تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 19 / رجب / 1440 - 25 / مارس 2019
(001-أ) من أول السورة – إلى قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء..) الآية 3
تاريخ النشر: ٠١ / ربيع الآخر / ١٤٣٨
التحميل: 1101
مرات الإستماع: 1478

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا الحكمة والقرآن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا والحاضرين والمستمعين، أما بعد:

فيقول الإمام ابن جزي في بداية سورة النساء:

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]: خطابٌ على العموم، وقد تكلمنا على التقوى في أوّل البقرة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسورة النساء: سورةٌ مدنيةٌ بالإجماع، وجاء في حديث عائشة -رضي الله عنها-: "وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده"[1]، وكانت عند النبي ﷺ كما هو معلوم في المدينة.

وكذلك أيضًا جاء في حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- عند مسلم في الكلالة، لما سأل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عنها: ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟[2].

وكذلك حديث ابن مسعود : فقرأت عليه سورة النساء[3]، وهذا أيضًا كله يتضمن التسمية، أنها سميت بسورة النساء.

حديث عمر: ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟، وفي حديث ابن مسعود: "فقرأت عليه سورة النساء"، فهذه السورة مسماة بهذا الاسم.

وذكر بعض أهل العلم كالطاهر ابن عاشور في وجه التسمية يعني بالنساء: أنها افتتحت بأحكام صلة الرحم، ثم بأحكام تخص النساء، وأن فيها أحكامًا كثيرة من أحكام النساء، والأزواج، والبنات، وخُتمت بأحكامٍ تخص النساء، كذلك تكرر اسم النساء فيها مفردًا، ومضافًا مراتٍ عديدة، وتكرار الاسم من دواعي التسمية.

ومما صح من الأحاديث في فضلها مضمومةً إلى غيرها، ما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر[4]، بهذا اللفظ: الأول، هذا قد يحتج به من يقول: بأن ترتيب السورة بتوقيف، فهو حضر هذا عند الإمام أحمد وغيره.

وكذلك أيضًا في حديث ابن مسعود قال: "إن في النساء لخمس آياتٍ"، هذا قول ابن مسعود موقوف، "ما يسرني بهن الدنيا وما فيها، وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها: إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]"[5].

فهذه السورة في كثيرٍ من آياتها تتحدث عن الأحكام كما هو الغالب السور المدنية، وتحدثت عن قضايا أخرى.

يقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]: "خطابٌ على العموم" فالسورة افتتحت بهذا الخطاب العام يا أَيُّهَا النَّاسُ: يعني ما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، مع أن الغالب أن هذا الخطاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يكون في السور المدنية، وأن يا أَيُّهَا النَّاسُ يكون في السور المكية، كما ذكروا ذلك في ضوابط المكي والمدني، لكن هنا يا أَيُّهَا النَّاسُ قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أنه لما كان الغالب على سورة النساء مخاطبة الناس في الصلات التي بينهم بالنسب، والعقد، وأحكام ذلك افتتحها الله -تبارك وتعالى- بقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ؛ لعموم أحكامها[6]، والله أعلم.

هذا قوله: "خطابٌ على العموم وقد تكلمنا على التقوى"، والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر، واجتناب ما نهى، فالتقوى كلمة جامعة تعني: ألا يراك حيث نهاك، وألا تُفقد حيث أمرك.

مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1]: هو -آدم -.

هذا بلا شك بالإجماع.

زَوْجَهَا [النساء:1]: هي حوّاء خلقت من ضلع آدم.

"خلقت من ضلع آدم" ليس هناك فيما أعلم دليل صريح على أنها "خلقت من ضلع آدم" هكذا بالإضافة إلى آدم -عليه الصلاة والسلام- ولكن ذلك جرى على ألسن العلماء، وأقلامهم، وفهموا ذلك، أو كأنهم فهموه من قول النبي ﷺ في الحديث المعروف: استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن، أو فإن المرأة خُلِقَت من ضلع[7]، ما قال: من ضلع آدم، لكن قال: خُلِقَت من ضلع.

يقول النووي -رحمه الله-: "وفيه دليلٌ لما يقوله الفقهاء، أو بعضهم: أن حواء خلقت من ضلع آدم، قال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1]، وبيّن النبي ﷺ أنها خُلِقَت من ضلع"[8]، هذا كلام النووي -رحمه الله- يعني فُهِم هذا من هذا الحديث مع أن الحديث ليس فيه إضافة إلى آدم -عليه الصلاة والسلام- فالله أعلم.

وَبَثَّ [النساء:1]: نشر.

البث أصله التفريق، التفريق نشر، قال ابن كثير: "وذرأ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1] أي: وذرأ ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم"[9]، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]: نشر في أقطار الدنيا.

تَسَاءَلُونَ بِهِ [النساء:1] أي: يقول بعضكم لبعضٍ: أسألك بالله أن تفعل كذا.

"أسألك بالله أن تفعل كذا، تَسَاءَلُونَ بِهِ [النساء:1]" يعني: تساءلون بالله قال الضحاك: "تعاهدون به وتعاقدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها"[10]، هذا كلام الضحاك، تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1]، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1]، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس[11].

وَالأَرْحَامَ [النساء:1] بالنصب عطفٌ على اسم الله أي: اتقوا الأرحام فلا تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور، وهو به؛ لأنّ موضعه نصب، وقرئ بالخفض عطفٌ على الضمير في به، وهو ضعيفٌ عند البصريين؛ لأنّ الضمير المخفوض لا يعطف عليه إلّا بإعادة الخافض.

الآن على هذه القراءة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ، وَالأَرْحَامَ على قراءة الجمهور التي نقرأ بها خلافًا لقراءة حمزة وَالأَرْحَامِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ هذه القراءة واضحة بأن ذلك أعني وَالأَرْحَامَ معطوف على اسم الجلالة الله، وَاتَّقُوا اللَّهَ ووَالأَرْحَامَ، اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها، وَاتَّقُوا اللَّهَ، و"اتقوا الأرحام فلا تقطعوها" كما مضى من قول الضحاك -رحمه الله- ولا إشكال على هذه القراءة.

