الثلاثاء 04 / صفر / 1442 - 22 / سبتمبر 2020
[179] قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى..} الآية:222
تاريخ النشر: ١٩ / جمادى الأولى / ١٤٣٧
التحميل: 1065
مرات الإستماع: 1314

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الله -تبارك وتعالى- في هذه السورة الكريمة سورة البقرة التي هي أكثر سور القرآن اشتمالاً على الأحكام وهي أطول سورة من حيث عدد الآيات: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222].

يسألك أصحابك المؤمنون عن المحيض، والمقصود بالمحيض هو ذلك الدم الذي هو دم طبيعة يسيل من أرحام النساء في أوقات مخصوصة، دم يفيض من الرحم وهو دم طبيعة، يعني: ليس بدم عارض كدم العِرق الذي هو الاستحاضة ونحو ذلك، قل لهم: هو أذى، أذى هكذا بهذا الإطلاق فهو شيء مُستقذر يضر من يُلابسه فاجتنبوا النساء في المحيض، أي: اجتنبوا جماع النساء في المحيض في مدة الحيض حتى ينقطع الدم، حتى يطهرن، ويطهرن أي: ينقطع الدم، فإذا تطهرن فهذا فيه زيادة في المبنى فيدل على تفعل بفعل منها يصدر عن المرأة، فإذا تطهرن يعني بالاغتسال، فدل ذلك على أن المرأة يحل جماعُها بشرطين، يعني: بعد الحيض:

الشرط الأول: أن ينقطع الدم.

الشرط الثاني: أن تغتسل بعد انقطاعه، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أي: فجامعوهن في الموضع الذي أحله الله ﷺ لكم وهو القُبُل، موضع الولد، إن الله يُحب من عباده المُكثرين من الطهارتين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، يعني: الذين يُكثرون التوبة ويُحب المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار والنجاسات.

يؤخذ من هذه الآية من الهدايات والفوائد أنه ينبغي على الإنسان أن يسأل عما يحتاج إليه من أمور دينه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، والأمر الثاني وهو ألا يمنعه الحياء عن السؤال عما يعنيه، فهنا سؤال عن الحيض وهو شيء يُستحيى منه، بل هو سؤال عن الجماع في الحيض، والمقاربة للنساء في ذلك فلم يمنع الحياء من مثل هذا السؤال كما قالت عائشة -رضي الله عنها- تُثني على نساء الأنصار: "لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين"[1].

كذلك أيضًا يؤخذ من هذه الآية بلاغة القرآن: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، والسؤال عن قربان النساء في حال الحيض وليس عن الحيض نفسه، وإنما عن قربانها هل يقرب المرأة في حال الحيض أو لا؟ ولهذا جاء الجواب: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، فهذا دل عليه الجواب: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [سورة البقرة:222]، فهنا قدم عِلة الحكم عليه، الحكم هو فاعتزلوا النساء في المحيض أنه لا يجوز أن يُعاشر أن يُجامع وهي في حال الحيض، لكن قال: قُلْ هُوَ أَذًى، فقدم العلة من أجل أن تتهيأ النفوس لقبول الحكم إذا كان أذى فهذا يقتضي المُباعدة، وأن لا يُجامعها فإن النفوس لا شك أنها تعلم ذلك ويورثها نفورًا منه لما جُبل عليه الإنسان، وفُطر عليه من مُباعدة الأذى والنفور منه، قُلْ هُوَ أَذًى.

ولهذا جاء الحكم بعده بالفاء: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، هذه الفاء تدل على التعليل والترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهذا الذي يُسميه الأصوليون: دلالة الإيماء والتنبيه، أن يُقرن الحكم بوصف، الحكم: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ، الوصف: أَذًى، لو لم يكن علة هذا الوصف لو لم يكن علة لهذا الحكم لكان ذلك معيبًا يعني لماذا رتب عليه قال: فَاعْتَزِلُوا وقد ذكر الأذى، فدل على أن هذا الحكم الذي هو وجوب اعتزال النساء في حال الحيض لكونه أذى، فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ.

