الأربعاء 05 / صفر / 1442 - 23 / سبتمبر 2020
(004-ب) قوله تعالى (والمحصنات من النساء..) الآية 24 – إلى قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولاً..) الآية 25
تاريخ النشر: ٢١ / ربيع الآخر / ١٤٣٨
التحميل: 900
مرات الإستماع: 1094

قوله تعالى:

وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء:24]، المراد هنا ذوات الأزواج، وهو معطوفٌ على المحرمات المذكورة قبله، وفي النسخة الخطية: [وهو معطوفٌ على المحرمات المذكورات قبله]، والمعنى أنه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل.

 قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، أصل هذه المادة "حَصَنَ" تدل على الحفظ والحياطة، والحرز، والمقصود ذوات الأزواج وهذا الذي اختاره الحافظ ابن كثير[1]، والحافظ ابن القيم[2] وكذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-[3] وليس محل اتفاق يعني بعضهم يقول: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني الحرائر، يعني غير الأربع، والاستثناء في وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، من قبيل الاستثناء المنقطع.

الاستثناء المنقطع على هذا أن المراد الحرائر غير الأربع، وبعضهم يقول: المعنى أعم يعني لا يختص بذوات الأزواج، وإنما المحصنات من النساء، يعني: الحرائر إلا إذا كان ذلك بالعقد والتزوج، لكن المشهور هو أن المقصود ذوات الأزواج، يعني ويحرم عليكم من جملة المحرمات المحصنات من النساء، يعني ذوات الأزواج.

ولفظ الإحصان يطلق على هذا، وكما سيأتي في قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، فهو بحسب السياق، فقد يطلق على المتزوجات، ويطلق على الحرائر، والعفائف.

وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، ذوات الأزواج، هذا هو الأقرب والله أعلم، ومن ثم فإنه لا يصح أن يبتدئ القراءة من قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ مع إنها بداية حزب، لا يصح هذا، وبعض الناس يقرأ في الصلاة مثلًا قراءة متتابعة، يقرأ في كل ركعة مثلًا ربع حزب ويقف عند مثل هذا، وفي صلاة أخرى يبدأ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فهذا لا معنى له، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ما بهن؟ فهو معطوف على ما قبله من المحرمات، وهذا يدل على فضل تحزيب السلف على هذا التحزيب.

 السلف كانوا يحزبون بالسور، وكما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: بأن ذلك أوفق[4] بحيث يقف على المعاني الكاملة تامة بانتهاء السورة، أمَّا هذا فقد يقف على معنًى مقطوع عما قبله، فيراعى مثل هذا.

يقول: "وهو معطوفٌ على المحرمات المذكورة قبله"، ابن جرير -رحمه الله- حمله على العموم، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فيشمل الحرائر المسلمات، العفائف، المتزوجات، إلا ما ملكت الأيمان بالشراء أو النكاح، يعني في قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، عند ابن جرير يعني: المحصنات هنا يشمل المتزوجات وعموم الحرائر.

إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  يعني: في حق المتزوجات بالسبي، فإن سبي نساء الكفار يقطع علاقة المرأة بزوجها، فتُستبرأ المتزوجة بحيضة، ويحل لمالكها أن يطأها، وهي ذات زوج، ولكن انقطع حبل النكاح بالسبي.

لكن إذا حُمِل أيضًا على الحرائر المحصنات، يعني: تحرم عليه المرأة الحرة إلا بسببٍ مبيح، وهو عقد نكاح للحرة، وبالنسبة للمعنى الآخر الذي قاله الجمهور إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  يعني: بملك اليمين.

 فابن جرير حمله على هذا المعنى العام، عمم المعنى، لكن المشهور -وهو قول الجمهور- أن المقصود بالمحصنات ذوات الأزواج، لا يحل له أن يتزوج امرأة متزوجة، في عصمة زوج، في حبائله، ولو كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا فهي لا زالت في عصمته، إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  يعني: إذا وقعت له بملك اليمين، يعني: بالسبي.

ولو قال قائل: إذا اشترى أمةً متزوجة وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، إذا قيل: بمعني المتزوجات؟ فهل له أن يطأ هذه المرأة المتزوجة؟

الجواب: لا؛ وإنما تكون للخدمة متزوجة، لكن هنا المقصود بالآية إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  يعني: ما وقع لكم بسبي نساء الكفار، فإنه بذلك ينقطع حبل النكاح، فيجوز لمن وقعت في سهمه أن يطأها بعد أن يستبرئها بحيضة.

لكن إذا فُسِّر وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ هنا بالحرائر، إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  يكون الاستثناء منقطع؛ لأنهن لسن من الحرائر.

إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يريد السبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى: أن المرأة الكافرة ذا كان لها زوجٌ، ثم سبيت: جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها.

يعني الاستثناء متصل باعتبار أن المتزوجات لا تحل، ذوات الأزواج سوى من وقعت في السبي من النساء الكفار المتزوجات إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  يعني: من هؤلاء المتزوجات، إذا قلنا: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني المتزوجات، فيخرج منه؛ لأنَّ الاستثناء المتصل -كما هو معلوم- هو يكون مستثنى من جنس المستثنى منه، فهنا إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ هذا من جنس المستثنى منه، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني: المتزوجات ذوات الأزواج لا تحل، إلا إذا وقعت بملك اليمين، بالسبي، فيجوز أن يطأها.

وسبب ذلك أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا من العدوّ لهنّ أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهنّ، فنزلت الآية مبيحةً لذلك[5]، ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح.

يقول: "فنزلت الآية"، تأثم المسلمون في سبي الأوطاس، "فنزلت الآية مبيحةً لذلك"، وهذا جاء من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن؛ من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله : وَالْمُحْصَناتُ يعني: فهنَّ لكم حلال هذا في سياق الرواية، إذا انقضت عدتهنَّ، وهذا مخرّج في صحيح مسلم، فهذا هو سبب النزول.

ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح، سواء سُبي الزوجان الكافران معًا، أو سُبي أحدهما قبل الآخر[6]، وقال ابن المواز: لا يهدم السبي النكاح.

ابن مواز من المالكية، على كل حال الأقرب أنه يهدم النكاح، ينقطع حبل النكاح بالسبي، وهذا سبب النزول دليل واضح على هذا، ويبين المراد بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ أنه ليس المقصود الحرائر، وإنما المتزوجات، وهم تحرجوا من وطء المتزوجات في هذا السبي، فنزلت الآية.

فسبب النزول كما هو معلوم في جملة فوائده أنه يرفع الإشكال، يزيل الإشكال والاحتمال في معنى الآية، كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ [البقرة:158]، وسؤال عروة لعائشة -ا-[7]، وهو مشهور ومعروف فالذي رفع الإشكال هو سبب النزول.

﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوبٌ على المصدرية.

يعني: "منصوبٌ على المصدرية" مؤكد لمضمون الجملة قبله، كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يعني: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلى آخره، والمحرمات السابقات من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23]، إلى آخره، قال: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ[النساء:24]، فهذا يؤكد لمضمون ما قبله، ومنصوب بفعل مقدر كما ذكر المؤلف، يعني: كتب الله عليكم كتابًا، منصوبٌ على المصدرية.

قال: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: هذا التحريم فرض فرضه الله عليكم، فالزموه ولا تخرجوا عن حدوده.

 كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوبٌ على المصدرية، أي: كتب الله عليكم كتابًا، وهو تحريم ما حرم، وهو عند الكوفيين منصوبٌ على الإغراء.

"وهو عند الكوفيين منصوبٌ على الإغراء" يعني تقدير الزموا كتاب الله، الزموا كتاب الله عليكم، الزموا كتاب الله، ويكون عليكم اسم فعل للإغراء عليكم، يقول: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، اسم فعل للإغراء حذف مفعوله للدلالة عليه، يعني عليكم ذلك، عليكم ذلك، يعني: الزموه، وبعضهم يقول: بأن كتاب منصوب على الإغراء بعليكم، والتقدير عليكم كتاب الله، يعني: الزموه كقوله: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ، والله أعلم.

وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ معناه: أحلّ لكم تزويج من سوى ما حرم من النساء، وعطف أحلَّ على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله، والفاعل هو الله، أي: كتب الله عليكم تحريم من ذكر، وأحل لكم ما وراء ذلكم.

يقول: "معناه: أحلّ لكم تزويج من سوى ما حرم من النساء". يعني: أحل لكم غير المحرمات المذكورات قبله، وقد دلت السُنَّة على تخصيص هذا العموم، وَأُحِلَّ لَكُمْ ما هذا عام يعني: كل امرأة غير المذكورات السابقات، فهي حلال، فهذا العموم مخصص بما ورد في السُنَّة -كما سبق- من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وكذلك على قول الجمهور في الجمع بين المرأة وعمتها من الرضاع، والمرأة وخالتها من الرضاع، ونحو ذلك.

فهذه أربع، العمة والخالة من الرضاع، والعمة والخالة من النسب أي: يجمع بينهما، يكون ذلك تخصيصٌ لقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ.

يقول: "وعطف أحلَّ على الفعل المضمر"، أي وعطف أحل على الفعل المضمر، الذي نصب كتاب الله، والفاعل هو الله، قراءةٌ أخرى متواترة وَأَحَلَّ أي: الله، لكن في قوله: وَأُحِلَّ هنا بُني للمجهول باعتبار الذي أحل وحرم معلوم وهو الله -تبارك وتعالى-، لأنه مصدر تشريع.

يقول: "والفاعل هو الله، أي: كتب الله عليكم تحريم من ذُكِر، وأحل لكم ما وراء ذلكم".

أَنْ تَبْتَغُوا مفعولٌ من أجله، أو بدلٌ من ما وَراءَ ذلِكُمْ.

"أَنْ تَبْتَغُوا "مفعولٌ من أجله"، أو مصدر بدل يكون يعني بدل اشتمال، وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا، أَنْ تَبْتَغُوا مفعول من أجله، أو بدل يكون مصدرًا أن تبتغوا يعني: وأحل لكم من وراء ذلكم ابتغاء، أَنْ تَبْتَغُوا يعني ابتغاء، ما الذي أحل؟ يكون بدل اشتمال، وأحل لكم من وراء ذلكم ابتغاء، يعني: كأنه البدل الآن يقوم مقام المبدل منه، لو أردت أن تقيمه مقام ما قبله من المبدل منه تقول: وأحل لكم ابتغاء، ابتغاء فهذا بدل من قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ  يعني ابتغاء.

أَنْ تَبْتَغُوا مفعولٌ من أجله، أو بدلٌ مما وراء ذلكم.

ما وراء ذلكم يكون في محل رفع على قراءة أُحِلَّ للبناء للمجهول؛ لأنَّ (ما) حينئذ في محل رفع نائب فاعل وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ فهذا نائب فاعل، يعني: التقدير وأحل لكم، أُحِلَّ على هذه القراءة ابتغاؤهن بأموالكم.

وحذف مفعوله وهو النساء.

هذا على قراءة الفتح (وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أَحَلَّ لكم ماذا؟ النساء.

مُحْصِنِينَ هنا أعفة ونصبه على الحال من الفاعل في تبتغوا.

أعفة يعني: متعففين من الزنا محصنين، "ونصبه على الحال من الفاعل في تبتغوا"، حال كونكم محصنين، يعني: متعففين من الزنا.

غَيْرَ مُسافِحِينَ أي: غير زناةٍ، والسفاح هو الزنا.

معروف هذا "والسفاح هو الزنا"، يقال: أصله من سفحت القِرْبة، يعني صببتها، قيل: سُمي بذلك؛ لأنَّ الرجل يصب النطفة، وكذلك قالوا: المرأة، سفح الماء؛ ولهذا يقال: بأن المسافح هو الذي يصب ماؤه حيث اتفق، المسافح يعني الفاجر يصب ماؤه حيث اتفق، يعني: لا يبالي بحلٍ أو حرام، وأصل المادة تدل على إراقة شيء، مسافحين سفاح يعني: أن يضعه نطفته في غير ما يحِل.

فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً قال ابن عباس وغيره: معناها: إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب إعطاء الأجر، وهو الصداق كاملًا[8].

فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، يعني: ذلك فرضٌ فرضه الله عليكم، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، "قال ابن عباس وغيره: معناها: إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء" يعني: بالنكاح الشرعي، "فقد وجب إعطاء الأجر، وهو الصداق كاملًا"، بخلاف ما لو عقد عليها من غير أن يدخل بها، فإنها تستحق نصف الصداق، فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:237].

هذا على خلاف في معنى الدخول على المقصود به الوطء، الذي تستحق به المرأة المهر كاملًا، أو إذا خلى بها وأسدل ستارًا تنزيلًا للمظنة منزلة المئنة، كما هو قول الجمهور من الصحابة فمن بعدهم .

قول ابن عباس -ا-: يقول: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، "قال ابن عباس وغيره: معناها: إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب إعطاء الأجر"، هذا جاء من طريق علي بن أبي طلحة، وهذا الإسناد معروف مشهور، ولعله إسنادٌ جيد -إن شاء الله- ولفظه إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرةً واحدة، فقد وجب صداقها كله.

والاستمتاع يقول: هو النكاح، وهو قوله: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4]، يعني المهور، يعني: معنى أن ذلك يتحقق بالجماع ولو مرة واحدة.

فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً هنا قول أهل العلم عامة: أن المقصود قوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ يعني الزوجات، واضح؟ أنه إن دخل بها فقد وجب لها المهر، إن جامعها وجب المهر فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ المقصود به الصداق، فهذا الذي عليه عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا.

وقيل: إنها في نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجلٍ من غير ميراث، وكان جائزًا في أول الإسلام، فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه[9]، ثم حَرُم عند جمهور العلماء، فالآية على هذا منسوخةٌ بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة، وقيل: نسختها آية الفرائض؛ لأنَّ نكاح المتعة لا ميراث فيه، وقيل: نسختها وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [المؤمنون:5] وروي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة[10]، وروي أنه رجع عنه[11].

القول الأول: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ يعني: بالنكاح الشرعي، وهذا الذي عليه عامة السلف ، واختاره الحسن ومجاهد[12]، وجماعة وهو اختيار أبي جعفر ابن جرير[13]، ومن المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-[14].

فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ كما قال الله -تبارك وتعالى- يعني: سماه أجرًا، يعني النكاح، وقال: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة:5] فهذان موضعان من كتاب الله في إطلاق الأجر على الصداق، وليس المقصود به ما يُعطى في المتعة، نكاح المتعة.

ويقول: "وقيل: إنها في نكاح المتعة"، هذا يقول: في الحاشية عندكم يوجد في هذا المانع أثر عن مجاهد، وكذلك عن السُدِّي وهما ضعيفان، طبعًا الذي حقق الكتاب هو لا يذكر هذه الأحكام من عنده، وإنما ينقلها نقلًا مباشرًا من بعض المصادر.

يقول: "وقيل: إنها في نكاح المتعة"، هذا بعضهم نسبه إلى الجمهور هنا في الآية، يعني: أنه نُسخ عن ذلك من المنسوخ، ولكن نسبة ذلك إلى الجمهور قد لا يخلو من نظر.

يقول: "وهو النكاح إلى أجلٍ من غير ميراث، وكان جائزًا في أول الإسلام، فنزلت"، وفي قراءة لابن عباس، وطبعًا هذا سبب النزول لا يعرف له إسناد، الذي أشار إليه.

 وفي قراءة لابن عباس، وأُبِّي بن كعب، وسعيد بن جبير، والسُدِّي، فما استمتعتم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمى، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً[15] فهذه القراءة إذا صح إسنادها، فإن القراءة الأحادية تفسر القراءة المتواترة، فما استمعتم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمى فآتوهن أجورهن، إلى أجلٍ مسمى هذا نكاح المتعة، فتكون النهاية هذه بناءً على ما كان في أول الأمر، ثم نُسِخ بعد ذلك كما هو معلوم، وكما سيأتي مما يدل عليه صراحةٍ.

الرافضة طبعًا يحتجون بهذه الآية على جواز نكاح المتعة، فهذه الآية إذا قلنا: بأنها في الزواج المعروف فلا حجة فيها لهم، وأن الأجور هي الصداق، على قول ابن جرير ومن وافقه، وإذا قيل: بأن ذلك كان في المتعة، فيكون مما قد نُسخ.

 لاحظ هنا وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ ... [النساء:24]، السياق كله في النكاح في الزواج المعروف يعني، السياق يدل على قول ابن جرير - رحمه الله-، لكن هذه القراءة الأحادية لو صح إسنادها تكون مفسرة للقراءة المتواترة.

"وقيل: إنها في نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجلٍ من غير ميراث، وكان جائزًا في أول الإسلام، فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه، ثم حُرِّم عند جمهور العلماء"، هذا يشبه الإجماع، روي عن ابن عباس كما سيأتي القول بالجواز، وروي ذلك عن غيره.

 يقول: "فالآية على هذا منسوخةٌ بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة"، تحريم نكاح المتعة ورد فيها أحاديث، منها ما جاء عن علي وذلك مخرجٌ في الصحيحين، ولفظه: ((أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر))، هذا عن علي حجة على الرافضة، وعن أكل لحوم الحمر الأنسية[16].

وجاء أيضًا من حديث سمرة بن معبد، في إذنه لهم في العمرة فيه، يعني: النبي ﷺ أذن لهم أن ينكحوا من النساء، يعني نكاح المتعة، ثم وقف بين الباب والحجر يعني: النبي ﷺ يخطب الناس يقول: ألا أيُّها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله -تبارك وتعالى- قد حرم ذلك إلى يوم القيامة[17]، هذا أخرجه مسلم، هذا في نفس العمرة.

وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة عند ابن حبان، ومن حديث سلمة بن أكوع عند مسلم، ((رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا)) يعني: ثلاث ليالٍ ((ثم نهانا عنها))[18]، فالذي يظهر -والله أعلم- أن المتعة أبيحت لهم، كانت مباحة في أول الأمر، ثم حرمت عام خيبر، ثم أُذِن لهم فيها، ثم حرمت، يعني: تكون مما تكرر النسخ فيه، هذا مثال على تكرر النسخ في القضية الواحدة، هذا وجه الجمع بين هذه الأحاديث عام أوطاس، وكذلك في عام خيبر فإن ما وقع عام أوطاس بعد ذلك بمدة، يعني بعد فتح مكة، وعام خيبر كان في السنة السابعة للهجرة.

وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [النساء:24] قال: إن الآية المتقدمة في مهور النساء، فمعنى هذه جواز ما يتراضون به من حطٍ من الصداق، أو تأخيره بعد استقرار الفريضة.

"وقيل نسختها آية الفرائض"، آية الفرائض يعني: آية المواريث باعتبار أنه لم يذكر في المواريث هؤلاء، اللاتي نُكِحن بهذه الطريقة على سبيل المتعة، نسختها آية الفرائض وهذا قال به سعيد بن جبير -رحمه الله-[19]، يعني: اختلفوا في الناسخ ما هو؟

"وقيل: نسختها وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [المؤمنون:5]" وهذا مروي عن عائشة -ا-[20].

قال: "وروي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، وروي أنه رجع عنه"، لفظه عند الترمذي إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أن يقيم، فتحفظ له متاعه، يعني: الرجل يقدم البلد، الأرض، المكان ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه، وتصلح له شيئه، حتى إذا نزلت الآية: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ[21].

قال البيهقي: حتى نزلت هذه الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] فنسخ الله الأولى فحُرِّمت المتعة[22].

يعني: على هذه الرواية عن ابن عباس -ا- عند الترمذي أنها منسوخة، لكن يعني: أنه رجع عن القول بجواز نكاح المتعة، وهذا قال فيه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بأن إسناده ضعيف، وضعفه أيضًا الشيخ ناصر الدين الألباني، وذكر في الحاشية أن ابن عباس -ا- له في المتعة ثلاثة أقوال:

  •  الأول: الإباحة مطلقًا.
  • والثاني: الإباحة عند الضرورة.
  •  والثالث: التحريم مطلقًا.

وهذا لم يثبت عنه بخلاف القولين الأولين، فهما ثابتان عنه، هذا منقول من كتاب "إراواء الغليل"[23]، فالمشهور عن ابن عباس -ا- أنه يقول بجوازها، وجاء عن ابن الزبير لما كان أميرًا في مكة والحجاز، بويع له بالخلافة فقال: وابن عباس حاضر، ما بال رجلًا؟ وقال: كلامًا يعني في إباحة المتعة ،كلامًا فيه شدة، وابن عباس يسمع، وابن الزبير يخطب، حتى قال: "فجرب بنفسك، فوالله، لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك"[24].

فالشاهد: أن هذا المروي من ابن عباس -ا-، هو خلاف قول الصحابة فهذه الآية يبقى النظر هل هي في نكاح المتعة فنسخت، أو أنها في الزواج، النكاح المعروف وليس في نكاح المتعة؟ ومضى كلام أهل العلم في ذلك، قلنا: أن هذا قول الحسن ومجاهد، واختاره ابن جرير، وبهذا قال الشنقيطي -رحمه الله- فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني: المهور.

وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ من قال: إن الآية المتقدمة في مهور النساء، فمعنى هذه جواز ما يتراضون به من حطٍ من الصداق، أو تأخيره بعد استقرار الفريضة.

ومن قال: إن الآية في نكاح المتعة. فمعنى هذا جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر.

وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إذا قلنا: هذا في النكاح المعروف، يعني: أن المرأة تسقط مهرها بعد ذلك إذا فرض لها إن شاءت ترد له المهر، إذا كان قد أعطاها إياه فهذا لا إشكال فيه، إذا كانت نفسها طيبة بذلك، أو ردت عليه أو أسقطت بعض المهر، كأن يكون هناك مؤخر فأسقطته فهذا لا إشكال فيه، فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ.

وعلى أنه المتعة، يعني: ما تراضوا به من زيادة المدة وزيادة الأجر، أو زيادة الأجر دون المدة، أراد أن يزيدها بعد ذلك، أو أن تضع عنه بعض الأجر، والله أعلم.

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النساء:25]، معناها: إباحة تزوج الفتيات، وهنّ الإماء للرجل إذا لم يجد طولًا للمحصنات، والطول هنا: هو السعة في المال، والمحصنات هنا: يراد بهنّ الحرائر غير المملوكات، ومذهب مالك وأكثر أصحابه أنه: لا يجوز للحُر نكاح أمة إلّا بشرطين:

  • أحدهما: عدم الطول وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة.
  • والآخر: خوف العنت، وهو الزنا؛ لقوله بعد هذا: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأَمَة التي تتزوج لقوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ، إلّا أهل العراق فلم يشترطوه.

قوله -تبارك وتعالى-: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ، هنا لاحظ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، أيمان جمع مضاف إلى معرفة، وهي الكاف فهذا يفيد العموم، فجاء الخطاب للجميع باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد؛ لأنَّ المالك لا يصح أن يتزوج مملوكته؛ لأنَّ تملكه لها يغني عن تزوجه، فيباح له أن يستمتع بها، فلا يجوز له أن يتزوج المملوكة، إلا إذا أعتقها فله أن يتزوجها، صارت حرة، فهذه رخصة من الله -تبارك وتعالى-، في حال خوف العنت كما سيأتي إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24].