قال: "أو على موضع الجار والمجرور" يعني أنه معطوف على موضع الجار والمجرور هذا على قراءة النصب وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ هذا الجار والمجرور بِهِ، تَسَاءَلُونَ بِهِ هذا موضعه النصب من جهة الإعراب تَسَاءَلُونَ بِهِ، فإذا عُطف عليه الأرحام على موضعه، وليس على اللفظ، على موضعه وهو النصب، وإذا كان معطوفًا على موضعه، فيكون من جهة المعنى يرجع إلى قراءة الجر، يعني يكون وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ تساءلون بالأرحام، وكما تقول: مررت بزيدٍ، فعمرو، وهنا مررت بزيدٍ، إذا قلت: مررت بزيدٍ، وعمروًا، فعمروًا هنا معطوف على زيد، لكن هل هو معطوفٌ على لفظه؟ أو على موضعه؟ عمروًا لو كان معطوفًا على لفظه لقال: مررت على زيدٍ وعمروٍ، مررت بزيدٍ، وعمروٍ، لكن إذا قلت: مررت بزيدٍ وعمروًا، فيكون العطف على موضع زيد؛ لأنه مفعولٌ به، من الذي مُرَّ عليه؟ هو زيد، فهو في موضع نصب مفعول به، لكن ضعف الفعل عن التعدية بنفسه مررت، فعدي بالحرف، مررت بزيدٍ وعمروًا، يعني أصله مررت زيدًا، ولكن ضعف الفعل عن يتعدى بنفسه.

تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ كذلك، فتكون قراءة النصب هذه على هذين التوجيهين، على الأول لا إشكال، وعلى الثاني من جهة المعنى ترجع إلى قراءة الجر، عائد إلى به تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ، فمعنى ذلك أن السؤال أيضًا واقع، والتساؤل واقع بينهم بالأرحام، يعني يقول: أسألك بالله وبالرحم، فلا يصح أن يقول: أسألك بالله وبالرحم وإنما يسأل بالله، فبعض أهل العلم يقولون: إن ذلك إنما جاء جاريًا على ما كانوا يتعاطونه، ويتساءلون به يذكرهم الله -تبارك وتعالى- بذلك، يعني بالرحم.

وهنا يقول: "وقرئ بالخفض" يعني أي: تَسَاءَلُونَ بِهِ وبالأرحام، كما جاء عن مجاهد[12]، وإبراهيم النخعي[13]، والحسن البصري[14]، وبالأرحام، فهذه قراءة حمزة.

قال: "وهو ضعيفٌ عند البصريين" هنا نقل في الحاشية أن هذه القراءة منعها المبرد، يقول: "لو صليت خلف إمامٍ يقرأ بالكسر، لحملت نعلي ومضيت"[15]، وضعفها صاحب الكشاف بقوله: "والجر على عطف الظاهر على المضمر ليس بسديد"[16]، وقال الزجاج: "فأما الجر في الأرحام فخطأٌ في العربية"[17]، هذه مشكلة، فهذا مثال لرد القراءة لقواعد يدعيها النحاة، ترد القراءة متواترة بسبب هذا، يقول: وأنكرها ابن عطية كذلك[18].

وذكر رد بعض العلماء على من ضعفها، والأصل عندنا أن القاعدة أنه لا ترد القراءة المتواترة بدعوى مخالفة قاعدة نحوية، ولو كانت 100 قاعدة كما قال ابن القيم -رحمه الله- [19]؛ لأن هذه القواعد استقرائية، يستقرؤون الكلام، كلام العرب ولربما يستندون على أن ذلك لغة، يستندون إلى قول أعرابي مجهول الاسم أحيانًا، سُمع يقول: كذا، فيقولون: هذه لغة، مجهول، طيب وإذا ثبت هذا بالإسناد الصحيح من كلام الله -تبارك وتعالى، أو ثبت بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فهذا أولى من ذلك البيت الذي لا يعرف قائله، لذلك لا يقبل منهم مثل هذا، يعني: هب أن هذا من الكلام العربي الفصيح بصرف النظر عن نسبته إلى القرآن، أو إلى حديث رسول الله ﷺ وذكر قول ابن مالك في تأييد هذه القراءة:

وعود خافضٍ لدى عطفٍ على ضمير خفضٍ لازمًا قد جعل
وليس عندي لازمًا قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتًا[20]

كما في هذه القراءة، يقول: "أما أبو حيان: فلا يكتفي بالرد على هذه القراءة، بل يرد عليهم عامةً، وعلى ابن عطية خاصة فيقول: فما ذهب إليه البصريون، وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجهول إلا بإعادة الجار غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك، وأنه يجوز،...الخ"[21]، ويراجع كلامه في ذلك.

وكذلك أيضًا ابن حزم رد على النحاة الذين يردون بعض القراءات لمخالفتها القياس بزعمهم، ثم يثبتون اللغة بما هو دون القراءة كما ذكرت، يقول: "ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحُطيئة، أو الطرماح، أو لأعرابيٍّ أسديٍّ، أو أسلميٍّ، أو تميميٍّ، ومن سائر أبناء العرب، أوّال على عقبيه لفظًا في شعرٍ، أو نثر جعلها في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم وجد الله تعالى خالق اللغات وأهلها كلامًا لم يلتفت إليه، ولا جعله حجةً، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن مواضعه، ويتحايل فيه إحالته عما أوقعه الله عليه، وإذا وجد لرسول الله ﷺ كلامًا فعل به مثل ذلك"[22]، هذا من الرد على مثل هؤلاء، وهو مهم؛ لأن ذلك يقع في مواضع من كتب التفسير و إعراب القرآن.

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة، وهو مقامٌ شريف أصله علمٌ وحال، ثم يثمر حالين: أما العلم: فهو معرفة العبد بأنّ الله مطلعٌ عليه، ناظرٌ إليه يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله، وأما الحال: فهي ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصل العلم والحال: كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي، والجدّ في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقرّبين: الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال، وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله ﷺ بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك[23].

فقوله: أن تعبد الله كأنك تراه: إشارةٌ إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم: كمن يشاهد ملكًا عظيمًا، فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة.

وقوله: فإن لم تكن تراه فإنه يراك: إشارةٌ إلى الثمرة الأولى، ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقرّبين، فأعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أوّل مرةٍ بالمقام الأعلى رأى أنّ كثيرًا من الناس قد يعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر.

واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدّم قبلها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة: فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره.

وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة، ونقض عهد المرابطة، عاقب النفس عقابًا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى.

قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] أصل هذه المادة الراء، والقاف، والباء، كما مضى في الكلام على الغريب يدل على انتصابٍ لمراعاة شيءٍ، والمعنى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يعني أي: علمًا، مطلعًا، حافظًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا هذا الكلام الذي ذكره هنا، كما ذكرت لكم في أول الكلام على هذا التفسير أنه يخرج في مثل هذه المواضع أحيانًا، ويتحدث عن الجوانب في السلوك، أو الأعمال القلبية ونحو ذلك، ولربما جاء بشيءٍ من عبارات الصوفية كما هنا، وهذا خارجٌ عن التفسير، يعني ليس هذا من التفسير الذي هو الكشف عن المعنى، وإنما هذا استطراد، كلامه هنا مقام المراقبة عند أصحاب اليمين، وعند المقربين، ما يثمره عند هؤلاء وهؤلاء، فعند المقربين ذكر: أنه يثمر "الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال"، وذكر أن المراد بالحديث: أن تعبد الله كأنك تراه.

 قال: أن تعبد الله كأنك تراه: "إشارةٌ إلى الثمرة الثانية" يعني عند المقربين، وهي المشاهدة، فالشهادة عنده هنا المقصود بها: المشاهدة الموجب للتعظيم، راجع كلامه صفحة 256، وما ذكره هناك، يقول: "الدرجة الثانية، توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرةً من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة"، هذه المشاهدة عنده، يشاهد ذلك بطريق المكاشفة، "لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاصة في التوحيد يقينٌ في القلب بعلمٍ ضروري لا يحتاج إلى دليل" إلى آخر ما ذكر، وهذا الذي يسمى عند الصوفية كما ذكرنا: بوحدة الشهود، وهو من مقاماتهم المعروفة عندهم.

فهذا الكلام ليس عليه دليل لا في الكتاب، ولا في السنة، والحديث الذي ذكره في الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، بينما مقام المشاهدة عندهم هو أن يكون في هذه الحال متحققة في مقام المشاهدة، فبينما الحديث لا يدل على هذا.

الحديث: كأنك يعني: يكون عند الإنسان من مراقبة الله -تبارك وتعالى- بحيث كأنه يرى ربه، كأنه يرى ربه، لا أن ذلك متحقق، بحيث إن ذلك صار من أهل المكاشفة، واضح الفرق بين هذا وهذا كأنك؟ كأن هذه للتشبيه، كأنك تراه، وكونه جعل الحديث على هاتين المرتبتين: مرتبة أصحاب اليمين والمقرين، هذا كلام لا دليل عليه.

وكلام أهل العلم في الحديث معروف، بعضهم يقول: بعضهم يرجع إلى حالٍ واحدة، أن تعبد الله كأنك تراه، كأنه يقول: فإن لم تكن تراه فاعلم أنه يراك يعني هذا المعنى، وبعضهم قال: هذا على مرتبتين إحداهما أعلى من الأخرى:

المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه هذه أعلى أن يكون الإنسان دائمًا مستحضرًا لمراقبة الله له، فيكون بحالٍ من التأدب مع الله، والقيام بوظائف العبودية على الوجه الأكمل، والانكفاف عما لا ينبغي بحيث كأنه يرى الله، فيكون متأدبًا معه، مراعيًا لحدوده، وحقوقه، ومحارمه، وحافظًا لسمعه، وبصره، وجوارحه.

المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه فإنه يراك يعني: إذا ما وصلت إلى هذا الحد، أو المستوى، أو من المراقبة كأنك ترى الله كأنك تراه، فتذكر أن الله يراك، هذه المرتبة الأولى عند من فرق بينهما، وقال: على درجتين، الأولى: كأنك ترى الله، تكون في حال من التأدب، ونحو ذلك، الثانية: تستحضر اطلاع الله عليك، ومراقبته، فتتأدب، وتحفظ الرأس وما وعى، البطن وما حوا إلى آخره، هذا لا إشكال فيه سواءً قيل على مرتبة واحدة، أو على مرتبتين، لكن الإشكال في كلامهم هنا في تنزيل ذلك على مقامات الصوفية، فيقولون: الحال الأولى هي مقام المقربين، وذلك بالمشاهدة، فهذا غير صحيح، وما ذكره هنا من "أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدّم قبلها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة" على كل حال المراقبة متى تيقن العبد أن الله -تبارك وتعالى- عليمٌ، رقيبٌ، شهيدٌ، خبيرٌ يعلم الخبايا، لطيف يعلم الدقائق، محيط، يعلم، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]، سميعٌ يسمع الأصوات وإن دقت، بصير لا يخفى عليه من خلقه شيء، فإنه إذا حصل له هذا اليقين، حصلت له المراقبة، فإذا كان العبد في حالٍ من الإيمان والعلم يبلغ به هذا، فهو من أهل الإحسان، هذه مرتبة يصل إليها العبد في بعض أحواله، لكنه قد لا يدوم عليها، وهذا مشاهد، وتجد هذا في كلام الناس، بعضهم يحصل لهم من حالات الإقبال على الله بحيث يصير إلى هذه المرتبة، يعبد الله كأنه يراه، وقد لا يحصل ذلك لكثيرين إلا بابتلاء يسوقه الله لهم، ويحصل عندهم من الإخبات، والانكسار، والضراعة، واستشعار الفقر إلى الله والتذلل بين يديه، والإقبال على طاعته، وترك مساخطه، إلى آخره، ما يصير معه في هذه الحال، مع ملازمة الذكر والطاعة، فيتفرغ القلب عن الصوارف والشواغل التي تصرفه عن الله وتورثه الغفلة، فيصير إلى هذه المرتبة، مرتبة الإحسان، هذا مشاهد ويقع، لكنه قد يقع لبعض الناس مدةً قصيرة هي وقت الابتلاء، ولربما لا يستمر ذلك معه حتى في حال الابتلاء؛ لأنه قد يقلق في الابتلاء، فيضعف، والغالب أن ذلك يتلاشى بعد البلاء الذي نزل به، فينزل عن هذه المرتبة.

وأما من يقع له ذلك ابتداءً بإقباله -يعني من غير ابتلاء- بإقباله على الطاعة، وكثرة الذكر، وتصفية القلب من الصوارف، والشواغل، والعلل، والآفات، ونحو ذلك، فهذا قليل، الغفلة غالبة، والله المستعان.

