الجمعة 06 / ربيع الأوّل / 1442 - 23 / أكتوبر 2020
(139) قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا...} الآية، وقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ...} الآيات 127-128
تاريخ النشر: ٠٣ / جمادى الأولى / ١٤٣٨
التحميل: 467
مرات الإستماع: 926

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلما ذكر الله -تبارك وتعالى- فضله على عباده المؤمنين في يوم بدر بتنزيل الملائكة، ثم بين أن ذلك إنما هو للبُشرى ولتطمئن به القلوب، وأن النصر منه وحده دون سواه، قال الله -تبارك وتعالى- بعد ذلك: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِين [آل عمران:127]، هذا الذي وقع من النصر والتأييد لعباد الله المؤمنين في يوم بدر ليقطع طرفًا من الذين كفروا، ليستأصل بعضًا منهم كما وقع بقتل سبعين من المشركين، وفيهم من سراتهم وصناديدهم، فهذا يكون إضعافًا لهم.

أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِين، فمن نجى من القتل وقع له الكبت، فيرجع محزونًا مغمومًا مهمومًا لم يتحقق مراده، وإنما وقع ما يكره بقتل أصحابه وكبار أهل دينه وملته، فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِين، يرجعوا بالخيبة والخزي والعار، لم يحصلوا مطلوبًا، ولم يُحققوا مأمولاً مرجوًا.

يؤخذ من هذه الآية الكريمة: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ، إثبات التعليل في صفات الله وأفعاله، ومعلوم أن أفعال الله -تبارك وتعالى- مبنية على الحكمة، فهو يفعل لحكمة فلا يقع منه شيء في هذا الكون من أحكامه القدرية الكونية إلا لحكمة، كذلك أحكامه الدينية الشرعية، كل ذلك لحكمة، وهذا لو جُمع كما ذكرت في بعض المناسبات أعني التعليل في القرآن فعل كذا لأجل كذا في باب التشريع، وفي باب الخلق والقدر لجُمع منه مجلدات.

كذلك أيضًا في قوله -تبارك وتعالى-: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ، هذا من حكمته  أن يُديل عباده المؤمنين؛ فتحصل الكسرة للكافرين، فيكون ذلك سببًا لكسر شوكتهم، ودفع كثير من شرورهم دون استئصال لهم، إذ أن من سنته -تبارك وتعالى- بقاء الحق والباطل، والصراع والمدافعة بين الحق والباطل، فهذه سنته المستمرة منذ أن بدأ هذا الصراع في هذا العالم بين الخير والشر.

لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِين، وانظر مثل هذه المآلات التي ينتظرها هؤلاء الكفار، القتل أو الكبت والخيبة، والله المستعان.

ثم قال الله -تبارك وتعالى-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون [آل عمران:128]، هذا تأديب من الله لرسوله ﷺ، وهذا متوجه لأهل الإيمان عمومًا، لكن الأمة تخاطب في شخص قدوتها ومقدمها -عليه الصلاة والسلام-، فهذا تأديب من الله لرسوله -عليه الصلاة والسلام- بأنّ أمر العباد إلى الله -تبارك وتعالى- له وحده لا شريك له.

لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، أن تُعذب هؤلاء أو أن ينزل بهم عذاب الله -تبارك وتعالى- ونقمته فالأمر كله له، قال الله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، بمعنى أنه يوفق من شاء منهم إلى الإيمان فينشرح صدره، ويتوب من كفره، ويصير مؤمنًا يذب عن دين الله .

أَوْ يُعَذَّبَهُمْ، فكان ذلك في الدنيا أو في الآخرة فهم مستحقون للعقوبة.

