الأحد 09 / صفر / 1442 - 27 / سبتمبر 2020
(233) قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ..} الآية:272
تاريخ النشر: ٠٢ / رمضان / ١٤٣٧
التحميل: 996
مرات الإستماع: 1182

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلما ذكر الله -تبارك وتعالى- في الآية التي تحدثنا عنها في الليلة الماضية وهي قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [سورة البقرة:271]، فبين لهم أن الإظهار والإسرار في الصدقات كل ذلك يعود على صاحبه بالثواب والأجر، وقد مدحه الله -تبارك وتعالى- بقوله: فَنِعِمَّا هِيَ، يعني: المُظهرة، وكذلك إذا أخفاها فهو خير له من الإظهار، فحث على الإسرار؛ لأنه أدعى إلى الإخلاص.

بعدها بين أيضًا أن هذه الصدقات حينما توجه للأبرار وأهل الإيمان أو تعطى لمن هم دون ذلك فإن ذلك يصل ثوابه إلى صاحبه، يصل الثواب والأجر إلى هذا المنفق المتصدق، فكون هذه الصدقات تعطى لمن لديه شيء من التقصير بل قد تعطى صدقة التطوع للكافر فذلك مما يؤجر عليه الإنسان.

فهنا في هذه الآية بين أن اختلاف أحوال المُعطين من جهة الصلاح وأضداد ذلك الاستقامة وأضدادها أن ذلك لا يضر المتصدق، فقال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [سورة البقرة:272].

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، لست مسؤولاً عن هداية الكافرين، والهداية هنا المقصود بها هداية التوفيق، وليست هداية الإرشاد؛ لأن النبي ﷺ مُكلف بدعوة الناس إلى الإيمان، ولكن ليس عليه هداية القلوب فذلك إلى الله وحده، والمعنى لا تمتنعوا من الصدقة والإحسان إلى الكافر أو المقصر أعني الفاسق بحجة أنه غير تقي، أو الكافر بحجة أنه غير مسلم، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ذلك إلى الله، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، والهداية هنا بمعنى هداية التوفيق؛ لأن الله قد هدى بمعنى البيان والإرشاد جميع الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [سورة الإسراء:15]، لكن هداية التوفيق: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [سورة القصص:56].

ثم بين لهم أن هذه الصدقات لا تذهب بصرف النظر عن حال هذا المُعطى لهذه الصدقة، قال: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ، وما تنفقوا من خير فذلك يعود إليكم أنتم، تقدمون وتبذلون وتحسنون إلى أنفسكم فحسب، هذه الجملة الأولى.

والجملة الثانية: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، أنتم تتعاملون مع الله لا شأن لك بهذا من حيث الصلاح وعدمه لا شأن لك به، الهداية عند الله ، لكن قدم لنفسك أنت وأنت تتعامل مع الله : وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.

والجملة الثالثة: أن الأجر والثواب يرجع إليك وافيًا كاملاً غير منقوص، إذًا: لا عليك في أن تحسن وتكون كالمطر يقع على الأراضي المختلفة، أما أن يقال هذا مقصر وهذا فاسق ونحو ذلك فيُحرم من الصدقة فإن ذلك لا يسوغ، وتعرفون الحديث في الرجل الذي تصدق بصدقة: لأتصدقن الليلة بصدقة، فأخرج الصدقة في الليالي الثلاث فوقعت في ليلة بيد سارق، فأصبح الناس يتحدثون تُصدق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على سارق، ثم أخرج صدقة أخرى في ليلة أخرى وإذا هي على زانية، فأصبح الناس يتحدثون تُصدق الليلة على زانية، فقال: الحمد لله على زانية، كأن ذلك لم يُعجبه ولم يرضه، ثم تصدق أيضًا فوقعت بيد غني فأصبح الناس يتحدثون تُصدق الليلة على غني، فقال: الحمد لله على غني، لكنه بعد ذلك جاءه في المنام أنها حينما وقعت في يد هذا السارق فلعله يكف عن السرقة[1]، وهذه الزانية أن تستعف بذلك عن الزنى، وهذا الغني كذلك، أن يتذكر حال هؤلاء الفقراء والمحتاجين، ونحو ذلك.

فهذه الصدقة قُبلت ومضت عند الله -تبارك وتعالى- وما ضره أن وقعت في يد هؤلاء الثلاثة، ولذلك فالصدقة لا ينبغي على الإنسان أن يستشعر الغبن والخديعة فيها، جاء إليك إنسان وأظهر الحاجة فأعطيته ثم تحدث من تحدث بأن هذا الإنسان صاحب حيل وفراء ويكذب ويختلق المعاذير والأسباب التي يتوصل بها إلى أموال الناس فهذا لا يضره، يعني: لا تندم، هي بلغت عند الله: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ، لا غبن، الغبن يقع في البيع والشراء، الغبن في أن يقدم العبد على الله -تبارك وتعالى- في الآخرة وليس عنده عمل قد ضيع الزمان، الغبن أن يُضيع رمضان بأيامه ولياليه هنا وهناك بين نوم وسهر لا يُجدي عليه نفعا، هذا هو الغبن الحقيقي.

