تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 16 / محرّم / 1441 - 15 / سبتمبر 2019
[96] قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ..}
تاريخ النشر: ١٣ / محرّم / ١٤٣٧
التحميل: 1217
مرات الإستماع: 2374

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

 [96] قوله تعالى: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ..

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نواصل الحديث - أيها الأحبة - فيما يُستخرج من الهدايات، مما ذكره الله - تبارك وتعالى - في هذه السورة الكريمة (سورة البقرة) في دعاء إبراهيم مع ولده إسماعيل عند بناء الكعبة المشرفة.

بعد أن سألا ربهما القبول رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] قالا بعد ذلك: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 128].

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] في كل الأحوال مع الثبات، ومع كل خطاب وتوجيه وأمر ونهي أن يكون العبد على حال من الاستسلام لربه ومالكه  وتقدست أسماءه وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128] واجعل من ذريتنا أمة منقادة مستسلمة لك بالإيمان، والعمل الصالح وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة: 128] بصرنا بمعالم دينك الذي شرعته لنا، وبمعالم عبادتنا لك وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 128] تجاوز عنا، واقبل توبتنا، ووفقنا للتوبة قبل ذلك إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 128] كثير التوبة على العباد، وكثير القبول لتوبة التائبين، وإنابة المُنيبين، وكثير التوفيق إلى التوبة، فكل هذا من معاني كونه التواب، فهو يوفق إلى التوبة، وهو الذي يقبلها عن عباده، فيتوب عليهم.

ويُؤخذ من قوله - تبارك وتعالى -: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] فهناك قال: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا وهنا: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ تكرار اسم الرب (ربنا) في هذا الدعاء، فهذا فيه مزيد من الضراعة لله  والخضوع له، وقد ذكرت من قبل في بعض المُناسبات: أن عامة دعاء الأنبياء - كما قال الشاطبي - رحمه الله - وغيره -[1]: كان بهذا الاسم الكريم (ربنا)؛ لأن من معاني الرب: القبول والعطاء والمنع والرزق والهداية، فكل هذه معاني الربوبية، ومن معاني الربوبية: التربية والتربيب والإصلاح، فهو المُصلح لأحوال خلقه وشؤونهم، فلا قِوام لهم، ولا صلاح، ولا فلاح، ولا نجح إلا بعونه وتوفيقه ومدده وألطافه النازلة المُتتابعة على عباده.

والتكرار أيضًا فيه معنى زائد، وفائدة مُضافة، وهي أن هذا الدعاء مُستقل عن الذي قبله رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا [البقرة: 128] فكل دعوة من هذه الدعوات مقصودة بالذات.

وتأمّل قوله: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] مسلمين لك، فهذا يُفيد الحصر، لك دون ما سواك، فاللام هذه تُفيد الاختصاص، وفيها معنى الحصر، وأن يكون الإسلام لله بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة: 112] فهذا هو التوحيد والإخلاص، فإبراهيم هو إمام الحُنفاء إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: 131] وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ وصى بها بنيه يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132] فهذا من كمال توحيده وهذا يدل على أن قضية التوحيد هي أهم المُهمات، فهذا كبير الحنفاء، وإمام الحنفاء، والذي أمر الله نبيه ﷺ وهو أفضل الأنبياء على الإطلاق أن يقتدي به، وأن يتبع ملة إبراهيم حنيفًا ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل: 123] فهذا النبي العظيم يقول: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] لا لغيرك، وهكذا ينبغي أن يكون أتباع هؤلاء الرسل الكِرام العِظام - عليهم الصلاة والسلام - أن يُسلم الإنسان وجهه لربه وخالقه وفاطره، دون التفات إلى أحد سواه، لا توجه وجهك، ولا يلتفت قلبك إلى مخلوق، فإنه لا يملك لك نفعًا ولا دفعًا ولا ضرًا، فالذي يملك النفع والضر هو الله، والذي له الغِنى الكامل المُطلق هو الله، والذي بيده مقاليد السماوات والأرض هو الله، فوجه وجهتك إليه سبحانه، ولا تلتفت إلى المخلوقين فهم فقراء مثلك، ليس بيدهم شيء لا دفع ولا نفع، ولا رفع، وإذا كانوا كذلك فما حاجة العبد للخلق، حينما يُعلق قلبه بهم، فيكون العبد بهذا مُستسلمًا لله في أوامره الدينية، وهي الأحكام الشرعية: الحلال والحرام، إذا أمره ربه أو نهاه استسلم وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] هذا لا يكون لأهل الإيمان إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور: 51] فلا يوجد غير هذا، فهذا هو حقيقة الإسلام والإيمان الكامل، وكذلك الاستسلام لأحكامه الكونية القدرية، وما يُجريه الله في هذا الكون، فإذا وقع المكروه والمُصيبة، ونحو ذلك فلا اعتراض، فكلمة (لماذا يا رب) فهذه غير واردة في قواميس أهل الإيمان والإسلام الصحيح، وإنما يقول: حمدًا لك يا رب، فالله - تبارك وتعالى - لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له.

