجمع بين هذه الأحاديث- أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون مُنتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم برزقهم هُناك، ويُراح"[45] لكن هذا في الشهداء.

وورد أيضًا في عامّة المؤمنين، غير الشهداء بأن أرواحهم تُنعّم أيضًا، كما في حديث كعب بن مالك، يرويه أحمد عن الشافعي عن مالك، الأئمة الثلاثة، عن الزُهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: نسمة المؤمن طائرٌ يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله -تبارك وتعالى- إلى جسده يوم يبعثه[46].

يقول ابن كثير -رحمه الله-: "وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائرٍ في الجنة"[47]، وأما أرواح الشهداء فكما تقدّم في حواصل طيرٍ خُضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها.

"قوله: بَلْ أَحْياءٌ إعلامٌ بأن حال الشهداء حال الأحياء من التمتع بأرزاق الجنة بخلاف سائر الأموات" فهذا الكلام الأخير غير دقيق، قال: "فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة" وحديث كعب بن مالك يدل على خلاف ما ذكر، أن أرواح المؤمنين أيضًا تتمتع بنعيم الجنة، لكنه تمتُّع محدود، يعني كما قال ابن القيم -رحمه الله- بأن حال البرزخ يكون فيه تمتع للأرواح والأجساد تبع[48]، وأما في الدنيا فالتمتع في الأصل للأجساد والأرواح تبع، الأكل والشرب واللباس والزينة، وأما في الآخرة فيكون كمال التمتُّع للأجساد والأرواح على حدٍ سواء، وهذا كمال النعيم أو العذاب، والله أعلم.

  1. معاني القراءات للأزهري (1/153) وتفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/58).
  2. أخرجه أحمد ط الرسالة (39/14-23601) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".
  3. معاني القراءات للأزهري (1/279).
  4. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/150).
  5. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/151).
  6. أخرجه الترمذي ت شاكر، في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران برقم: (3009) وصححه الألباني.
  7. تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/194).
  8. كما في الفتح السماوي (1/414).
  9. في صحيح سنن أبي داود (ص: 2-3971) وفي صحيح سنن الترمذي (7/9-3009) والصحيحة (2788).
  10. مختصر سنن أبي داود للمنذري ت حلاق (3/5).
  11. الفتح السماوي (1/414).
  12. سنن الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران برقم: (3009).
  13. أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات برقم (3971) وصححه الألباني.
  14. أخرجه الترمذي ت شاكر، في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران برقم: (3009).
  15. تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/13).
  16. أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الغلول برقم: (3073) ومسلم في الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول برقم: (1831) واللفظ لمسلم.
  17. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الأحكام، باب ما جاء في هدايا الأمراء برقم: (1335) وقال الألباني: "ضعيف الإسناد".
  18. أخرجه البخاري في كتاب الحيل، باب احتيال العامل ليهدى له برقم: (6979) ومسلم في كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال برقم: (1832).
  19. سبق تخريجه.
  20. سبق تخريجه.
  21. سبق تخريجه.
  22. أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب قول النبي -ﷺ: ((أحلت لكم الغنائم)) برقم: (3124) ومسلم في الجهاد والسير، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة برقم: (1747).
  23. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون برقم: (114).
  24. أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض، والغنم، والزروع، والأمتعة برقم: (6707).
  25. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/157).
  26. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/158) وتفسير ابن المنذر (2/477).
  27. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/158) وتفسير ابن المنذر (2/477).
  28. تفسير ابن أبي حاتم - محققا (3/807) وتفسير ابن كثير ت سلامة (2/158).
  29. تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/210) وتفسير ابن كثير ت سلامة (2/158).
  30. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/158).
  31. تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/212).
  32. أخرجه البخاري في كتاب التيمم برقم: (335) ومسلم في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم: (521).
  33. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم: (153).
  34. تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/436).
  35. البحر المحيط في التفسير (3/419).
  36. تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/436).
  37. البحر المحيط في التفسير (3/419).
  38. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/159).
  39. تفسير السمعاني (1/376) وزاد المسير في علم التفسير (1/344).
  40. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/160).
  41. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/160).
  42. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/160).
  43. أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة برقم: (2520) وحسنه الألباني. 
  44. أخرجه أحمد ط الرسالة (4/220-2390) وقال محققو المسند: "إسناده حسن".
  45. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/164).
  46. أخرجه بهذا الإسناد أحمد ط الرسالة (25/57-15778) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح" وهو أيضاً في ابن ماجه.
  47. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/164).
  48. الروح (1/263-311).

مواد ذات صلة