الإثنين 22 / ذو القعدة / 1441 - 13 / يوليو 2020
[184] قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ..} الآية:229
تاريخ النشر: ٢٧ / جمادى الأولى / ١٤٣٧
التحميل: 1123
مرات الإستماع: 1393

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

لما ذكر الله -تبارك وتعالى- وبين ما على المطلقات من التربص ثلاثة قروء، وما للأزواج من الأحقية في الرجعة إذا أرادوا الإصلاح، بين بعد ذلك أحكامًا أخرى للطلاق من حيث العدد، وكذلك أيضًا الخُلع، فالطلاق يكون من قِبل الرجل فهو الذي يملكه، ولكن إذا لم يكن بالرجل رغبة في الطلاق، وهو يرغب في المرأة، ولكنها لا تُريد البقاء معه فلها مخرج، وذلك بأن تطلب الخُلع.

والخُلع المقصود به الطلاق بعِوض، الطلاق بمقابل، ومن هنا قال الله -تبارك وتعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة البقرة:229].

الطلاق مرتان، بمعنى الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان، يملك به الزوج المراجعة، فهو في مرتين، في عدتين واحدة بعد الأخرى، كما قال الله -تبارك وتعالى: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [سورة الطلاق:1]، يعني: العدة التي أمر الله أن تُطلق النساء لها، وذلك أن تُطلق وهي حامل، أو في طُهر لم يُجامعها فيه، ولم يُسبق بطلاق في حيض، وأن يكون طلاقًا طلقة واحدة، فتبقى بهذه العدة بهذه الطلقة، فإما أن يُراجع، وإما أن تكون المفارقة بالمعروف والإحسان، فلا يجمع الطلاق لا بلفظ واحد، ولا يجمع الطلاق في عدة واحدة.

بلفظ واحد كأن يقول: أنتِ طالق ثلاثًا، أو أن يقول: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، أو أن يُطلق اليوم ثم يُطلق غدًا ثم يُطلق بعد غد، أو يُطلق في الطُهر الأول، ثم يُطلق في الطُهر الثاني، ثم يُطلق في الطُهر الثالث، فهذا لا يجمع الطلاق في عدة واحد؛ لتكون الفُرص له أكثر.

الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، وحكم الشرع في كل طلقة هو أن يُمسك بمعروف من حُسن العشرة إذا راجع، أو أن يُخلي سبيلها مع حُسن المعاملة بأداء حقوقها، فتنصرف مُكرمة مُعززة، من غير جرح مشاعر، ولا مصادرة حقوق، ولا شتم، ولا أذى ويُحسن إليها بالمُتعة جبرًا لخاطرها إزاء هذا الطلاق، ولا يذكرها بعد ذلك بسوء، تطوى هذه الصفحة، ويبقى الذكر الجميل، أو كف الأذى.

قال الله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ، يعني: معاشر الأزواج أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه، إذا الرجل لا رغبة له في المرأة وطلقها، فليس له أن يقول: أعيدي لي المهر فذلك بما استحل من بُضعها، لا يحل له أخذه، لكن الله -تبارك وتعالى- ذكر حالة قال: إِلَّا أَنْ يَخَافَا، يعني: الزوجان، أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، يعني: القيام: بالحقوق الزوجية، فهنا يمكن للمرأة إذا كانت لا تريد البقاء مع الرجل فهي رأت منه ما لا يُحتمل، أو أنها كرهته، فخافت أن تُضيع حقوقه، ففي هذه الحال يمكن أن تفتدي.

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، وهذا الخطاب قيل: هو موجه للقضاة والولاة، وقيل: هو موجه لعموم الأمة، وقيل: موجه لأولياء هؤلاء، أهل المرأة، وأهل الرجل، فإذا خافوا عدم إقامة الحقوق، خافوا نشوز المرأة على زوجها أن تترفع عن طاعته، ففي هذه الحال لا حرج على الزوجة، ولا على الزوج بأن تبذل مالاً في مُقابل طلاقها، لكن هذا بشرط أن يكون الرجل يرغب فيها، إذا كان الرجل لا يريدها فيُطلقها، لكن إذا كان الرجل يريدها، وهي تقول لا أُريد الاستمرار معك، فتكون قد فوتت عليه مصلحة النكاح، وما يتبعه في هذه الحال له أن يأخذ منها، على خلاف بين أهل العلم فيما يؤخذ، هل يؤخذ المهر فقط، أو بما يتفقان عليه، هل له أن يزيد على المهر فيما يطلب أو لا؟

