تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 21 / محرّم / 1441 - 20 / سبتمبر 2019
[100] قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ..}
تاريخ النشر: ٢١ / محرّم / ١٤٣٧
التحميل: 1052
مرات الإستماع: 2782

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[100] قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ..

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ما زال الحديث يتصل بهذه الآيات التي تتحدث عن إبراهيم وعن ملته الحنيفية، فالله - تبارك وتعالى - يقول بعد أن ذكر وصية إبراهيم ويعقوب - عليهما السلام - لأبنائهما بلزوم دين الإسلام، والموت عليه قال الله - تعالى -: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].

﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ﴾ أكنتم حاضرين حين جاء الموت يعقوب فجمع بنيه، وسألهم: ما تعبدون من بعد موتي، قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك، وذكروا هؤلاء الآباء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا، ونحن له مسلمون، ومنقادون وخاضعون.

فهذه الآية - أيها الأحبة - يُؤخذ منها أهمية التوحيد والإيمان، وأنه أعظم المطالب، فهذا يعقوب في حال النزع والاحتضار ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ ففي هذه الحالة حينما يتحدث المُحتضر، ويوصي ويجمع بنيه، وقد ترك الدنيا وراء ظهره، وفارق اللذات، وبقي في حال لا يصلح معها إلا الصدق الكامل، فهنا يوصي يعقوب في هذه اللحظات الحاسمة بنيه بهذا الأصل الكبير ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يوصيهم بالتجارة الفلانية، والأموال فثمروها، والزروع فنموها وتعاهدوها، والضروع والدواب والمواشي والإبل فارعوها، إنما يقول لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ رباهم على هذا مدة الحياة، وعند الموت يريد أن يطمئن ليُفارق الدنيا وهو على حال من الاطمئنان، وأن هؤلاء الأبناء قد لزموا هذا الدين والحق، وأنهم لا يفارقونه من بعده، فلا يبدلون ولا يُغيرون، فقضية الإيمان والتوحيد هي الأصل الكبير الذي تُبنى عليه السعادة في الدنيا والآخرة، وكل شيء يذهب، فالأموال تذهب وتجيء، وقد يُخفق الإنسان في دراسة، أو في عمل، وقد يمرض مرضًا عُضالاً، ولكن المُهم أن يسلم له دينه وإيمانه، وكل شيء بعد هذا فهو يسير وسهل، فالحياة قصيرة، ومتاعها قليل، وذهاب ذلك لا شيء، لكن إذا ذهب الدين، وحصل الانتكاسة والانحراف، فهنا يحصل الضياع والبؤس في الدنيا والآخرة.

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ فهذا هو الشغل الشاغل لهؤلاء الأنبياء الكِبار - عليهم الصلاة والسلام - وهذا يدلنا على المهمات التي ينبغي أن نُربي أولادنا عليها، وأن نغرسها في نفوسهم، وأن نتعاهدها حينًا بعد حين إلى أن نُفارق الحياة، وليست القضية أن يتوظف الولد، أو يتخرج، أو أن نُمنيه ونُرجيه بالرُتب والأموال، ثم ماذا إذا كان مُضيعًا لهذا الإيمان والأصل الكبير؟ فلا ينفعه منصبه ولا ماله إذا كان قد ضيع أهم المهمات، وأعظم المطالب.

ثم لاحظوا هذا النفس في الدعوة إلى الله - تبارك وتعالى - فهؤلاء الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والأنبياء قضوا حياتهم في الدعوة إلى الله  قضوا أعمارًا مديدة بلا كلل ولا ملل ولا توقف ولا يأس، فنوح بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، والله أعلم كم بقي بعد الطوفان، مدة طويلة في الدعوة، وهذا يعقوب إلى لحظات الاحتضار، وهو في حال من مُلاحقة هذا الهم، ومُتابعة الدعوة، وتعاهد الأبناء، والغرس الذي غرسه، فالدعوة لا تتوقف، وهي من أفضل وأجل الأعمال التي يعملها الإنسان، وتبقى آثارها بعد موته، فإن الله - تبارك وتعالى - إذا هدى به أحدًا من الناس، فيكون له مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، وأولى من يُقدم له ذلك ويُبذل هم هؤلاء الأولاد؛ ولذلك لا تحقرن من المعروف شيئًا[1] فتعليم الولد الفاتحة يقرأها في كل ركعة يكون لك أجرها ما قُرأت من علم آية من كتاب الله فله أجرها ما تُليت[2] والأم حينما تُعلم صغيرها أو صغيرتها والأب حينما يقضي وقتًا معه في ذلك، وله فيه نية صالحة، فهذا يبقى معه، وهذه الأذكار التي يُرددها كل يوم صباح مساء؛ ليكن لك الظفر بأن تكون أنت المُعلم الأول له فيما يُردده في يومه وليلته، فيأتيك من الأجر والثواب ولا تزهد في هذا، وتكله إلى غيرك، فهذا يعقوب إلى آخر اللحظات وهو يدعو ويُبلغ.

