الجمعة 30 / محرّم / 1442 - 18 / سبتمبر 2020
(004) تتمة قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ..} الآية، وقوله: {مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ..} الآية
تاريخ النشر: ٠٧ / شوّال / ١٤٣٧
التحميل: 965
مرات الإستماع: 1398

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نواصل الحديث في الكلام على صدر هذه السورة، (سورة آل عمران) وما يُستخرج من الهدايات.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران:3-4].

فقوله -تبارك وتعالى-: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، أنزل التوراة والإنجيل، كما ذكرنا أنه قدّم التوراة باعتبار أنها متقدمة من ناحية الزمان على الإنجيل، وأيضًا فهي الأصل والأساس فهي كتاب الشريعة، وهي الكتاب الأعظم الذي نزل على بني إسرائيل، وعلى كبير أنبيائهم وهو موسى ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، وبعض أهل العلم يقولون: بأن الفرقان هو الزبور، وهذا لا يخلو من بُعد، ولكن على هذا القول يقولون بأنه ذكر نزول التوراة مع أن الترتيب أن التوراة نزلت، ثم الزبور، ثم الإنجيل، فيقولون: جاء هذا الترتيب بحسب الأهمية، فالتوراة هي الكتاب الأكبر والأعظم، والإنجيل يلي التوراة فهو مُكمل لها وناسخ لبعض الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، ثم جاء ذكر الزبور مع أنه متقدم على الإنجيل، فالإنجيل يقولون يشتمل على كثير من الأحكام والحِكم، والزبور يشتمل على كثير من الثناء على الله -عز وجل- ونحو ذلك، لكن الأرجح أن الفرقان لا يُفسر بالزبور، وبعضهم يقول: هو القرآن وهذا قريب، وله وجه باعتبار أن من أسماء القرآن الفرقان، والله -تبارك وتعالى- تمدّح بإنزاله كما في صدر سورة الفرقان، لكن على هذا التفسير وقد ذهب إليه كثير من أهل العلم أن الفرقان هو القرآن وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4]، فيكون قد كرر ذكره نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:3]، فهو القرآن، ثم قال: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4]، فيكون قد كرره فيكون هذا التكرير لتنويه بشرفه ومنزلته من جهة، ولأنه ذكر وصفًا يختص به، وهو أنه يحصل به الفرق الفصل بين الحق والباطل، فليس ذلك بتكرار محض، وإنما لفائدة وهي ذكر هذه الصفة للقرآن وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4].

وكثير من السلف فمن بعدهم يقولون: بأن الفرقان هو وصف للكتب التي أنزلها الله  لما فيها من الفرق والفصل بين الحق والباطل، فذلك يصدق على القرآن ويصدق على غيره، فأنزل الفرقان الذي قد تضمنته هذه الكتب، فيكون ذلك بعد ذكر هذه الكتب في غاية المناسبة وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4]، فذكر الكتب المشهورة، والكتب العِظام هذه الكتب الثلاثة القرآن والتوراة والإنجيل، ثم قال: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ما يحصل به الفصل بين الحق والباطل والميز بين المُحق والمُبطل، فذلك وصف لهذه الكتب جميعًا.

لكن تأمل هذا القيد المذكور في قوله: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، هذا كالاحتراز لئلا يُفهم أن التوراة والإنجيل هي هدى دائم ومستمر، وإنما هي في مرحلة من المراحل، ثم جاء القرآن فكان هو الهدى الذي ينبغي أن يهتدي الناس به، ولذلك لما رأى النبي  ﷺ مع عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة غضب، وقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيّا، ما وسعه إلا أن يتبعني[1].

فدل على أن التلقي إنما يكون من الوحي الذي نزل على محمد ﷺ وهو القرآن وما يشرحه من سنة رسول الله ﷺ فحسب، دون البحث عن مصادر أخرى قد نُسخت وحصل ما حصل لها من التبديل والتغيير والتحريف، فذلك ما فيها من الحق والهدى والنور والضياء والخير فهو موجود في كتاب الله -تبارك وتعالى- في القرآن، وفي سنة رسول الله ﷺ، فكل هدى عندهم فهو موجود على أكمل الوجوه فيما أوحاه الله إلى نبيه ﷺ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: كل ما عند هؤلاء من الخير والهدى والصلاح، فهو على أوفر الوجوه وأكملها في هذه الشريعة.