يؤخذ من هذه الآية من المعاني والهدايات أن الأدب مع الله -تبارك وتعالى- ألا يتقدم العبد بين يديه بشيء يكون من قبيل الاستعجال لقضائه وحكمه، أو الاعتراض على تدبيره، فالله -تبارك وتعالى- عليم حكيم، ومن أوصافه أنه حليم، فهو لا يُعاجل بالعقوبة، وهو يُمهل ولا يُهمل، فالخلق لضعفهم وعجزهم ولقلة صبرهم فإنهم لربما تنقطع أنفسهم ونفوسهم مستعجلين عذاب الله بالكافرين، لاسيما حينما يحصل من هؤلاء الكفار من الظلم والفتك بأهل الإيمان، والقتل والتشريد، وما إلى ذلك.

فالله -تبارك وتعالى- لا يخفى عليه من أحوال هؤلاء الكفار قليل ولا كثير، ولكنه يُمهلهم: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا [آل عمران:178]، والحساب عند الله -تبارك وتعالى- ليس كالحساب عندنا بالسنة والسنتين والثلاث نستطيلها، وإنما الدنيا من أولها إلى آخرها كم تساوي في حساب الله ؟! فالخلق يستعجلون ولربما يستبطئون النصر، أو يستبطئون العذاب الذي ينزل بالكفار، بل إن الكفار يستعجلوا العذاب التي توعدوا: ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا [الأعراف:77]، عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا [ص:16]، يعني: نصيبنا من العذاب، قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16].

وهذا أيضًا: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، هذا يؤدب أهل الإيمان بأدب العبودية الكاملة بالخضوع التام لله -تبارك وتعالى- في أحكامه جميعًا، أحكام الشرعية فلا يبقى في القلب حرج، وفي الأحكام الكونية القدرية فلا يعتقد الإنسان أن ذلك خلاف الحكمة، أو إذا نزل بالإنسان الضُّر والمكروه ساءت ظنونه بالله سواء نزل به بشخصه بمفرده أو نزل بقومه وأهله وناحيته فيتساءل أين النصر الذي وعدنا به؟! هذا قاله المنافقون حينما قالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا [الأحزاب:12]، يعني: أنها وعود كاذبة لا حقيقة لها.

وهكذا أيضًا فإن قوله في هذا الخطاب الموجه لشخص النبي ﷺ في ظاهره: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، هذا يدل على أن النبي ﷺ ليس له من أمر العباد شيء ولا من أمر هذا الكون في تدبيره وتصريفه شيء، لا قليل ولا كثير، فالذين يُضيفون إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أمورًا يجعلونه مُدبرًا مع الله -تبارك وتعالى- هؤلاء منحرفون ومُبالغون وغُلاة لربما أوقعهم ذلك الغلو في الشرك الأكبر، من يزعم أن رسول الله فضلاً عن من دونه إذا كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ليس له من الأمر فمن دونه من باب أولى، فإذا جاء من يقول: إن لأئمتنا مكانة ومنزلة تخضع لها جميع ذرات الكون، هذا يقوله في أئمته الاثني عشر يقول: لهم مكانة ومنزلة مرتبة عظيمة تخضع لها جميع ذرات الكون لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، هذا لا شك أنه من الكفر الأكبر، وإذا كان النبي ﷺ بهذه المثابة فكيف بمن دونه.

فالقصائد التي فيها الغلو وغير ذلك من الكلام المنثور الذي تلوكه بعض الألسُن، أو يُكتب، ويُسطر، أو يُردد في أهازيج، أو أناشيد، أو يُلحن، وفيه ما فيه من الغلو، فهذه الآية ترد على هؤلاء وتدمغهم: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، وهذا يدل على أنه عبد مربوب لله يُدبره ويُصرفه كيف شاء، وإذا كان النبي ﷺ بهذه المثابة من العبودية فلا يصح بحال من أحوال أن يدعي أحد ممن هو دونه بمراحل أن يدعي أنه قد بلغ مرتبة ترتفع عنه فيها التكاليف، أو غير ذلك مما قد يدعيه لنفسه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، أنت عبد مربوب لله لديك مهمة وهي البلاغ: إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ [الشورى:48].

وفي هذه الآية أيضًا دلالة على أن اختيار الله -تبارك وتعالى- غالب على اختيار العباد، ولا يمكن لأحد أن يكون له اختيار مع الله -تبارك وتعالى-: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص:68]، فهذا اختيار بعد الخلق كما قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله-[1].

مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:68]، وهذا عام، فالله هو الذي يختار من عباده أهل الإيمان، وهو الذي يختار من أهل الإيمان الرسل والأنبياء الكرام -عليهم الصلاة والسلام-، لو تُرك الاختيار للعباد فقد يختار العبد لنفسه ما يكون وبالاً عليه وضررًا محضًا؛ لأن الله يعلم ونحو لا نعلم، والله -تبارك وتعالى- يقول: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون [البقرة:216]، فالإنسان لا يدري، لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون [آل عمران:128].

وهنا الله -تبارك وتعالى- قدم التوبة عليهم: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ، لأن رحمته سبقت غضبه، وهؤلاء كفار يُقاتلون النبي ﷺ ومع ذلك يقول: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون، إذا استشعرنا مثل هذه المعاني، وتعاملنا مع الأحداث بهذه النفس المطمئنة بالعبودية فعند ذلك يحسُن ظن الإنسان بربه ولا يحصل منه شك وارتياب، أو سوء ظن أو غير ذلك مما قد يقع في قلوب بعض الناس إذا وقع لهم المكروه، وهكذا أيضًا: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ، فإن الله -تبارك وتعالى- قد يُعذب هؤلاء الكفار بما شاء مما لا يكون للمسلمين فيه يد، ينزل بهم عذاب لا يكون لأهل الإيمان فيه تسبب، وهذا كثير، قد يُخسف به الأرض كما وقع لقارون، لم يكن تسبب من أحد، وقد يُمسخ إلى قردة من غير تسبب من أحد، فهذا لا يكون بمبادرة من أهل الإيمان بقتالهم أو غير ذلك.

وقد تُرسل عليهم الريح العقيم، وقد تحصل لهم رجفة أو صيحة أو نحو ذلك، فهذا كله إلى الله، وهو عليم حكيم، وكثير من الأمور قد يفرح بها العدو ويحزن أهل الإيمان لوقوعها، وتكون في المآل خير؛ الإفك وهو قذف أطهر عِرض، الله يقول: لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم [النور:11]، قد يُقال: ليس بِشر وليس بخير، لا، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، هذا كيف يتصور في هذا الإفك ويقول: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، فهؤلاء الذين يفعلون ما يفعلون في أذى أهل الإيمان، أو يقذفون أعراضهم وينهشون فيها هؤلاء ليس لهم في العاقبة وفي النهاية إلا الخسار والكبت والضعة، وانظر عبر التاريخ لمن كانت الرفعة والعلو والظهور والثبات والبقاء لأهل الإيمان.

وانظر في تاريخك المعاصر الذين تُلاك أعراضهم من أهل الإيمان والأخيار خيار الأمة من أهل العلم والدين والدعوة والصلاح يزدادون رفعة، ولكن أصحاب تلك الأقلام المشوهة السوداء هؤلاء لم يكن لهم رفعة، ولم يكن لهم قيمة، وإنما المقت، نسأل الله العافية.

وهكذا أيضًا فقوله -تبارك وتعالى-: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون، فهنا ذُكرت العِلة التي يحصل بسببها العذاب: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون، فالفاء للتعليل ولترتيب ما قبلها على ما بعدها، "فإن" هي للتعليل، وهي هنا في هذا الموضع هذا العذاب أَوْ يُعَذَّبَهُمْ، مرتب على ما بعده وهو وصف الظلم فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون، فدل على أن الظلم بجميع أنواعه سواء الظلم الأكبر الذي هو الشرك أو ظلم الإنسان لنفسه أو ظلم الإنسان للناس أن هذا من أسباب العذاب، الأسباب التي توجب عذاب الله -تبارك وتعالى-: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون، فالظالم يستحق العقوبة، وبهذا يتحرز الإنسان من الظلم بأنواعه.

أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. زاد المعاد في هدي خير العباد (1/40).

مواد ذات صلة