وهذا الكلام الذي ذكره من المشارطة، والمرابطة، ثم المحاسبة، لا إشكال فيه من حيث الجملة، لكن كما ذكرت لكم تتحقق هذه المرتبة، مرتبة الإحسان والمراقبة بما ذكرت من الناحية العملية يحتاج الإنسان إلى مجاهدةٍ، وأعمالٍ توصله إلى ذلك، الإيمان معروف أنه يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذه مرتبة عالية في الإيمان، كما في حديث جبريل لما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فهذا أعلى المراتب، فكيف يصل إليها؟ بما يرتقي بإيمانه، ويرفعه، وهذا لا يخفى، فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والإقبال على الله ومجاهدة النفس، وفعل الطاعات، وكثرة الذكر، وقراءة القرآن بالتدبر، والتذكر، والنظر بما يوجب اليقظة، وكذلك ترك أسباب الغفلة من أنواع الفضول: فضول الطعام، والشراب، والنوم، والخلطة، والكلام، والنظر، والسمع، وما إلى ذلك، وإضافةً إلى ذلك وهو أولى: ترك المعاصي، وتجديد التوبة، وكثرة الاستغفار حتى يحصل للقلب الجلاء، وإذا حصل مثل هذا الثقل للقلب، فإنه يكون في حالٍ من الشفافية، فيصل إلى المرتبة العالية التي يكون الإنسان فيها -فعلًا- في جنة في الدنيا.

هذا الذي قال فيه شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"[24]، هذه الجنة يجدها إذا ارتقى بإيمانه إلى هذا الحد، فيزهد في الدنيا، ويقبل على الآخرة، ويعظم ما عظمه الله، نحو ذلك من اللوازم، والمقتضيات.

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2]، خطابٌ للأوصياء، وقيل: للعرب الذين لا يورثون الصغير مع الكبير، فأمروا أن يورثوهم، وعلى القول بأنّ الخطاب للأوصياء، فالمراد أن يعطوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صغرهم، فيكون اليتيم على هذا حقيقة.

وقيل: المراد دفع أموالهم إليهم إذا بلغوا، فيكون اليتيم على هذا مجازًا، لأن اليتيم قد كبر.

"وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2]، خطابٌ للأوصياء" على هذا، واليتيم هو من فقد أباه قبل سن البلوغ، فكيف تعطى لهم أموالهم، والله يقول: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:4]، فسيأتي أن ذلك يمكن أن يصدق على أموال اليتامى، يعني أضافها إليهم وهي أموال اليتامى على القول المشهور، وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:4] فإذا حمل على اليتيم حقيقةً ما كان دون البلوغ، فيكون محمله آتوهم يعني من النفقة، وليس كل المال يعطى لهم، ويحتمل أن يكون المقصود بذلك، وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أن المقصود به دفع المال إليه، وهل يدفع إليه وهو صغير قبل البلوغ؟

الجواب: لا، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6]، فهنا يحتمل أن يكون ذلك بعد بلوغ الرشد، وسماه يتيمًا باعتبار ما مضى، وهذا كما قال الله : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الأعراف:120]، لما آمنوا لم يكونوا سحرة وإنما جاءت التسمية باعتبار ما سبق من اشتغالهم بالسحر، وهذا المعنى الذي أشار إليه، هو ظاهر اختيار ابن كثير -رحمه الله-[25]، ورجحه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-[26] يعني أن المقصود وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ: أن تعطيه المال كله بعد أن يبلغ سن الرشد، وسماه يتيمًا باعتبار ما مضى، وكما سيأتي في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] هل المقصود باليتيمة هنا من كانت دون سن البلوغ يتزوجها؟ أو المقصود صارت امرأة بالغة، فارتفع عنها اليتم، فسماها يتيمة باعتبار ما سبق، وهكذا قد تسمى المرأة زوجة، وهي مطلقة بائن.

في قوله تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:232] هذا خطاب للأولياء، ولي المرأة ألا يمنع المرأة من التي بانت من زوجها بالطلاق من الرجوع إليه إذا اصطلحت معه، واتفقت معه على الرجوع، ورضيت بذلك، فيمنعها لربما انتقامًا منه لماذا طلقها، قال: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة:232] هو لم يعد زوجًا لها، لكن سماه زوجًا باعتبار ما سبق، فبعضهم يقول: إن اليتامى هنا يعني كبار، فسماهم بهذا باعتبار ما مضى.

وباعتبار القول الآخر: "وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ يقول: وقيل: للعرب الذين لا يورثون الصغير مع الكبير، أمروا أن يورثوهم وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ" هذا يكون الخطاب أن يورثون، ولو اليتامى، وهو من كان دون البلوغ هؤلاء الصغار الذين كان العرب لا يورثونهم.

ولو قال قائل: بأن هذا خطابٌ عام: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ، فذلك يشمل دفع المال إليهم إذا صاروا إلى سن البلوغ، وتوريث هؤلاء أيضًا حيث إن بعضهم لا يورثهم، توريث هؤلاء يقولون: هذا لا يدفع المرأة والطفل لا يعطونهم الميراث، يقولون: هذا ليس بأهلٍ للدفع، ولا يدفع عن البلاد، ونحو ذلك، لا يحمل السلاح، لا يقاتل، فلا يورث هو والمرأة، فهنا يقول: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ، فيمكن أن يدخل فيه هذا أيضًا بتوريثهم، والإنفاق عليهم، وذلك كله من إيتائهم الأموال.

لكن المتبادر إلى الذهن: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ بمعنى دفع المال إليه إذا صار إلى سن الرشد يعني: وَآتُوا الْيَتَامَى حتى لو قال: إن هذا عند القائلين بالمجاز، أو من لا يسميه مجازًا كالشنقيطي -رحمه الله- أن ذلك باعتبار ما مضى، وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ باعتبار أنه يعطى المال بشرطه، ما هو شرطه؟

فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء:6]، فالمقصود أن يعطى له المال، ولا يعتدى عليه، لكن يكون دفعه بتحقق الشرط، إذا بلغ الرشد فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا، ولا بد في الرشد من البلوغ، وحسن التصرف في المال، بهذين الشرطين.

وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:3]: كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف، فنهوا عن ذلك، وقيل: المعنى لا تأكلوا أموالهم، وهو الخبيث، وتدعوا مالكم، وهو الطيب.

