الأربعاء 10 / محرّم / 1446 - 17 / يوليو 2024
[60] قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ..}
تاريخ النشر: ١٣ / ذو القعدة / ١٤٣٦
التحميل: 1355
مرات الإستماع: 1527

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته

نواصل الحديث في هذه المجالس التي تُذكر فيها ألوان الهدايات من كتاب الله -تبارك وتعالى؛ ليكون ذلك سبيلاً إلى تدبره وتفهمه، فأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن يتلو كتابه حق تلاوته.

يقول الله -تبارك وتعالى- فيما ذكر من خبر بني إسرائيل في هذه السورة الكريمة (سورة البقرة): وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [سورة البقرة:87] أي: ولقد أعطينا موسى الكتاب وهو التوراة، وأتبعناه برسل من بني إسرائيل، وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات، وقويناه بجبريل أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله -تبارك وتعالى- لا يتفق مع أهوائكم استعليتم عليه، فكذبتم فريقًا، وتقتلون فريقًا، فهذا هو المعنى العام لهذه الآية الكريمة.

وتأمّل قوله -تبارك وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فهذه اللام للقسم، فهي موطئة له، فالله -تبارك وتعالى- أكد ذلك بالقسم، كأن التقدير: والله لقد آتينا موسى الكتاب، وقفينا من بعده بالرسل، فتصدير هذه الآية بهذا القسم يدل على كمال الاعتناء بموسى وبما ذكر في خبره في هذه الآية من إيتائه الكتاب، وإرساله، وإتباعه بالرسل -عليهم الصلاة والسلام.

ويُؤخذ من قوله -تبارك وتعالى: وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أن مَن بعد موسى من الرسل الذين أرسلوا في بني إسرائيل جميعًا إلى عيسى كل هؤلاء كانوا تبعًا لموسى وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ.

ثم قال: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وهو من أنبياء بني إسرائيل، وجاء مكملاً لشريعة موسى ولم يأتِ ناسخًا، وإنما جاء بنسخ بعض الأحكام الثقال، والآصار، والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، ولكنهم كانوا متعبدين بالتوراة، والعمل بها، فكبير أنبياء بني إسرائيل هو موسى ولكن لشدة العداوة بين اليهود والنصارى ترك النصارى العمل بالتوراة التي فيها الشريعة، فصاروا بلا شريعة ولا قانون، فاخترعوا كتابًا من عند أنفسهم سموه بالأمانة الكبرى، ووضعوا فيه قوانين وضعية، يتحاكمون إليها.

وهكذا كل من ترك الحق الذي جاءه والذي هو بصدده ابتلي بالاشتغال بضده، تركوا الوحي المنزل، وأحكام الله -تبارك وتعالى- التي في التوراة، ثم بعد ذلك صاروا إلى زبالات الأذهان، يتحاكمون إليها، كما قال الله عن اليهود حينما تركوا كتابهم: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ۝ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة:101، 102] فهكذا كل من ترك الحق، فإنه يعاقب ويبتلى بالاشتغال بضده، ومن لم ينفق ماله في مرضاة الله وطاعته، أنفقه في مساخطه، ومن لم يشتغل بسماع القرآن وتلاوته، اشتغل بما يورث الغفلة من الغناء والطرب والمعازف، وما أشبه ذلك أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [سورة البقرة:61]

ثم يُؤخذ أيضًا من قوله -تبارك وتعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُس فعيسى هو الوحيد من الأنبياء في القرآن الذي يذكر منسوبًا، وسائر الرسل -عليهم الصلاة والسلام- والأنبياء يذكرون بأسمائهم: موسى، وهكذا في ذكر نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، إلى محمد ﷺ فلا يقال في القرآن: محمد بن عبد الله، وإنما يذكرون بأسمائهم مفردة، إلا عيسى لا يكاد يذكر إلا منسوبًا لأمه: عيسى ابن مريم، فهذا يُؤخذ منه:

أولاً: التذكير بالمعجزة؛ لأن وجد من غير أب، فهذه آية خارقة للعادة، خارجة عن المعهود: أن يوجد مولود من غير أب، بنفخ الملك، فهذا تذكير بالمعجزة، وتذكير متجدد.

وفيه أيضًا: تشريف لأمه، حيث ذكرت في أشرف كتاب، في القرآن، وقد رماها اليهود بما هي منزهة عنه، فجاء ذكرها في القرآن تشريفًا لها، وهي المرأة الوحيدة التي ذكرت في القرآن، والباقي لا تذكر باسمها اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ [سورة التحريم:11] امْرَأَةُ عِمْرَانَ [سورة آل عمران:35] وهكذا، فهذا تشريف لها، والجزاء من جنس العمل، واليهود رموها بأقبح الأوصاف، واتهموها بأبشع الفرى، فكان عاقبة ذلك أن نزهها الله، وبرأها وشرفها، فذكرها في أشرف كتاب، فلا يُذكر عيسى إلا منسوبًا إليها، فيقال: عيسى ابن مريم.

وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ الآيات الواضحة وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُس وهو جبريل فهو روح يحصل بمجيئه، وبما أرسله الله به حياة الأرواح، فهو موكل بالوحي، والقُدُس يدل على معنى الطهر، أيد الله به عيسى فيُؤخذ من ذلك: أن من وظائف الملائكة التأييد للرسل، ولأهل الإيمان، كما قال الله في خبر بدر في سورة الأنفال: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [سورة الأنفال:12] فالوحي إلى الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- على نوعين:

الأول: تبليغي، حينما يرسلهم الله بالرسالات إلى الأنبياء يبلغونهم الوحي، كما كان جبريل يأتي بالقرآن إلى النبي ﷺ ويأتي أيضًا بالوحي من غير القرآن، فالسنة وحي، وقد قال ﷺ: إن روح القدس نفث في روعي يعني: في قلبي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب[1] فهذا النوع الأول من الوحي، وهو تبليغي.

