الثلاثاء 03 / ربيع الأوّل / 1442 - 20 / أكتوبر 2020
[14] من قول الله تعالى: {وَجَاءَ السَّحَرَة ُفِرْعَوْنَ} الآية 113 إلى قوله تعالى: {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} الآية 129
تاريخ النشر: ٢٣ / ذو القعدة / ١٤٢٧
التحميل: 2956
مرات الإستماع: 2332

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۝ قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [سورة الأعراف:113، 114] يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى إن غلبوا موسى ليُثِيبنّهم وليعطينهم عطاءً جزيلاً، فوعدهم ومنّاهم أن يعطيهم ما أرادوا، ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى- عن قول السحرة في هذه الآية: إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [سورة الأعراف:113] يكون هذا تقريراً جاءوا به بصيغة خبرية ليتوثقوا منه، وكأنه شيء قريب المنال، أو أنه شيء يتوقعونه أو يثقون بحصوله، فقالوا: لنا أجر إذا كنا نحن الذين غلبنا موسى ﷺ، وفي الآية الأخرى جاء بأسلوب الاستفهام أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا [سورة الشعراء:41] أي أنهم يسألونه: هل تعطينا أجراً؟ والفرق بين القراءتين ظاهر، لكن هذه الآية وإن لم تكن بصيغة الاستفهام إلا أن المقام والسياق يشعر به، فهم يقولون لفرعون: إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [سورة الأعراف:113] كأنهم يشترطون ذلك عليه فجاءوا به على صيغة الخبر.

فلما توثقوا من فرعون -لعنه الله- قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ۝ قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [سورة الأعراف:115، 116] هذه مبارزة من السحرة لموسى في قولهم: إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ أي: قبلك، كما قال في الآية الأخرى: وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى [سورة طـه:65] فقال لهم موسى : أَلْقُوْاْ [سورة الأعراف:116] أي أنتم أولاً.

قولهم: إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يدل على شدة ثقتهم بأنفسهم وأن ما سيأتي به مستعدون لإبطاله، فهم واثقون من أنفسهم تماماً.

ومن أهل العلم من يقول: إنهم قالوا ذلك من باب الأدب الذي اعتاده من يتبارون من أهل العلوم أو الصناعات أو الأعمال المختلفة إذا كانوا في مقام التباري والتنافس، كما يقال في المناظرة مثلاً: تسأل أو أسأل؟ لكن هذا لا يقوله إلا من كان واثقاً بنفسه تمام الثقة، وإلا فإنه يطلب شيئاً معيناً؛ لأنه قد رتب عليه أمراً آخر، فيخاف أن يفوته.

قيل الحكمة في هذا -والله أعلم- ليرى الناس صنيعهم ويتأملوا، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجليّ بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان.

الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يعلل لماذا قال لهم موسى ﷺ: ابدءوا أنتم، فيقول: ليكون ذلك أوقع في نفوس الناس، باعتبار أنهم يرون البهرج ثم بعد ذلك ينتظرون ماذا سيلقي موسى.

ويمكن أن يقال بعبارة أخرى -وكل هذا وجه ظاهر والله تعالى أعلم: إنه أراد أن يكون الحق هو آخر ما يلامس أو يصادف أو يراه الناس؛ فإنه يعلق في آذان الناس عادة آخر ما يرون، ولذلك فالنهايات معتبرة في كل شيء، فمن كانت نهايته سيئة فلا عبرة بحسن بدايته، فلو أن إنساناً دعا ناساً وأكرمهم ثم في آخر المجلس أساء إليهم فإن الذي يعلق في الأذهان تلك الإساءة التي نسخت كل الإحسان، وهكذا في كل شيء يبقى الإنسان يعلق في ذهنه ما كان في آخر المطاف، أو آخر الأمر، فموسى أراد -والله تعالى أعلم- أن يكون آخر ما يقع عليه أبصار الناس وآخر ما يقفون عليه هو الحق؛ ليكون هو العالق في الأذهان؛ لأن ما تقدمه ينتقل إلى الذاكرة ويختزن فيها وقد يفوت منه ما يفوت فإذا جاء بعده أخذ نصيباً من الأول، وهكذا، فإذا كثرت الأشياء أنسى بعضها بعضاً، وما يأتي ثانياً فالعادة أنه يُذهل عن الذي قبله، فالمقصود أن موسى ﷺ أراد أن يكون الحق هو آخر ما يراه الناس، والله أعلم.

