تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 16 / محرّم / 1441 - 15 / سبتمبر 2019
[24] قوله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ..}
تاريخ النشر: ١٩ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 1596
مرات الإستماع: 1932

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[24] قوله تعالى: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ.. 

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نواصل الحديث في هذه الليلة فيما كنا نتحدث عنه من ألوان الهدايات التي تُستخرج من هذه السورة الكريمة، سورة البقرة، وذلك في قول الله - تبارك وتعالى - مُخاطبًا لآدم : قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 33] يا آدم أخبرهم بأسماء هذه المُسميات التي عجزوا عن معرفتها، وذلك إظهارًا لشرف آدم وفضله وحكمة الله - تبارك وتعالى - من خلقه؛ حيث قال الملائكة حينما أخبرهم الله - تبارك وتعالى - أنه جاعل في الأرض خليفة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30].

فأظهر فضل آدم بتعليمه أسماء الأشياء، ثم بعد ذلك حينما سأل الملائكة عنها فعجزوا وجه السؤال إلى آدم أو أمره أن يُنبئهم، فلما أخبرهم بذلك قال الله - تبارك وتعالى - للملائكة: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 33] فالله - تبارك وتعالى - قد علم حال هذا المخلوق الذي جعله خليفة في الأرض، والله - تبارك وتعالى - أفعاله مبناها على الحكمة والعلم التام المُحيط بكل الأشياء، فما يخفى على العبد من ذلك، فينبغي أن يخضع إلى ربه ومولاه، وأن يُسلم له، وإن لم تصل إلى ذلك مداركه، ولم يبلغ ذلك عقله؛ فإن الله - تبارك وتعالى - عليم حكيم.

يؤخذ من هذه الآية: فضل العلم، هذا العلم الذي علمه الله - تبارك وتعالى - آدم، وأظهر به فضله وهو أسماء الأشياء، وعلم آدم أسماء هذه المُسميات، الأسماء كلها، فهذا العلم يشرف به الإنسان، ويكون بذلك مُفضلاً؛ ولهذا فإن الحيوان البهيم، بل أحط الحيوان وهو الكلب حينما يكون مُعلمًا؛ فإنه يحل صيده، كما هو معلوم، وكما ذكر الله - تبارك وتعالى - في سورة المائدة مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: 4] فيجوز أكل ما صادت، ولكنه لا يجوز أكل ما صاده غير المُعلم، فهذا البهيم صار مُفضلاً مشُرفًا يحل أكل ما صاده، وغير المُعلم لا يكون بهذه المثابة، فكيف بالإنسان؟.

ومن هنا فإن العلم هو من الكمالات التي يحصل بها شرف الإنسان ورفعته وعلو مرتبته، وهذه العلوم على تفاوتها وتفاضلها يحصل التفاوت والتفاضل أيضًا في مراتب أهل الإيمان، ولذلك قال الله - تبارك وتعالى -: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11] فيتفاضلون، ويتمايزون بمثل هذه الأمور.

يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11] فيحصل لهم بذلك من الكمالات ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة.

ثم أيضًا هذا الخطاب قال: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: 33] جاء النداء لآدم مع قُربه وسماعه لكلام ربه - تبارك وتعالى - وبعض أهل العلم في مثل هذا المقام يقولون هذا يدل على تشريف آدم وتكريمه والتنويه باسمه، وأن الله - تبارك وتعالى - ناداه وما إلى ذلك، ولكن هذا ليس على سبيل الإطراد؛ فإن مثل هذا يقول فيه آخرون في مواضع أخرى حينما يقول الله مثلاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا [التحريم: 7] يقول: نادى الكفار بهذه الصيغة "يا أيها" لبُعد أفهامهم، وبلادة عقولهم؛ حيث لم يعقلوا عن الله - تبارك وتعالى - .

وهكذا يقول آخرون في مواضع أخرى، لكن لو تأملنا فيما يُقابل هذا أن الله قال: يا إبليس، فهل هذا يكون من قبيل التشريف له؟ ولذلك فإن مثل هذه الدقاق واللطائف التي قد تُذكر غاية ما هنالك أنه قد يكون بعضها من قبيل المُلح، ولكن قد لا يكون ذلك مُسلمًا على كل حال.