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ يحتمل إن المقصود إذا صار إلى سنٍ يدفع فيه المال، هذا هو المراد كما هو المتبادر، يعني بشرطه، فسماه يتيمًا يحتمل -والله أعلم- باعتبار التشتيت في ذلك، والتذكير، وترقيق القلب، ونحو ذلك بأن هذه -يعني هذه التسمية- عبر عنها باليتيم، أعط اليتيم في الذهن شدة الوعيد لمن اعتدى على أموال اليتامى، وحرمة ذلك، وله وقعٌ في نفوسهم، فعبر بمثل هذا يحتمل لهذه العلة، والله أعلم.

قال: "وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:3] كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة، وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ" من ماله، هذا جاء عن ابن المسيب، والزهري[27]، محمد بن شهاب الزهري: أن المقصود بذلك استبدال الجيد بالرديء، يعني: كالشاة المهزولة بالسمينة.

"والدرهم الطيب بالزائف" هذا جاء عن إبراهيم النخعي والضحاك[28]، يقول: "فنهوا عن ذلك"، والسدي[29] جمع بين المعنيين كما فعل ابن جزي، هذا لا إشكال فيه بطبيعة الحال، أن السلف قد يفسرون بالمثال فيكون ذلك من قبيل التفسير بالمثال، يعني: أنه يستبدل الشاة الهزيلة بالسمينة، والدرهم الجيد بالزائف، فهذا لونٌ من استبدال الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.

 وقال: "وقيل: المعنى لا تأكلوا أموالهم، وهو الخبيث، وتدعوا مالكم، وهو الطيب" وهذا هو الأقرب وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ يعني: أكل أموال اليتامى، وأخذ أموال اليتامى، والتسلط عليها، والسطو، فإن ذلك كسبٌ خبيث بلا شك، بالطيب الذي هو كسبهم، وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وهذا الذي اختاره أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-[30]، وهذا كأنه أقرب، لكن أولئك كأنهم نظروا إلى لفظة تَتَبَدَّلُوا أن فيها استبدال، استبدال ماذا؟ قال: استبدال الرديء بالجيد من مال اليتيم، وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ، ولكن لا إشكال أيضًا أن يقال: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، فإنه إن قصد مال اليتيم بالاستحواذ عليه، وأخذه، وأكله يكون قد ترك الطيب الذي هو ماله، وكسبه مستعيضًا عنه بكسبٍ خبيث لا يحل له أخذه، وأكله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] فهذا كسبٌ خبيث، كأن هذا أقرب، -والله تعالى أعلم-.

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء:2] المعنى: نهيٌ أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعةً إلى أموالهم، وقيل: نهيٌ عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أباح ذلك بقوله: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [البقرة:220]، وإنما تعدّى الفعل بإلى؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم، وقيل: بمعنى مع، -وفي النسخة الخطية: وقيل: إلى بمعنى مع-.

"وقيل: بمعنى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ" قال هذا: "نهيٌ أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعةً إلى أموالهم" تأكلوها مجموعةً إلى أموالكم، مجموعة إلى أموالكم، وهذا جاء عن مجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان[31]، نحن دائمًا إذا ذكرنا مقاتل في الأصل إنه ابن حيان إلا إذا قيل ابن سليمان، كذلك أيضًا السدي، كل هؤلاء قالوا: لا تخلطوها، فتأكلوها جميعًا، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ: لا تخلطوها، يعني مضمومةً إلى أموالكم، لا تأكلوا أموالهم مجموعةً إلى أموالكم، أو مضمومةً إلى أموالكم، "نهيٌ أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعةً إلى أموالهم".

"وقيل: نهيٌ عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أباح ذلك بقوله: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ" [البقرة:220]، يعني هذا فيه نظر، هنا الإشارة في المعنى أنه كان يخالط اليتيم في طعامه، وكانوا يتحرجون من ذلك لما نزل الوعيد إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء:10]، فكان الرجل يصنع لليتيم طعامًا خاصًا، لا يخلط ذلك بطعامه، وطعام أهل بيته، فشق ذلك عليهم، شق ذلك عليهم، فرخص الله لهم بأن يخلطوا مال اليتيم، ليس كل مال اليتيم، وإنما في المآكلة، ونحو ذلك، يعني يكون الطعام المصنوع واحدًا، يقدر لليتيم مقدار قد لا يأكله اليتيم، قد يأكل بعضه، قد يدخل عليهم منه شيء، كانوا يتحرجون، فرخص الله لهم ذلك، وبين أنه يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220]، يعني من كان قصده إتلاف مال اليتيم، والاستحواذ عليه، والاستفادة منه، أو كان قصده الإصلاح، ويتحفظ، ويتحرز، قد تستغربون من مثل هذا يعني وجود طعام في إناء مخلوط يقدر لليتيم منه مقدار معين مثلًا، لربما مقدار كف واحدة، أو نحو ذلك، أو تمرات.

أو مثل هذا نحن  لا نستشعر هذا، ولا ندركه؛ لما نحن فيه من النعم التي لا نحصيها، وكثرة ما بين أيدينا من ألوان الطعام، ووفرته، لكن في السابق إلى عهدٍ قريب حبات تؤثر، تعرفون في سيرة الإمام أحمد -رحمه الله- اللقاط، اللقاط هو الحب الذي يتساقط بعد الحصاد، يتساقط في الأرض، فيأتي الفقراء، ويأخذون حبة من هنا، وحبة من هنا، وحبة من هنا، حتى ذكر أن الإمام أحمد -رحمه الله- خرج للقاط، فرأى هيئةً كرهها، فرجع، استحى، يعني الناس ما يستطيع ويجلس، يقوم ويجلس من أجل حبة هنا، وحبة هناك، وحبة هناك، فماذا يفعلون؟ يضطرون إلى أن يحبوا الواحد على أربعة في هذا الحقل، فالإمام أحمد رأى الناس يحبون في هذه الحقول المحصودة يلتقط حبة من هنا، وحبة من هنا، كأنهم بهائم سارحة في هذا، أو ترعى في هذا الحقل، ماذا عسى أن يجمع الواحد منهم من حبات؟ وإلى عهدٍ قريب كان هذا يوجد، وإذا حصل صرم النخيل الجذاذ للنخيل مثلًا تجد الفقراء، بل لربما أهل هذه النخيل؛ لأنهم يبيعون ذلك سدادًا للديون التي عليهم، فتجد أن هؤلاء يلتقطون ما قد يتساقط، ولربما كان من الشيص يلتقطونه، بل لربما كانوا يقومون بفرز النوى، النوى الذي يجمع للبهائم؛ لعلهم يجدون فيه ولو شيصًا، فلما يكون عند اليتيم مال، طعام، ونحو ذلك في ذلك الوقت، في حالات الشدة، في حالات الجوع يؤثر كثيرًا، فقط يغتبط به ولي اليتيم، الوصي على اليتيم، فإذا كان قصده الإفساد بالاستحواذ على مال اليتيم، فالله يعلم ذلك، وإذا كان قصده الإصلاح لليتيم، حفظ ماله، والاحتراز له، وتقدير ذلك، ولم يكن قصده أن يأكل منه، ودخل عليه شيء بغير قصد، فلا إشكال.