إذًا لا حاجة للبحث كما يقول بعض الناس: نأخذ الإيجابيات التي عندهم، أي إيجابيات!  أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ... والله لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي.

فإذًا هذا الذي يريد أن يبحث هنا، وهناك في مصادر أخرى، عندهم إيجابيات، عندهم جوانب مشرقة، عندهم نصف كأس مليان، نقول: أمتهوكون فيها، إذا كان هذا النبي ﷺ يقولوه لعمر ومعه صحيفة من التوراة، فماذا يُقال لهؤلاء إذًا؟ فهذه الشريعة كاملة ما تحتاج إلى تكميل.

هذا الذي يبحث عن إيجابيات، ويقول: عندهم جوانب مشرقة، ويريد أن يأخذ من هؤلاء ومن البوذيين، ومن غيرهم يُقال له هذه الشريعة جاءت على الكمال، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، الأمور الثلاثة هذه لا يعدلها شيء، ثم بعد ذلك يُبحث عن ما يُكمل، نأخذ الجوانب الإيجابية عند هؤلاء ونقرأ في كتبهم، ونبحث هنا وهناك في كتب أيضًا للفلاسفة، وما إلى ذلك من المعاصرين والقدماء؛ لنُكمل كأننا نُعاني من نقص نبحث عن تكميله في هذه الكتب والمصادر والفلسفات القديمة والحديثة، هذا غلط، ولا يجوز بحال من الأحوال.

وكذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن ما يوجد عند الطوائف الأخرى الطوائف الفِرق، يعني: المنحرفة من المعتزلة، والرافضة، والصوفية، وغيرهم ما يوجد عندهم من حق، فهو عند أهل السنة على أكمل الوجوه مع السلامة من باطلهم.

ولذلك بعض الناس يقول عندهم جوانب إيجابية نريد أن نأخذ الجوانب الإيجابية، بل بعضهم يُصرح للأسف بأكثر من هذا يقول: لا يوجد طائفة تحتكر الحق وتدعي أنها قد تمثل الحق فيها واكتمل لكن هؤلاء عندهم حق، وهؤلاء عندهم حق، وهؤلاء عندهم حق، والمفترض أننا نجمع الحق الذي من الجميع، يريد أن يجمع الحق من الجميع ممن؟!

أهل السنة هم الذين يمثلون الإسلام الصحيح الذي جاء به النبي ﷺ، والغرب يعلمون هذا جيدًا، وقد قرأت لبعض مفكريهم وعُقلائهم في القرن الماضي يوصف هذه الأمة وما هي عليه فيقول: "توجد هناك خطوط وآراء ومذاهب وفِرق، لكن يوجد بين هذه الخطوط الكثيرة خط واحد مستقيم من عهد النبي ﷺ إلى اليوم".

يقصد أن أهل السنة والجماعة هو هذا الخط المستقيم، وهذه فِرق تنشعب هنا وهناك، فيقول: هذا هو الذي يُمثل الإسلام، وهو الذي يُمثل بزعمه الخطر على الغرب، يعني: هذا الإسلام الحقيقي الذي حصل عن طريقه الفتوحات وهداية الخلق إلى دين الله -تبارك وتعالى-، أما هذه الفِرق الخوارج، الرافضة إلى آخره، هذه مثل الطُفيليات تعيش على جسم الأمة ما فتحوا مِصرًا من الأمصار، ما فتحوا بلدًا واحدًا، ولا يوجد منهم قائد واحد.

انظر إلى هؤلاء الخوارج الذين الآن يُفسدون ويعيثون في الأرض فسادًا إذا أردت أن تعرف الحقيقية انظر عبر التاريخ خروج هؤلاء في أوقات كثيرة ومختلفة في بلاد وأنحاء بلا استثناء ماذا فعلوا؟ وماذا أنجزوا؟ وماذا بنوا من نهضة وحضارة؟ وماذا فتحوا من البلاد؟ سمي قائدًا واحدًا من قادة المسلمين الذين فتحوا البلاد، سمي لي فتحًا واحدًا، بلدًا واحدًا فتحوها؟ ما في.