وقوله - تبارك وتعالى -: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: 33] هنا وضع المُظهر موضع المُضمر، يعني لم يقل (فلما أنبأهم بأسمائها)، والضمائر في الأصل في لغة العرب يؤتى بها لاختصار الكلام، تختصر، تقول مثلاً: أتاني زيد فأكرمته، لست بحاجة إلى أن تقول أتاني زيد فأكرمت زيدًا، وإذا في الكلام أيضًا ذيول، فتقول: مثلاً أتاني زيد فأكرمت زيدًا، ثم ذهبت مع زيد، وقال لي زيد كذا وكذا، وطلبت من زيد كذا، هذا يطول معه الكلام.

لكن تقول: أتاني زيد فأكرمته، وكلمته، وذهبت معه، وخاطبته، وطلبت منه، بالضمائر، فيُختصر الكلام، هذا هو الغرض، فإذا أُظهر ما يمكن أن يُغني عنه الضمير؛ فإن هذا يكون لمعنى، يكون لنُكتة كما يُقال من ناحية البلاغة، ويكون ذلك من قبيل اللطائف.

هذا الذي يقولون له الإظهار في موضع الإضمار، ويوجد عكسه أيضًا الإضمار في موضع يحسُن فيه الإظهار، فهنا أظهر، قال: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: 33] لم يقل أنبأهم بها، فهذا يُمكن أن يكون لبيان شأن آدم والاهتمام به، أنه أراد أن ينوه به، وأن يُظهر فضله بذكر هذه المزية التي تميز بها، وهي معرفة أسماء هذه المُسميات أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: 33].

وفي قوله - تبارك وتعالى - خطابًا للملائكة: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: 33] هنا لاحظ لم يقل ألم أقل إني أعلم غيب، قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ فهذا فيه زيادة تقرير، انظروا إلى موسى مع الخضر لما قال له أول مرة: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ۝ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: 71 - 72] في المرة الثانية: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف: 74] فماذا قال له في الثانية؟ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: 75] فجاء بهذه الزيادة، تدل على زيادة تقرير، والكلام فيها يكون أقوى من الذي قبله، فهنا يُقرر المُخاطبين وهم الملائكة بما لا يُمكنهم دفعه أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ [البقرة: 33] فتقول للإنسان الذي دار بينك وبينه حوار في أمر لربما لم يتوصل إليه إدراكه وفهمه؛ فإذا استبان تقول: ألم أقل لك كذا وكذا لتُقرره بذلك.

فهذا استفهام تقريري، وهذا أيضًا يؤخذ منه عموم علم الله - تبارك وتعالى - لما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

فعلمه أيضًا يتعلق بالمُشاهد وبالغائب فهو يعلم ما في الصدور ويعلم ما ظهر، وهكذا يزرع ذلك في قلوب أهل الإيمان: مُراقبته وخشيته ومراقبة الخواطر، وما يدور في النفوس، وما قد يوجد في القلوب من التفات إلى غير الله - تبارك وتعالى - فالله يقول للملائكة: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: 33] ومما يدخل في الغيب هذا الذي يُسرونه والذي يكتمونه، يعلمه - تبارك وتعالى - علمًا تامًا مُحيطًا، وإنما ذكر هذا على سبيل الخصوص وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 33] مع أنه من جملة علم الغيب؛ لأن مثل هذا يتعلق بهذه المناسبة، ما وقع في نفوس الملائكة، هذا بالإضافة إلى شدة حاجة الخلق إليه، فحينما يذكر الله - تبارك وتعالى - لنا مثل هذا فهذا مما يستدعي به المُراقبة والخشية، أن يُراقب الإنسان ربه - تبارك وتعالى - فالله يعلم ما يكون في السر وما يكون في العلانية، وثَم فإن العبد لا يُضمر إلا الإيمان، وما يُرضي الله - تبارك وتعالى - ويُطهر قلبه من كل التفات إلى غير الله مما يريد به الرياء أو السمعة، أو يُريد بذلك مقاصد دنية، أو كان في قلبه خوف من غير الله، الخوف الذي لا يصلح إلا لله، وكذلك المحبة والتعلق والرجاء، والتوكل، وما إلى ذلك؛ لأنه يتعامل مع رب يعلم كل شيء.