ولهذا قال تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [سورة الأعراف:116] أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال.

السحر الذي جاء به السحرة الذين أرادوا أن ينتصروا به على موسى ﷺ هو من باب سحر التخييل، لكن ليس معنى ذلك أن السحر بجميع أنواعه من هذا القبيل، فبعض أهل العلم يقول: السحر هو سحر أعين الناس فقط بمعنى أنه لا حقيقة للسحر وإنما هو تخييل وتزييف فيتراءى للإنسان مثلاً أن هذا يدخل حديدة في جوفه، فهذا تخييل، لكن ليس كل السحر تخييلاً، فمثلاً من يرفع الإنسان ويجعله معلقاً بالهواء -كما تعرض بعض القنوات الفضائية- هذا قد يكون تخييلاً للناس وهو ليس كذلك، وقد تكون الشياطين هي التي ترفعه، ولذلك إذا جاء أحد وذكر الله، وقال رقية أو نحو ذلك فإن هذا المعلق يسقط، حيث يبطل عمل الساحر ويتخلى عنه الشيطان الذي يحمله، كما حصل لأناس كانوا يرتفعون بالهواء ويطيرون فلما حصل لبعض من ورث ذلك عن أبيه وذكر الله لما ارتفع سقط وتكسر وتحطمت عظامه.

والمقصود أن السحر الذي وقع من سحرة فرعون كان من قبيل سحر التخييل، وإلا فإن السحر منه ما له حقيقة، ويُمرض بإذن الله ، وقد يقتل بإذن الله لكن تبقى بعض التفاصيل مثل: هل يستطيعون تغيير حقائق الأشياء مثل تغيير الإنسان إلى بهيمة فعلاً أم لا؟ هذه مسائل العلماء تكلموا عليها لكن يبقى الأصل أن السحر له حقيقة، وبالنسبة للسحر الذي وقع للنبي ﷺ هو من قبيل سحر التخييل.

كما قال تعالى:فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى ۝ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى ۝ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [سورة طـه:67-69].

روى سفيان بن عيينة عن ابن عباس -ا: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، قال: فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.

الإسرائيليات في هذا لا تحصى، فهناك أمور عجيبة وغريبة ذكرت في الأشياء التي ألقوها، وكم وكيف كانت تملأ الوادي، لكن مثل هذه الإسرائيليات لا يعول عليها.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۝ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ۝ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ۝ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ۝ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [سورة الأعراف:117-122].

يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى في ذلك الموقف العظيم الذي فرّق الله تعالى فيه بين الحق والباطل- يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ [سورة الأعراف:117] أي: تأكل مَا يَأْفِكُونَ [سورة الأعراف:117] أي: ما يلقونه ويوهمون أنه حقٌ وهو باطل.

وفي قراءة أخرى متواترة، وهي قراءة الأكثر (تلَقَّف) وهذا يدل على التكثير، والتعبير بالمضارع لا يخفى ما يدل عليه؛ لأنه يصور الأمر الماضي بصورة كأنك تطالعها وتشاهدها وأنت تسمع هذا السياق والخبر عما حصل.

قال ابن عباس -ا: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر، فخروا سجداً وقالوا: آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ۝ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [سورة الأعراف:121، 122].

وقال محمد بن إسحاق: جعلت تبتلع تلك الحبال والعصيّ واحدة واحدة حتى ما يُرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجداً قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ۝ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [سورة الأعراف:121، 122] لو كان هذا ساحراً ما غلبنا.

وقال القاسم بن أبي بزة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه، يبتلع حبالهم وعصيهم، فأُلقي السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما.

