الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
(002) قوله تعالى: {الم..} وقوله: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ..} وقوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ..} الآيات
تاريخ النشر: ٠٥ / شوّال / ١٤٣٧
التحميل: 887
مرات الإستماع: 1506

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نشرع في هذه الليلة في الكلام على ما يُستخرج من الهدايات من سورة آل عمران، وقد افتُتحت هذه السورة بالحروف المقطعة الم [آل عمران:1]، وهذه الحروف كما مضى في الكلام على سورة البقرة أن الأقرب أنه ليس لها معنى في نفسها، ولكنها تُشير إلى قضية الإعجاز كأنه يقول: إن هذا القرآن مركب من هذه الحروف التي تركبون منها الكلام فأتوا بمثله، فهذا لربما يدل عليه أن هذه الحروف لا تكاد تُذكر في موضع من كتاب الله إلا ويُذكر القرآن بعدها، أو الوحي إلا ما ندر، والمواضع النادرة يوجهها العلماء بتوجيهات ترجع إلى هذا، الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، الم ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۝ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:1-3]، وهكذا.

 في قوله -تبارك وتعالى-: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:1-2]، فهنا لم يذكر الكتاب، ولكنه ذكر النعمة وهي: الوحي والنبوة، فهذا يرجع إلى الكتاب، وهكذا.

فهذا لعله أقرب وأرجح الأقوال -والله أعلم- والعلماء لهم في ذلك أقوال كثيرة جدًا، أوصلها بعضهم إلى أربعين قولاً، وكذلك في كلامهم على هذه الحروف من جهة أنواعها وأوصافها، لكن المقام هنا لا يحتمل إلى ذلك، وقد ذكرته تفصيلاً في الكلام على التفسير، كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات.

فهنا افُتتحت هذه السورة بهذه الحروف المقطعة، إشارة إلى التحدي، وهذه السورة كما ذكرنا تدور على موضوعين ومحورين أساسيين:

الأول: يتعلق بالنصارى والرد عليهم، والموضوع الآخر: هو ما يتعلق بغزوة أُحد، فبعض أهل العلم يقول: إن الافتتاح بالحروف المقطعة مناسب لما يُذكر بعده من الرد على أهل الكتاب من النصارى، وذلك أنها من جهة تُشير إلى التحدي، ومن جهة فإنها تجذب النظر من أجل التعرف على ما يُذكر بعدها، لما تُذكر هذه الحروف المقطعة كأن السامع ينجذب ذهنه لما سيُذكر بعد ذلك، فيكون ذلك أدعى إلى حضور القلب والاستشراف لما يذكره الله -تبارك وتعالى-، وهذا الذي يسمونه بحُسن الإبهام.

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:2]، "الله" افُتتحت بهذا الاسم الكريم، وقد قلنا بأن الجمهور يقولون: بأنه الاسم الأعظم، وأن جميع الأسماء الحسنى ترجع إليه لفظًا ومعنى، قلنا لفظًا باعتبار أنها تكون معطوفة عليه تأتي بعده، ومن جهة المعنى أنه متضمن لجميع معاني الأسماء الحسنى، جميع الصفات التي تضمنتها الأسماء، فالمألوه الإله لابد أن يكون ربًا، وأن يكون رازقًا، وأن يكون خالقًا، وأن يكون حيًا، وأن يكون قيومًا، وأن يكون عليمًا وسميعًا وبصيرًا، وما إلى ذلك، فإنه لا يكون ناقصًا بوجه من الوجوه.

"الله" والافتتاح بهذا الاسم الكريم فيه ما فيه من تربية المهابة فهو أعظم الأسماء "الله" وقال بعده اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:2]، لا معبود بحق سواه، فالله يتضمن صفة الإلهية، وهو مشتق على اختلاف في مادة اشتقاقه، وبعض المحققين يقولون: إنه مشتق من الإلهية، وهو يدل على هذه الصفة، فذكر بعده لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فذلك لتحقيق الوحدانية فهو منفرد بالإلهية جل جلاله وتقدست أسماؤه، لا معبود بحق سواه، وهذه أقوى صيغ الحصر كما هو معلوم النفي والاستثناء، أقوى الصيغ في اللغة، وعند الأصوليين هي هذه الصيغة.

الحصر له صيغ تتفاوت في القوة، هذه أقوى صيغة، وهذه أجل كلمة، وأعظم كلمة، كلمة التوحيد التي بها يُدخل الإسلام: ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة[1]، فهي مفتاح الجنة، وهي أصدق كلمة على الإطلاق.

