تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 27 / جمادى الآخرة / 1441 - 21 / فبراير 2020
(003) تتمة قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ..} الآية
تاريخ النشر: ٠٧ / شوّال / ١٤٣٧
التحميل: 989
مرات الإستماع: 1435

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

لا زال الحديث متصلاً بصدر هذه السورة -سورة آل عمران-: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:3]، أي: من الكتب التي أنزلها على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-، فخص إنزال الكتاب على النبي ﷺ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وذلك أن كل من أدرك النبي ﷺ فهو مُطالب بالإيمان به، ولذلك خص المُنزل عليه بهذه الآية نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، يعني: أنه نزله تنزيلاً مُتلبسًا بالحق، وذلك لما اقتضاه علمه وحكمته، ولما تضمنه هذا الكتاب من الحق فيما يتصل بالمعبود، جل جلاله وأوصافه، وكذلك أيضًا ما يتعلق بحقائق الإيمان وشرائع الدين، فكل ذلك داخل فيه، والله تعالى أعلم.

لكنه قدم هنا الجار والمجرور عَلَيْكَ لإفادة الحصر، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، ويُلاحظ هنا أن الكتاب المُنزل على النبي ﷺ جاء هكذا "الكتاب" بإطلاق فصار علمًا بالغلبة كما يقولون، وذلك لاسيما مع دخول أل على الكتاب لشهرته وشرفه وكماله ومنزلته، فهو لا يحتاج إلى تقييد من أجل أن لا يلتبس بغيره من الكتب، فإذا أُطلق الكتاب فليس له في ذلك مُنازع، كما هو الحال على سبيل المثال -مع الفارق- النُحاة، وأهل النحو إذا قيل "الكتاب" فهو كتاب سيبويه -رحمه الله- لشهرته وذيوعه، ومنزلته عندهم، فهذا تقريب للمُراد، وإلا فالكتاب الذي يستحق الوصف الكامل هو القرآن الكريم.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فهذا الكتاب مُتقدم على سائر الكتب، وقد تميز فهو أشرفها، وأعظمها، وأجلها، وذكر صفة هذا الكتاب أنه مُصدق لما بين يديه، وذكرنا ما في التنزيل من معنى العلو، وأن جبريل تلقاه أيضًا من الله مُباشرة.

وكذلك أيضًا لفظ التنزيل "نزّل" يدل على التكثير، وأن ذلك يُفهم منه التنجيم، كما ذكرنا في الليلة الماضية، كذلك لفظة "على" فإنها تُفيد الاستعلاء تدل على معنى الاستعلاء نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وهذا فيه ما فيه من التشريف للنبي ﷺ والتكريم والتفضل والامتنان.

ووصف هذا الكتاب بقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:3]، "مُصدقًا" هذا فيه ترغيب وحث لأهل الكتاب على الإيمان بهذا المُنزل، فهو مُصدق لما معهم.

ويؤخذ من ذلك: أن من أراد أن يدعو غيره، أو أن يُخاطبه بشيء أن يأتيه من الباب الذي يقبل منه، ولهذا يقولون في الحوار والمناظرة: أن الانطلاق والابتداء يكون من مواقع الاشتراك والاتفاق، يعني: لا يُبدئ بما يكون فيه الافتراق، فينفر الطرف الآخر ولا يستمع، لكن تبدأ معه بشيء مشترك تتفق معه عليه، وتقول: نحن نؤمن بهذه الكتب التي أنزلها الله ، نؤمن بكتابكم، نؤمن بالتوراة، نؤمن بالإنجيل، نؤمن بأنبيائكم ونُجلهم ونُعظمهم، فنحن نتفق على هذا، ثم بعد ذلك تنتقل معه إلى الإيمان بالقرآن الذي يُنازعون فيه، فابتدئ بهذا، فهذا الكتاب مُصدق لما بين يديه فهذا يدعوهم إلى الإيمان به، والإنصات إليه.

ثم قال بعد ذلك: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، لاحظ هنا في التوراة والإنجيل قال "وأنزل"، باعتبار أنها نزلت دفعة واحدة، ولم تنزل مُنجمة، وحينما ذكر التوراة والإنجيل جمعها في إنزال واحد "وأنزل التوراة" ما قال وأنزل التوراة وأنزل الإنجيل، لكن في القرآن نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وعلى القول بأن الفرقان الذي ذُكر بعدهما أنه هو القرآن أيضًا قال: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4]، فخصه بالتنزيل، وجمع بينهما في إنزال واحد وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3]؛ لأن ذلك ليس هو المقصود، يعني: الدعاء إلى الإيمان بالتوراة والإنجيل، وإنما المقصود هو القرآن.