ورد في بعض الآثار عن بعض السلف أنهم رأوا الجنة والنار، لكن مثل هذا حتى لو قيل: له حكم الرفع؛ لأنه لم يؤخذ من الإسرائيليات فإن هذا يكون في حكم المرسل، لكن لو أن ذلك صح فهو يفسر أمراً قد يُتساءل عنه هنا -وهو وراد تماماً- وذلك أن هؤلاء سحرة وهم أسوأ الناس وأظلم الناس نفوساً، وأبعد الناس عن الخير، وهو جاء بكل سحار عليم، وهؤلاء السحرة بهذه المثابة وبهذه المنزلة معناها أنه جاء بأقذر من في مصر وأظلم الناس نفوساً وقلوباًَ وأبعدهم عن الحق والهدى، والعجيب أن التفاصيل التي جاءت بعده في هذه السورة وفي غيرها إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [سورة طـه:73] وإِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ۝ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ۝ جَنَّاتُ عَدْنٍ [سورة طـه:74-76] وتفاصيل من أين عرفوها بهذه اللحظات؟!

أنا كنت أقف دائماً عند مثل هذه الآيات وأقول: ما الذي وقع للسحرة، كيف عرفوا هذه التفاصيل العجيبة، وهم أظلم الناس نفوساً وأبعد الناس عن الخير؟ من أين عرفوا هذه التفاصيل كلها وكيف كان منهم هذا الثبات العظيم؟ ثم إن الله –تبارك وتعالى- عقّب بالفاء في بعض الآيات كقوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [سورة طـه:70] فيدل على المباشرة أي أنهم بمجرد ما رأوا هذا خروا سجداً، وثبتوا هذا الثبات العظيم، وأمام من؟ وهم قبل لحظات كانوا يقولون: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۝ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [سورة الشعراء:41، 42] فمن الذي يستطيع أن يكون مقرباً عند فرعون وهم إنما جاءوا لطمع، ولا تسأل عن الآفات والأمراض، فكل أمراض الدنيا موجودة في نفوس هؤلاء العتاة من السحرة، من الحسد والتنافس غير الشريف، والتهافت على الدنيا وعلى التوصل إليها بأقذر الأشياء، فهذا معروف، ومع كل ذلك يتحولون مباشرة إلى هذا الثبات العظيم، وهذا الرد البليغ، وهذه التفاصيل في الرد، فكيف عرفوها؟

لو صحّ أنهم رأوا الجنة والنار أو الجنة والثواب فقد يكون هذا جواباً، أي أن هؤلاء لما رأوا الجنة ذكروا هذه الأشياء وحصل لهم هذا الثبات العظيم، فالإنسان قد يرى آية ولا يؤمن، كما حصل لفرعون، فموقفهم لا يقل عن موقف فرعون؛ لأنه في مقام المباراة والمناظرة أو المحاجَّة أو المغالبة يكون للنفوس حضور كبير عند العلماء بالشريعة فضلاً عن السحرة الذين هم أوسخ الناس، فالعلماء في الفقه إذا حصل بينهم تناظر أو نحو ذلك يكون لحظوظ النفس حضور كبير، ولذلك تجد الوجه يحمر، وتجده يحتج بأشياء هو لا يرتضيها أصلاً ولا يرى أنها تصلح متمسكاً في الاحتجاج، ومع ذلك يتمسك بها وربما رد الآية أو الحديث في مقام المناظرة والطيش ونحو ذلك، بل ذكر بعضهم -كابن قدامة والجويني- وجماعة: أنه يصل الأمر إلى أن الرجل يأخذ بلحية صاحبه، وربما قذفه في عرضه وأمه من الغضب أثناء المناظرة وهم علماء! فإذا كان هذا يحصل بين علماء في مقام المناظرة في أمور شرعية، فتصور سحرة جاءوا أمام فرعون وأمام الناس في يوم عيد حيث إن العالَم ذلك اليوم في أجازة وهم جالسون يتفرجون فرأوا هزيمة ساحقة، وليس ذلك فقط بل القضية أن فرعون سيسحقهم حيث سيقول لهم: خذلتموني وسيكون مآلهم القتل حتى لو لم يؤمنوا، والله أعلم.

أضف إلى ذلك أن هؤلاء الناس حينما أتوا ليس لهم صنعة إلا السحر فهل يُتوقع أنه يكون خلال أيام أو شهور ناجحاً في مجالات أخرى كأن يتحول إلى فقيه أو عالم أو نحو ذلك؟ مثل هذا يحتاج أن يبدأ من الصفر في الكتاتيب، ولهذا فإن الشيخ المعلمي اليماني -رحمه الله- في كتاب التنكيل الذي أفرد جزءاً منه فسماه "القائد إلى تصحيح العقائد" ذكر فصلاً في غاية الأهمية في أسباب رد الحق، فقال: "ومنهم من يكون له في الباطل شهرة ومعيشة" أي أن بعض الناس يردون الحق؛ لأن لهم في الباطل شهرة ومعيشة، فالساحر له شهرة وله معيشة فهو يقدّر في باله أنه إذا اتبع الحق وأعلنه فمعنى ذلك أن شهرته والأضواء التي كانت له ستذهب، وستذهب معها الأموال التي يأخذها من الناس وسيصر فقيراً لا يجد له وظيفة إذ ليست عنده مؤهلات.