هذا ليس محل اتفاق، لكن الله -تبارك وتعالى- أطلق ذلك فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، والنبي ﷺ قال لامرأة ثابت بن قيس بن شماس لما ذكرت للنبي ﷺ أنها تخاف الكفر بعد الإسلام، يعني: كفران العشير، فقال النبي ﷺ: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة[1]، يعني: كان أعطاها مهرًا حديقة، والحديقة المقصود بها البستان الذي له سور، فهذا يُقال له حائط وحديقة، أحدق به هذا السور، فهنا أعادت إليه المهر، والآية هنا ذكر الله ذلك بإطلاق فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، ولهذا جوز بعض أهل العلم أن يطلب أكثر مما دفع.

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا، هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تتجاوزوها، ومن يتجاوز حدود الله -تبارك وتعالى- فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لعذاب الله وسخطه.

يؤخذ من هذه الآية من الهدايات: أن الله -تبارك وتعالى- قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، ما قال الطلاق طلقتان، قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا أن يُطلق طلقتين هكذا دفعة واحدة، فيقول مثلاً: أنتِ طالق طلقتين، وإنما الطلاق مرتان مرة بعد مرة، يعني: هو يُطلقها واحدة، يقول لها: أنتِ طالق ثم تستأنف العدة، وله أن يُراجع قبل نهاية العدة، وعرفنا أن هذه العدة إن كانت المرأة ممن لا تحيض لصغرها، أو لتقدم العمر آيسة فثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فبوضع الحمل، ولو طال، وإن كانت ممن يحيض فثلاثة قروء، قيل: ثلاث حيض، وقيل ثلاثة أطهار.

فهنا يُطلق في العدة الواحدة طلقة واحدة لا يزيد، ولابد أن يكون في طُهر لما يُجامع فيه، أو وهي حامل، فلا يحق له أن يُطلق متى ما عنّ له، أو إذا غضب ألقى عليها الطلاق، أو إذا طلبت منه الطلاق ألقى عليها الطلاق، لا، وإنما ينظر في حالها أن تكون طاهرًا، وهذا الطُهر لم يُجامعها فيها، ولا يجوز أن يُطلق في حال الحيض، ولا أن يُطلق في طُهر وقع فيه الجماع.

وكذلك أيضًا الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، يعني: بعد كل مرة إما أن يُمسك بمعروف فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، والإمساك بالمعروف بمعنى أنه يُمسك من أجل أن يُبقيها معه مع العِشرة بالمعروف، وأحال ذلك إلى المعروف كما ذكرنا في الليلة الماضية بأن ذلك يختلف باختلاف الأزمان والبلاد والأحوال والأشخاص.

فيكون ذلك على وجه لائق من حيث المعاملة، والنفقة والكسوة، والسُكنى، ونحو ذلك، بحسب ما يليق بمثله ومثلها، في زمانهم ومكانهم.

فهنا أحال ذلك إلى المعروف فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، التسريح بمعنى التطليق أن لا تبقى في عصمته، فيُسرح بإحسان، فهذا هو اللائق بأهل الإيمان، وأهل المروءات، عشرة، وأخذها بعهد موثق غليظ، فينبغي أن يُفارق بمعروف، أو أن يُمسك بمعروف، أما أن تتحول العلاقة بين الزوجين إلى حرب ورمي بأقبح الأوصاف، وشتائم توجه إليها، وإلى أهلها، وجرح للمشاعر، ومصادرة للحقوق، فهذا لا يليق بأهل الإيمان، ولا يليق بذي مروءة، وإنما يكون التعامل على أكمل الوجوه فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

وهذا يؤخذ منه قاعدة عامة في التعامل مع الناس، إذا كان الإنسان لربما يصحب بعض من لا يروق له، يصحب أحدًا من الناس، ويتأذى بصُحبته بعبارات يسمعها منه مؤذية، أو تصرفات وحماقات توقع هذا الإنسان في شيء من الحرج، أو نحو ذلك، فمثل هذا يمكن أن يُفارق بإحسان، من غير أذى، ومن غير مقاطعة، ومن غير جرح للمشاعر، ينسحب بإحسان، ويذكره بالجميل، لكن ينأى بنفسه عنه.