وهنا وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلَى أَمْوالِكُمْ: يعني مضمومةً إلى أموالكم، أو مجموعة، ولهذا قال هنا: "وإنما تعدّى الفعل بإلى" ما قال: ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، فعلى مذهب الكوفيين كما سبق في بعض المناسبات، الذين يقولون: بتعاور، وتناوب الحروف، حروف الجر، يقولون: إلى هنا بمعنى مع، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، لكن على مذهب البصريين الذي يقولون: بالتضمين، تضمين الفعل معنى الفعل، ونحو ذلك، يقول: "لأنه تضمن معنى الجمع والضمط، يعني: ولا تأكلوا أموالهم مضمومةً إلى أموالكم، ما الذي تضمن معنى الجمع؟

الفعل تَأْكُلُوا، لاحظ تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى فعداه بإلى، والأكل لا يتعدى، فعل أكل لا يتعدى بإلى، تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ يعني مضمنًا بمعنى تضموا، ولا تضموا أموالهم مع، تضم يتعدى بإلى، نعم، ولا تضموا أموالهم مع أموالكم، أو تجمعوا، ولا تجمعوا مع أموالكم.

قال: "وقيل: بمعنى مع" على مذهب -كما سبق- على مذهب الكوفيين، وبعضهم يقول: هذا منسوخ بـــ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [البقرة:220]، لكن هذا غير صحيح؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وليس المقصود به وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إنه كان يخالط اليتيم في طعامه، ثم نسخ ذلك ليس هذا هو المقصود هنا، والله أعلم، وإن الاستحواذ عليه كما قال : وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6]، يعني: قبل أن يصل إلى سن الرشد، ويطالب بماله، ويعرف كيف يستخلص المال، فيستعجل ذلك الوصي، فيتلف مال هذا اليتيم، ويستحوذ عليه، وهو صغير لا يدرك، ولربما أكله هذا الوصي، والصغير يضحك، والله المستعان.

حُوبًا أي: ذنبًا.

الذنب، والإثم، يقال له: الحوب، والتحوب هو التأثم، إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2]، ويعني إثمًا كبيرًا عظيمًا، هذا جاء عن جماعة كبيرة من السلف كابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن بن سيرين، وقتادة، ومقاتل، والضحاك، وبه قال أبو مالك أيضًا، وزيد بن أسلم[32]، وغير هؤلاء، حُوبًا يعني إثمًا، الإثم هو الإثم العظيم.

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا [النساء:3] الآية، قالت عائشة: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم، فيريدون أن يتزوّجوهن ويبخسوهن في الصداق مكان ولايتهم عليهم، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط، فليتزوّج بما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفّيهن حقوقهن، وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك، أي كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك خافوا النساء، -وفي النسخة الخطية: خافوا في النساء- وقيل: إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة، أو أكثر، فإذا ضاق ماله أخذ من مال اليتيم، فقيل لهم: إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3]، فاقتصروا في النساء على ما طاب: أي ما حل، وإنما قال: ما، ولم يقل: من؛ لأنه أراد الجنس، وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء، ومنه قوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3][33].

هنا وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3] قيل: بمعنى علمتم، خفتم بمعنى علمتم إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا علم من نفسه الضعف، فإنه يتزوج غيرها، كما قال النبي ﷺ لأبي زر بأنه ضعيف، قال: إني أراك ضعيفًا، فلا تتولين على اثنين، ولا تتولين على مال يتيم[34]، فقد يضعف الإنسان عن إدارة ذلك، وإن اجتهد، وقد يضعف من جهة غلبة الطمع، فكثيرٌ من الناس كما تدل عليه الآيات سواءً هذه، أو أخرى ستأتي، وهو أن النفس قد تكون في حالٍ من العبادة، والثاني يكون في حالة من الإقبال والطاعة، لكنه فيما يتعلق بالذمة المالية ضعيف، يعني لا يؤتمن على مال، نفسه تضعف، وبعضهم قد يؤتمن على مال الدنيا، ولكنه لا يؤتمن على امرأة، يضعف في جانب النساء، فهنا في هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ [النساء:3] قيل: علمتم، وقيل: غلب على ظنكم، ولا إشكال؛ لأن غلبة الظن هنا معتبرة، إما أن يعلم من نفسه ذلك، أو يغلب على الظن وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] لاحظ هنا أن هذه الصيغة صيغة شرط، وَإِنْ خِفْتُمْ [النساء:3] فإن أداة شرط، لكن لا مفهوم له هنا اتفاقًا، لا مفهوم لهذا الشرط، الآن:

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] هل يحق له أن يتزوج مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] وإن لم يكن وقع له ذلك؟ يعني الخوف ألا يقسط في اليتامى؟ أو ما عنده، أو يعلم إنه يستطيع أن يقسط، لكن ما يريد أن يتزوج اليتيمة، يريد أن يتزوج غيرها، رجل ليس عنده يتامى أصلًا، فتزوج اثنتين، أو ثلاثة، أو أربع هل هذا فيه إشكال؟ لا إشكال.

إذًا لو بقينا مع هذا من جهة المفهوم هذا اللفظ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا هذا شرط وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مفهومه أنك إن لم تخاف أن تقسط في اليتامى، فليس لك أن تتزوج مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ليس لك سعة، وهذا غير مراد، فمثل هذا المفهوم غير معتبر، مع أن مفهوم الشرط صحيح، وهو من أقوى أنواع المفاهيم، مفهوم الشرط، إن لم يكن أقواها مفهوم الشرط، مفاهيم أنواع المفهوم تتفاوت في القوة، لكن من أقواها الشرط، وكذلك الصفة.

