الأربعاء 17 / ذو القعدة / 1441 - 08 / يوليو 2020
الآية 5 من سورة هود
تاريخ النشر: ٢٥ / رمضان / ١٤٢٧
التحميل: 1720
مرات الإستماع: 2146

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسنتحدث عن آيتين من سورة هود، مما قد يقف عنده القارئ فلا يتبين معناه، أو لربما فهمه على غير مراد الله منه.

أما الأولى: فهي قوله -تبارك وتعالى- عن المشركين: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [هود:5]، ما المعنى المراد بهذه الآية؟  وما هذا الصنيع والتصرف الذي يفعله هؤلاء الكفار المحادّون لله -تبارك وتعالى؟.

معنى هذه الآية كما فسرها ابن عباس -ا- وجماعة من السلف أن هؤلاء المشركين كان الواحد منهم إذا أراد أن يجامع أهله أو يقضي حاجته يستحي من الله أن تبدو عورته فيما بينه وبين السماء، فكان الرجل إذا جلس على حاجته تنحى بصدره؛ ليكون ظهره حاجزاً بين عورته وبين السماء، أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ من الله، فهذه جهالة منهم، والله لا يخفى عليه خافية، وهذا الفعل الذي يفعلونه لا يغير شيئاً في واقع الأمر، أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [هود:5]، فالله يعلم ويرى ما تحت الثرى، يرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء.

لكن أقول: هذا التصرف من هؤلاء المشركين له دِلالة أن عندهم استشعار نظر الله   إليهم، والحياء منه، مع أنهم كفار، وهذا التصرف منهم يدل أيضاً على قلة عقولهم، وقِصر نظرهم، لكن ينبغي للإنسان أن يرجع لنفسه، الله يراه في كل تصرفاته وحركاته وسكناته، ثم بعد ذلك يكون الله  أهون الناظرين إليه، يفعل الإنسان أشياء لو نظر إليه صبي صغير دون سن التمييز لربما لم يفعلها أمامه، يتصرف تصرفات لو كان بحضرته أحط الناس مرتبة في نظره ما فعلها أمامه واستحيا منه، ثم الله يراه والملائكة يرونه مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، ومع ذلك يبارز ربه -تبارك وتعالى- بهذه الأفعال المشينة، فأين استحضار الرقابة، كثير من الناس يسأل عن طريق رسالة بالجوال، ويقول: لا أستطيع أن أتصل، وأنت لا تعرفه ولا تعرف رقمه، وأحياناً المسألة تحتاج إلى شيء من الاستيضاح، فيقال له: اتصل، فيقول: لا أستطيع، يستحي من مخلوق لا يعرفه ولا يستحي من الله حينما يفعل هذا الفعل غير اللائق، فهلّا استشعرنا هذا المعنى.

والآية الأخرى: هي قوله -تبارك وتعالى- في خبر لوط حينما أتى إليه قومه: وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78]، فأجابوه بجوابهم الرديء: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79]، ما معنى هذه الآية؟

هل عرض عليهم هؤلاء البنات من بناته من أجل الفاحشة؟.

جاءوا ليفجروا بهؤلاء الأضياف الذين كانوا على صورة شبان حسان، وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود:78]، مُسرعين، فقال لهم: هَؤُلاءِ بَنَاتِي، وفي سورة الحجر: هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71]، فما المراد بذلك؟

المراد بذلك في أرجح أقوال المفسرين أنه عرض عليهم التزوج من النساء، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء:166]، عرض عليهم أن يتزوجوا النساء، وأن يستغنوا بمقتضى الفطرة، ويكفوا عن هذا الشذوذ والانحراف الذي لم يفعله أحد قبلهم، فالنبي بالنسبة لقومه رجالاً ونساء هو بمنزلة الأب لهم، ويدل على هذا قول الله في سورة الأحزاب: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، هذه قراءة معروفة متواترة، وفي قراءتين غير متواترتين قراءة ابن عباس وقراءة أُبي بن كعب: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم}، وفي الأخرى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم}.

والقراءة الأحادية إذا صح سندها فإنه يُعمل بمقتضاها وإن كان لا يُقرأ بها، يعني: من حيث الحكم، فالنبي بالنسبة لقومه كالوالد، فهو يقول لهؤلاء: "هؤلاء بناتي"، بنات القبيلة، تزوجوا منهن وكفوا عن هذا الفعل المشين، قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ [هود:79]، يعني: لا حاجة لنا بالنساء، لا أرب لنا بالنساء، -قبحهم الله، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79]، يعني: الشذوذ، الدنس الذي تترفع منه.

فأقول: هذا معنى "هؤلاء بناتي"، ومن أهل العلم من قال: إنه عرض عليهم بناته ليتزوجوا منهن، أمّا أنه عرض بناته من أجل أن يستغنوا بهن عن أضيافه بالفجور فحاشا وكلا، هذا يترفع عنه كل كريم من بني آدم، وذو فطرة، فكيف بنبي من أنبياء الله -تبارك وتعالى- وهم أكمل الناس رجولة وغيرة وشيمة وشهامة ونخوة؟!، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، وإنما ذكرت هذا؛ لئلا يتوهم غير المراد.

فأسأل الله  لي ولكم القبول، وأن يعتقنا وإياكم من النار، وأن يعفو عنا وعن والدينا وإخواننا المسلمين.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

مواد ذات صلة