تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 27 / جمادى الآخرة / 1441 - 21 / فبراير 2020
(007) قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..} الآية
تاريخ النشر: ١١ / شوّال / ١٤٣٧
التحميل: 1295
مرات الإستماع: 1433

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

يقول الله -تبارك وتعالى- في هذه السورة الكريمة (سورة آل عمران): هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7].

هذه الآية في صدر هذه السورة له ارتباط ظاهر في هذا السياق الطويل الذي جاء في الرد على النصارى، وفي إبطال دعواهم في تقرير التوحيد الخالص لله رب العالمين، وذلك من جهة أن النصارى كانوا يتبعون المتشابه من القرآن ويُلبسون به، لما قدم عليهم المُغيرة بن شعبة إلى نجران سألوه عن ذكر هارون مع مريم في قوله -تبارك وتعالى-: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28] قالوا: كان بين هارون ومريم مدة من الزمان طويلة فلم يدرِ ما يُجيبهم حتى قدم على النبي ﷺ فسأله فقال:  إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم[1].

يعني: أن هارون الذي قيل يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28] هو مُسمى على هارون الذي هو من أنبيائهم، وهو أخو موسى -عليهما السلام-، فكان هذا هو الجواب، فهذا من اتباع المتشابه، وهناك أشياء كانوا يتبعونها في المتشابه لا حاجة لذكرها في قضايا الاعتقاد والتثليث يحتجون بأشياء من القرآن، يقولون: إنه تدل على اعتقادهم الفاسد الإشراك والتثليث، وأن عيسى إله وأنه ابن الله، الرد على هذه الشبهات ظاهر لا يحتاج إلى كد الأذهان، ولا إلى جهد، ولست أعرض الشبهات، ولكن المقصود بيان هذا القدر أن النصارى وَالِغُون في اتباع المتشابه.

فهذه الآية فيها تقرير عام لهذا الأصل الكبير بأن أهل الزيغ يتبعون المتشابه، فهذا من أبرز سماتهم، وسيأتي الحديث عن هذا إن شاء الله تعالى، وأما أهل الرسوخ فهم أهل الإذعان والتسليم فلا يتتبعون المتشابه، ولا يضربون كتاب الله بعضه ببعض، فهذا سبيل الراسخين اتباع المحكمات ورد المتشابهات إلى المحكمات.

على كل حال، الله -تبارك وتعالى- في هذه الآية يُبين أنه وحده الذي أنزل على النبي  ﷺ الكتاب هذا القرآن، وأن هذا الكتاب ينقسم من حيث الإحكام والتشابه إلى قسمين: الأول: المتشابه، والثاني: المحكمات، وهذه الآيات المحكمات قلنا: الواضحات من جهة الدلالة؛ ظاهرة الدلالة لا تحتاج إلى غيرها لفهم معناها، بخلاف المتشابهات فإنها بحاجة إلى ردها إلى المحكم لتبين المراد، هذا أحسن ما قيل في معنى المحكم والمتشابه وهو الذي قال به الإمام أحمد -رحمه الله-[2].

كلام العلماء كثير في معنى المحكم ومعنى المتشابه، والحديث في هذه الآية حديث يتشعب، ولكن أحاول أن أتحدث بقدر لا يُفضي إلى شيء من الخروج عن المقصود، أو التوسع والتطويل قدر الإمكان، وإلا فهذه من المواضع التي تحتاج إلى بيان وهي أصل في باب المُحكم والمُتشابه في كتاب الله -تبارك وتعالى- أعني المُحكم والمُتشابه بالمعنى الخاص؛ لأن الإحكام والتشابه في كتاب الله -تبارك وتعالى- جاء بإطلاقين: الإطلاق الأول وهو الإطلاق العام، فالله وصف القرآن كله بأنه مُحكم، ووصف القرآن كله بأنه مُتشابه.

كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1]، كل القرآن مُحكم بهذا الاعتبار، والمعنى على هذا أنه مُتقن في مبانيه وألفاظه، ليس فيه خلل، ولا لحن، ولا خطأ، ولا عيب، وكذلك أيضًا هو مُحكم في معانيه، مُحكم في المباني والألفاظ، مُتقن وهو محكم أيضًا من جهة المعاني ليس فيه تعارض وتضارب، ليس في مضامينه شيء يمكن أن يُقال إنه غلط، أو أنه يُضاد ويُخالف العقول أبدًا، فهو مُحكم لا يمكن لأحد أن يستدرك عليه قليلًا ولا كثيرًا، هذا كلام رب العالمين الذي أحاط بكل شيء علما.

وأما التشابه فكما قال الله في وصف القرآن كله بأنه متشابه: كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر:23]، كل القرآن متشابه بالمعنى العام بمعنى أنه يُشبه بعضه بعضًا في الحُسن والبلاغة والفصاحة من جهة الألفاظ، ومن جهة المعاني يُصدق بعضه بعضا، فهذا بالمعنى العام.