وذكر هذه الجملة هنا في افتتاح هذه السورة له تعلق بما يُذكر بعد ذلك من الرد على النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ثم قال: الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:2] ذو الحياة الكاملة، وهو القيوم القائم بنفسه، المُقيم غيره، لا قيام للخلق إلا بإقامته ، وهو أيضًا القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، فهذه من أجل الأوصاف وأعظمها كما سيأتي؛ وذلك أن هذين الاسمين كما ذكر بعض أهل العلم يستغرقان جميع الأوصاف، يعني: كما قلنا بأن "الله" يتضمن صفة الإلهية، وأن الإلهية تتضمن جميع صفات الكمال، وأنها ترجع إليها، فكذلك "الحي القيوم" معًا، يقولون: الحي يدل على كمال الصفات، والقيوم يدل على كمال الأفعال، فبكمال الصفات وكمال الأفعال يحصل الكمال المطلق، وذلك من جهة كمال الذات وكمال الصفات والأفعال، كل ذلك الحي القيوم، فلا تكون الحياة كاملة إلا إذا كانت سالمة من كل نقص، وكذلك أيضًا إذا كانت متضمنة للكمالات ولهذا في سورة البقرة في آية الكرسي كما مضى لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ[البقرة:255]، لما قال الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] نفى عنه السِنة والنوم، وذلك أن السِنة وهي مقدمة النوم وخثورته، بعضهم يُفسرها بالنُعاس، وبعضهم يُفرق بين السِنة والنُعاس، فيقولون: السِنة في الرأس، والنُعاس في العين والنوم في القلب، وعلى كل حال هما متقاربان السِنة والنُعاس، فنفى عنه السِنة؛ لأنها نقص في الحياة، ونفى عنه النوم؛ لأنه نقص أيضًا بالحياة، فالنوم نقص في الحياة؛ لأنه موته، وإنما يكون ذلك كمالاً في المخلوق لضعفه، وكذلك أيضًا لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة:255]، كذلك أيضًا الحُزن وقد ذكر شيخ الإسلام أنه نقص في الحياة، ولهذا قال ابن جرير -رحمه الله- في قوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة:255] فسرها بمعنى عام قال: "لا تعتريه الآفات" يعني كأنه ذكر السِنة والنوم على سبيل المثال والتقريب، فلا يتطرق إليه نقص وآفة بوجه من الوجوه، فهذا يدل على كماله في ذاته، وكماله في أوصافه، جل جلاله، وتقدست أسماؤه، فذلك هو الذي يصلح أن يكون الإله المعبود؛ لأنه لا يصلح للإلهية إلا من كان كاملاً، ولهذا في سورة الفاتحة كما سبق الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3]، هذه أوصاف مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، فجعل الحمد كله؛ لأن أل للاستغراق، كل الحمد لله، ولا يمكن أن يكون الحمد كله له إلا إذا كان كاملاً من كل وجه، فإنه لا يُحمد من كل وجه الحمد المُطلق الذي ليس فيه استثناء إلا من كان كاملاً الكمال المطلق الذي ليس فيه استثناء، لكن من يُحمد من بعض الوجوه يُقال: لكن هو كريم، هو خلوق، تصف أحدًا من الناس: هو قوي، هو غني؛ لكن فيه كذا، فالله -تبارك وتعالى- له الكمال المطلق.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران:3]، لاحظ هذه الآية وما لها من تعلق بما قبلها وما بعدها، مما يسُمى بالمناسبة، فذكر وحدانيته وكماله، وهذا فيه إشارة كما ذكرنا إلى الرد على النصارى الذين نسبوا له الصاحبة والولد، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة، فهنا قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:3]، هم لا يؤمنون بالقرآن، ولا ما تضمنه القرآن من تقرير الوحدانية والوحي والنبوة والرسالة للرسول ﷺ.

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فهو كذلك أيضًا مُصدق للكتب التي تقدمته، وهم يؤمنون بهذه الكتب في الجملة، يعني: النصارى يؤمنون بالإنجيل والتوراة، واليهود يؤمنون بالتوراة، فذكر هذين الكتابين: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، قلنا هذه السورة في سياق طويل ترد على النصارى في نصفها الأول وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ فالنصارى يؤمنون بالتوراة والإنجيل، فناسب ذكر التوراة والإنجيل في صدر هذه السورة، وهنا حينما يذكر التوراة والإنجيل مصدقًا أن هذا القرآن يُصدقها هو مُصدق لما بين يديه من جهة أن هذه الكتب أخبرت عن مبعث النبي ﷺ، وعن صفته، فجاء مصدقًا لها.

وكذلك أيضًا أخبرت هذه الكتب عن شريعته، فجاء مصدقًا لها، وأخبر القرآن بأشياء مما كان من شرائع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مما يجدونه في كتبهم، ومن أحوال الأنبياء، وأوصافهم وأخبارهم، ومن أخبار هؤلاء الأمم من بني إسرائيل وغيرهم مما يجدونه في كتبهم ويعرفونه، فهو بهذا الاعتبار مصدق لما يجدونه في كتبهم، فهو مُحقق لها من جهة الوعد الذي فيها أنه سيأتي نبي من صفته كذا وكذا يُبعث في أرض كذا، فجاء مصدقًا.

