الخميس 11 / رجب / 1444 - 02 / فبراير 2023
[5] قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (2)
تاريخ النشر: ٢٥ / جمادى الآخرة / ١٤٣٦
التحميل: 3331
مرات الإستماع: 3254

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نواصل الحديث -أيها الأحبة- في الكلام على قوله -تبارك وتعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] وكنا نتحدث في الليلة الماضية عن وجه تقديم العبادة على الاستعانة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] وذكرنا وجوهًا في ذلك، فمن ذلك:

أن العبادة هي نفسها من أسباب حصول الإعانة، وإجابة الحاجة، فإن العبد إذا عبد ربه وأطاعه، فإن الله -تبارك وتعالى- يُعينه ويقويه ويُسدده ويوفقه، فهذه أمور مُتلازمة، لا سيما أن الاستعانة هي نوع من أنواع العبادة -كما هو معلوم- فكما أن الاستعانة وسيلة إلى العبادة كما سبق، فيُعان ليُحقق العبودية فإنه إذا عبد ربه وأطاعه فإن الله يقويه ويُعينه؛ ولذلك نجد في تراجم بعض السلف فيمن أوتي منهم قوة أنه كان يعزو ذلك إلى أن تلك الجوارح حفظوها أيام الشباب فحفظها الله لهم أيام الكِبر، يقفز أحدهم ممن تقادم به العُمر قفزة، ويثب وثبة من السفينة، فيُسأل عن هذا مع كِبر سنه، فيقول: جوارح حفظناها في الصِغر، فحفظها الله لنا في الكِبر، حفظناها يعني من المعصية فيُعان.

وقد ذكرت في بعض المناسبات حال بعض أهل العلم ممن ولي القضاء، وأن أبا يوسف -رحمه الله- وكان لا يُعين، ولا يولى القضاء أحد إلا عن مشورة منه، فلما وضع هؤلاء من غير مشورة، كأنه وجد في نفسه، ثم بعد مدة طلب القضايا التي قضوها، والأحكام التي أجروها، فنظر فيها، فإذا هي على وجه الصواب، فطلب السجلات لينظر في التسبيبات، والأمور الإجرائية، فوجدها على التمام، فقال كلمة فيها عِبرة في هؤلاء الذين قد ولووا القضاء من غير مشورته، فتطلب قضاياهم فلم يجد عيبًا ولا مأخذًا ليحتج به على من ولاهم: إن فلانًا وأصحابه يُعانون بقيامهم الليل، يعني يحصل لهم العون من الله بقيامهم الليل، فتأتي أحكامهم مُسددة، هذا في القضاء وقل مثل ذلك في غير القضاء، فالعبد يُعان؛ ولذلك نجد من أهل العلم من المعاصرين على سبيل المثال من يفوق الشباب في قوته ونشاطه وبذله وتعليمه، واقرأوا إن شئتم في هذا العصر في تراجم ثلاثة: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- فقد كانت أوقاته مُستغرقة في الأعمال الجليلة، والبذل، ونفع الناس إلى الليلة، التي قُبض فيها على كِبر سنة ومرضه.

والثاني: الشيخ محمد الصالح العُثيمين -رحمه الله- فإنك حينما تنظر في أوقاته وأعماله، فهو لا ينام إلا أربع ساعات، ويكون الواحد منهم في سفر، ثم يقوم، ويُصلي الليل.

والثالث: هو الشيخ عبد الله الجبرين -رحمه الله- ورحم علماء المسلمين، فهذا الرجل آية في البذل على كِبر سنه، ولا تكاد أن تأتي ناحية من القرى، أو الهِجر فضلاً عن المُدن الكِبار إلا وقد أتاها، ولربما تكررت زيارته لها مُعلمًا ومُذكرًا، ودروسه عامرة في يومه وليلته، وكثير من طلاب العلم ربما لو أنه قدم درسًا واحدًا في الأسبوع فإن نفسه تكاد تخرج مع هذا الدرس من العناء والتعب والإرهاق، ويشعر أنه عبء ثقيل يُرهق كاهله، وكثير منهم لا يبذلون شيئًا، فالإعانة تحصل مع العبادة.

ولذلك فإن العبد إذا كان يتقرب إلى الله بالطاعات، ويجد ويجتهد يكون له من القوة والإنجاز في الأعمال ما لا يكون لغيره، لا سيما بعض أنواع العبادات، ككثرة الذكر، وقراءة القرآن، فيحصل له إعانة وبركة في الوقت؛ لأن كثرة الذكر يحصل به قوة القلب والنفس، ويحصل به قوة البدن والإعانة على الأشغال، وكذلك الصلاة فهي من ذكر الله والله يقول: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [سورة البقرة:45] استعينوا بها على مطالب الدنيا والآخرة، فهذه الحياة كبد لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [سورة البلد:4] فيُستعان بهذه الصلاة على هذه الأكباد، وعلى تحمل الأوصاب والآلام والهموم والمُشكلات، وما يلقاه الإنسان في طريقه، ولا بد فيُعان بسبب ذلك.