وهذه الآية هي الوحيدة في كتاب الله التي تذكر الإحكام والتشابه بالمعنى الخاص، بمعنى أن التشابه المحكم والمُتشابه بالمعنى الخاص، المُحكم ما استقل بمعناه وظاهر وبان المُراد منه، فلم يحتج إلى غيره لمعرفة المراد به مثل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء:77]، وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وهذا أكثر القرآن، ظاهر من جهة المراد.

النوع الثاني: المُتشابه وهو ما احتاج إلى غيره، يعني: يحتاج أن يُرجع إلى المُحكم لتبين المراد، فهذا كقوله -تبارك وتعالى-: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [الأنعام:3]، لاحظ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، ما المراد؟ هل يُفهم من هذا أن الله ، وتقدست أسماؤه، وتنزه وتعالى عن كل عيب ونقص- في السماوات والأرض؟ حاشا وكلا، لكن لو أنه التبس على أحد من هذه الآية المراد يرجع إلى الآيات المُحكمات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، في سبعة مواضع من كتاب الله ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50]، فهو مُتصف بالعلو والفوقية، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، إذًا ما المراد بقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3]؟

بعض العلماء فسره، قال: وَهُوَ اللَّهُ، يعني: المألوه، فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، يعني: يألهه أهل السماء وأهل الأرض، هذا المعنى، ليس أنه في السماوات وفي الأرض مُخالطا لخلقه؛ فالله بائن من خلقه فوق سمواته، مستوٍ على عرشه، وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3]، فتُرجع إلى الآيات الأخرى المحكمات.

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، قد يفهم منها بعضهم أن السعي بين الصفا والمروة أمر لا يجب فمن فعل فلا حرج فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، فهنا يُرجع إلى المُحكمات سواء كان ذلك من نصوص الكتاب أو من نصوص السنة، فيتبين المراد بذلك، يعني: يرتفع الإشكال، يرتفع اللبس، وهكذا في أمثلة متنوعة، في أبواب شتى، فهذا التشابه أحيانًا يكون لغرابة اللفظ، أو غموضه فلا يظهر المعنى.

وأحيانًا يكون لإجماله اللفظ يحتمل أكثر من معنى فما هو المراد من نفس اللفظة:  وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، القُرء يُطلق في اللغة على الحيض ويُطلق على الطُهر، ما المراد؟ فهذا مُشترك.

وقد يكون التشابه بسبب التركيب كما ذكرت آنفًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] ما قال أن لا يطوف بهما فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، فبالرجوع إلى مُلابسات النزول يتبين المراد، فهذا من جهة التركيب، فهذا أيضًا قد يكون بسبب ما يظهر من التقابل بين الآيات، يعني: ما يُسميه العلماء مُوهم التعارض لا يوجد في القرآن تعارض لكن قد يتوهم البعض، مثلًا في قوله -تبارك وتعالى- : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ [الرحمن:39]، هنا نفى السؤال عن الجميع عن الثقلين إِنسٌ وَلا جَانٌّ، ومع قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات:24]، فهنا نفى السؤال وهنا أثبته، فهذا قد يتوهم البعض منه التعارض، والواقع أنه لا تعارض، فهم لا يُسألون سؤال استعتاب من أجل أن يعتذر فيُقبل العذر، وإنما يُسألون سؤال تبكيت، فهذا وجه.

وبعض العلماء يقولون: يوم القيامة يوم طويل فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، ففي بعض أحواله أحوال ذلك اليوم لا يُسأل أحد، وفي بعضها يُسألون، وهكذا في الآيات التي نفى التكليم وَلَا يُكَلِّمُهُمُ [البقرة:174]، قال يعني عن أهل النار: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، المعنى: أنه لا يُكلمهم كلام تكريم، وإنما يُكلمهم كلام إهانة.

فهذا على كل حال يوضح المراد بالمُتشابه، وهذا التشابه كله من جهة المعنى يُقال له المُتشابه النسبي، المعنى أنه بالنسبة إلى بعض الناس مُتشابه، وبالنسبة لبعضهم من قبيل المُحكم، يعني: أن التشابه من جهة المعنى لا يكون من قبيل المُتشابه المُطلق، المُتشابه المُطلق الذي لا يعلم أحد معناه، لا يوجد في القرآن شيء لا يعلم أحد معناه؛ لأن الله لم يُخاطبنا إلا بما نفهم، لكنه قد يخفى على البعض، ويُشكل عليه ويظهر لغيره، قد لا يفهم المراد من آية، ولا يعرف الجمع بين آيتين، لكن غيره يعلم المراد ويتضح له ذلك، فهو بالنسبة إلى من عرفه مُحكم، وبالنسبة إلى من خفي عليه مُتشابه، بالنسبة، فهذا الذي نُسميه المُتشابه النسبي، كل ما يتعلق بالمعاني في هذا الباب فهو من قبيل المتشابه النسبي لا يوجد مُتشابه مُطلق، أين المُتشابه المُطلق؟ هو في الأمور الغيبية.

