الأربعاء 05 / صفر / 1442 - 23 / سبتمبر 2020
(008-ب) من قوله تعالى (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم..) الآية 68 – إلى نهاية الآية (قل متاع الدنيا قليل) الآية 76
تاريخ النشر: ١١ / جمادى الآخرة / ١٤٣٨
التحميل: 1051
مرات الإستماع: 1337

"قول الله تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] ثواب على الطاعة، أي: هم معهم في الجنة، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] والصدّيق فعّيلٌ من الصدق، ومن التصديق [في النسخة الخطية: أو من التصديق] والمراد به المبالغة، والصدّيقون أرفع الناس درجةً بعد الأنبياء، والشهداء المقتولون في سبيل الله، ومن جرى مجراهم من سائر الشهداء، كالغريق، وصاحب الهدم، حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة".

قوله -تبارك وتعالى-: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] جاء في سبب النزول عن عائشة -ا- قالت: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر، حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك: عرفت أنك إذا دخلت الجنة: رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة: خشيت ألا أراك، فلم يرد النبي ﷺ شيئًا، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]".

هذا أخرجه الطبراني في الأوسط[1]، وأبو نعيم في الحلية[2]، ووثق رجاله ابن حجر، وصححه لغيره الشيخ أحمد شاكر، وذكره الشيخ ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة[3].

فإذا صح مثل هذا يكون هو سبب نزول هذه الآية: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: في الجنة.

يقول: "وهي مفسرة لقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]" وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، فالذين أنعم الله عليهم هم هؤلاء الذين ذكر الله.

يقول: "والصديق فعيلٌ من الصدق، ومن التصديق" هذا أحسن من أن يقال: أو من التصديق، مع أن ذلك يحتمل، لكن الجمع بين هذا وهذا هو الأولى والأكمل في معناه، والله تعالى أعلم.

فالصديق بعضهم يقول: هو الذي يصدق قوله بفعله، أو أنه صَدَقَ بقوله، واعتقاده، وحقق صدقه بفعله، أو من كَمُلَ في صدقه وتصديقه، وهذا هو الأحسن، والله أعلم، ولذلك قلت هنا: "فعيلٌ من الصدق ومن التصديق" يعني أنه كمل في صدقه وفي تصديقه، فيكون صادقًا بأقواله، وأفعاله، وأحواله كلها، وكذلك أيضًا كَمُلَ في تصديقه، فأبو بكر كان إذا بلغه عن النبي ﷺ شيء قال: صدق، وفي قصة الإسراء والمعراج لما أجلب المشركون وأرجفوا، وتراجع بعض من آمن بمكة، حينئذٍ لما جاءوا إلى أبي بكر قالوا: أما سمعت ما يقول صاحبك؟ ظنًّا منهم أن ذلك سيرده عن إيمانه، فقال: إن كان قال فقد صدق، يقول: أنا أصدقه في خبر السماء، يأتيه الوحي صباح مساء، ولا أصدقه في الإسراء إلى بيت المقدس؟![4] يعني أصدقه فيما هو أعظم من هذا.

وبعضهم يقول: إنه يقال لمن كثر منه الصدق، فهي صيغة مبالغة، أي كثير الصدق، وبعضهم يقول: يقال ذلك لمن لم يكذب قط، أو من لا يتأتى منه الكذب، لكونه قد اعتاد الصدق، فكل هذه المعاني تجمع وصحيحة، فهو من كمل في صدقه وتصديقه، وإذا كان كمل يكون صادقًا في قوله وفعله واعتقاده، وصدق قوله بفعله، وكذلك أيضًا كثر منه الصدق، لم يكذب قط، لا يتأتى منه الكذب؛ لتعوده الصدق، هذا هو الصديق.