أما أولئك الذين لا يعرفون الله -تبارك وتعالى- ولا يذكرونه إلا قليلاً فهؤلاء سرعان ما ينهار الواحد منهم ويسقط حينما يعرض له ما يعرض من المصائب والآلام والمُشكلات، وسرعان ما ينقطع عن عمله ويكل ويضعف؛ لأنه لا يُعان، فتجد من الناس من يتوثب قوة وطاقة ونشاطًا وحيوية، وهو يعمل الكثير والساعات الطوال، والآخر ربما يقوم من نومه ومن فراشه في حال من الرغد والراحة، ومع ذلك يتأوه كأنما قضى أعمالاً شاقة، فيشعر بتعب وإرهاق، وهو لم يعمل شيئًا، هو في حال من الترهل والتنعم، ومع ذلك يشعر دائمًا أنه مُرهق، ولا تسمع منه إلا التوجع والتأوه، وليس به عِلة، فهذه النفوس تضعف إذا كانت صلتها بربها -تبارك وتعالى- ضعيفة.

ثم أيضًا تعقيب العبادة بالاستعانة في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] توافق في أواخر الآي، بحرف النون، فهذا وجه أيضًا يمكن أن يُذكر في هذا، والله تعالى أعلم.

فالعبد بحاجة دائمًا في جميع العبادات إلى إعانة الله -تبارك وتعالى- من أجل أن يُحقق مطالبه من هذه العبوديات، ويستطيع أن يجتنب مساخط الله ومناهيه، فيفعل الأوامر، ويترك النواهي، ويحتاج إلى إعانة، فذُكرت الاستعانة مُفردة مع أنها داخلة في العبادة؛ لشدة الحاجة إليها.

ومما يُؤخذ من هذه الآية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] أن العبد ينبغي أن يكون قلبه مُرتبطًا بربه -تبارك وتعالى- فقد أمر النبي ﷺ العبد أن يستعين بالله، ويحرص على ما ينفعه، فقال: واستعن بالله، ولا تعجز[1] وأنفع ما للعبد - كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله - طاعة الله ورسوله ﷺ وهذه هي عبادة الله، هذا أنفع ما يكون للعبد، وهذان الأصلان هما حقيقة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5].

كذلك يُؤخذ من قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] الإشارة إلى عبادته -تبارك وتعالى- بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي، هذا كله فيما يتصل بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5].

وأما قوله -تبارك وتعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] فهو إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب هو المالك، وفي معنى الرب المُصلح الذي يُصلح أمور خلقه، ومن معانيه المالك الذي يتصرف في مُلكه كما يشاء، فالحمد لله يتعلق به إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] فهنا تأتي محبته -تبارك وتعالى- وخوفه ورجاؤه والعمل بمرضاته بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فيكون ذلك من عبادته وتأليهه، والتأله هو التعبد، فيتعبد لربه وخالقه .

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الفاتحة:2] الرب هنا وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] فإن الاستعانة تكون بالرب؛ لأن الرب -تبارك وتعالى- هو الذي يتصرف، وهو المالك، وهو الذي يُربي خلقه، بصنوف النِعم، فهنا يستعين به؛ لأن العطاء والمنع والنصر كل ذلك من معاني ربوبيته، فيستعين به، ويستنصر به على عدوه، ويسأل ربه -تبارك وتعالى- أن يمنحه، ويهبه، ويرزقه، ويُعافيه، هذا كله من معاني الربوبية، إذا أراد أن يتقوى على طاعة الله، ويتقوى على عدوه، ويتقوى على أعماله وأشغاله فيستعين بالله -تبارك وتعالى- فهذا من معاني الربوبية، فجاءت مرتبة في أول هذه السورة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الفاتحة:2] وجاءت مرتبة في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5].

ومما يُؤخذ من هذه الآية من الفوائد: أنه كثيرًا ما يقرن الناس بين الرياء والعُجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، فهو يلتفت إلى المخلوق، فيُزين عمله له؛ ليراه، فالرياء من الرؤية، فيطول في صلاته من أجل المخلوق، ويُزين كلامه من أجل المخلوق، ويُبدي شجاعة من أجل أن يُثنى عليه، ويحفظ القرآن ليُقال: حافظ، فهذا كله من قبيل الإشراك بالخلق.