ومنهم من يقدر أشياء أخرى فيقول مثلاً: إذا أعلنتُ الحق أو اتبعت صاحب الحق فمعنى ذلك أن الحق ظهر على يده وصار له فضل عليَّ فكيف أقر له بهذا إذ كيف يفضل عليّ ويجيء الحق على يده؟ وهذا باب من أبواب الحسد، ثم يقدر أشياء أخرى فيقول: إذا قلت: إن ما مع الآخر هو الحق فمعنى ذلك أني كنت على الباطل طول عمري الذي ذهب حتى شابت مفارقي! وليس ذلك فحسب بل الأهل والعشيرة وقومي كلهم على الباطل، إذاً ما هو الحل؟ الإصرار على هذا الباطل والتمسك به ومكابرة الأدلة وبراهين الحق، وردها ولو كانت أوضح من الشمس!

والمقصود أن هذه الأمور كلها مجتمعة لهؤلاء السحرة ومع ذلك أقروا في لحظة أنهم كانوا على باطل ولم يبالوا بفرعون، ولو كان حصل منهم هذا الرجوع إلى الحق في غياب فرعون لقيل: غيبة فرعون عن مشاهدة الحدث جعلت ذلك أخف وطأة في النفوس وأثراً لكن العجيب أن هذا كله حصل أمامه وهو حاضر بكل ما عنده من إمكانية في الحضور من جنده ووزرائه، فكل هذه الأمور مجتمعة تجعلهم يتمسكون بالباطل ويكابرون موسى ﷺ لكن الذي حدث أنهم في لحظات رجعوا إلى الحق وصاروا أناساً متهذبين فسجدوا لله خاضعين مقرين بالحق.

قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ۝ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ۝ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [سورة الأعراف:123-126].

يخبر تعالى عما توعد به فرعون -لعنه الله- السحرة لما آمنوا بموسى وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا [سورة الأعراف:123] أي: إنّ غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضاً منكم بذلك، كقوله في الآية الأخرى: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [سورة طـه:71] وهو يعلم وكل من له لبّ أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل؛ فإن موسى بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر ممن اختاره هو والملأ من قومه، وأحضرهم عندهم ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون، وموسى لا يعرف أحداً منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تستراً وتدليساً على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [سورة الزخرف:54] فإن قوماً صدقوه في قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24] من أجهل خلق الله وأضلهم.

وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة - أجمعين- في قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ [سورة الأعراف:123] قال: التقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر، فو الله لئن غلبتني لأؤمنن بك ولأشهدن أنك حق، وفرعون ينظر إليهما، قالوا: فلهذا قال ما قال.

على كل حال هذا عن السدي، ومثل هذا لو صح إسناده فإنه مما لا يقال من جهة الرأي، فإن لم يكن مأخوذاً عن بني إسرائيل فإنه يكون له حكم الرفع، لكن طريق السدي لا تصح أصلاً، فالله أعلم.

وقوله: لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ [سورة الأعراف:123] يعني خطة مبيتة، فالتدبير بخفاء يقال له: مكر.

قوله: مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ [سورة الأعراف:123] يحتمل أن يكون المعنى أن هذا المكر حيك حينما كنتم في المدينة، يعني تكون المدينة ظرفاً للمكر بمعنى أن هذا المكر وقع فيها، يعني هي خطة اتفقتم عليها في المدينة التي هي مصر، ويحتمل أن يكون لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ [سورة الأعراف:123] يعني أنكم دبرتم أمراً ضد هؤلاء الناس من أهل المدينة، أو ضد البلد وأهل البلد؛ وعلى هذا لا يكون المعنى أن المكر وقع ونُسج داخل المدينة، وهذا هو الأقرب والله تعالى أعلم، أي أن المقصود أن هذا مكر موجه إلى البلد وأهل البلد لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا [سورة الأعراف:123] والله أعلم.