فالصديق لا يقال لمن يكذب في حديث الناس، ولا يقال لضعيف الإيمان، ولا يقال لمن كان حاله على غير استقامة، يعني لم يصدق قوله بفعله، فلا يقال له: صديق، وإنما من اجتمعت فيه هذه الأوصاف: كمال الصدق، مع كمال التصديق، بالقول والفعل والحال، يعني أن تكون حاله الصدق فيما يكون عليه، ولا يكون مثلًا متخشعًا وهو يتصنع ذلك، فلا يكون صادقًا، ويُظهر ربما التواضع وليس كذلك، فحاله تصدق ما ينطوي عليه قلبه، فهذا تصديق الحال.

والتصديق بالفعل: أن يصدق بفعله قوله، الذي ربما يقوله، لكن لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2] وهذا عام، ومن ذلك الإيمان أن يصدقه بالعمل، ودعوى الإيمان، الذي أعلنه، وإلا الإيمان من العمل كما هو معلوم؛ ولذلك قال النبي ﷺ: الصدقة برهان[5]، فهي برهان على صدق دعوى الإيمان.

يقول: "المراد به المبالغة، والصديقون أرفع الناس درجة بعد الأنبياء" من جهتين:

من جهة: أنه ذكره بعدهم: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ.

الأمر الآخر: أن أبا بكر الصديق بعد النبي ﷺ، يعني وزن النبي ﷺ بالأمة فرجح، ووزن بعد ذلك أبو بكر فرجح بالأمة، فهذا يمكن أن يؤخذ من هذا المعنى.

يقول: "والشهداء المقتولون في سبيل الله، ومن جرى مجراهم من سائر الشهداء، كالغريق إلى آخره، وذكر أنهم سبعة"، وذكر الحديث في الحاشية، وهو حديث صحيح: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد[6]، يعني: تموت في حال الولادة، فهؤلاء الشهداء في أحكام الآخرة، وأما في ما يجري عليهم في الدنيا، فلا شك أن الذي لا يُغسل -واختلف في الصلاة عليه- ويكفن بثيابه هو شهيد المعركة، أما المبطون، والمطعون، وحوادث السيارات، باعتبار أنهم من قبيل الهدم، ونحو ذلك، فهؤلاء يُكفنون، ويُغسلون، ويُصلى عليهم، ويجري عليهم ما يجري على الموتى من المسلمين، لكن الذي في المعركة هو الذي له أحكام خاصة في الدنيا، فهؤلاء يشتركون في أحكام الآخرة، والشهداء في الآخرة ليسوا على مرتبة واحدة، بدليل أن النبي ﷺ قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله[7]، فقوله: سيد الشهداء، فدل على أن الشهداء يتفاوتوا في مراتبهم، ومنازلهم.

"وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] الإشارة إلى الأصناف الأربعة المذكورة، والرفيق يقع على الواحد والجماعة، كالخليط، وهو مفرد، [وفي النسخة الخطية: أو هو مفرد بُيّن به الجنس] ومعنى الكلام: إخبارٌ واستدعاءٌ للطاعة التي ينال بها مرافقة هؤلاء".

هنا يقول: "الرفيق يقع على الواحد والجماعة، وهو مفرد بُين به الجنس".

أو هو مفرد في نسخة أخرى؟

هناك فرق بين أن يقال: الرفيق يقع على الواحد والجماعة، فلا يقال: إنه لفظ مفرد، وبين أن يقال: "أو هو مفرد بُين به الجنس" يعني اللفظ مفرد، قُصِدَ به الجنس، يعني هو جمعٌ من جهة المعنى، رفيق يعني رفقاء، بمعنى: أنه أُريد به الجنس، سواءً كان ذلك بالإضافة، أو بغير إضافة، كقوله: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] فالطفل مفرد، أريد به هنا الجنس، هذا من غير إضافة، وبالإضافة أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61] يعني: أصدقائكم، لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ [الممتحنة:1] عدوي مفرد مضاف إلى معرفة، وكذلك عدوكم مفرد مضاف، فهذا يراد به معنى الجمع، يعني أعدائي وأعدائكم، فظاهر إنها لو كانت "أو هو مفرد بين به الجنس" معنى الكلام: إخبار للطاعة التي ينال بها، يعني حينما قال الله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] إنما ذُكِر للترغيب بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ.