فالمعاصرون أسوء من القُدامى، القُدامى قرأت في تاريخهم كثيرًا، لم أقف على أحدٍ منهم أنه قتل أباه وأمه أبدًا، كانوا يقتلون خيار الأمة، يذبحونهم ذبحًا، لكن يقتل أباه وأمه ما أعرف أبدًا في التاريخ، على كثرة فِرق الخوارج، فِرق كثيرة جدًا، لكن ما أعرف أحدًا منهم وصل إلى هذا المستوى من الانحطاط والسفول أبدًا، إضافة إلى الغدر، وذهاب المروءات والكرامة وقلة الدين والعبادة، حتى إنه يلتبس هل هذا يفعل ذلك تدينًا أو أنه عدو للإسلام قد لبس عباءة جهاد ليُفسد في الأرض، ويُسيء إلى الإسلام، ويصد عن سبيل الله .

وهكذا في الطوائف الأخرى من الرافضة ونحوهم ما يوجد بلد واحد فتحوها، ولا يوجد واحد من قادة المسلمين من هؤلاء أبدًا، وإنما كانوا ينهشون في جسد الأمة، ولذلك الغرب ومنذ القِدم كان يدعم ويقوي هذه الطوائف، وهذا إلى اليوم، من الذي أخرج هؤلاء؟! ومن الذي يدعمهم؟ ومن الذي يقف معهم في مثل هذه الأوقات؟ لا شك أن أعداء الإسلام وراء هؤلاء؛ لأنهم يعلمون أنهم يُجرجرون الأمة، ويُشتتون شملها، ويسحبونها إلى الوراء، ويطعنونها في الظهر للأسف، القضية في غاية الظهور والوضوح، ولكن من أعمى الله بصيرته وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [المائدة:41]، العمى الكامل عمى البصائر -نسأل الله العافية- على كل حال فهنا قال: مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران:4].

إذًا الاهتداء بالتوراة والإنجيل كان في مرحلة قبل نزول القرآن، وقبل بعث النبي ﷺ، بعد ذلك قال النبي ﷺ: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار[2].

يعني: لا ينفعه الإيمان بالتوراة والإنجيل والعمل بالتوراة والإنجيل إذا لم يؤمن بالنبي ﷺ، ويُعلن الدخول في الإسلام، ويهتدي بهداه.

ثم أيضًا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران:3-4] "من قبل" فكأنها توطأة وتمهيد لنزول القرآن ولذكره، فيذكر أنه أنزلها من قبل، ثم جاء الهدى الكامل بهذا القرآن  إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

وكذلك أيضًا هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران:4]، يعني: من أجل الهدى، من أجل الاهتداء، وهذا يدل على معنى وهو إثبات الحكمة في أفعال الله -تبارك وتعالى-، عليم حكيم أنزلها من أجل الهدى، من أجل أن يهتدي الناس، وكذلك أيضًا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3]، ومعلوم أن التوراة والإنجيل قبل القرآن، لكنه قال: مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران:4]، من باب المبالغة في التحقيق أن ذلك كان قبل القرآن، ثم جاء الهدى الكامل الذي يجب أن يوقف عنده.

وكذلك أيضًا لاحظ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران:3-4]، هنا لما ذكر التوراة والإنجيل ذكر الهدى، لما ذكر القرآن قبله نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران:3] باعتبار أن المخاطب هنا أهل الكتاب النصارى، فمن أجل استرعاء نظرهم ودعوتهم، واستمالتهم إلى الحق ذكر أن هذه الكتب هدى للناس من أجل أن يقبلوا الإيمان والإذعان، ويحصل منهم الإذعان إلى الإسلام والإيمان بالقرآن، وإلا فالقرآن هدى بلا شك.

ولاحظ الفرق هنا في التوراة والإنجيل، قال: هُدًى لِلنَّاسِ بمعنى الإرشاد والدلالة إلى الحق والخير ونحو ذلك، هُدًى لِلنَّاسِ لكن لما ذكر القرآن في صدر سورة البقرة قال: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  [البقرة:2]، التوراة والإنجيل هدى للناس، هو مُرشد لكل الناس إلى الحق ونحو ذلك، ولكن القرآن هدى للمتقين، فالتوراة والإنجيل باعتبار أنها مُهيأة ومُعدة لذلك يهتدي بها من يهتدي، أما القرآن فهو هدى لأهل التقوى.