الثاني: وهو الوحي التكليفي فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [سورة الأنفال:12] فهذه تكاليف كلفهم الله بها.

وهنا أيد الله -تبارك وتعالى- عيسى بروح القدس (جبريل) ونزول الملَك بحد ذاته إلى النبي، وهذا ذُكر في جملة الحِكَم من نزول القرآن منجمًا على النبي ﷺ أنه في كل نزول يتجدد له تثبيت، يعني إذا كان الإنسان يلقى من يحصل الانشراح والثبات بلقياه من الناس من أهل الصلاح أو العلم، كما قال ابن القيم -رحمه الله- عن شيخه شيخ الإسلام، يقول: "تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"[2].

فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية فكيف بمجيء الملك؟ فإن هذا يحصل به من قوة الفؤاد والثبات الذي يتجدد مع ما يتجدد من كيد الأعداء ومكرهم، فيتحقق بذلك الثبات؛ ولذلك فإن لقاء أهل الإيمان، وحضور مجالسهم التي تذكر بالله من شأنه أن يكون سببًا للتثبيت والتماسك في وقت كثرت فيه الفتن والشرور، وأحاطت بالناس إحاطة السوار بالمعصم، فيحتاج العبد إلى تثبيت، ولو بقي مع نفسه ربما تسلط عليه الشيطان، وألقى في قلبه من الأوهام والخواطر السيئة، فإذا قُدر له مثل تلك المجالس، فإن ذلك من شأنه أن يكون سببًا للثبات؛ ولهذا ينبغي للمؤمن دائمًا أن يبحث عمن يجد قلبه عندهم، فيجدد إيمانه، ويثبت فؤاده بذلك في جملة أمور أخرى تكون سببًا للثبات، لكن هذا واحد منها، ذُكر بهذه المناسبة، وهو من وظائف هؤلاء الملائكة الكرام -عليهم السلام.

وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله: بأن التأييد بروح القدس لمن ينصر الرسل عام، في كل من نصرهم على من خالفهم من المشركين، وأهل الكتاب[3].

والله -تبارك وتعالى- ينزل على عباده من الألطاف ما لا يقادر قدره، لا يتركهم ولا يسلمهم لعدوهم بحال من الأحوال، فيوسف قبل نبوته أخذه أخوته وهو صغير لا يدري أين يُذهب به؟ يظن أنه ذهب ليرتع ويلعب، وقد ذهبوا به إلى البئر، ثم يباع، وهو الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، بثمن بخس دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [سورة يوسف:20] على القولين، سواء كان هذا يُراد به إخوة يوسف: أنهم باعوه بثمن بخس، أو أن أولئك الذين تقدموا القافلة والقوم ممن جاءوا إلى البئر باعوه بثمن بخس وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ فقدر الإنسان ليس بمعايير مادية، أو باحتقار من يحتقره، أو من يحسده، وإنما قدره عند ربه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [سورة يوسف:20] وما ضره هذا.

فالقدر الحقيقي -أيها الأحبة- ليس بالألقاب والمراتب والوظائف أو الأموال والحسابات والأرصدة أو الصور والأشكال، فقد قال الله عن المنافقين: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [سورة المنافقون:4] قلوب خاوية، يملؤها الرعب والهلع والخوف، فلاحظ مع تلك الأشكال النضرة، والأقوال التي تقع في الأسماع موقعًا، ولكن من قلوب فارغة خاوية من الخير، مملوءة بالشر والنفاق والكفر بالله .

فالمقصود: أنهم لما ذهبوا بيوسف إلى البئر قال الله: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [سورة يوسف:15] هذا وهو صغير وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ فيحتمل أن هذا من قبيل الإلهام، أو الإلقاء في الروع، عند من فرق بين الإلهام والإلقاء في الروع، حيث قال بعضهم: إن الإلهام ما يلقيه الله في القلب مباشرة، وهو نوع من الوحي، والإلقاء في الروع: ما يلقى في القلب بواسطة الملك إن روح القدُس نفث في روعي، لاحظ: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ وهو لم يرسل بعد صغير، فما تركه الله وإنما ثبته، يقول: اطمئن سيأتي اليوم الذي تُذكِّر إخوانكم هؤلاء بفعلتهم، وهم لا يشعرون بك وأنك يوسف، وهذا حصل بعد دورة طويلة، بعضهم أوصلها إلى أربعين سنة من الإلقاء في البئر إلى أن تعرفوا عليه، بصرف النظر عن المدة، لكن لا شك أنها طويلة.

ثم بعد ذلك هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ [سورة يوسف:89] إلى أن قالوا له بعد ذلك مستوضحين مستغربين متعجبين متسائلين مستفهمين عن كونه يوسف قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي [سورة يوسف:90] فحصل ما قاله الله وما أوحى إليه.

فهذه الأمور يحصل من تثبيت الله لعباده ما لا يقادر قدره إذا صدقوا معه، ولزموا الصراط المستقيم، فهذا ما يتعلق بهذه الجملة من الآية.

وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب أحزاننا، وجلاء همومنا، اللهم ذكِّرنا منه ما نُسِّينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل، وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.

اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1.  الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:48). 
  2.  الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (2/ 184). 
  3.  سبق تخريجه. 

مواد ذات صلة