ويُؤخذ أيضًا من هذه الآية: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] شدة الافتقار إلى الله - تبارك وتعالى - بتكرار هذا الاسم الكريم (ربنا) لشدة الحاجة إلى ألطافه، وإلى الربوبية الخاصة، فأضاف (الرب) إلى ضمير المُتكلم (ربنا) فهذه ربوبية خاصة لأهل الإيمان، فهم بحاجة إلى مقتضياتها من الرعاية والحفظ والكلاءة والهداية والتوفيق، فكل هذا يكون لأهل العبودية الخاصة، وإلا فإنه إذا تخلى عن ذلك، فلا تسأل عن هلكته وضياعه وذهاب مصالحه، فيبقى في حال من التشتت والتشرذم، ويُحرم التوفيق، ولا تكون عاقبته إلى الفلاح بحال من الأحوال.

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] هما مسلمان، ولكن انظروا إلى فقر الأنبياء، وشدة الافتقار إلى الله  كثير من أهل العلم في هذا الموضع يقولون: المعنى: ثبتنا على الإسلام، وقد تكلمنا على قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6] وقول من قال: ثبتنا على الصراط المستقيم، وقلنا: المعنى أوسع من هذا، فكذلك هنا: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ فالله - تبارك وتعالى - له في كل حال عبودية، فكل حال من أحوال العبد تتصل بها عبودية في هذا المقام في السراء والضراء، فإذا تجددت النِعم، أو وقعت المكاره، أو دخل وقت العبادة، أو نحو ذلك، فهذه عبوديات يحتاج العبد إلى استسلام مع كل لون منها، فيكون مُنقادًا مُستجيبًا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ مع الثبات، فإن هذا الإسلام لا يدوم للعبد إلا بتوفيق الله وتثبيته، مَن الذي يأمن على نفسه؟ فو الله إن أحدكم - أو: الرجل - يعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب يعني: القدر فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها[2] وإنما الأعمال بالخواتيم[3] ومن الذي يضمن خاتمته؟!

فيحتاج العبد أن يسأل ربه التوفيق والثبات على الهدى، فالقلوب بين أُصبعين من أصابع الرحمن يُقلبها كيف يشاء، ولهذا كان النبي ﷺ وهو من هو؟! أهدى الأمة، وأكملها إيمانًا، يقول في سجوده: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك[4] ولهذا جاء في الأثر: لقلب ابن آدم أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا[5] وجاء في بعض الآثار عن بعض السلف: "بأن القلب كالريشة في مهب الريح، تكفأها يمنة ويسرة" فالإنسان لا يملك قلبه؛ ولهذا قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24] فالحياة في الاستجابة، وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24] يحول بينه وبين قلبه، فيريد أن يتوب، ولكن لا يستطيع، ويريد أن يؤمن ولا يستطيع، فإذا طرقت الهداية باب قلبه من أول مرة فينبغي عليه أن يُبادر؛ لئلا يُحرم ويُمنع، ويُحال بينه وبين هدى الله - تبارك وتعالى - .

ويُؤخذ من هذه الآية أيضًا: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا [البقرة: 128] الدعاء للذرية بالصلاح والهدى، فإن إبراهيم في دعاءه كما مضى، حينما قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة: 124] وهنا: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وأيضًا الذرية وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128] فالدعاء للأولاد من الذكور والإناث هذا مطلب، فصلاح هؤلاء الأولاد يعود عليك بالنفع في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالبِر، وهي جنة في هذه الدنيا إذا كان الولد صالحًا بارًا مُسارعًا في بر أبويه، وإذا شقي هذا الولد، وكان مُتمردًا على أبويه، أو شاردًا عن ربه - تبارك وتعالى - فلا شك أن هذا أعظم الألم والحسرة في نفوس الأبوين، يغذوانه ويُعلقان الآمال عليه بعد الله  ويرقُبانه، وكما قيل: يذرعانه ويشبُرانه منذ صِغره، متى ينبت ويكتمل ويكبُر؟ فإذا خابت آمالهما إن كان غير صالح، الخسارة في الأموال سهلة، لكن هذا الولد الذي يُجمع المال من أجله، وتوفر الأوقات والجهود من أجله، ثم بعد ذلك تكون النتيجة شرود وإعراض وعقوق وانحراف فهذا من أصعب الأشياء، قبل سنة توفي شاب في حادث دراجة نارية، فأُخبرت من قِبل هؤلاء الذين وقع معهم الحادث بعد أن تأخر مجيئهم، كانوا يبحثون عن بيته وأهله وأبيه، توفي في الحال، فلما دلوا على بيت أهله خرج أبوه مُغضبًا، فقالوا: هذا ولدك قد وقع له حادث، ونريد أن تأتي معنا، فقال: ليس لي ولد، وغضب، وأبى أن يذهب، وكانوا يحاولون عبثًا إقناعه أن يأتي، فكان يرفض كل الرفض، ويقول: ليس لي ولد، ويظهر على هيئة الولد وحاله أنه لم يكن في حالٍ مرضية، ويبدو أن هذا الأب قد عانى الأمرين منه، فهذه لحظة تتكسر فيها الحجارة الصخور وتلين، وهي لحظة موت ومُفاجئ وحادث، فلحظات مؤلمة حينما يأتي خبر مصرع هذا الولد على غير توقع وانتظار أو ميعاد، ويكون الرد بهذه القسوة! هذا يدل على أن هذا الأب قد لقي ما لقي من العنت مما أخرجه عن طبيعة الآباء، وصار قلبه بحال من الشدة والقسوة على هذا الولد.