وهكذا في تعاملات الإنسان، في مُقاضاته، وخصوماته، وما يقوله، وما يفعله، ومزاولات الإنسان المالية، وغيرها فالله يعلم المُفسد من المصلح، فإذا تعامل العبد مع ربه على هذا الأساس استقامت أحواله وأعماله ونياته ومقاصده، وصار على حال من الكمال، ولزوم الاستقامة والصراط المستقيم.

وكذلك أيضًا هنا في قوله - تبارك وتعالى -: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] حينما تبين للملائكة فضل آدم يقول الله - تبارك وتعالى -: وَإِذْ قُلْنَا [البقرة: 34] واذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فهذا سجود تكريم وليس بسجود عبادة، وهذا فيه ما فيه من إظهار فضل آدم وتكريم آدم، والقاعدة أن المِنة والنِعمة اللاحقة للآباء هي واصلة إلى الأبناء، ولذلك فالله - تبارك وتعالى - يُذكرنا بهذا كما ذكر بني إسرائيل وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة: 57] مع أن المن والسلوى نزلت على أجدادهم وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: 50] مع أن هذا حصل لأجدادهم، لكن القاعدة أن المِنة والنِعمة الواصلة إلى الآباء حاصلة للأبناء، وأما المذمة التي تلحق الآباء فإنها تلحق الأبناء إذا كانوا على طريقتهم، ولهذا يُضيف الله - تبارك وتعالى - إلى بني إسرائيل كثيرًا من القبائح التي فعلها أجدادهم وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55] وما شابه ذلك؛ لأنهم على طريقهم يسيرون، فهذا فيه إظهار لفضل آدم وفيه ما فيه من إبراز منزلة هذا المخلوق التكريم الذي حصل له فهذا تكريم لذريته وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70] فهذا مخلوق مُكرم، ولذلك نهى النبي ﷺ عن تقبيح الوجه وعن الضرب على الوجه ونحو ذلك، وهكذا خلق الله هذا الإنسان لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4] فهذا يشمل صورته الباطنة على الفطرة، وكذلك أيضًا يشمل صورته الظاهرة فجعل رأسه إلى أعلى ويأكل بيده، وليس كالحيوانات رأسها ووجها إلى الأرض وتأكل بأفوهها، وإنما جعله في حال من التكريم والهيئة التي لا تُشابهها حالة غيره من هذه البهائم والمخلوقات التي لم يكن لها هذا التكريم.

فمُقتضى هذا التكريم أن يترفع الإنسان عما لا يليق بمرتبة الإنسانية، وذلك بأن يكون كامل المروءة؛ فإن حقيقة المروءة، ولزوم المروءة هو أن يكون الإنسان مُكملاً لإنسانيته، هذا على سبيل الاختصار والإيجاز مما يوضح مقصود المروءة، كمال الإنسانية.

فما هو كمال الإنسانية بالنسبة للرجل؟ وما هو كمال الإنسانية بالنسبة للمرأة؟ فالرجل الذي يتشبه بالمرأة، يتشبه بالنساء قد نقص من كماله ومروءته، والمرأة التي تتشبه بالرجل يكون ذلك نقصًا فيها، المرأة التي تتزيا بزي الرجال وتتكلم بطريقة الرجال، يكون فعلها قبيحًا مذمومًا تنفر عنها الطباع السليمة والفِطر القويمة، الرجل الذي يتأنث، ويظهر بلباس النساء، ومظاهر النساء، ويتكلم كما يتحدث النساء هذا شيء تجفوه الطِباع القويمة والفِطر الصحيحة.