"ذَلِكَ الْفَضْلُ [النساء:70] الإشارة إلى الثواب على الطاعة بمرافقة من ذكر في الجنة، والفضل صفة، أو خبر.

خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71] أي: تحرزوا من عدوّكم، واستعدّوا له.

فَانفِرُوا ثُبَاتٍ [النساء:71] أي: اخرجوا للجهاد جماعات متفرّقين، وذلك كناية عن السرايا، وقيل إنّ: الثُبة ما فوق العشرة، ووزنها (فعلة) بفتح العين، ولامها محذوفة".

"ثُبة" فعلة، "ولامها محذوفة" فَانفِرُوا ثُبَاتٍ [النساء:71] أي: اخرجوا للجهاد جماعات متفرّقين، كناية عن السرايا" وليس المقصود من "اخرجوا متفرقين" أنهم يخرجوا أفرادًا، فهذا لا يحصل به مقصود الشارع، وإنما المقصود السرايا، بمعنى: أنه لا يخرج الجيش مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في تبوك، أو في فتح مكة، أو في أحد، أو في بدر، أو نحو ذلك من مغازيه -عليه الصلاة والسلام-.

فَانفِرُوا ثُبَاتٍ [النساء:71] كناية عن السرايا، قال: "اخرجوا للجهاد جماعات متفرقين" يعني أو جماعة منفردة، فالثبة: هي الجماعة التي يثوب بعضها إلى بعض في الظاهر، وقيل: "الثُبة ما فوق العشرة، ووزنها فعلة".

"أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا [النساء:71] أي: مجتمعين في الجيش، [وفي النسخة الخطية: أي: مجتمعين في الجمع الكثيف] فخيرهم في الخروج، [وفي النسخة الخطية: فخيرهم بين الخروج إلى الغزو في قلة أو في كثرة]".

مجتمعين في الجيش الكثيف، أو في الجمع الكثيف، فكل ذلك لا إشكال فيه.

ويصلح "فخيرهم في الخروج إلى الغزو في قلة أو كثرة".

"وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء:72] الخطاب للمؤمنين، والمراد بـ (مَنْ) المنافقون، وعبر عنهم بمنكم؛ إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون: (آمنا) واللام في (لمن) للتأكيد، وفي (ليبطئن) جواب قسم محذوف، ومعنى يبطئ غيره أي: يثبطه عن الجهاد، ويحمله على التخلف عن الغزو، وقيل: يبطئ يتخلف هو عن الغزو ويتثاقل".

وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء:72] الخطاب للمؤمنين، والمراد بـ (مَنْ) المنافقون، وجاء عن مجاهد أنها نزلت في المنافقين[8]، لكن هذا لا ينافي أن يكون وَإِنَّ مِنْكُمْ خطاب للأمة، باعتبار أنهم في الظاهر يدّعون الإيمان، فهم محسوبون على المسلمين، وفي عدادهم في الظاهر، وعبر عنهم بــــمِنْكُمْ إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، فهذا جواب عن هذا السؤال المقدر، والله -تبارك وتعالى- أخبر عن المنافقين أن ذلك من ديدنهم ومن شأنهم؟ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18]  لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة:47]، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18]، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب:13] فكل هذا من حال المنافقين.