فإذا دعا الإنسان بالأولاد فلا يقول: يا رب ارزقني ذرية، وإنما هب لي من لدنك ذرية طيبة، فليست القضية بأن يُرزق الأولاد، وإنما ذرية طيبة، وهكذا في الدعاء الوارد في القرآن، وفي الآية التي سمعتم: هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان: 74] وليس بشجن في حلوق الآباء والأمهات، هذه قضية لا يشعر بها الأولاد إلا إذا جربوا ورأوا ولقوا ما يلقون.

ويُؤخذ من هذه الآية من قوله: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة: 128] أن الأصل في العبادات أنها توقيفية، بمعنى: أنها موقوفة على نقل الشارع، يعني: لا يبتدع أحد من عنده عبادات ويخترع ويستحسن، لا، وإنما الأصل في العبادات المنع من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد[6] فلا يبتكر الإنسان برأيه، ويستحسن بنظره عبادات يتقرب إلى الله بها، والله لم يشرعها فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا [الكهف: 110] فالعمل الصالح هو الصواب، الموافق للشرع وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] أن يكون خالصًا، فهذه شروط قبول العمل: الإخلاص لله  والمُتابعة للنبي ﷺ وأن يكون صاحبه على التوحيد والإيمان، فهذه ثلاثة شروط، فهنا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة: 128] من أجل أن يُتعبد لله بما شرع.

وهكذا أيضًا: وَتُبْ عَلَيْنَا [البقرة: 128] فالعبد لا بد أن يعتريه شيء من التقصير والضعف والفتور، ولا بد أن يقع شيء من الخلل في عمله، وربما الغفلة والإساءة، فيحتاج دائمًا إلى التوبة وَتُبْ عَلَيْنَا وفقنا للتوبة، واقبلها منا، فإنه لا يتوب إلا من وفق، ومن الناس من لا يرفع بذلك رأسًا.

وكذلك أيضًا إذا كان هؤلاء الكبار إمام الحنفاء ويقول هذا الكلام في مقام عظيم، وهو بناء الكعبة، فيسأل ربه أن يتوب عليه، فهذا يدل على أهمية التوبة، وأنه لا يستغني عنها أحد، وأن العبد بحاجة إلى ذلك حتى حينما يعمل الأعمال الصالحة، يتوب مما قد يقع فيها من تقصير وخلل؛ ولهذا نستغفر بعد الصلاة ثلاثًا، فنسأله المغفرة، ويستغفر في الأسحار بعد قيام الليل لمن يقوم الليل، وكذلك بعد الحج، وأداء المناسك، فهذه عبادات عظيمة يُستغفر بعدها، فالتوبة لا يستغني عنها، في أحد بعد إبراهيم وإسماعيل ومقام مثل هذا، ويقول: أنا لا أحتاج إلى التوبة! إذا كان هذا في بناء الكعبة، فماذا يقول فيمن هو دون ذلك؟ وماذا يقول الغافل والعاصي؟ ومن الناس من إذا قيل له: هداك الله غضب، ومنهم من إذا قيل له: تب إلى الله، قال: أتوب من ماذا؟ هو يرى أنه كامل العبودية، وأنه لا يقع منه خلل ولا تقصير في عبادته وعمله ويقظته ونومه وأحواله كلها، ولا يقول هذا إلا من كان جاهلاً بربه وبنفسه وبصراط الله المستقيم الذي رسمه الله لعباده، وجاهلاً أيضًا بسير هؤلاء الأئمة والقدوات العِظام - عليهم الصلاة والسلام - فهذه التوبة تارة تكون من الكفر والشرك، وتارة تكون من الكبائر، وتارة تكون من الصغائر، وتكون من الغفلة والتفريط، واللغو، والفضول، وتارة تكون من الخلل الذي قد يقع والتقصير والفتور عند أداء العبادة، فكل هذا مما تكون التوبة منه، وقد يتوب العبد من ترك المستحبات، ويتوب من فعل المكروهات، ومن فعل المُشتبهات، فالتوبة تارة تكون واجبة، وتارة تكون مستحبة، وتارة تكون محرمة، فيما لو تاب من العمل الصالح أن لا يفعله، نسأل الله العافية، فهذا لا يكون.

هذا وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.  

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  الموافقات (2/164). 
  2.  أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب في القدر برقم: (6594).
  3.  أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب العمل بالخواتيم برقم: (6607). 
  4.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن برقم: (2140). 
  5.  أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم: (226) وصححه الألباني في صحيح الجامع (5147). 
  6.  أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور برقم: (1718). 

مواد ذات صلة