يؤخذ من هذه الآية من الهدايات لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ أن الذي يملك القلوب هو الله فالله هو ملك القلوب، الهدى بيده وحده، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [سورة القصص:56]، فالآيات التي جاء فيها نفي الهداية عن النبي ﷺ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، أن ذلك المقصود به هداية التوفيق، دائمًا الهداية المنفية عن النبي ﷺ هي هداية التوفيق، التوفيق إلى الإيمان هداية القلوب، والهداية المثبتة له وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة الشورى:52]، فأثبت له الهداية فليس هناك تناقض ولا تعارض، فالهداية المثبتة بمعنى هداية الإرشاد والدلالة فهو يدل على الله، ويوضح الطريق الموصل إليه ويُبين حقائق الإيمان ويُعرف بالمعبود -جل جلاله، وتقدست أسماءه.

هذا وجه الجمع بين هذه الآيات التي جاء فيها نفي الهداية عن النبي ﷺ وإثبات الهداية له فلا تعارض، وهذا الذي يسميه العلماء موهم الاختلاف، وصنف فيه بعض أهل العلم مصنفات فيما يتعلق بالقرآن من أجلها كتاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- "دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب" وهو من أنفع الكتب، وفي السنة ألف العلماء أيضًا مؤلفات، ومن ذلك الإمام الطحاوي -رحمه الله- في كتابه "مُشكل الأثر" وهو كتاب حافل، وتكلم على هذه المعاني جمع من أهل العلم كابن قتيبة -رحمه الله وغيره، فالذي يصرف القلوب هو الله.

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وفي هذه الجملة أيضًا تسلية للنبي ﷺ، لَيْسَ عَلَيْكَ فكلمة على تدل على الإيجاب والإلزام ونحو ذلك، يعني: لست مُكلفًا بهداية الناس هداية التوفيق، إذًا: حينما يحصل الإباء والإعراض من هؤلاء الناس فإن ذلك لا يضر النبي ﷺ أو الدعاة إلى الله من بعده، ولهذا سلى الله نبيه ﷺ في مواضع فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ، أي: مُهلك نفسك، عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [سورة الكهف:6]، تتأسف عليهم، تذهب نفسك عليهم أسفًا، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [سورة الأنعام:112]، نهاه عن الحزن والأسف على هؤلاء الكافرين، وهنا يُسليه لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، إذًا ينبغي على الإنسان أن يبذل جهده في بيان الحق والدعوة إليه وهداية الخلق هداية الإرشاد، والموفق هو الله .

وهكذا فيما يتعلق بالتربية لمن تحت يده من الأولاد، الأبناء والبنات، وهكذا القرابات ونحو ذلك، يحرص على تربيتهم تربية صالحة، ويبذل الأسباب في ذلك، ولا يُقصر ولا يُعرض عنهم ويشتغل بغيرهم إما بدعوة، أو أن يشتغل بدنيا، أو نحو ذلك ثم بعد ذلك تأتي النتائج على غير ما يريد، لا، وإنما يبذل جهده ويحرص، لكن إن لم يكن هؤلاء على حال مرضية فالموفق هو الله هذا إذا بذلنا الجهد.

فهذا نوح قال الله -تبارك وتعالى- في ولده: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [سورة هود:46]، ابن نبي، هؤلاء الذين توجه إليهم الدعوة: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [سورة هود:40]، نوح حتى قالوا: إن الذين معه في السفينة هم القلة؛ هم أزواج بناته وعدد من أولاده، عدد قليل، الله أعلم بعدد هؤلاء، لكن هم قلة، والله يقول: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [سورة يوسف:103]، مهما بذلت ومهما فعلت فالهداية بيد الله، ولذلك ميزان الخسارة والهدر في هذا الجانب غير معتبر، بمعنى أن الإنسان يبذل جهده ويدعوا إلى الله قد لا يستجيب أحد فلا يقال: ضاع العمر وضاع الزمان أبدًا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ.