هنا قال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا ابن جرير -رحمه الله- يقول: "معناه النهي"[35]، يعني إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فتحرجتم فيهن، فكذلك لاحظ، فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا منهن إلا ما آمنتم الجور فيه مما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربعة، هذا معنى آخر، لاحظ هنا ابن جرير يقول: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى يعني: إذا كنتم تحرجتم بشأن اليتامى بألا يقع منكم الجور في حقهم، وجد عندكم هذا الورع، فعليكم أن تتحرزوا، وتتورعوا في شأن النساء، فلا تنكحوا منهن إلا ما آمنتم الجور فيهن، أتزوج اثنتين، أو ثلاث، أو أربع، فإن خاف ألا يعدل، فَوَاحِدَةً [النساء:3]، هذا قول ابن جرير[36]، لكنه والله أعلم خلاف المتبادر، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ.

ذكر ابن جرير -رحمه الله- في وجه ارتباط الشرط بالجزاء، إنكم إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى يعني: فكذلك النساء؛ لأنه كان يباح للرجل أن يتزوج ما شاء، ثم نسخ[37]، وقال مجاهد: إن تحرجتم من الولاية على اليتيم، فتحرجوا من الزيادة[38]، يعني: على الواحدة، وقال بعضهم: إنكم إن تحرجتم، وتورعتم من أن تلو مال اليتيم، فتزوجوا مَثْنَى وَثُلاثَ؛ لأنكم من أهل العدل، لاحظ المعنى الآخر تمامًا، هذه معاني متقابلة، يعني: هذا المعنى ما مؤداه؟ يقول: طالما أن وقع عندكم هذا التحرز والتورع، فأنتم ما شاء الله أهل للعدل بين النساء، فتزوجوا اثنتين، وثلاث، وأربع، هذه شهادة بأنكم مؤتمنون تستحقون بجدارة أن تعددوا، هذا معنى هذا القول، لماذا؟ ما العلامة، ما الأمارة؟

أنكم تحرجتم في أموال اليتامى، فهذا معيار يدل على ورع، وتحرز، وأمانة، ونزاهة، فتزوجوا إذًا اثنتين، وثلاث، وأربع لا بأس عليكم، فأنتم أحرياء بالعدل بين النساء، هذا قولٌ ذكره بعضهم، لكنه بعيد، والله أعلم.

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ طالما أنكم ما شاء الله عندكم شيء من الورع إذًا أنتم مؤهلون للتعدد، ليس هذا هو المراد، وإن كان الآية تحتمل من جهة اللفظ، والله أعلم.

كذلك ما قاله ابن جرير: أنه إذا كنتم تتحرجون من أموال اليتامى، وتتورعون منها، فينبغي أن يوجد هذا التورع والتحرج في شأن النساء، فإذا كنت تخشى ألا تعدل، فتقتصر على واحدة، تتزوج ما شئت من النساء، إذا كنت تخشى ألا تعدل، فتقتصر على واحدة؛ لئلا تقع في الجور، هذا الذي اختاره ابن جرير[39].

لكن الجمهور يقولون: بأنه كما سبق إذا غلب على ظنك، أو علمت من نفسك أنك لا تعدل مع اليتيمة، بمعنى أنه يتزوج اليتيمة، ولا يعطيها مهر مثيلاتها، يظلمها، ونحو ذلك، فابتعد، وتحرز، وتورع، فلك سعة، وممدوحة بأن تتزوج ما شئت من النساء اثنتين، أو ثلاث، أو أربع، إلا إذا خشيت عدم العدل، اقتصرت على واحدة غير اليتيمة -يعني لست ملزمًا بهذه اليتيمة- فتتزوجها، ثم بعد ذلك تظلمها.

وهنا قال: "قالت عائشة -رضي الله عنها-: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم، فيريدون أن يتزوّجوهن ويبخسوهن في الصداق مكان ولايتهم عليهم، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط، فليتزوّج بما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفّيهن حقوقهن" هذا المعنى الذي عليه الجمهور، واختاره ابن كثير[40]، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي[41] -رحمه الله- خلافًا لابن جرير، وحديث عائشة في الصحيحين: أن رجلًا كانت له يتيمة، فنكحها، وكان له عَذقٌ، والعَذق ما هو؟ ها؟ لا ليس العِذق، العِذق هو القنو من التمر، أو الذي يكون فيه التمر، لكن العَذق يعني: النخلة، فكان له عذق هذا الرجل، يعني: كان له نخلة، وكان يمسكها عليه، يعني بسبب هذا العَذق، وما كان لها من نفسه شيء، لم يكن يرغب فيها، لكن من أجل هذه النخلة، فنزلت فيه: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى السبب قال: كانت شريكته في ذلك العَذق، وفي ماله[42]، يعني هذا العَذق مشترك، يعني هذه اليتيمة وارثة لجزء من هذا العقد الذي، فهذا الرجل لا يريد أن يدخل عليه شركاء، زوج يتزوجها، ثم بعد ذلك يطالبه بنصيبه من هذه النخلة، ولا تستغرب هذا؛ لأن هذا كان له شأن في الماضي، العَذق: النخلة، فيتزوج هذه المرأة من أجل ألا يدخل عليه داخل يشاركه في نخلته، وفي ماله، فنزلت: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ هذا سبب النزول الآن، وسبب النزول قطعية دخول، وهذه الرواية ثابتة.

وجاء في الصحيحين عنها أيضًا -رضي الله عنها- قالت: أنزلت هذه في الرجل يكون هو وليها، وورثها، ولها مال، وليس لها أحدٌ يخاصم دونها، فلا ينكحها حبًا لمالها، ويضربها، ويسيء صحبتها، فقال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ، يقول: ما أحللت لكم، يعني: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ما أحللته لكم، ودع هذه تضر بها، كذلك أيضًا في الصحيح أنها أيضًا -رضي الله عنها- في البخاري: هذه اليتيمة تكون بحجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، يعني: ما يعدل معها، ما يعطيها مهر مثيلاتها، فيعطيها مثل ما يعطي غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوهن، ويبلغ بهن أعلى سنته في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [النساء:127][43]، قول الله في الآية الأخرى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127] رغبة أحدكم عن اليتيمة إذا كانت قليلة المال، والجمال.