فهذا كما ذكرنا هو مفتتح ومُبتدئ الرد على النصارى، ودعوة النصارى إلى الإيمان، كما قلنا بأن صدر هذه السورة العلماء كابن جرير وغيره -رحمهم الله- يقولون: إن أول هذه السورة، بل إن بضعًا وثمانين آية في أول سورة آل عمران هي في وفد نصارى نجران لما قدموا على النبي ﷺ جاء وفدهم، ثم بعد ذلك دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام فأبوا وعرض عليهم المُباهلة نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران:61].

فهذا تدل عليه هذه الآية، وإن كانت الرواية الواردة في ذلك لا تخلو من ضعف، لكن ظاهر الآية مع مجموع هذه الروايات يُشعر بأن ذلك له أصلاً، لكن الروايات إذا نظرت إليها بأفرادها هي لا تخلو من ضعف من جهة الإسناد، على تعدد هذه الروايات وتنوعها واختلاف ألفاظها.

يعني: وفد نصارى نجران لما جاءوا وعُرض عليهم المُباهلة، لكن الآية صريحة في المُباهلة فيدل على أن ذلك بمجموعه قد يتقوى، ويُشعر بأن ما جرى مع الوفد له أصل، وأنهم رفضوا المُباهلة وخافوا من نزول العذاب بهم إذا باهلوا النبي ﷺ فقبلوا أن يدفعوا الجزية، وصالحوا النبي ﷺ، وأرسل معهم أبا عُبيدة بن الجراح [1]، وكان أيضًا قد جاءهم المغيرة بن شعبة [2].

فالحاصل أن العلماء يقولون: بأن بضعًا وثمانين آية في صدرها نزلت في وفد نصارى نجران، وعلى كل حال هذا السياق الطويل إنما هو في النصارى كما هو ظاهر، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3].

لاحظ قال: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:3] "ما" تفيد العموم فهذا يشمل سائر الكتب بما فيها التوراة والإنجيل، ولكنه خص التوراة والإنجيل؛ لأن المُخاطبين ممن يُذعنون ويؤمنون بهذه الكتب، الخطاب مع النصارى فخص التوراة والإنجيل، ولأن التوراة والإنجيل على كل حال هي من أشهر الكتب المُنزلة على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولذلك ورد ذكرها كثيرًا ربما يكون لهذا السبب، وقد يُقال: بأن ذلك لوجود الأمتين اليهود والنصارى، وأن هؤلاء أقرب إلى هذه الأمة من جهة الزمان والتاريخ، وكذلك أيضًا أن هؤلاء من اليهود والنصارى كانوا قريبين في جزيرة العرب، اليهود في نواحي المدينة، ولهم وجود في نواحي أخرى في خيبر وفي اليمن.

وكذلك النصارى كانوا يوجدون في نجران، وفي أطراف جزيرة العرب، فكذلك أيضًا امتداد الجدال والصراع أيضًا إنما هو مع هاتين الأمتين بالدرجة الأولى، فالمشركون في مكة -العدو التقليدي كما يقال- انتهى، وإن بقي الإشراك إلى ما شاء الله على تنوع الملل والنِحل والأديان لأهل الشرك إلا أن اليهود والنصارى بقوا وهم باقون، وقد أخبر النبي ﷺ أن الساعة تقوم والروم أكثر الناس[3]، وأخبر أن الروم ذات القرون[4]، بخلاف دولة فارس التي قد انقرضت وانتهت منذ بداية الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، قضى على ملك فارس، ولذلك يُبغضونه بغضًا شديدًا، هو العدو اللدود؛ لأنه هو الذي أنهى دولة آل ساسان وقضى عليها قضاء مُبرمًا، فهو أكثر من يُعادونه، يعني: يُبغضونه أكثر مما يُبغضون النبي ﷺ، ويُبغضون بقية الخلفاء الراشدين؛ لأنهم يرون فيه انقضاء ذلك الملك الذي امتد آلاف السنين، دولة كبرى بقيت مدة طويلة، وقد تفوقت على دولة الروم في مراحل في التاريخ، وكادت في بعض الصراعات أن تقضي على ملك الروم ووصلوا إلى الشام، بل وصلوا أيضًا إلى نواحي ملكهم بالقسطنطينية، والتاريخ فيه أشياء من هذا معروفة، وأنزل الله في ذلك الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم:1-2]، الذين غلبوهم هم الفُرس، انتصروا عليهم ذلك الانتصار المعروف في التاريخ الذي أشار إليه القرآن.

كذلك أيضًا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3] هذه فيه أيضًا للقرآن حيث قدمه عليها، قدم المُنزل على النبي ﷺ على التوراة والإنجيل مع أنها نازلة قبله من الناحية التاريخية، ولا شك أن القرآن هو أشرف الكتب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه هو الكتاب الذي يُطالب الناس بالإذعان والإيمان به، فقدمه وإنما ذكر التوراة والإنجيل لاستدعاء إيمان هؤلاء من جهة، ولبيان أن هذا الكتاب -يعني القرآن- ليس ببدع من الكتب فقد سبقه التوراة والإنجيل، وذلك أيضًا فيه ما فيه من التصديق لهذا الكتاب، وأنه مُصدق لخصوص ما جاء بالتوراة والإنجيل، يعني: هو مصدق لما بين يديه، فهذا يشمل سائر الكتب، ولكن الأخص التوراة والإنجيل، وكذلك أيضًا هنا حينما يكون مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل فإن ذلك يعني سوء حال من كفر بالقرآن، الذي يُصدق هذه الكتب التي يؤمنون بها، ففيه إبراز لقُبح حالهم وسوء فِعالهم، وما هم عليه من الضلال والكفر بالقرآن.