ويدخل في هذا نفقة العلم والدعوة إلى الله والجهد الذي يبذله وإن كانت الآيات في سياق نفقة المال فذلك يدخل فيها دخولاً أوليًا أعني المال، لكن أنت تقدم لنفسك أنت تبذل لنفسك أنت حينما تعلم الناس أو تدعوهم إلى الله هذا تقدمه لنفسك، وإن هؤلاء استقاموا وانتفعوا ولذلك كما قلت في بعض المناسبات هذا لا يجري فيه قياس الأثر، الدعوة التي تبذل للناس لا يجري فيها قياس الأثر؛ لأنه يجب أن تكون الدعوة مبذولة وأن تصل إلى الناس وإقامة الحجة وإظهار حقائق الدين، فلا يكون خفيًا لكن يبقى الاستجابة والهداية والقبول، كل ذلك إلى الله وحده، مهما كان الإنسان في إخلاصه وحرصه وبذله وفصاحته وعلمه ومعرفته بأساليب الخطاب والدعوة، الموفق والهادي هو الله، تجد الأبناء أحيانًا هؤلاء ليسوا أشقاء فقط؛ بل قد يكونا توأمين، وتجد هذا طينة صالحة بحرصه ومحبته للخير وتقبله وإشراق وجهه منذ الصغر.

وتجد الآخر مُظلم الوجه كثير الإعراض كثير التسخط، كثير النفور من الخير يكره الموعظة ويكره النصيحة، ويكره مجالس الذكر منذ الصغر، فالناس منابت مثل الأرض هذه أرض صالحة ينزل عليها مطر قليل ومع ذلك تخرج من كل زوج بهيج، والأخرى سباخ ينزل عليها المطر الكثير ولا تنبت شيئًا، فهذا مثل: الحرث في أرض ليست موضعًا للبذر والنبات فجهد ضائع لكن لا يضيع عند الله، ضائع في هذا لكنه عند الله لا يضيع.

وآخر في غاية الإقبال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، ولذلك من بذل جهده أيضًا فإنه لا يُلام سواء كان من المربيين من الآباء والأمهات وكذلك أيضًا الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى، بعض الناس قد يلوم الأب إذا كان صالحًا مُصلحًا أن أولاده لم يكونوا على حال مرضية، إن كان قد بذل وسعه فهو غير ملوم، والخضر قتل الغلام وقال: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [سورة الكهف:80]، يعني: إذا شب أن يحمل أبويه على الكفر والطغيان إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [سورة التغابن:14]، وهذه العداوة كما قال ابن القيم -رحمه الله- الجالب لها الشفقة والمحبة[2] ليست عداوة بغض، لكن يلحون عليه ويطالبونه نريد ونريد ويقعدونه عن طاعة الله فإذا أراد حجًا أو عمرة أو خروجا إلى المسجد أو إلى العلم وتحصيل العلم اجلس هذا العيد معنا، رمضان معنا لا تذهب إلى العمرة كفاية، لا تذهب إلى الحج، فيفعلون به فعل عدوه فيقعدونه عن كل معروف.

فهذا الغلام الذي قتله الخضر الأب كان مؤمنًا بشهادة الله علاّم الغيوب يعلم أحوال الخلق، ويقول عن أبويه أنهما كانا مؤمنَينِ.

كذلك أيضًا يؤخذ من هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [سورة البقرة:272]، أن الذمة تبرأ بالتعليم والبلاغ وبذل الجهد، وبهذا تسقط عن الإنسان التبعة.

كذلك أيضًا يؤخذ من هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فقدم الخبر، ترتيب الكلام هكذا ليس هداهم عليك، وإنما قال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فهذا فيه من المعاني البلاغية في كل موضع بحسبه، في هذا المقام يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم- ليس عليك قدم ما يتعلق بالنبي ﷺ، هنا لَيْسَ عَلَيْكَ؛ لأن ذلك كان يشغله من جهة ويقلقه ويزعجه، وكذلك أيضًا هذا الامتناع الذي يكون عن الصدقة على البعيد والكافر ونحو ذلك غير المهتدي أن ذلك ليس له مُبرر، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فقدم ما يتعلق بالنبي ﷺ وما يدل أيضًا على التكليف والإلزام لست مُلزمًا بهداية الخلق يعني هداية التوفيق وإلا فهداية الإرشاد كما سبق يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [سورة المائدة:67]، فهذه هداية الإرشاد.

وهكذا أيضًا فإنه يؤخذ من هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، الخطاب موجه إلى النبي ﷺ وهو خطاب لعموم الأمة، وهذا هو الأصل في مخاطبات الشارع، إذا خُوطب النبي ﷺ فالأصل أنه خطاب للأمة؛ لأن الأمة تخاطب في شخص قدوتها ومقدمها -عليه الصلاة والسلام- إلا لدليل يدل على تخصيصه بذلك، وهنا يوجد قرينة تدل على العموم لأنه قال بعد ذلك: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ، فوجه الخطاب للمجموع: وَمَا تُنفِقُوا ولم يقل: وما تنفق من خير فتحول الخطاب، وهذا نوع من الالتفات عند البلاغيين، انتقل من المفرد إلى الجمع، وذلك أن المقصود بذلك هو عموم الأمة كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [سورة الطلاق:1] فهذا خطاب للنبي ﷺ، ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُ فجاء بصيغة الجمع: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [سورة الطلاق:1].