فلاحظ التعبير هنا إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فهذا ظاهره العموم والصيغة جاءت بهذا الأسلوب للجميع باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد أن يتزوج ملكة يمينه، إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ لا، مجموع الأمة مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يعني: يتزوج من الإماء.

"إباحة تزوج الفتيات، وهنّ الإماء للرجل إذا لم يجد طولًا للمحصنات، والطول هنا: هو السعة في المال"، هذا قول الجمهور، الطول أصله يدل على فضلٍ وامتدادٍ في الشيء، وفسّره بعض السلف بالصبر، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا، يقول: يهوى أمةً يحبها تعلق بها، فيخشى على نفسه، ولا يصبر عنها، ففي هذه الحال له أن يتزوجها لكن هذا بعيد وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أي صبرًا عن أَمَة.

 وفسره مالك[25] وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة[26] بالحرة، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، يعني: من كانت تحته حرة، لم يتزوج أمة وإلا جاز له ذلك، من كانت تحته حرة، فليس له أن يتزوج أَمَة، لكن ظاهر السياق -والله أعلم- ما قاله الجمهور وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا، يعني: ليس لديه من القدرة المالية في بذل مهور الحرائر، فله أن يتزوج الأمة إذا خشي على نفسه العنت.

ويقول: "مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه: لا يجوز للحُر نكاح أمة إلّا بشرطين:

الأول: عدم الطول وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة.

والآخر: خوف العنت، وهو الزنا".

خوف العنت هذا الشرط معتبر أيضًا عند الشافعية[27] والحنابلة[28]، خلافًا للحنفية[29]؛ لأنهم لا يعتبرون مفهوم المخالفة، يعني: مفهوم المخالفة أنه إن لم يخشَ العنت فلا يجوز له أن يتزوج الأمة، قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، فمن لم يخشَ العنت لا يجوز له أن يتزوج هذا على قول الجمهور؛ لأنهم يعتبرونه مفهوم المخالفة، الأحناف لا يعتبرونه، فعندهم أنه يجوز له أن يتزوج الأمة، ولو لم يخشَ العنت يعني: هذا الشرط عند الأحناف غير معتبر خوف العنت.

يقول: "وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول: بأن دليل الخطاب لا يعتبر"، مفهوم المخالفة لا يعتبر، يعني: ابن القاسم من المالكية وافق الحنفية، بأن ذلك يجوز له ولو لم يخش العنت، هذا خلاف قول الجمهور.

يقول: "واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأَمَة التي تتزوج"، وهذا قول الشافعية[30]، وهو قولٌ أيضًا عند المالكية[31]، وهو المذهب عند الحنابلة[32]، لكون الحاجة تندفع بالمسلمة هذا في نكاح الإماء أن الحاجة تندفع بالمسلمة، وقالوا: الكافرة يجتمع فيها نقص الكفر مع نقص الرق، فذلك نقصٌ مركب فيكفيه نقص الرق عن نقص الكفر، هذا قول الجمهور.

وذهب الحنفية وهو قولٌ عند الحنابلة، إلى عدم اشتراطها، يعني: يجوز أن يتزوج الأمة الكافرة للإطلاق في قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، وقوله: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ [النساء:3].

بل ذهب الجمهور إلى منع وطء الأمة الوثنية بملك اليمين، وذكر ابن عبد البر أنه لم يخالف في ذلك إلا طاووس[33]، لكن أجازه بعض أهل العلم من المعاصرين كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-[34] للإطلاق في إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24].

وعلى كل حال هنا هذان الشرطان :

  • عدم الطول.
  •  والثاني خوف العنت.

أضاف بعض أهل العلم شرطين آخرين:

  • ألا تكون عندهم زوجة حرة يمكنه الاستعفاف بها، هذا كما سبق في تفسير الطول.
  •  الشرط الآخر: ألا تكون الأمة مملوكة له ولا لولده، ولا يتزوج مملوكةٌ له ولا مملوكةً لولده، وسبق هذا إذا كانت مملوكةً له فكيف يتزوجها فهي تحت تصرفه ومن جملة أملاكه؟ والولد باعتبار ما يملك لأبيه.
وإعراب طولًا: مفعولًا بالاستطاعة، وأن ينكح بدلٌ منه، فهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح، ويحتمل أن يكون طولًا منصوبًا.

"إعراب طولًا مفعولًا بالاستطاعة وأن ينكح بدلٌ منه" هذا مصدر مؤول يعني نكاح وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ 

يعني: نكاح.

يقول: "بدلٌ منه" بدل كل من كل، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ يعني نكاح، بدلٌ منه، بدل كل من كل؛ لأن الطول هو القدرة أو الفضل، والنكاح قدرة وفضل، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ يعني: ومن لم يستطع منكم نكاح المؤمنات الحرائر.

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ نكاح باعتبار أن ينكح بدل من طولًا، بدل كل من كل، وجهه ما ذكرت أن الطول هو القدرة أو الفضل، والنكاح قدرةٌ وفضل بهذا الاعتبار.

"وهو في موضع نصب بتقدير؛ لأن ينكح، ويحتمل أن يكون طولًا منصوبًا على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة؛ لأنها بمعنى يتقارب، وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر".

بالمصدر يعني: طولًا ، والتقدير ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات، فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات.

وأن ينكح بدلٌ منه، وهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح، ويحتمل أن يكون طولًا منصوبًا على المصدر والعامل فيه الاستطاعة؛ لأنها بمعنى يتقارب، وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر"

في النسخة الخطية: والعامل فيه الاستطاعة؛ لأنهما بمعنى يتقارب.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ معناه: أنه يعلم بواطن الأمور ولكم ظواهرها، فإذا كانت الأَمَة ظاهرة الإيمان، فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله.