ويقول: "ويقولون: آمنا" يعني أنهم يظهرون الإيمان، ويحتمل أن يكون الخطاب على قول بعض أهل العلم لعسكر النبي ﷺ، المؤمنين منهم والمنافقين، وهذا مثل قول من قال: بأن الخطاب للمؤمنين باعتبار أن المنافقين في الظاهر أظهروا الإيمان، لكن هذه العبارة من قال: بأن الخطاب لعسكر النبي ﷺ، لا يرد عليه سؤال: أنه كيف قال ذلك وهؤلاء ليسوا بمؤمنين؟ فهؤلاء قالوا: الخطاب موجه إلى عسكر النبي ﷺ، وفيهم المؤمن، والمنافق، وقال: مِنْكُمْ باعتبار أنهم يجتمعون مع المؤمنين في معسكرهم، وكذلك لربما يجتمعون أيضًا من جهة النسب، لكن إظهار الإسلام، ودعوى الإيمان، يجرى عليهم بسببها أحكام المسلمين، باعتبار ما أظهروا، حتى يبدو غير ذلك.

قال: "(لمن) اللام للتأكيد، لَيُبَطِّئَنَّ جواب قسم محذوف" يعني هذا الذي يسمونه بالقسم المضمر، يحذف فيه فعل القسم، والمقسم به، وأداة القسم، ومعناه: يبطئ غيره، أي: يثبطه عن الجهاد"، أو "معنى ويبطئ غيره: ويثبطه عن الجهاد" فكل هذا صحيح.

"ويحمله على التخلف عن الغزو، وقيل: يبطئ يتخلف هو عن الغزو، ويتثاقل" وهذا قاله مقاتل[9]، وجمع بين المعنيين ابن جريج[10] وابن جرير -رحمهما الله-[11]، وهذا هو الأقرب والله أعلم: أن قوله: لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ يعني: أنه يثبط غيره، وكذلك هو يتثبط، ويتثاقل في الخروج إلى الغزو.

يعني إذا قيل بأنه يبطئ غيره، يكون الفعل متعديًّا، وإذا قيل: لَيُبَطِّئَنَّ أي في نفسه، يكون الفعل قاصرًا غير متعدي، مثل كلمة فعل (صد) قد يكون قاصرًا بمعنى صد في نفسه، ويكون متعديًّا يعني صد غيره، ومثل هذا الأصل أن يحمل على المعنيين، لأن القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فيكون لَيُبَطِّئَنَّ يبطئ في نفسه، وكذلك أيضًا يبطِّئ غيره.

"فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [النساء:72] أي: قتلٌ وهزيمة، والمعنى: أن المنافق تسره غيبته عن المؤمنين إذا هزموا، وشَهِيدًا معناه: حاضرًا معهم".

فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ [النساء:72] يعني أن المنافق يسر بأنه لم يشارك في هذه الغزوة، فيقع له القتل والأذى والجراح، شَهِيدًا [النساء:72] يعني: حاضرًا معهم، شاهدًا للوقعة.

"وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ [النساء:73] أي: نصرٌ وغنيمة، والمعنى: أنّ المنافق يندم على ترك الغزو معهم إذا غنموا، فيتمنى أن يكون معهم".

كما قال الله في تبوك: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42] يعني الأشياء القريبة المنال، والسفر القريب الذي تكون فيه نسبة الغلبة والانتصار، وأخذ الغنائم راجحة قوية، يشاركون فيها، وما كان شاقًّا، أو يقابلون فيه عدوًا قويًّا، فإنهم يتخلفون، ويتثبطون ويذكرون المعاذير.

"كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [النساء:73] جملة اعتراض بين العامل ومعموله، [وفي النسخة الخطية: جملة اعتراض بين القول ومعموله] فلا يجوز الوقوف عليها، وهذه المودّة في ظاهر المنافق لا في اعتقاده".