لاحظ الروايات هذه عن عائشة -رضي الله عنها- الرواية التي في الصحيحين، الرجل الذي له عَذق، فهنا فنزلت فيه: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى وفي الصحيحين أنزلت في الرجل يكون له يتيمة هو وليها، ووارثها، ولها مال، وليس لها أحدٌ يخاصم دونها، فلا ينكحها حبًا لمالها، ويضربها، ويسيء صحبتها، فقال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ هذه ليست صريحة في سبب النزول، لكن الرواية الأولى هي الصريحة، فهي سبب النزول، والله أعلم.

لكن المؤدى في الرواية الثانية واحد مع الرواية الصريحة في سبب النزول، وهنا يقول: "وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك" هذا على قول ابن جرير[44]، قول ابن عباس -رضي الله عنهما- على قول ابن جرير.

"أي كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك خافوا النساء، وقيل: إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة، أو أكثر، فإذا ضاق ماله من أخذ مال اليتيم، فقيل لهم: إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3]، فاقتصروا" يعني لا تتزوج ما لا طاقة لك بالنفقة عليه، فتضطر إلى مال اليتيم، لكن هذا لا يخلو من بعد.

قال: "وإنما قال: مَا، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا" ما قال: من طاب؛ لأن النساء عاقل، والعاقل يستعمل معه من في الغالب، فهنا قال: "مَا، ولم يقل: من"، قال: "لأنه أراد الجنس"، يعني: أنها تدل على عموم، وليس خصوص ما يعقل، يعني: أن ما تستعمل للدلالة على العموم بصرف النظر نعم، لكون ذلك ممن يعقل، أو لا يعقل، يعني أنها لا تختص بما لا يعقل، قد يراد بها بيان العموم، هذا معنى قول ابن جزي: "لأنه أراد الجنس"، يعني: أنها دلالة على العموم فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ.

يقول: "وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء"، باعتبار أنهن ناقصات عقل -بهذا الاعتبار- هذا الذي قصده الزمخشري، فعبر عنهن على قول الزمخشري بعبارة: "غير العُقلاء، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ"، لكن هذا غير صحيح إطلاقًا، والنساء من العُقلاء، ولا يقال: أنهن لسنا من العقلاء، هكذا بإطلاق، وكونها ناقصة عقل، لا يعني أن ذلك يخرجها عن جنس العقلاء، وعن وصف أهل العقل، فإن غير العقلاء من لا عقل لهم المجنون، والبهيمة، وما نحو ذلك.

وقال: "ومنه قوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]"، الشاهد: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فهنا هل يقال: ما ملكت اليمين ليسوا عقلاء؟

لكن قصد بذلك العموم، وقد يستعمل هذه مَا بمكان من، والعكس، ويمكن أن يكون هذا باعتبار أن ما تأتي لصفات من يعقل، وقد وصف الله النساء بالطيب: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ، فصح استعمال مَا هنا باعتبار الصفة الطيب، فما قال: فانكحوا من طاب لكم، لو قال: فانكحوا من طاب لكم من النساء، باعتبار أنه ذكر هذه الصفة، فجاء بــ مَا مراعاةً للصفة.

وبعضهم يقول: بأن كل واحدة منهما تستعمل مقام الأخرى، يعني ما، ومن، -والله أعلم-.

قبل أن نتجاوز هذا الموضع، فإن ما نقله هنا عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، فنزلت الآية"، هذا أخرجه ابن أبي حاتم[45]، ولكن لفظه هكذا: "فكما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النساء، إنما جمعتموهن عندكم"، هذا الذي عند ابن أبي حاتم، وأما أن هذا سبب النزول، فليس في هذا اللفظ ما يدل عليه، اللفظ الذي ذكرته لكم آنفًا، الذي هو لفظ ابن أبي حاتم، والله أعلم.

لكن هذا المعنى هو الذي اختاره أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله-.

 

  1. أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، برقم (4993).
  2. أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها، برقم (567).
  3. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} [النساء:41]، برقم (4583).
  4. أخرجه أحمد في المسند، برقم (24531)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (2305).
  5. أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره، برقم (659)، والطبراني في المعجم الكبير، برقم (9069)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (2203).
  6. المسائل والأجوبة (ص:203).
  7. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، برقم (3331)، ومسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، برقم (1468).
  8. شرح النووي على مسلم (10/57).
  9. تفسير ابن كثير (2/206).
  10. تفسير ابن كثير (2/206).
  11. تفسير ابن كثير (2/206).
  12. تفسير ابن كثير (2/206).
  13. تفسير الطبري (6/344).
  14. تفسير الطبري (6/347).
  15. نقله القرطبي رحمه الله في تفسيره (5/3).
  16. تفسير الزمخشري (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) (1/462).
  17. معاني القرآن وإعرابه للزجاج (2/6).
  18. تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) (2/4).
  19. انظر: بدائع الفوائد (4/208).
  20. ألفية ابن مالك في باب عطف النسق.
  21. البحر المحيط في التفسير (3/499).
  22. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/107-108).
  23. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، برقم (50)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله، برقم (9).
  24. المستدرك على مجموع الفتاوى (1/153).
  25. انظر: تفسير ابن كثير (3/458).
  26. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/220).
  27. تفسير ابن كثير (2/207).
  28. تفسير ابن كثير (2/207).
  29. تفسير ابن كثير (2/207).
  30. تفسير الطبري (6/351)، و(6/367).
  31. تفسير ابن كثير (2/207).
  32. انظر: تفسير ابن كثير (2/208).
  33. تفسير الزمخشري (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) (3/177).
  34. أخرجه مسلم، بلفظ: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم))، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، برقم (1826).
  35. تفسير الطبري (6/375).
  36. تفسير الطبري (6/367).
  37. تفسير الطبري (6/367).
  38. تفسير الطبري (6/366).
  39. انظر: تفسير الطبري (6/367).
  40. انظر: تفسير ابن كثير (2/207-208).
  41. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/222).
  42. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى}، برقم (4573).
  43. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى}، برقم (4574)، ومسلم، في أوائل كتاب التفسير، برقم (3018).
  44. تفسير الطبري (6/365).
  45. تفسير ابن أبي حاتم (3/857)، برقم (4747).

مواد ذات صلة