"وعلم باطنها إلى الله"، كما قال ابن عطية: بأن هذا من أجل إلا يستريب[35]، متحير بإيمان بعض الإماء، كقريبة العهد بالسباء، سُبيت حديثًا وهو يقول: يتشكك هذه مؤمنة أو ليست مؤمنة، أو مثل الخرساء التي لا تبين، وما أشبهه، وأيضًا في اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أَمَة أفضل من إيمان بعض الأحرار أو الحرائر

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: إماؤكم منكم، وهذا تأنيس بنكاح الإماء؛ لأنَّ بعض العرب كان يأنف من ذلك.

كما قال ابن عطية: بعضكم من بعض، أي: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] [36]، فهذا معنى التأنيس، أتقاكم فهذا معنى التأنيس.

وقال ابن جرير -رحمه الله-: بأنه بعضكم من بعض أنه مرفوع بفعل مقدر، فلينكح مما ملكت أيمانكم بعضكم من بعض، باعتبار أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا على قول ابن جرير[37].

 يعني: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [النساء:25]، فعلى قول ابن جرير: التقديم والتأخير ترتيب الكلام هكذا: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، يعني الحرائر فلينكح مما ملكت أيمانكم بعضكم من بعض، لكن الأصل في الكلام الترتيب، من القواعد الترجيحية أنه إذا دار الكلام بين ترتيب، أو دعوى التقديم والتأخير، فالأصل في الكلام الترتيب، الأصل في الكلام الترتيب.

 وبعضهم يقول: المعنى: بعضكم من بعض يعني: متصلٌ في الأنساب كلكم ترجعون إلى آدم، هي ما خرجت من مخلوقٍ آخر، وإنما هو أبٌ للجميع أنتم ولد آدم، وبعضهم يقول: بعضكم من بعض، يعني: أنتم متصلون في الدِّين، أن دينكم واحد.

والحافظ ابن كثير يقول: المعنى أي هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما لكم أيُّها الناس الظاهر من الأمور وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[38].

يقول هنا: هذا تأنيس بنكاح الإماء؛ لأنَّ بعض العرب كان، سواءً قال: هذا التأنيس باعتبار أن الدِّين واحد، أو باعتبار أن الأب واحد، أو نحو ذلك مما يدخل في هذا المعنى، يعني: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أي: بإذن ساداتهن المالكين لهنّ.

يعني: بإذن السادة المالكين، وفي الحديث: أيُّما عبدًا تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر[39] حديث صحيح، والمرأة من باب أولى، إذا تزوجت من غير إذن مواليها.

فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، فهذا شرط لا يجوز له أن يتفق معها، بل لو عرف أبوها فلا يجوز له أن يلجأ إليه لينكحه ابنته، وهو مملوكة، لكن لو كان المالك امرأة فمن يزوجه إياها ؟ من يلي تزويج المرأة.

وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي: صدقاتهنّ، وهذا يقتضي أنهنّ أحق بصدقاتهنّ من ساداتهنّ، وهو مذهب مالك.

وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، ظاهره أنه يعطيها الصداق، لكن معروف أن المملوك لا يملك، وأنه وما يملك لسيده، ولهذا كان قول الجمهور أن قوله تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أن ذلك لا يكون لها، وإنما يكون لسيدها، طيب لماذا قال: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ؟ باعتبار أن التأدية إليهن تأديةٌ للسيد، وإلا فالصداق يكون لمن؟ لمالكها، لسيدها.

بِالْمَعْرُوفِ أي: بالشرع على ما تقتضيه السنة.

بِالْمَعْرُوفِ يعني: عن طيب نفس، من غير مماطلة، ولا بخس يقول: هذه أمة فيماطل معها، أو يبخس مهرها، أو نحو ذلك.

مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، أي: عفيفات غير زانيات، وهو منصوبٌ على الحال، والعامل فيه فانكحوهنّ.

عفيفات يعني: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، فسّره ابن عباس بالمعلنات[40]، يعني: بالزنا، غير مسافحات، والمسافحات هنَّ الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أراد ذلك، يعني: لا تختص أحد بعينه يكون خليلًا له، وإنما تزني مع من أراد، مسافحات، قال هنا: غير زانيات، وعلى قراءة الكسائي بالكسر مُحْصَناتٍ غَيْرِ مُسافِحاتٍ غير مسافحات.

ويقول: "وهو منصوبٌ على الحال"، وعلى هذه قراءة الجمهور، مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، "منصوبٌ على الحال"، يعني غير، "منصوبٌ على الحال والعامل فيه فانكحوهنّ، مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، وعلى قراءة الكسائي غَيْرِ مُسافِحات، يعني: عفيفات غير زواني.

والمقصود: انكحوهن حال كونهن محصناتٍ غير مسافحات، لا تكون ممن يتعاطى أو يمارس الزنا مع من أراد.

وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ جمع خدن وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنًا تزني معه خاصة، ومنهنّ من كانت لا تردّ يد لامس.

الخليل الخدن، والخدن هو المصاحب، وأكثر استعماله فيمن يصاحب أو يصاحب لشهوة، يقال له: خدن، لكن ليس دائمًا فقد يطلق على الحبيب، والرفيق، والصاحب الملازم، يقال: فلان خدن فلان، يعني يكثر مجالسته يلازمه ونحو ذلك.

 يقول: "وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنًا تزني معه خاصة، ومنهنّ من كانت لا تردّ يد لامس"، على كل حال تفسير الخدن بالخليل، هذا مروي عن جماعة الصحابة ومن بعدهم، كأبي هريرة، وعن الشعبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، ويحيى بن أبي كثير، مقاتل بن حيان، والسُدِّي[41].

فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ معنى ذلك: أن الأَمَة إذا زنت بعد أن أحصنت فعليها نصف حدّ الحرة، فإن الحرة تجلد في الزنا مائة جلدة، والأَمَة تجلد خمسين.

قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ، الإحصان هنا قال ابن كثير: التزويج بدلالة سياق[42]، يعني: إذا تزوجن، إذا أُحصنَّ وبهذا فسره ابن عباس -ا- وغيره، لكن الجمهور قال: فإذا أُحصنَّ فسروه بالإسلام، يعني إذا أسلمن.