أما العُجب فهذا من باب الإشراك بالنفس، فهو يلتفت إلى نفسه، ويُعجب بها، وبإمكاناته، وقُدره وقواه وطاقاته، عنده مهارات وعلوم ومعارف، وعنده قوة بدنية، فهذا من باب الإشراك بالنفس، وقد لا يكون بذاته، ولكن بالمجموع، فهو مُعجب بهذه القوة التي له ولأصحابه وقومه وطائفته أو عشيرته أو غير ذلك وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [سورة التوبة:25] فهذا لون من العُجب، فحينما يُعجب الناس بالكثرة، أو بالسلاح، والقوة، أو نحو ذلك، فهذا كله داخل في العُجب، فالمُرائي قد التفت إلى المخلوقين، وصاحب العُجب قد التفت إلى النفس، وما يقوم مقامها، وهذا صاحب العُجب هو الذي يحصل له الكِبر عادة؛ لأنه لا يحصل له الكِبر والترفع إلا إذا حصل له العُجب.

فمن حقّق قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] خرج عن الرياء، فيكون مُخلصًا، وقلنا: تقديم المعمول على عامله يُفيد الحصر إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] يعني: نعبدك لا نعبد أحدًا سواك، فلا يلتفت في عبادته إلى أحد من أجل أن يُثني عليه، ولا يُعجب بعبادته، فيُزين العبادة للمخلوقين، فيكون مُرائيًا، فهنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] يُخرجه عن الرياء، ووَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] يخرجه عن الإعجاب والكِبر الذي هو أثر من آثار الإعجاب، فهو يستعين بربه -تبارك وتعالى- ويعلم أنه لا حول له، ولا قوة، ولا طور، ولا إمكان إلا بإعانة الله فيُعجب بماذا؟ فينتفي عنه العُجب، وكذلك ما ينشأ عنه من الكِبر.

وقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] ينفي عنه أنواع العِلل التي تُفضي به إلى التلف من المقاصد الفاسدة، والزهو والترفع والكبرياء والسمعة، ونحو ذلك، فعلاج هذه الأدواء بـإِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] وأما الترفع وما إلى ذلك فعلاجه بـوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] وقد نقل هذا المعنى أيضًا عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية بأن إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] تدفع الرياء وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] تدفع الكبرياء[2].

فصاحب الاستعانة والعبادة يكون مُخلصًا مُتجردًا، ويكون أيضًا في الوقت نفسه يكون مُخبتًا متواضعًا، فيسلم الناس من أذاه ومن شره، ولا يُحسن الناس إليه اتقاء شره، ولا يكون معول هدم وتفريق في الأمة، فيقول: هذا عملي، أو هذا حقي، وهذه مُكتسباتي، فلا يكون صاحب العبودية الحقة، أو صاحب الاستعانة الحقيقية بهذه المثابة، وإنما لسان حاله ومقاله: ما مني شيء، ولا لي شيء، ولا يريد أن يُنسب إليه من ذلك شيء، فيقول: خذوا هذه الأشياء، استفيدوا منها، خذوا هذه الأعمال، وهذه الأفكار، وهذه المشروعات، وهذه الفوائد، ولا تنسبوا إليّ من ذلك شيء، ما ينفع المسلمين وينفع الأمة يُبذل لهم، ولا يقال هذا حقنا، ويُحجر تحجيرًا شديدًا على من يريد أن يستفيد من شيء من هذه الأعمال، أو البرامج، أو غير ذلك، ويقول: لا بد أن ينسب إلي، وشروط صعبة طويلة...، وإنما يقول: خذوه حثوًا بلا كيل ولا ميزان إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [سورة الإنسان:9] لا نريد شيئًا، ولا يُقال: هذه أخذناها من فلان، أو استفدناها من فلان، والبعض ربما يُقيم دعوى قضائية في المحاكم من أجل أن فلانًا قد اقتبس منه جملة، ولم ينسبها إليه، فلا يكون ذلك أبدًا.

الشافعي -رحمه الله- كان يقول: وددتُ أن الناس تعلموا هذا العلم، ولم يُنسب إليّ منه شيء[3] وجاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مثل هذا، وهذا لا يكون إلا لمن حقق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] فإذا عوفي العبد من مرض الرياء، بـإِيَّاكَ نَعْبُدُ ومن مرض الكِبر والعجب بـإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ومن مرض الضلال والجهل بـاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الفاتحة:6] عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النِعمة، وكان من المُنعم عليهم غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القلب والقصد، الذين عرفوا الحق، وعدلوا عنه، والضالين وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق، ولم يعرفوه.