وكذلك ما تضمنه من الحقائق والأخبار والشرائع، وما إلى ذلك، هو موافق لما في تلك الكتب، فهم يجدون ذلك في كتبهم، هذا بالإضافة إلى أن أصول الشرائع الأصول الكِبار واحدة، وإن اختلفت في التفاصيل، يعني: مثلاً الصلاة موجودة عندهم، الصيام موجود عندهم كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، وكذلك الحج والزكاة كل ذلك كان موجودًا عندهم، فهو مصدق لها، وأنها من عند الله -تبارك وتعالى- يعني في أصلها قبل التحريف، فكل هذا يدخل في قوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:3].

ولاحظ قوله -تبارك وتعالى-: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:2-3]، فمثل هذا في ذكر هذه الأسماء التي تضمنت جميع الكمالات يذكر بعدها تنزيل الكتاب، هذا يدل على شرف هذا الكتاب، وذلك يستلزم أيضًا شرف المُنزل عليه نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، فهذا الكتاب له شأن عظيم، نزله العظيم الأعظم الذي له الكمال المطلق.

ولاحظ هنا أن قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ نزّل على وزن فعّل هذا يدل على أن التنزيل كان شيئًا بعد شيء، يعني: بالتدرج، القرآن نزل مُنجمًا، لاحظ الدقة في العبارة، بينما الكتب الأخرى التوراة والإنجيل قال: وأنزل فهذا يدل على أن الإنزال كان دفعة واحدة، لم تكن منجمة، فهذا الفرق بين الصيغتين نَزَّلَ عَلَيْكَ فالقرآن نزل نجومًا وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [الإسراء:106]، بينما الكتب السابقة كانت تنزل جملة واحدة، فتنزيله مُنجمًا كان نعمة على هذه الأمة؛ لأنها أمة أُمية لا تقرأ فنزله نجومًا؛ ليكون ذلك أيسر في الحفظ والفهم والعقل عن الله -تبارك وتعالى-، وليكون ذلك موافقًا للحوادث، وفيه ما فيه من تربية الأمة شيئًا بعد شيء، التدرج في تشريع الأحكام بخلاف ما لو نزل جملة واحدة.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:3] يعني: إنزالاً مُتلبسًا بالحق، ولفظ الإنزال يدل على نزول من أعلى إلى أسفل، وهذا يتضمن إثبات صفة العلو لله -تبارك وتعالى-، فالله له العلو، علو الذات، وعلو القدر المنزلة، وعلو القهر.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وهذا يدل على أن هذا الكتاب أنه مُنزل من الله -تبارك وتعالى- مُباشرة، ولم يكن ذلك من قول البشر، أو أحد من الخلق، يعني: لم يكن من قول جبريل فهم المعنى عن الله -تبارك وتعالى- فعبّر به جبريل، أو أن جبريل ألقى المعنى على النبي ﷺ، فعبّر به النبي ﷺ كما يقول به بعض أهل البدع، وهذا من أعظم الباطل، وقد توعد الله من قال بأنه قول البشر قال: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26]، فهو كلام الله يتلقاه جبريل من الله مُباشرة ليس من بيت العزة ولا من اللوح المحفوظ، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، والأدلة في نزول الوحي تدل على هذا إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم[2].

ولذلك تجدون بعض العبارات عن بعض السلف الزُهري وعن غيره يقول: "أحدث آية في العرش آية الدين"[3].

أحدث آية بالعرش، ما قال باللوح المحفوظ، وما قال: في بيت العزة في السماء الدنيا، مما يدل على أن السلف كانوا يعتقدون أن جبريل يتلقاه من الله مباشرة، نعم القرآن نزل في اللوح المحفوظ كما قال الله : فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:22]، وكذلك أيضًا بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس:15]، صُحف في أيدي الملائكة فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ۝ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ۝ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ۝ كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:13-16]، وكذلك أيضًا هو في بيت العزة في السماء الدنيا كما جاء عن ابن عباس بأسانيد صحيحة[4]، وهو مما لا يُقال من جهة الرأي، فهذا كله على كل حال يؤخذ من قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:3].

  1. أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في التلقين، رقم: (3116).
  2. أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في القرآن، رقم: (4738).
  3. تفسير الطبري (6/ 41).
  4. منها ما جاء في المستدرك للحاكم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا، أوحاه، أو أن يحدث منه في الأرض شيئا أحدثه".

مواد ذات صلة