وهذا يدل أيضًا على أن الأحكام الشرعية معللة وهذا لا إشكال فيه، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن من أسماء الله الحكيم، ومن أوصافه الحكمة، وهذا كثير في القرآن يأتي التعليل صريحًا: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [سورة المائدة:32]، وتارة يكون بلام التعليل: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا [سورة المائدة:97]، وتارة يكون بـ"كي": كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [سورة الحشر:7]، وتارة يكون بغير ذلك مما يُفهم منه التعليل، هذا كثير في القرآن، ولو جُمع لوجد منه مجلدات -والله تعالى أعلم.

ثم أيضًا: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، هنا قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، كان بالإمكان أن يُقال: (فاعتزلوهن في المحيض)؛ لأن ذلك يكون معلومًا أن المقصود المرأة فاعتزلوهن، لا، قال: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ؛ لأن ذلك هو موضع الاهتمام والرغبة فالنفوس تتوق إلى النساء فهنا قال: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، وكذلك أظهر المحيض مع أنه ذكره قبل ذلك: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ، فيه، قال: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، وذلك لأنه مناط الحكم، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فمتى وجد الحيض وجب الاعتزال، ومتى ارتفع الحيض حلت المرأة بشرطه وهو أن تغتسل.

كذلك أيضًا: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [سورة البقرة:222]، هذه العبارة قُلْ هُوَ أَذًى، يدخل فيها كل ما يمكن أن يصدق عليه ذلك من الأذى بمعنى النجاسة، ومن الأذى بمعنى الضرر والمرض، والأطباء يذكرون عِللاً تقع للرجل متنوعة، أنواع الأضرار إذا جامع المرأة في حال الحيض، ويذكرون عِللاً متنوعة تقع للمرأة إذا جامعها الرجل في حال حيضها، فهو أذى، أذى هكذا بإطلاق، أذى نجاسة ولا يجوز مُلابسة النجاسات، وهو أذى أيضًا بمعنى ضرر يقع على الطرفين، على الرجل وعلى المرأة إذا عاشرها في حال الحيض فهنا وجب اعتزال النساء في هذه الحال، وهذه قضية لا حاجة لأن يُقال هذا من الإعجاز العلمي في القرآن؛ لأن كلمة أذى هذه تُعبر عن الضرر وتُعبر عن النجاسة، ولذلك تجد عبارات السلف تحوم حول هذين المعنيين، التفاصيل التي يذكرها الأطباء مما ثبت علميًا هذه داخلة فيه، هي تدخل فيه، فمثل هذا مما يذكرونه من التفاصيل لو ذُكر في درس التفسير فإن ذلك لا يكون مُخالفًا لأقوال السلف، ولا يعود عليها بالإبطال إنما هو يكون من باب زيادة المعنى وزيادة التفصيل وزيادة الشرح والتوضيح، فهذا لا إشكال فيه.

وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [سورة البقرة:222]، بمعنى انقطاع الدم، وهنا: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ، بمعنى الجماع، حَتَّى يَطْهُرْنَ، فجعل لذلك غاية فإذا حصل انتفاء أو حصل بلوغ هذه الغاية الطهارة فإن ذلك يقتضي الحِل، "الحكم المُغيا بغاية يكون إلى غايته".

فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [سورة البقرة:222]، لاحظ الأدب في هذه العبارات في كتاب الله ، وهذا كثير، هنا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، يعني: يسألونك عن جماع النساء في حال الحيض فجاء بهذه العبارة: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، يعني: لا تُجامعوهن في حال الحيض، فعبر بالاعتزال: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ، يعني: لا تُجامعوهن، فعبر عن ذلك بالقربان: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ، لم يقل: فجامعوهن، فَأْتُوهُنَّ، فعبر بالإتيان، وهذا كثير في القرآن حينما يذكر الله -تبارك وتعالى- مثل هذه الأمور كما ذُكر في سورة النور، وأيضًا في سورة الأعراف: فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ [سورة الأعراف:189]، يعني: جامعها.

وكذلك أيضًا تجد مثل هذا في سور من كتاب الله وآيات يذكر الله فيها مثل هذه الكِنايات من باب التلطف والتأدب، قصة يوسف قصة كاملة طويلة في سياق طويل ذكر فيها عشق امرأة العزيز ونحو ذلك لكن لا تجد عبارة تُحرك الغرائز، الناس إذا أرادوا أن يوصفوا شيئًا من ذلك أو يتحدث لربما فقيه عن مثل هذه الأحكام لربما بعض الناس تتحرك نفسه.