وعلى هذا على قول الجمهور أن الأمة الكافرة لا تحد، فَإِذا أُحْصِنَّ أي: أسلمن، فالكافرة على هذا لا تحد، مع أن الجمهور لا يقولون الأمة الكافرة لا تحد، لكن هذا مقتضاه فسروه بالإسلام، فمفهوم المخالفة أن غير المسلمة لا تحد، وبعضهم يقول: تضرب تأديبًا، إذا زنت تضرب تأديبًا، لكن من غير تحديد خمسين جلدة نصف حد الحرة، لكن هنا الله -تبارك وتعالى- يقول: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ.

إذا أُحصنَّ، فعلى أنه التزويج، يعني: إذا تزوجن فلا حد على الأمة، هذا ظاهره ما لم تتزوج، فَإِذا أُحْصِنَّ، إذا قيل: أُحصنَّ بمعنى تزوجن، مفهوم المخالفة أنها إن لم تتزوج فلا حد عليها، مع أن السُنَّة دلت على الحد على البكر من الإماء، هذا جاء في السُنَّة.

ذكر حديث علي وغيره، روى مسلم بسنده قال: خطب عليٌ قال: ((يا أيُّها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمةَ لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها)) .

يعني الشاهد فيه: من أحصن ومن لم يحصن، ((فإذا هي حديث عهد بنفاس)) يعني: من الزنا ((فخشيت أن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أحسنت))[43].

 وكذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين: إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها[44] هذا ظاهره العموم، إذا زنت أمة أحدكم، ما قال: المتزوجة، الأصل بقاء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه، إلا لدليلٍ يدل على التقييد.

فهنا قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يقول: "معنى ذلك: أن الأَمَة إذا زنت بعد أن أحصنت فعليها نصف حدّ الحرة".

فإن الحرة تجلد في الزنا مائة جلدة، والأَمَة تجلد خمسين، فإذا أحصنَّ يريد به هنا تزوّجن، والفاحشة هنا الزنا، والمحصنات هنا الحرائر، والعذاب هنا الحدّ.

أُحصنَّ على هذه القراءة أُحصنَّ، الفاعل هو الأزواج، فإذا أحصن على جعل الإماء مفعولات، أُحصنَّ أُحصنهنَّ الأزواج بإحصان الأزواج لهنَّ، هذا واضح، وإذا فُسِّر بأسلمن، فإذا أُحصنَّ على هذه القراءة، قراءة ضم الهمزة، إذا أُحصنَّ، البناء للمجهول، يعني: أحصن أنفسهن بالإسلام.

 قال: "يريد به هنا تزوّجن"، وهذا المعنى هو الذي اختاره ابن كثير[45]، أنه معنى التزوج، ومن المعاصرين الطاهر ابن عاشور[46].

وفسر أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله- الإحصان بالإسلام أو النكاح[47]، يقول: الإحصان بالإسلام أو بالنكاح، يعني بهذا وهذا، إذا حصل لها إسلام أو تزوجت، وبهذا قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- من المعاصرين[48].

وحمل ابن جرير -رحمه الله- قول الجمهور على قراءة الفتح، فإذا أَحصنَّ، يعني: أسلمن، والقول الآخر على قراءة الضم فإذا أُحصنَّ، يعني بالتزوج، وهذا مثال لتوجيه الأقوال بتنزيلها على القراءات المختلفة.

والعذاب هنا الحدّ، فاقتضت الآية حدّ الأَمَة إذا زنت بعد أن تزوّجت، ويؤخذ حدّ غير المتزوّجة من السُنّة وهو مثل حدّ المتزوّجة، هذا على قراءة أُحصِنّ بضم الهمزة وكسر الصاد، وقرئ بفتحهما، ومعناه أسلمن، وقيل: تزوّجن.

مع أن قوله -تبارك وتعالى-: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ هنا باعتبار الحرائر، وبعضهم قال: نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ يعني: المتزوجات، لكن هذا لا يخلو من إشكال؛ لأنَّ حد المتزوجة هو الرجم، والرجم لا يتنصف، وإنما الجلد هو الذي يتنصف، وإنما المقصود الحرائر فعليهن نصف ما على الحرائر من العذاب، يعني الحد، وهذه القراءة أحصن بضم الهمزة، هي قراءة الجمهور، والقراءة الثانية فإذا أَحصنَّ هذه قرأ به الكسائي، وحمزة، وأبو بكر.

"وقرئ بفتحهما، ومعناه أسلمن"، يعني: أحصن، "وقيل: تزوّجن". والمعنى: أنهن إذا أسلمن، لاحظ توجيه القراءة إذا أَحصنَّ يعني إذا فسر بالإسلام إذا أسلمن أَحصن فروجهن بالإسلام، يعني: أعففن أن الإسلام يأمر بالعفاف، وبعضهم يقول: أحصن أنفسهن بالتزويج، بإسناد الفعل إليهن، فإذا أحصن يعني أنفسهن بالنكاح، أحصن أنفسهن بالنكاح، والله أعلم.

ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، الإشارة إلى تزوّج الأَمَة، أي: إنما يجوز لمن خشي على نفسه الزنا، لا لمن يملك نفسه.

خشي على نفسه الزنا، ذلك لمن خشي العنت وهو الفجور، يقال: عنت إذا وقع في أمرٍ يخاف منه التلف، ويطلق أيضًا العنت على الضرر والفساد، وأصله يدل على المشقة، ويقال: للإثم، وأصله في اللغة يقال: لانكسار العظم بعد الجبر، ويقال: لكل مشقة، وكل هذا متحقق في الزنا فهو إثم ومشقة أيضًا.

ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني: الزنا، خشي الوقع في الإثم، أن يلحقه مشقة بسبب ذلك.

وقوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، "الإشارة إلى تزوّج الأَمَة"، ابن جرير -رحمه الله- يقول: عمم الله بقوله: لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، جميع أنواع العنت، يعني لم يحمله على خصوص معنى مما ذُكِر، فالزنا لأنه يوجب العقوبة على صاحبه في الدنيا، بما يعنت بدنه ويكتسب به إثمًا ومضرةً في دينه ودنياه، إن جمع بين هذه المعاني، وهذا لا شك أنه أكمل، والله أعلم.

وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ المراد الصبر عن نكاح الإماء، وهذا ندبٌ إلى تركه، وعلته ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.

يعني: هذه الحكمة في تحريم تزوج الأمة، باعتبار أنه يحرم إلا هذا بالشرط، وزاد بعضهم كابن عاشور أيضًا، لماذا لا يتزوج الأمة؟ لئلا يوقع نفسه في مذلة تصرف الناس في زوجته[49]؛ لأنَّ المالك أحق بها، يعني إذا أمرها السيد بشيءٍ، وأمرها الزوج بشيء فما المقدم؟ أمر السيد، لو قال لها زوجها: أن تأتي إليه، أن تبيت عنده، والسيد منعها، فالقول قول السيد، فجعل نفسه في هذه الحال، والمذلة، والمهانة يتصرف بامرأته غيره.

وذكر صاحب التفسير الكبير خمسة أوجه، فذكر ما سبق وزاد أيضًا، أنها ربما يعني تكون لخفة شرفها، قلته معتادة على الخروج، ويهون عليها الفجور، فالفجور في الإماء والمماليك أكثر[50]؛ ولهذا قال الله في سورة النور: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32] ولم يقيد، لكن لما ذكر المماليك قال: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32].

 فقال بعض أهل العلم: قيد الصلاح في المماليك ولم يقيده في الأحرار، باعتبار أن الغالب في المماليك الفساد والشر والسوء؛ لأنَّ شرفهم أقل فلا يتنزهون من مواقعة ما لا يليق مما يكون به ذهاب المروءات، والشرف، ونحو ذلك، يقول: ليس عنده شرف يخاف عليه، ليس هناك ما يخسر إذا واقع مثل هذه القبائح؛ ولهذا قالت هند زوج أبي سفيان: أوتزني الحرة؟ يعني هل هذا يتصور؟ أوتزني الحرة؟ لكن الأمة لقلة شرفها قد لا تبالي.

فكذلك أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، إضافة إلى أنه قد يبيعها، السيد قد يبيع هذه الأمة التي هي زوجة لرجلٍ حر، تباع والله أعلم من تصير إليه، وبعضهم يعتبر أن هذه البيع هو فسخ للنكاح، أو طلاق عند  بعض الفقهاء، وعلى فرض عدم ذلك فإنه قد يسافر بها وبولده منها.

يعني: الأولاد قلنا: بأنهم يكونون مماليك، والمشهور أنه مُنِع من تزوج الإماء؛ لأنَّ ذلك يؤول إلى رق الولد؛ لأنَّ الولد يتبع الأم فيما يتصل بالحرية وغيرها وضدها، الحرية والرق يتبع الأم، فأولاده يكونون أرقاء، يكونون ملكًا للسيد، فقد يسافر بها ويترك هذا الزوج، ويسافر بالأولاد وهو أحق بهم وبهذه المرأة؛ لأنها مملوكة له، هذا بالإضافة إلى أن مهرها هو مِلك لمولاها لسيدها، فلا تستطيع أن تسقط شيئًا من المهر، أو تتصرف في شيء من ذلك، والله أعلم.

وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ المراد الصبر عن نكاح الإماء، وهذا ندبٌ إلى تركه، وعلته ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.

نعم هذا مضى.

  1. تفسير ابن كثير (2/256).
  2. أحكام أهل الذمة (2/733).
  3. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/233).
  4. مجموع الفتاوى (13/407).
  5. أخرجه مسلم، كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، رقم: (1456).
  6. المدونة (2/224).
  7. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله، رقم: (1643)، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، رقم: (1277).
  8. تفسير الطبري (8/175)، رقم: (9028).
  9. انظر تفسير الطبري (8/176).
  10. أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة آخرا، رقم: (5116).
  11. أخرجه الترمذي، أبواب النكاح عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، رقم: (1122).
  12. تفسير الطبري (8/175).
  13. تفسير الطبري (8/178).
  14. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/236).
  15. تفسير ابن كثير (2/259).
  16. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم: (4216)، ومسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح، ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، رقم: (1407).
  17. أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح، ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، رقم: (1406).
  18. أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح، ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة رقم: (1405).
  19. تفسير ابن كثير (2/259).
  20. تفسير القرطبي (5/130).
  21. أخرجه الترمذي، أبواب النكاح عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، رقم: (1122).
  22. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب نكاح المتعة، رقم: (14168).
  23. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (6/316).
  24. أخرجه مسلم، باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح، ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، رقم: (1406).
  25. بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/66).
  26. تفسير القرطبي (5/136).
  27. الحاوي الكبير (9/234).
  28. المغني لابن قدامة (7/136).
  29. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/267).
  30. الأم للشافعي (5/9).
  31. البيان والتحصيل (4/460).
  32. شرح الزركشي على مختصر الخرقي (5/190).
  33. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (3/135).
  34. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/235).
  35. تفسير ابن عطية (2/38).
  36. تفسير ابن عطية (2/38).
  37. تفسير الطبري (8/191).
  38. تفسير ابن كثير (2/260).
  39. أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده، رقم: (2078).
  40. تفسير الطبري (8/193).
  41. تفسير ابن كثير (2/261).
  42. تفسير ابن كثير (2/261).
  43. أخرجه مسلم، كتاب الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء، رقم: (1705).
  44. أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع المدبر، رقم: (2234)، ومسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، رقم: (1703).
  45. تفسير ابن كثير (2/262).
  46. التحرير والتنوير (5/16).
  47. تفسير الطبري (8/199).
  48. تفسير السعدي (ص:174).
  49. التحرير والتنوير (5/15).
  50. تفسير الرازي (10/38).

مواد ذات صلة