وهكذا أيضًا قد يكون القرينة غير ذلك كقوله -تبارك وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [سورة الإسراء:23]، وجاء بصيغة الجمع والأول مفرد، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ [سورة الإسراء:23]، فرجع إلى المفرد والنبي ﷺ لم يُدرك ذلك، يعني: أن أبويه ماتا وهو في الصغر فـ: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [سورة الإسراء:23]، فالخطاب موجه إلى النبي ﷺ والمقصود بذلك الأمة، لأن وقت نزول هذه الآية لم يكن من أبويه أحد على قيد الحياة، وهكذا في هذه الآية الكريمة في قوله -تبارك وتعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [سورة البقرة:271]، هذا عام، ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فتمتنع، ثم قال: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [سورة البقرة:272].

كذلك أيضًا يؤخذ من هذه الآية: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ فذلك يكون لعامله، هل هذا يدل على أن الإنسان لا يجوز أن يتبرع لعمل لغيره؟

ليس ذلك بنص صريح في هذا المعنى فمجموع النصوص يدل على أن يمكن أن يتبرع الإنسان بشيء من عمله لغيره، لكن العلماء اختلفوا في تفاصيل ذلك فبعضهم خصه بالنوع، يعني من جهة الأفراد من جهة العاملين فقالوا يكون ذلك للولد، الولد الذكر أو الأنثى؛ لأن النبي ﷺ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها: أو ولد صالح يدعو له[3]، فقالوا: الولد من كسبه، وبعض أهل العلم قيده بنوع من الأعمال، فالأعمال والعبادات منها مالية منها ما هو مالي ومنها ما هو بدني.

وبعض أهل العلم قال: هناك نوع ثالث وهو مركب من المالي والبدني وهو الحج والعمرة، فالمالي يصل ثوابه؛ فسعد بن عبادة سأل النبي ﷺ عن أمه حينما ماتت سأل النبي ﷺ: "أفأتصدق عنها؟ "[4]، فأقره النبي ﷺ على ذلك، فهذا في التبرعات المالية لا إشكال في هذا، وإن كان أولئك يقولون: بأن السائل هو ولدها، ولكن الذي عليه الجمهور أن الصدقات المالية والنفقات المالية تصل إلى المُتبرع له.

النوع الثاني: وهو المركب من المالي والبدني في الحج والعمرة فهل يُجزئ عن غيره؟

المرأة التي سألت عن أبيها الذي لا يثبت على الراحلة سألت أن تحج عنه فأقرها النبي ﷺ على ذلك[5]، لكن أولئك يقولون السائل هي البنت أو ولد صالح يدعوا له.

وكذلك ما جاء في أثر ابن عباس: "لبيك عن شُبرمة"[6]، الرجل الذي قال هذا فذكر أنه قريب له، أو ابن عم، الحج والعمرة يمكن أن يحج الإنسان عن غيره أو يعتمر فرضًا أو نفلاً.

النوع الثالث: الأعمال البدنية المحضة هل له أن يتبرع بتلاوة القرآن عن غيره؟ هل له أن يتبرع بالطواف يطوف سبعة أشواط، ويقول هذا لفلان ونحو ذلك؟

هذا فيه خلاف كثير بين أهل العلم وهي من المسائل التي خالف فيها ابن القيم -رحمه الله- شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، ولعل الأقرب أن ذلك يصل ولكنه لا يُشرع؛ لأن الشارع لم يُرشد إليه بالنسبة للأعمال البدنية العبادات البدنية، لكن قد توجد بعض الأدلة تدل عليه.

وأما قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [سورة النجم:39]، فالمقصود أنه لا يستحوذ على سعي غيره لكن لو أن غيره أعطاه سعيه وتبرع به إليه صار إليه، كما أنه لا يستحوذ على أملاك غيره لكن لو تبرع بها وهبها له فإن ذلك يصل إليه، المسألة فيها خلاف كثير ولعل الأقرب -والله أعلم- أن ذلك يصل لكن لا يُشرع، لا يُشرع بمعنى أنه لم يندب إليه الشارع وإنما اللائق بالإنسان أن يجتهد في العمل لنفسه فهو بحاجة إلى العمل وقت إمكان الفرصة، ويدعوا لغيره من الأحياء والأموات.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق، وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها، برقم (1022).
  2. انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص:64).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم (1631).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، وقضاء النذور عن الميت، برقم (2760).
  5. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، برقم (1513)، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، أو للموت، برقم (1334).
  6. أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم (1811)، وابن ماجه، أبواب المناسك، باب الحج عن الميت، برقم (2903)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (1589).

مواد ذات صلة