وكما ذكرنا هناك هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، قلنا: الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فبقدر ما يكون عندنا من التقوى يحصل لنا من الاهتداء بالقرآن والانتفاع به، ولاحظ أنه لما ذكر التوراة والإنجيل قال: هُدًى لِلنَّاسِ فكأنه جعلها هي الهدى، كأنه جعل من باب المبالغة في الوصف هُدًى لِلنَّاسِ ما قال مثلاً تتضمن هدى أو فيها هدى فكأنه جعلها هدى، وهكذا القرآن بعبارة أبلغ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، فهذه كلها تدل على مُبالغة في الوصف.

وكذلك وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4]، وقلنا بأن أكثر أهل العلم يقولون: بأن الفرقان هنا ما يحصل به الميز والفرق بين الحق والباطل، وهنا قال: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4] فالكتب تُفرق بين الحق والباطل، الوحي الذي أنزل الله على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام- يحصل به الفرق بين الإيمان والكفر، وبين المؤمنين والكفار ونحو ذلك، فهذا يصدق عليها جميعًا، ويحصل به الميز بين الصادق والكاذب، والصدق والكذب، والضار والنافع، وما إلى ذلك، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4].

وهذا أخذ منه بعض أهل العلم إثبات القياس، القياس الذي عند الفقهاء مثلاً يسمونه قياس التمثيل هو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، يعني: في شيء مشترك، والقياس الآخر قياس الأولى يسمونه عند الأصوليين هو الألحاق بنفي الفارق، لا فرق بين هذا وهذا، يعني: كل ذلك داخل فيه، فمثلاً في قياس الفقهاء لا فرق بين المُسكر من عصير العِنب مثلاً والمُسكر من المصنوعات الكحولية، فهذا لا فرق لأنه يحصل بالجميع الإسكار، يعني: صنوف المُسكرات في ذلك الوقت اختلفت عن ما يُصنع في هذا الوقت، فتُلحق به من باب الاشتراك في العِلة وهي الإسكار.

في الوالدين: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، والشتم من باب أولى، والضرب من باب أولى، والقتل -أعوذ بالله- من باب أولى، فهذا يُسمى قياس الأولى، يسمونه القياس الأولوي، يعني: أن ذلك يُلحق به من باب أولى، وهكذا، ولذلك قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه [الزلزلة:7]، والذي يُنفق نفقة مثل الجبل من باب أولى خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [ الزلزلة:8]، يعني: من الشر، طيب والذي يعمل أعظم من الذرة من كبائر الذنوب من باب أولى، شرًا يره، وهذا أمر مُدرك بالفِطر والعقول يسمونه قياس الأولى، يعني: ما يحتاج إلى الأركان الأربعة في القياس بألحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، أن تتوفر الأربعة الأركان، لا، إلحاق مُباشر من غير نظر إلى ذلك، وهكذا.

فهذه الكتب وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4] يفرق بين الحق والباطل، فهذه الكُتب تُفرق بين الهدى والضلال والنافع والضار، ولكنها في الوقت نفسه لا تُفرق بين المُتماثلين، وإنما تُفرق بين المختلفين، أما المُتماثلان فإنها لا تُفرق بينهما؛ ولأن المُتماثلين لا يختلفان، وذلك يرجع إلى معنى العدل والميزان الذي أنزل الله -تبارك وتعالى-، والقياس الذي أخذه الفقهاء من ذلك كله.

ولاحظ تكرار لفظ التنزيل نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران:3]، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران:3]،  وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4] فكرر هذا الفعل الإنزال فهذه الكتب كلها مُنزلة وما فيها من الهدى والنور، وكررها لاختلاف هذا الإنزال من جهة نوعه وكميته وزمانه وصفته، والله تعالى أعلم.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه أحمد، رقم: (15156).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، رقم: (153).

مواد ذات صلة