وحُق لسورة -كما يقول ابن القيم- أن تشتمل على هذين الشفاءين: أن يُستشفى بها من كل مرض[4] لا إشراك بالنفس، ولا إشراك بالخلق، يكون العبد في غاية التجرد من الجهتين، بعض الناس قد لا يلتفت إلى المخلوقين؛ لأنه أصلاً لا يراهم إلا حشرات، لكن عنده هذه النفس يلتفت إليها، فهو يراها شيئًا عظيمًا هائلاً، لا يُقادر قدره، ولا يُدانيه أحد، ويرى أن الناس لا يبلغون وعلومهم قدر بصقة، كما قال بعضهم، هذه ليست مني، هذه العبارة عبَّر بها بعض من أُعجب بعلمه، فعلوم هؤلاء يرى أنها لا تبلغ قدر بصقته حينما بصق -أعزكم الله- فقد لا يُرائي الإنسان، ولكنه يكون شديد العُجب، لا يرى الناس شيئًا، ويتعامل معهم بفوقية وصلف كِبر وازدراء واحتقار، فهذا لم يُحقق ما جاء في هذه الآية.

ونأخذ من هذه الآية: أن كل نقص في صفاء الإخلاص ونقائه إنما هو بسبب نقص تحقيق العبادة والاستعانة، كما أنه أيضًا نقض لهذا الإعلان الذي يُعلنه الإنسان في كل ركعة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] صباح مساء وما بين ذلك، ثم بعد ذلك ينقض هذا، لربما ينقضه في صلاته نفسها هو يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5] نحن مُخلصون لك يا رب، وهو في هذه الصلاة يُرائي، فأين إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة:5]؟!

وربما يكون مُعجبًا بنفسه، فلا يستطيع أحد أن يقترب منه حتى في صلاته؛ لأنه شديد الإعجاب بنفسه، فيتباعد من المُصلين عن يمينه وشماله، ويربأ بنفسه عنهم، مثل هذا لم يُحقق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] هو يقول هذا بلسانه دائمًا، ولكن فعله وحاله ينقض ذلك، فكل من جانب الإخلاص بالالتفات إلى المخلوقين، أو جانبه بالالتفات إلى النفس، فإنه يكون قد كذب قوله بفعله، فيحتاج الإنسان أن ينظر ونلتفت إلى نفسه حينما نقول هذا الكلام، هل نحن كذلك فعلاً؟ أو أننا ننقض ما نقوله بأفعالنا وأحوالنا ومزاولاتنا.

ومما يُؤخذ منها: أن العبد لا يمكن أن يبلغ مراتب الكمالات، ويحصل له التوفيق والفلاح بمجرد الأماني والرغبة، وإنما لا بد من الاستعانة بالله -تبارك وتعالى- والافتقار إليه، وسؤال الفتح على القلب واللسان بألوان العبودية القلبية والبدنية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] فكثير من الناس لديه آمال وطموحات، لكن هو أبعد ما يكون من الاستعانة بالله، يريد أن يدخل الاختبار، أو يُجري مُقابلة، أو يُقيم عملاً أو مشروعًا، وربما بذل كل مُستطاع من أجل إنجاح هذا المشروع، ولكنه يغفل عن السبب الأهم والأعظم، وهو الاستعانة بالله -تبارك وتعالى.

فكل هذه الأسباب -أيها الأحبة- تتهافت، ويحصل الفشل للإنسان إن لم يحصل له إعانة من ربه وخالقه وقل مثل ذلك في الأعمال التي يعملها الناس، فالطبيب حينما يُعالج المرضى ويُجري العمليات، ونحو ذلك، فلا يعتمد على شطارته وحذقه وخبرته، وقل مثل ذلك أيضًا في المُربي والمُعلم والوالد في تربيته لأولاده، فلا يكتفي بمعلوماته ومهاراته، وكذا قد تجد الرجل يُقدم للآخرين الكثير والكثير ودورات تدريبية وغير تدريبية فيما يتعلق بتربية الأولاد، وفن التواصل، والتعامل والتنشئة وما إلى ذلك، وإذا نظرت إلى حال أولاده وعمله معهم، فقد ترى بونًا شاسعًا، نعم الهداية من الله، فيحتاج العبد إلى استعانة بأعماله هذه جميعًا، فلا يقول: أنا صاحب خبرات، وأنا مُربي فذ وقدير وخبير، وإنما يستعين بالله في تربيته وتعليمه وتوجيهه، ويسأل ربه -تبارك وتعالى- أن يُسدده، وأن يُلهمه رُشده، وأن يوفقه، وأن يهدي به، فلا يكون مُلتفتًا لحاله وعمله، والله تعالى أعلم.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله برقم: (2664).
  2.  المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 175).
  3. المجموع شرح المهذب (1/ 28).
  4. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 78).

مواد ذات صلة