وقوله: لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا [سورة الأعراف:123] أي: تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتُخرجوا منها الأكابر والرؤساء.

يعني هو يريد أن يقول: أنتم فقط تريدون السلطة وليست مسألة دعوة ولا وحي ولا هدى ولا نبوة ولا رسالة ولا شيء.

وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء وتكون الدولة والتصرف لكم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [سورة الأعراف:123] أي: ما أصنع بكم، ثم فسر هذا الوعيد بقوله: لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ [سورة الأعراف:124] يعني يقطع يد الرجُل اليمنى ورجْله اليسرى أو بالعكس.

ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ وقال في الآية الأخرى: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [سورة طـه:71] أي: على الجذوع.

قال ابن عباس -ا: وكان أولَ من صَلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون.

وقول السحرة: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ [سورة الأعراف:125] أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشدّ من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرنَّ اليوم على عذابك؛ لنخلص من عذاب الله، ولهذا قالوا: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [سورة البقرة:250] أي: عُمنا بالصبر على دينك والثبات عليه وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [سورة الأعراف:126] أي: متابعين لنبيك موسى .

وقالوا لفرعون: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ۝ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ۝ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [سورة طـه:72-75] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة.

قال ابن عباس -ا- وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء.

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ۝ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝ قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [سورة الأعراف:127-129].

يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه وما أضمروه لموسى وقومه من الأذى والبغضة.

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أي: لفرعون أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ [سورة الأعراف:127] أي: أتدعهم لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [سورة الأعراف:127] أي: يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك.

يا لله العجب؛ صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ولهذا قالوا: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [سورة الأعراف:127].

وقال السدي في قوله: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [سورة الأعراف:127]: وآلهته فيما زعم ابن عباس -ا- كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم السامري عجلاً جسداً له خوار.

قوله: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [سورة الأعراف:127] يحتمل أن يكون المقصود مجموع الأمرين، يعني أتتركه ليفسد في الأرض، ويذرك وآلهتك، كيف ترضى منه هذين الأمرين؟

ويحتمل أن يكون المعنى غير هذا، وذلك أن قوله: وَيَذَرَكَ فيها قراءة أخرى بالرفع (ويذرُك) فعلى هذه القراءة يكون كأنه نتيجة، يعني أنهم قالوا: أتتركه يفسد في الأرض؟ ثم ذكروا قضية أخرى هي نتيجة لذلك وتتمثل في أن يذرك وآلهتك.

وقوله: وَآلِهَتَكَ المعروف أن فرعون كان يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24] فكيف أخبر الله فقال: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ هل كان له آلهة؟

هنا نرجع إلى ما ذكره عن ابن عباس -ا: أنهم كان يعبدون البقر، ويقال: إن فرعون أصلاً من أهل اصتخر، وفي بعض الروايات أنه أصلاً من أهل المشرق، فقد تكون جاءته عبادة البقر من تلك الناحية، لكن هذه لا يثبت فيها شيء، ويحتمل –كما قيل: إنهم كانوا يعبدون النجوم، أي أنهم كانت لهم معبودات متعددة، وبعضهم يقول: كانوا يعبدون الأصنام تقرباً إلى فرعون، فإذا قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24] فالمعنى أنهم لهم أرباب لكن هو الرب الأعلى، وقوله: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38] يكون باعتبار أنهم كانوا يعبدون الأصنام تقرباً إليه؛ لأنه أمرهم بهذا، هكذا جاء في بعض الروايات عن التابعين والعلم عند الله .

وقيل: إنهم كانوا يعبدون الشمس، ويمكن أن يكون قد قال: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38] باعتبار أنه هنا في مقام الإلزام والرد فقال ذلك على سبيل المبالغة ولا سيما أنه يرى أن كل شيء لا بد أن يكون بإذنه، فكيف يعبدون الله ، والآمر الناهي هو فرعون؟

ويمكن أن يكون قوله: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ كما فسره بعض أهل العلم أي: يذرك وعبادتك، وهذا يكون أوضح في القراءة الأخرى وهي قراءة غير متواترة عن علي وابن عباس والضحاك: (وإلهتك) وهذه واضحة؛ فإلهتك يعني عبادتك، فالإلهة هي العبادة، تقول: أله يأله إلهة يعني عبادة، والمألوه هو المعبود.