هنا قال: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7] فالوقف على لفظ الجلالة وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7] هنا لا يُحمل على المعنى، التأويل عند السلف في القرآن يأتي لمعنيين: المعنى الأول التفسير، تفسير الكلام، تأويل الكلام تفسير الكلام، وتأويل الرؤيا تعبير تفسير نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:36]، ويأتي بمعنى آخر وهو ما يكون في ثاني حال في باب الأمر بفعل المأمور، وباب الخبر بوقوع المُخبر به، وفي باب الرؤيا لتحققها ووقوعها، يعني: في باب الأمر في حديث عائشة -رضي الله عنها المشهور-: لما نزلت على النبي ﷺ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، قالت: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن[3]، ما معنى يتأول؟ يعني: يُطبق ويُنفذ الأمر، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3]، ففعل المأمور هذا يُقال له تأويل وتأول.

وكذلك أيضًا ووقع المُخبر به هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53]، يعني: وقوع ما أخبر به، ما أخبر به القرآن من وقوع القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار، فهذا يُقال له تأويل من هذه الحيثية، يعني: وقوع تحقق ما أخبر به هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف:53].

وهكذا تأويل الرؤيا في قول يوسف : هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، لما قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4]، هذه الرؤيا، فلما رآهم حينما قدموا عليه بعد ذلك وسجدوا  وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ [يوسف:100]، يعني: تحققت، فيأتي تأويل الرؤيا بمعنى التفسير نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:36]، ويأتي بمعنى تحقق الوقوع، فهذا معنى المتشابه على الوقوف على لفظ الجلالة في آية آل عمران هذه وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7]، أي: حقائق الأمور الغيبية، معاني الصفات لله معلومة هذه مُحكم، لكن كيفية الصفة هذه مُتشابه، ولا يجوز لأحد أن يسأل عنها.

ولهذا لما جاء الرجل إلى مالك بن أنس وقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ  [الأعراف:54]، كيف استوى؟ فعلته الرحضاء، يعني: تغيرت ملامحه، وظهرت عليه آثار الغضب، احمر وجهه، ثم بعد ذلك أطرق ورفع رأسه بعد ذلك وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل، فأمر به فأُخرج "[4].

هذا يسأل عن المُتشابه، حقائق الأمور الغيبية، كيف؟ كيف استواءه تعالى؟ كيف وجهه؟ كيف يده؟ هذه أمور لا يجوز الخوض فيها لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، متى الساعة؟ وقت القيامة؟

هذا الله أعلم، الحور العين خُلقن من ماذا؟ الله أعلم، ثمار الجنة، أنهار الجنة، من أي مادة؟ هذه أمور لا نخوض فيها؛ لأنها غيبية، فالوقف ثابت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7][5]، فهذا المُتشابه المُطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا لا يكون في المعاني وإنما في الغيبيات.

والوصل ثابت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7][6].

فعلى الوصل يكون الراسخون في العلم ممن يعلم تأويله، الله يعلم والراسخون في العلم يعلمونه، وإنما يخفى على من دونهم، فيكون على الوصل يكون التشابه في المعنى، وليس في الحقائق حقائق الأمور الغيبية، والكُنه والكيفية ونحو ذلك هذا لا يعلمه الراسخون في العلم، فعلى الوقف يكون المُتشابه من قبيل المُطلق ويُحمل على الكُنه والكيفية وحقائق الأمور الغيبية وما أشبه ذلك، وعلى الوصل هذا صحيح أيضًا، لكنه يكون معنى المتشابه التشابه النسبي من جهة المعنى يُشكل على بعض ويعرفه آخرون، فالوصف له محمل، والوقف له محمل، وهكذا القرآن يُعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فإن وقفت صار لها معنى، وإن وصلت صار لها معنى آخر.

أكتفي بهذا هذا اليوم، ونتحدث -إن شاء الله- عن قضايا تتعلق بالمعنى قبل الكلام على الفوائد المستخرجة غدًا إن شاء الله تعالى.

وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء، رقم: (2135).
  2. البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 190).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب التسبيح والدعاء في السجود، رقم: (817)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم: (484).
  4. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 325).
  5. انظر: تفسير ابن كثير (2/ 11)، تفسير القرطبي (4/ 16).
  6. تفسير ابن كثير (2/ 11).

مواد ذات صلة