قد يعمل الإنسان مع آخرين، في مكان، في مؤسسة، في شركة، في مدرسة، في جامعة، ثم بعد ذلك ينتقل، أو يُنهى التعاقد معه انتهت الحاجة، أو رأوا أن غيره أفضل منه، أو رأوا أنه لا يصلح لهم، أو لأي سبب من الأسباب، فلا ينبغي أن تتحول القضية إلى مقاطعة ومُهاجرة، وتتحول الأمور إلى شيء من المخاصمة، ويعتبر ذلك من العدوان والإساءة إليه، ليس هذا بلائق، بقي في هذا المكان وعمل فيه مدة سنوات، أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك رأوا أنه لا حاجة لبقائه في هذا الموقع، انتقل إلى موضع آخر، أو نحو ذلك، فمن الناس من يتخذ هذا لونًا من المعاداة والمخاصمة، فيصدر منه ما لا يليق، هذا لا يصح، أو يصدر منهم تجاهه ما لا يليق، تسريح بإحسان، إما أن يُمسك بمعروف، قد يكون الإنسان عنده سائق، عنده أجير، عنده عامل، عنده خادمة فيؤذيه، فنقول له: إمساك بمعروف، وإن كانت هذه الآية في الطلاق، أو تسريح بإحسان.

لكن بعض الناس القاعدة عنده: "إذا كنت رايح كثر الفضايح"، هذا الكلام غير صحيح، وإنما يذهب بحال من التجمل والإحسان، وكذلك الطرف الآخر يمكن أن يودع هذا بإكرام وإحسان إليه ونحو ذلك، أما دواعي الانتقام والمصادرة والمفاجآت بما لا يحتسب، فهذا لا يصح، ولا يجوز، البعض لربما كان مُعلمًا مثلاً، فيأتيه الخبر أنه قد استغني عن خدماته قبل نهاية السنة من أجل أن يستعد، ويُرتب أحواله إذا سافر، أو انتقل قبل نهاية الدراسة بشهر أو شهرين، أو ثلاثة أشهر، فماذا يفعل؟ يُسيء إلى من حوله جميعًا، ولا يد لهم في الموضوع، وينتقم من هؤلاء المساكين الطلاب، فيضع لهم أسئلة لا يمكن الإجابة عنها مثلاً، أو حتى من أجاب حتى من المتفوقين لربما يُفاجئون أن نتائجهم هي الرسوب، ويتضررون من هذا، وبعضهم لا يستطيع المواصلة في الدراسات العليا، وبعضهم يكون في مرحلة الماجستير، فلا يستطيع أن يُسجل رسالة؛ لأن معدله قد فقد شرطًا من أجل التسجيل، أو القبول في هذه المرحلة والمواصلة فيها بسبب الانتقام، فهذا لا يصح ولا يليق.

كذلك هنا قال الله -تبارك وتعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، يعني: يا معاشر الأولياء أو الولاة، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا، يعني: الرجل في الأخذ، والمرأة في الدفع، فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، فهذا يدل على اعتبار المفاسد، وأن يُرتكب أخف الضررين لدفع أعلاهما، فتُدفع المفاسد الأشد، ما هي المفاسد الأشد؟ النشوز، تترفع الزوجة عن طاعته، تحصل أمور تتفاقم.

فهنا يقال: خذ منها هذا المهر، ثم بعد ذلك يكون خُلعًا، يعني طلق بعوض فهذا أسهل من تضييع حدود الله -تبارك وتعالى، والقضية ليست بالشيء السهل، فالله -تبارك وتعالى- قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فهذا أمر يجب مراعاته وحفظه، فحدود الله في التعامل بين الزوجين يجب أن تُضبط وتُحفظ، وليس للرجل أن يفعل ما شاء، أو المرأة أن تفعل ما شاءت، وإنما على الجميع أن يتقي الله -تبارك وتعالى.

وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا، أحكام الطلاق، الطلاق مرتان، فيُمسك بمعروف أو يُفارق بمعروف، ويجوز له الأخذ في حال ما إذا كانت المرأة لا تريده، وهو يريدها في هذه الحال يجوز له الأخذ، أما إذا كان لا يريدها فلا يجوز له أن يأخذ العوض، هذه حدود الله، قال: فَلا تَعْتَدُوهَا، هنا.