كذلك أيضًا حينما يتشبه الإنسان بالحيوان، أو يتشبه بالشياطين، ويُحاكي هذه البهائم والعجماوات، فمثل هذا لا يليق؛ ولهذا قال النبي ﷺ: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء[1] وأخذ من ذلك عامة أهل العلم أنه لا يجوز التشبه بالحيوانات، وأنه لا يجوز الرجوع في الهبة؛ لأن ذلك يكون تشبهًا بالكلب في أسوء حالاته حينما يرجع إلى قيئه - أعزكم الله - فيلعق ذلك القيء، فهذا لا يليق ليس لنا مثل السوء ولهذا نُهينا عن التشبه بالحيوانات في الصلاة بروك الجمل، وكذلك أيضًا ما نهى النبي ﷺ عنه من ألوان التشبه.

وكذلك التشبه بالشياطين، الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويأخذ بشماله، ويُعطي بشماله، وما أشبه ذلك.

كذلك أيضًا نُهينا عن ألوان من الجلوس ونحو ذلك الذي قد نتشبه فيه بالحيوانات، أو الشياطين أو نحو هذا، فلا يجوز محاكاتهم لا في الهزل، ولا في الجِد، ولا يجوز ذلك في عبادة، ولا في خارج العبادة؛ لأن هذا خلاف هذا التكريم.

ومما يُخالف هذا التكريم: الوقوع في المُخالفات الشرعية بأنواعها، الخروج عن ما رسمه الله - تبارك وتعالى - ؛ فإن ذلك يُعد انحدارًا وانحطاطًا وسفولاً، فالهاوية حينما يترك الإنسان عبادة الله ويقع في الشرك، يكون قد هوى وتردى، ومُسخت فطرته؛ ولذلك فإن ربنا - تبارك وتعالى - كما سمعنا في هذه السورة الكريم، في هذه الأقسام التي تبلغ أحد عشر قسمًا وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ۝ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ۝ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: 1 - 5] يعني: وبانيها، أو وبناء السماء على قولين في معنى الآية وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: 6] يعني: وطاحيها أو وطحو الأرض على قولين فيها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: 7] يعني: ومسويها، أو وتسويتها فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 8 - 10] تقول: دسه أخفاه، أم يدسه في التراب فالدس والتدسية هبوط وسفول وانحطاط، ونزول، فالإنسان حينما يهوي بنفسه من العليا إلى الشرك بالله والوحل والمعاصي والذنوب والمُدنسات، يكون قد دسى نفسه، ولذلك يقولون: بأن الكِرام من العرب ينزلون العوالي؛ ليراهم الضيفان فيأتي إليهم كل أحد، وأما اللئام فيسكون المهابط والوديان لئلا يراهم أحد، من أجل أن لا ينزل بهم قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9 - 10] خاب يعني خسر، فهذه هي التدسية، فالخروج عن طاعة الله هو: تدسية، ذُل، مهانة، انحطاط، سفول، فهذا خلاف التكريم.

ولهذا حينما ينهانا الله - تبارك وتعالى - بعد ما ذكر قصة إبليس وآدم في أول سورة الأعراف يُخاطب بعدة مُخاطبات، كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على سورة الأعراف يَا بَنِي آدَمَ كل ذلك من أجل أن يُذكرهم بما فعل لأبيهم آدم وأنه طرد إبليس من أجله لما امتنع من السجود لآدم فكيف تُطيعونه؟ كيف تتخذونه وليًا من دون الله - تبارك وتعالى - وقد أخرج الله إبليس من رحمته وطرده وأبعده بسبب أنه أبى السجود لآدم ؟

يقول: طردته من أجل امتناعه من السجود لأبيكم، فكيف تتركون طاعتي وعبادتي، ثم تُطيعون هذا العدو الحاسد الحاقد الذي يتوعد آدم وذريته، كيف تتخذون هذا وليًا وتُطيعونه؟

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1.  أخرجه البخاري، كتاب الحيل، باب في الهبة والشفعة، رقم: (6975). 

مواد ذات صلة