يعني في قوله: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [النساء:73] تكون جملة كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اعتراضية، فيرد سؤال: إن المنافق ليس بينه وبين المؤمنين مودة، هم العدو فاحذرهم، فكيف قال: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [النساء:73]؟

يقول: "هذه في ظاهر المنافق لا في اعتقاده" يعني فُسر، أي: وكأنه ليس من أهل دينكم، يرتبط فيه معكم بالتزام أحكامه، والفرح بالظفر والنصر، وإعزاز الدين، وما أشبه ذلك، فكيف يصدر منه مثل هذا؟ ومن مقتضيات كون هذا يرتبط معكم في الدين: النصرة لكم، وبنحو هذا المعنى قال الحافظ ابن كثير[12]، يعني كأنه لا يرتبط معكم في هذا الدين، وشرائعه وأحكامه، فيصدر عنه خلاف ذلك، وهو مأمورٌ ومطالب بالنصرة لهذا الدين وحملته، والله المستعان.

وقوله هنا: "فلا يجوز الوقف عليها" يعني على هذه الجملة الاعتراضية وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ فلا تقف هنا، ثم تقول: يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [النساء:73] وإنما تواصل.

"الَّذِينَ يَشْرُونَ [النساء:74] أي: يبيعون".

الشراء يذكر بمعنى البيع، كقوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ [التوبة:111]، اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [التوبة:11] فالشراء هنا بمعنى: الأخذ، فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ [النساء:74] يعني: يبيعون الحياة الدنيا، فلفظة الشراء من الأضداد، تقال للبيع وتقال للشراء بغلبة الاستعمال عندنا.

"فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ [النساء:74] ذكر الحالتين للمقاتل، ووعد بالأجر على كل واحدة منهما، وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ [النساء:75] تحريض على القتال، وَمَا مبتدأ ولَكُمْ الجار والمجرور خبر، [وفي النسخة الخطية: وَمَا مبتدأ، والمجرور خبره]".

"تحريض على القتال" ومعنى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ أي: لا شيء لكم في حال لا تقاتلون، هذا ظاهر المعنى في أصله، يعني: أن الذي هو لكم هو أن تقاتلوا، فهو بمنزلة الأمر، يعني قاتلوا في سبيل الله، ولا يصدكم شيءٌ عن القتال.

لَا تُقَاتِلُونَ في موضع الحال، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ هم الذين حبسهم مشركو قريش بمكة؛ ليفتنوهم عن الإسلام، وهو عطف على اسم الله، أو مفعولٌ معه".

"هو عطف على اسم الله" يعني أي وسبيل المستضعفين، وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:75] إذا أعدناه على اسم الجلالة، يكون هكذا: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وسبيل المستضعفين، يعني في تخليصهم، ويحتمل النصب على الاختصاص، يعني: وأخص المستضعفين، فيكون هكذا: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وأخص المستضعفين، فجاء نصبه بهذا الاعتبار، فإنهم أعظم ما يصدق عليه أنه في سبيل الله، وهو تخليص هؤلاء المستضعفين، والله أعلم.

وجاء في الصحيح عن ابن أبي مُليكة: أن ابن عباس -ا- تلا: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ [النساء:98] فقال: "كنت أنا وأمي ممن عذر الله"[13]، حيث كان طفلًا، وأيضًا في الصحيح عن عبيد الله بن أبي عتبة قال: سمعت ابن عباس -ا- يقول: "كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء"[14].

"الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا [النساء:75] هي مكة حين كانت للمشركين، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:76] وما بعده إخبار، قُصِدَ به تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال، الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء:77] الآية، قيل: هي في قومٍ من الصحابة، كانوا قد أُمِروا بالكف عن القتال قبل أن يفرض الجهاد، فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أُمِروا به كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت، وقيل: هي في المنافقين، وهو أليق في سياق الكلام".

صح عن ابن عباس -ا-: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بمكة، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزٍّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم فهذا بمكة، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء:77][15] فهذا صريح في أنه سبب النزول.

يقول: "قيل: هي في قومٍ من الصحابة كانوا قد أُمِروا بالكف" هذا يدل عليه ما جاء عن ابن عباس -ا- "لا شكًا في دينهم، لكن خوفًا من الموت".