وفي قراءة غير متواترة لأبيّ بن كعب (ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك) وهذه واضحة صريحة، وعليها لا تكون الآلهة بمعنى المعبودات الأخرى، وذلك أنه يزعم أنه هو الإله الوحي بالنسبة لهم، فالله أعلم.

فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله: سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ [سورة الأعراف:127] وهذا أمر ثانٍ بهذا الصنيع، وقد كان نكّل بهم قبل ولادة موسى حذراً من وجوده فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون، وهكذا عومل في صنيعه أيضاً لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم فجاء الأمر على خلاف ما أراد، أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده.

القتل الأول المشهور سببه أن الكهنة قالوا له: إنه سيولد ولد يكون ذهاب ملكك على يديه فصار يقتل ويقتل، فقيل له: إن قتلت هؤلاء جميعاً فمعنى ذلك أن الفراعنة سيتولون الخدمة في الأمور المهينة، فصار يقتل سنة ويترك سنة، ويمكن أن يكون فعل ذلك لإضعافهم أي أنه يبقي بقية منهم من أجل امتهانهم وابتذالهم ليعملوا له في الأمور الوضيعة؛ لئلا يتولاها الفراعنة، واستحياء النساء معناه أنهم يبقون البنت حية لا يقتلونها من أجل الخدمة، وهذا لا يقل عن القتل بل هو أشد من القتل، أي أن تبقى بنت الإنسان في قبضة عدوه يذلها ويهينها ويستعملها في الأمور المهينة ويحملها التكاليف الشاقة، فهذا لا شك أنه أمر صعب وشديد على النفوس.

والتقتيل الثاني أيضاً من أجل الاستضعاف، وهذا ظاهر حيث قالوا له: كيف تترك هؤلاء يفسدوا في الأرض؟ قال: هم تحت السيطرة، فنحن سنقتل أولادهم وسيبقون بقيةً قليلة جداً ضعيفة، لا يكون لهم شأن ولا قوة.

ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل، قال موسى لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ [سورة الأعراف:128] ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله: إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝ قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [سورة الأعراف:128-129] أي: قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك.

هذا يدخل فيه كل الأذى الذي حصل لبني إسرائيل من الفراعنة قبل ذلك من كونهم يعملون في الخدمة، ومن كون التقتيل وقع على أبنائهم في المرة الأولى واستحياء النساء، وغير ذلك ولا حاجة لتخصيص نوع معين من الأذى، ولذلك فإن موسى ﷺ طالبه فقال: فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ [سورة طـه:47] ومعنى ذلك أنه كان مُحكِم القبضة عليهم مبقيهم عنده يعملون بالأعمال الشاقة، فكانوا أمة ممتهنة مبتذلة مصادرة الحقوق عند هؤلاء الفراعنة، فطالبه موسى ﷺ بإطلاقهم وتركهم، وترك تعذيبهم وأذيتهم، لذلك قالوا: قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [سورة الأعراف:129] أي: ويتوعدنا بهذه الأمور من بعد ما جئتنا.

فقال منبهاً لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه في ثاني الحال: عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ الآية [سورة الأعراف:129] وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.

"عسى" إذا كانت من كلام الله فهي متحققة الوقوع، فالله إذا قال: عسى أن يجعل كذا، عسى أن يحصل كذا، فيقولون كما جاء عن ابن عباس وغيره: عسى من الله واجبة، وهكذا إذا صدر من نبي كريم يخبرهم عن وعد الله لهم فهو مؤيد بالوحي، فالله يقول: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [سورة طـه:46] فـ"عسى" حينما يقولها نبي فمعنى ذلك أنها متحققة الوقوع؛ لأن أصل معنى عسى الترجي، فيكون ذلك على سبيل الوعد الثابت، لكن قال بعض أهل العلم: إنها جرت عادة الكبراء والعظماء والملوك أنه إذا أراد أن ينجز حاجة غيره يقول له: عسى أن نفعل لك كذا، عسى أن يحصل مقصودك، وهو يقصد العِدَة، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

مواد ذات صلة