كذلك أيضًا لم يذكر هنا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3] ما قال وأنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى -عليهما السلام-، باعتبار أن المقصود إنزال هذه الكتب وليس الكلام عن من أُنزلت عليه، لكن النبي ﷺ هم مُطالبون بالإيمان به، وهم يجادلون في نبوته، وفي الكتاب الذي أُنزل عليه فهنا لم يذكر المُنزل عليه التوراة والإنجيل، قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3] فهذا الكتاب مُصدق للتوراة والإنجيل، وهذه الكتب أنزلها ربنا -تبارك وتعالى- على هؤلاء الأنبياء العِظام -عليهم السلام- فهذا كتاب أُنزل أيضًا على هذا النبي -عليه الصلاة والسلام- فليس ذلك بمُستغرب.

كذلك أيضًا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3] ذكرنا من قبل بأن تصديق هذا الكتاب للكتب التي قبله من جهات متعددة حيث أنها أخبرت به فجاء موافقًا لخبرها لصفة النبي ﷺ وصفة هذه الأمة.

وكذلك هو يُصدقها باعتبار أنه يُقرر ما فيها من شرائع الدين العِظام وأصوله الكبار، وكذلك في صفات المعبود ، وكذلك في الأخبار التي تضمنها وتضمنتها تلك الكتب مما يوجد من التوافق بينها، وكذلك التصديق بهؤلاء الرسل الذين أُنزلت عليهم تلك الكتب -عليهم السلام-، فهي شاهدة بصدقه وهو شاهد أيضًا بصدقها، فتصديق ما جاء فيها من أخبار بخصوص النبي ﷺ وما فيها من أخبار أيضًا عن الأمم السابقة وغير ذلك كل ذلك جاء القرآن مُصدقًا له، فاللائق أن يؤمنوا به، وأن يروا بُرهان صدقه، ولا يكون مقابلة ذلك بالكفر والتكذيب والعداوة، فهم لا يتمكنون من الإيمان بكتبهم الإيمان الصحيح إلا إذا آمنوا بهذا القرآن، وتكذيبهم به هو تكذيب بهذه الكتب جميعًا.

وكذلك أيضًا في قوله -تبارك وتعالى-: مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران:4]، فقدم التوراة على الإنجيل، يمكن أن يُقال -والله أعلم: باعتبار أن التوراة هو كتاب الشريعة لبني إسرائيل هو الكتاب الأكبر هو الكتاب الأعظم، وموسى الذي نُزل عليه التوراة هو كبير أنبيائهم ، فذكر التوراة والنصارى مُطالبون بالإيمان بالتوراة والعمل بها، ففيها الشريعة، وعيسى جاء بالإنجيل، وبنسخ بعض الآصار والأغلال التي كانت على اليهود.

وكذلك أيضًا جاء بأمور مُكملة، ويقولون: بأن الإنجيل يشتمل في جملته في الغالب، يعني: على الحِكم والأخلاق ونحو ذلك، لكن لا يستغنون عن التوراة والعمل بها؛ لأن القانون والشريعة مُضمن في التوراة، لكن العلماء يقولون كما قال ابن كثير -رحمه الله-: بأن اليهود لما اتهموا عيسى بما اتهموه به، وحاولوا قتله، وكفروا به، فوقعت العداوة الشديدة بين اليهود والنصارى، فالنصارى لشدة عداوتهم لليهود نبذوا التوراة والعمل بها فبقوا بلا قانون ولا شريعة، فابتكروا واخترعوا نظامًا وقانونًا سموه "الأمانة العظمى"، هذا وضعوا فيه قوانين تحكم نظامهم وحياتهم؛ لأنهم بقوا بلا نظام يحكمهم، فوضعوا قانونًا وضعيًّا بدلاً من التوراة، تركوا العمل بالتوراة واستعاضوا عنه بزُبالة الأفهام وسموه "الأمانة العظمى"، وإلا فهم مطالبون بالعمل بها حتى جاء القرآن فصار العمل به مُتعينًا على الجميع والإيمان به متعينًا على الجميع.

نتوقف عند هذا، ونُكمل إن شاء الله -تعالى- في الليلة الآتية، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران، رقم: (4380).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، رقم: (2135).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس، رقم: (2898).
  4. مصنف ابن أبي شيبة (4/ 206)، رقم: (19342).

مواد ذات صلة