ويُؤخذ من هذه الآية: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ مشروعية الوصية عند حضور الأجل، لكن على أن يكون ذلك في حال يكون فيها المُحتضر يعي ما يقول، يعني: لم يذهب عقله أو يختلط، إن كان عنده ما يوصي به، فيجب عليه أن يكتب وصيته، وإن لم يكن عنده ما يوصي به، فلا يجب عليه ذلك، لكن يمكن أن يوصي أولاده بلزوم الإيمان، وطاعة الرحمن.

وأيضًا لاحظوا ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ إبراهيم من آبائه، وإسحاق من آبائه، أما إسماعيل فهو عمه، فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإسماعيل هو أخ لإسحاق، فإبراهيم له إسماعيل وإسحاق، ويعقوب هو ابن إسحاق، ولكنه عده في جملة آبائه ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ العم ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ فذكره في جملة الآباء، فدل على أن العم يُقال له: أب، فإذا قال الرجل لعمه: يا أبتي؛ وذلك أن عم الرجل صنو أبيه، كما أن الخالة بمنزلة الأم.

وكذلك أيضًا في قولهم في هذا الجواب: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133] ذكروا أسماء هؤلاء الآباء على الترتيب، فإبراهيم هو الجد، وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ثم بعد ذلك إسحاق، وبينهما ثلاثة عشرة سنة، فجاء بهذا الترتيب، وفي القرآن من هذا كثير، ويوجد أيضًا على خلاف ذلك بحسب السياق والغرض البلاغي.

ويلاحظ هنا ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 133]... إلى آخره، فلم يقولوا: نعبد إلهك وإله آبائك؛ لأن من آباء يعقوب من لم يكن على دين الإسلام ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: 74] فآزر هو أبو لإبراهيم وكان يعبد الأصنام، فهنا احترسوا فقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة: 133] فما أطلقوا، وإنما حددوا هؤلاء الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق.

ويُؤخذ أيضًا من هذه الجملة: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133] أنهم عددوا هؤلاء بأسمائهم، يعني: لو أنهم قالوا: نعبد الله لفُهم المراد، ولكن تعداد ذكر هؤلاء الأنبياء بأسمائهم فيه مزيد من التأكيد والإيضاح والبيان، ففي هذا ذكر هؤلاء الآباء الكبار الذين قد بلغوا في الشرف غاية، فيقولون: نحن على سننهم، ونحن بهم مقتدون، وعلى هداهم سائرون، لا نُبدل ولا نُغير، فلنا بهم الأسوة الكاملة، فهذا الإله الذي نعبده، حينما سألتنا ما تعبدون من بعدي، لم يقولوا: نعبد الله، ثم بعد ذلك يحصل لهم تردد، أو نحو ذلك، لا، ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذا أمر لا يتحول ولا يتبدل ولا يتغير، فقد كان عليه هؤلاء الآباء الكرام، وقد تلقوا عنهم هذا التوحيد والإيمان، وورثوه وفهموه وعلموه وتيقنوه، فالقضية لم تكن طارئة بالنسبة إليهم، وإنما هو دين وتوحيد راسخ، وملة ثابتة؛ وذلك ما كان عليه آبائهم من قبل.

ويُؤخذ أيضًا من قوله - تبارك وتعالى -: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] أنه عبّر بالجملة الاسمية التي تدل على الثبات، وهنا عبروا بالفعل ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ والعبادة مُتجددة؛ لكنهم عبروا في ختم الآية بما يدل على الثبوت واللزوم بالجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].

ثم يُلاحظ أيضًا التوكيد هنا في تقديم الجار والمجرور، ولم يقل ونحن مسلمون له، وإنما قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فهذا يفيد الحصر والقصر أنهم يوحدونه - تبارك وتعالى - ولا يعبدون غيره، ولا يلتفتون إلى شيء سواه، فهذا فيه زيادة توكيد تقديم الجار والمجرور ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

هذا ما يتعلق بهذه الآية، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين. 

  1.  أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء برقم: (2626). 
  2.  أخرجه أبو سهل القطان في حديثه عن شيوخه (4/243/2) وانظر السلسلة الصحيحة (3/323). 

مواد ذات صلة