في آيات الصيام التي مضت أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ، إلى أن قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [سورة البقرة:187]، هنا في الصيام تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا، وهنا في الطلاق: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا، فلا تقربوها، فلا تعتدوها، ما الفرق؟ ذكر بعض أهل العلم أن الأولى جاءت بعد نواهٍ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [سورة البقرة:187]، هذه النواهي هذه الممنوعات، لا تقربها ابتعد عنها غاية البعد.

لكن هنا جاءت بعد أوامر أن يُطلق مرتين فقط، وكل واحدة في عدة، وكذلك أيضًا أن يُعاشر بمعروف، أو يُفارق بمعروف، أو نحو ذلك، فجاء النهي عن تعديها وعن تجاوزها، فيوقف عندها، الأوامر هذه يوقف عندها، لا تُتخطى، لا تُتجاوز، ولهذا قال العلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال: فَلا تَعْتَدُوهَا، الحدود مرسومة أمر الله بكذا، وأمر بكذا، وأمر بكذا، تقف عند أمره لا تتعداه، وإذا كانت نواهي فلا تقترب ابتعد، إذا كان المحظورات فابتعد، والنهي عن القرب منها أبلغ من النهي عن مواقعتها، لما أقول لا تقترب من هذا الشيء فهذا أبلغ من مواقعته، يعني: كن بعيدًا حذرًا، دع كل الأسباب التي توصل إليه، وإلى مُلابسته ومُقارفته، ففي المحرمات يقول: فَلا تَقْرَبُوهَا، في المأمورات فَلا تَعْتَدُوهَا، هذا فرق ذكره بعض أهل العلم.

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، ما قال ومن يتعدها، واكتفى بالضمير، إنما أبرز ذلك بالمُظهر تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، هنا إبرازها بالاسم المُظهر يدل على الاهتمام والعناية بحدود الله -تبارك وتعالى- وتعظيم هذه الحدود، وإضافة ذلك إلى الله حُدُودُ اللَّهِ، مرتين، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، هذا كله لتربية المهابة، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، لاحظ الإشارة بالبعيد، فَأُوْلَئِكَ، وجاء بضمير الفصل هُمُ، ودخول أل على الخبر فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يعني: هذا يُفيد يُشعر بالحصر، كأنه لا ظالم إلا هؤلاء، هؤلاء الذين بلغوا الغاية في الظلم، كأنه لا ظالم إلا هم، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يعني: الذين يتعدون حدود الله -تبارك وتعالى، فهذا يدل على أن تعدي حدود الله، سواء في الطلاق أو في غيره كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- في القواعد الحِسان: بأن الله قد يذكر أمورًا خاصة كما هنا في قضية الطلاق، ثم يأتي بالحكم عام[2]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [سورة البقرة: 229] ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [سورة البقرة: 187].

هنا قال: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، في الطلاق وفي غير الطلاق، فينبغي الحذر من ذلك، وهذا الذي يزيد على الاثنتين مثلاً على الطلقتين، فهو مُجترئ على المحرم، متعدي لحدود الله ، فليس له ذلك وهو من الظالمين، هذا الذي يُطلق بالثلاث مع بعض هذا من الظالمين، متعدي لحدود الله ، هذا الذي يضر المرأة ويُضار ويُعيدها ويُمسكها من أجل أن تفتدي، بعضهم يصل الأمر أنه يقطع الماء، ويقطع الكهرباء عن البيت، ويحرمها من كل شيء من الطعام والشراب، من أجل أن تُضطر أن تدفع له أن تُعيد المهر، هذا لا يفعله إنسان عنده تقوى لله وخوف منه، ومراقبة، أو عنده أدنى مروءة، هذا لا يليق، وكل ذلك يدل على عناية الشارع بانضباط أحوال الناس، وهذه النواة في المجتمع وهي الأسرة، وأن يقوم ذلك على أحوال من الكمال، وحفظ الحقوق، فتبقى هذه الأسرة على وئام، يعرف الرجل ما له وما عليه، وتعرف المرأة ما لها وما عليها، فيؤدي كل واحد منهم حق صاحبه، ويحفظ حدود الله -تبارك وتعالى، فالمسألة ليست مجرد اختيار، أو تشهي، وإنما ذلك شرع مُطهر، هذا والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، رقم: (5273).
  2. القواعد الحسان لتفسير القرآن (ص:74).

مواد ذات صلة