كذلك أيضًا تجد من الناس من قد يقرأ في بعض كتب الفقه في بعض الأبواب لما يجد فيها من لذة وهو لا يتفقه وليس من أهل الفقه، وليس من ذلك في شيء أصلاً، وقد سُئل بعضهم ما بالك تقرأ في هذه المجلدات؟ فقال: أجد فيها جوانب تتحرك معها النفس، مع أنها كلام فقهاء، لكن حينما يُفصلون بعض التفصيلات بما يتعلق بالمعاشرة ونحو ذلك يجد بعض ضعفاء النفوس بُغيته في ذلك فيجد متعة ولذة وهو يقرأ مثل هذه التفاصيل، في القرآن لا تجد شيئًا يُحرك الغرائز والنفوس أبدًا، تُقرأ هذه في الصلوات ويخشع الناس عند سماعها، ولا يُحرك كوامن النفوس ودواعي الشهوة فيها.

فمهما استطاع المُتحدث من مفسر أو فقيه أو واعظ أو غير ذلك يتحدث بحديث يصل معه المعنى المطلوب من حكم فقهي أو موعظة أو معنى للآية من غير تحريك للغرائز فهذا هو الموافق لطريقة القرآن، ولاسيما الوعظ فإن كثيرًا من الواعظين لربما يتحدث عن تفاصيل وتُحرك النفوس والغرائز وهكذا كثير من الكاتبين بحُسن نية، نحن لا نتحدث عن الروايات المشينة التي تُلهب الغرائز لكن نتحدث عن الوعظ، والكتابات التي يُقصد بها الوعظ مما يُذكر فيه تفاصيل تُحرك النفوس الغافلة، وتوقظ تلك الغرائز الكامنة.

وكذلك أيضًا يؤخذ من هذه الآية: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، بالاغتسال، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [سورة البقرة:222]، فهنا عبر بالإتيان، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، فأتوهن من حيث أمركم الله، الذي أمر الله هو أن يأتيها في موضع الولد، كما قال الله -تبارك وتعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [سورة البقرة:223]، يعني: كيف شئتم لكن في موضع الولد، وهذا هو موضع الحرث الذي يحصل معه البذر وذلك بنبات الجنين في الرحم.

فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، لاحظ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، إن هذه تُفيد التوكيد وتفيد أيضًا التعليل، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، إشارة إلى معنى وهو أن المُلابسات في الحيض إثم تحتاج إلى توبة، وهي دنس يتنزه منه أهل الإيمان يتطهرون، وكذلك أيضًا الإتيان في غير موضع الولد هو معصية كبيرة من الكبائر، وكذلك أيضًا هو دنس وقذر، فإذا كان إتيان المرأة في موضع القذر والأذى العارض وهو الحيض في وقت مخصوص كان ذلك من المُحرم فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، مع أنه أمر عارض فكيف بالموضع المُلازم للنجاسة، والنجاسة فيه مُتمكنة لا تنفك عنه بحال من الأحوال، وليست بعارضة فيه، فهذا فرق كبير، ولذلك كان إتيان المرأة في غير موضع الولد أعظم وأشد من إتيانها في الحيض أو في حال الحيض، والفرق بين النجاستين ظاهر، هذا موضع مُلازم للنجاسة وهذا موضع النجاسة فيه عارضة وكل ذلك مُحرم، لكن هنا هذا الختم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [سورة البقرة:222]، فقال: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [سورة البقرة:222]، هذا يدل فَأْتُوهُنَّ، والتوجيه للرجال أو الخطاب للرجال باعتبار أن الرجل هو المُخاطب بهذا وهو صاحب الشأن، وهو المُبادر وهو الذي يفعل ذلك، ولذلك بعض الرجال لربما يُلحق أهله عنتًا حينما يُطالبها أن تكون هي التي تُبادره بذلك، يعني: بطلب المعاشرة وهذا غير صحيح.

فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [سورة البقرة:222]، فذكر لفظ الجلالة: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ، لم يقل إنه يحب التوابين ويُحب المتطهرين، فأعاد ذكر لفظ الجلالة مُظهرًا لتربية المهابة فهذا مقام ينبغي أن يُراقب الله فيه؛ لأن الناس لا يطلعون عليه ويكون الناس في غمرة الشهوة قد ينسى نفسه وينسى ما قد علم فيحتاج إلى إيمان رادع يمنعه مع شدة توقان النفس إلى المرأة يمنعه من معاشرتها في حال الحيض أو من إتيانها في غير موضع الولد.

وكذلك أيضًا في قوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، إذا كان الله -تبارك وتعالى- يُحب أهل الطهارة الذين يتنزهون من النجاسات الحسية فما بالك بالنجاسات المعنوية من الشرك والكبائر والبدع والمعاصي، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، فهنا في ذكر التوبة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فدل على أن التوبة من أسباب محبة الله ، بل الإكثار من التوبة، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [سورة البقرة:222]، فهنا هذا الإنسان الذي يتوب كثيرًا الله يُحبه؛ إذًا لا ينبغي للإنسان الذي يقع منه الذنب ويتكرر ثم يتوب، ثم يقع منه الذنب ثم يتوب، إذا تاب التوبة الصحيحة بشرطها فالله يُحب التوابين الذين يُكثرون من التوبة، لكن الشيطان يأتيه ويقول له أنت مُتلاعب بالتوبة، أنت مستخف بمقام الله ، فيحرمه من التوبة، ويمنعه ويحول بينه وبينها، وكان المتوقع أن يُقال: أنت تتوب ثم ترجع فعليك أن لا ترجع للذنب وتبقى على توبتك، لكن الشيطان لا يُريد هذا إطلاقًا، الشيطان يريد أن يوصل له رسالة واضحة يقول: المقصود أن لا تتوب، وليس أن لا ترجع إلى الذنب، انظروا إلى إغواء الشيطان، ومع ذلك يُصدقه بعض الناس ويترك التوبة من أجل أنه بزعمه يُعظم ربه -تبارك وتعالى.

وأيضًا هذا التعليل أو هذا الوصف: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، فالذين يتطهرون الطهارة بنوعيها: الطهارة من النجاسات بإزالة النجاسة والتخلي عنها في الرجلين يُعذبان قال: إنهما ليُعذبان وما يُعذبان في كبير، وذكر أن أحدهما كان لا يستتر من بوله أو لا يستنزه من بوله أو لا يستبرأ من بوله[2]، يعني: يُصيبه من البول، فعُذب في قبره، فهذا الذي لا يتنزه من البول أخبر النبي ﷺ أن عامة عذاب القبر منه[3].

فهذه نجاسات حسية، كذلك أيضًا الطهارة من الأحداث إذا أحدث يتوضأ، الحدث الأصغر والحدث الأكبر بالاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة كل ذلك يتطهر منه، فهذه طهارات بالماء، وهناك طهارة معنوية بالتخلي عن أنواع الرجس المعنوي من الشرك والرجس والنفاق والبدع والكبائر والمعاصي، فهذا من التطهر: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وهنا جمع بين الأمرين بين التوبة فهي طهارة معنوية التائب من الذنب كمن لا ذنب له[4]، فهي تجلوه هذه التوبة وتنُقيه وتُطهره.

وكذلك الطهارة الأخرى: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، هذه أيضًا طهارة حسية ومعنوية، فيجمع أنواع الطهارات وبهذا جاءت الشريعة، وهذا من كمالها وشمولها، وعبر عن ذلك بالمحبة التي هي صفة فعلية من صفات الله -تبارك وتعالى، وقارن بين ما جاء في هذه الشريعة من طلب هذه الطهارات ومحبة الله لها وتربية أهل الإيمان عليها وبين أولئك الذين لا يتطهرون من النجاسات، الناس فتنوا بمحبة الكفار لاسيما الغرب والتشبه بهم، وهم لا يتطهرون من النجاسات بأنواعها، هم لا يتطهرون من الحيض، ولا من النفاس، ولا من الجنابة، ولا يتوضؤون لصلاة، ولا يستنجون، ولا يغتسلون إلا غُسل تبرد أو تنظف الله أعلم متى يغتسلون في الأسبوع مرة أو في الشهر مرة، ولكن الواحد لربما يكتفي أنه يمسح يديه بورقة أو نحو ذلك وهذا غاية ما هنالك، فأولئك النجاسات في ثيابهم، وفي أبدانهم، وفي نفوسهم وأرواحهم، فالنجاسات مشتملة عليهم من كل ناحية وهم متلبسون بها من كل وجه، ولكن كثير من الناس لا يرى مثل هذا.