يقول: "وقيل: هي في المنافقين، وهو أليق في سياق الكلام" لكن سبب النزول يُبين المعنى، وبعضهم يقول: هي في اليهود، لكن هذا بعيد.

" مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء:77] وما بعده تحقير للدنيا، فتضمن الرد عليهم في كراهتهم للموت".

انتهى الآن ثمن آخر.

الأسئلة:

س: هذا يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا [النساء:65] هل النفي لأصل الإيمان، أو كمال الإيمان؟

ج: هو ظاهره أنه نفي لأصل الإيمان، فالذي يرفض التحاكم إلى الرسول ﷺ لا يكون مؤمنًا.

س: وهذا يقول: في قول الله تعالى: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1] هل يستفاد لغويًّا من الآية أن الرجال أكثر عددًا من النساء؟

ج: لا يلزم؛ لأن قوله: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً أي: كثيرات، فيكون من باب ما يسمى بالاكتفاء، وهذا له نظائر في القرآن، وكذلك أيضًا الإحصاءات تدل على أن النساء في الغالب أكثر من الرجال، وكذلك أيضًا ما يعترض الرجال من الأخطار والقتل، ونحو ذلك، فبسبب ذلك شُرِع للرجل أن يتزوج أربع نسوة، هذا أحد العلل والأسباب في مشروعية التعدد.

والنبي ﷺ أخبر في آخر الزمان: أن الرجل يكون قيمًا لخمسين امرأة[16]، وإلى عهد قريب كان النساء قلة، فتجد المرأة إذا طُلقت تسابق الرجال يتزوجونها، وإذا توفي زوجها تسابق إليها الخطاب؛ ولذلك نهى الله عن مواعدتهن سرًّا، قال: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا [البقرة:235] يعني كانت القضية بالحجز، فهو يعرّض لها أنه يريدها، لا تسبقيني بنفسك، ونحو هذا، بينما في مثل هذه الأوقات الآن: أصبح الناس لربما لا يرغب في المطلقة، أو المتوفى عنها زوجها، ونحو ذلك، لكن ليس لسبب أن النساء أكثر من الرجال الآن، لكن لأمور أخرى ومنها هذا، والإحصاءات: أن النساء أكثر من الرجال، وهكذا كما ذكرت في الحروب ونحو ذلك، وقد يكون في بعض الأوقات النساء أقل من الرجال، لكن الآية لا تدل على هذا.

س: ما حكم أن يصلي المرء في سيارته الصلاة النافلة عند الانتظار، والتحدث سواءٌ إن كان في سفر أو غيره؟

ج: الذي يظهر أن ذلك يكون في السفر، بعض أهل العلم رخص في هذا، لكن النبي ﷺ فعل صلاة النافلة على الراحلة في السفر، ولا أعلم أنه فعله ﷺ في الحضر.

  1. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1/152-477) والمعجم الصغير (1/53-52).
  2. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/239).
  3. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (6/1044).
  4. سيرة ابن هشام ت طه عبد الرؤوف سعد (2/33) والروض الأنف ت الوكيل (3/398).
  5. أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء برقم: (223).
  6. أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب في فضل من مات في الطاعون برقم: (3111) وصححه الألباني. وورد بعضه في البخاري.
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (4/238-4079) وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/685-3675).
  8. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (8/538-9935).
  9. تفسير ابن أبي حاتم - محققا (3/999-5588).
  10. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/357).
  11. نقله عنه ابن كثير في تفسيره، ت سلامة (2/357) ولم أجده في تفسير ابن جرير.
  12. تفسير ابن كثير ت سلامة (2/358).
  13. أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء} [النساء: 75] الآية برقم: (4588).
  14. أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام برقم: (1357).
  15. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/19-17741) والحاكم (ج2 ص66 و307) وقال في الموضعين: "صحيح" وهو أيضاً في تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (8/549-9951) وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول (ص: 71).
  16. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل برقم: (81) ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان برقم: (2671).

مواد ذات صلة