وفي دراسة أُجريت قبل سنوات وكانت النتائج مُذهلة في فرق بين استهلاك المياه في بلاد الغرب في أوروبا ونحوها واستهلاك المياه في الخليج العربي، يعني: بالنسبة للفرد المعين للشخص المعين، هذه دراسة أُجريت موازنًا بناء على الأشخاص كم عدد الأشخاص وإلا هم كُثر، فكانت النتائج مُذهلة أن الاستهلاك هنا لا يُقاس باستهلاك الفرد هناك، يعني: هنا أضعاف مضاعفة، فكان بعض من لا بصر له ولا معرفة عنده يعتقدون أن أولئك لتحضرهم وحُسن استعمالهم لهذه المياه والمرافق العامة وإلى آخره وترك الإسراف والثقافة المجتمعية هناك أن هذا يدل على تحضرهم.

والواقع أنه ليس كذلك، هم ما حاجتهم للماء، لا يتطهرون من أنواع النجاسات أبدًا، ولا يستنجون من أنواع الأحداث فكيف يستعملون الماء، استعمالهم للماء قليل جدًا، والذين فتح الله بصائرهم وعاشروهم وسافروا معهم وركبوا معهم السيارة ونحو ذلك يرون ما لا قِبل لهم به ولا صبر عليه بحال من الأحوال، لكن الناس يرون من بعيد بياضًا ونحو ذلك ويظنون أنه نظافة.

وقد حدثني أحد الأطباء حينما كان طالبًا في كلية الطب، يقول: أستاذ من تلك البلاد أعطاهم ورقة يُجرى فيها اختبار للأشياء الموجودة في اليد مثلاً، التي هي أظن أنواع الجراثيم، فيقول: فعلنا كما أمر ثم نظر فيها لم يجد شيئًا يُذكر فغضب وقال: أنتم لا تُحسنون تطبيق التجربة فأعدنا مرة ثانية فنظر فيها، فقال: أنتم لا تُحسنون التجربة، فعملنا ثالثة ودلكنا لحانا بها يقول: فأعطيناه، فنظر فقال: عجبًا هل أنتم تستعملون المعقمات؟ فقلنا: لا، لكننا نتوضأ خمس مرات تفضل أنت طبق هذه التجربة، يقول: فلما قال بيده هكذا، يقول: ظهرت غابة، هذا هو الفرق.

هذا هو الفرق: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [سورة البقرة:222]، وأشياء أخرى أكثر من هذا، لا أستطيع أن أتفوه بها مما تفعله -أعزكم الله- الكِلاب وليس كل الحيوانات في حال النجاسة والحيض بالنسبة للمرأة، وللأسف قد يوجد بعض من يتشبه بهم يفعل حتى هذا القذر الذي لا تقبله الحيوانات تشبهًا بهم، مُلابسة النجاسة بأقذر ما يكون من الصور نجاسة الحيض ليس بالجماع فقط بل بما هو أبلغ من هذا مما لا يصح ذكره في هذا المقام وأُنزه أسماعكم عنه.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب أحزاننا، وجلاء همومنا، اللهم ذكرنا منه ما نُسينا وعلمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يُرضيك عنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين -والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم، برقم (332)، وعلقه البخاري في صحيح البخاري (1/ 38).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من الكبائر ألا يستتر من بوله، برقم (216)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، برقم (292).
  3. أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب نجاسة البول والأمر بالتنزه منه والحكم في بول ما يؤكل لحمه، برقم (459)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3002).
  4. أخرجه ابن ماجه، أبواب الزهد، باب ذكر التوبة، برقم (4250)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3008).

مواد ذات صلة