الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[37] تابع لقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} الآية 97.
تاريخ النشر: ١٣ / ذو القعدة / ١٤٢٥
التحميل: 4059
مرات الإستماع: 2840

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ [سورة البقرة:101].

قال السدي: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ قال لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فذلك قوله: كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وهو محمد ﷺ مصدق لما معهم مما جاء في التوراة وفي كتبهم قال: عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة..الخ: لا شك أن هذا الخطاب فيه موجه إلى اليهود الذين عاصروا النبي ﷺ وذلك أمر لا خفاء فيه، لكن قوله -تبارك وتعالى- بعده: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة:102] يحتمل أن يكون الخطاب موجه فيها إلى نفس هؤلاء، ويحتمل أن يتوجه فيه الخطاب إلى أولئك الذين كانوا في عهد سليمان -عليه الصلاة والسلام- أي اليهود الذين كانوا في ذلك الوقت واتبعوا السحر، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله، وهناك نحتاج إلى مثل هذه الرواية، باعتبار أنها أحد القولين في المسألة.

عارضوه بالتوراة فخاصموه بها: فلما وجدوا الاتفاق بين التوراة وبين القرآن، وأنها تصدق ما جاء به النبي ﷺ عارضوه بالسحر الذي كان مكتوبًا وموجودًا منذ ذلك العهد، هذا أحد القولين وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك، لكن هنا لا تحتمل غير هذا، الخطاب موجه إلى الذين كانوا في زمن النبي ﷺ؛ لأنهم هم الذين أدركوه.

وقال قتادة في قوله: كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به، وقال السدي في قوله تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة:102] أي على عهد سليمان .

قوله: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ أي عملوا وفعلوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، أي أنهم اشتغلوا بالسحر.

وَاتَّبَعُواْ: من الاتباع، وبين المعنيين ملازمة، فإذا كانوا اتبعوا ما كانت تتلوه الشياطين على ملك سليمان فمعنى ذلك أنهم اشتغلوا به وتركوا العمل بما أنزل الله، فبعض أهل العلم يفسر قوله: وَاتَّبَعُواْ بمعنى فعلوا، ككبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله- ولا إشكال في هذا، إذا فسرت الاتباع بمعناه الظاهر فإن ذلك يقتضي العمل به، فلك أن تقول: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ أي اشتغلوا بالسحر وعملوا به، وأعرضوا عن كتاب الله .

ولك أن تفسر الاتباع بما يتبادر من معناه، اتبع كذا، بمعنى صار تابعًا له، وذلك يقتضي أن يكون مشتغلًا به عاملًا به، فلم يتبعوا وحي الله وإنما اتبعوا السحر.. ومن هؤلاء الذين اتبعوا؟

يمكن أن ينـزل على ما قبله، فيقال: هذا خطاب لأولئك الذين عاصروا النبي ﷺ وذلك أنهم أردوا أن يعارضوه بالتوراة، فلما وجدوا الموافقة بين التوراة وبين القرآن جاؤوا بكتب السحر هذه فعارضوه بها، كما قال السدي؛ ليكون الكلام بعضه يرجع إلى بعض، في قوله: وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ [سورة البقرة:89]، وقوله: وَاتَّبَعُواْ [سورة البقرة:102]، فيكون موجَّه إلى طائفة معينة.

ويمكن أن يكون ذلك هنا يعود إلى الذين كانوا في زمن سليمان -عليه الصلاة والسلام- حيث اشتغلوا بالسحر، كما قال: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة:102].

وابن جرير -رحمه الله- ذكر معنى يجمع بين هذا وهذا، فقال: ليس ثمة ما تقوم به الحجة من تحديد هذا الخطاب، وتخصيصه بالمعاصرين للنبي ﷺ أو بالذين كانوا في زمن سليمان، ويقول: والذين كانوا في زمن سليمان اتبعوا الشياطين والسحر ولا زال ذلك ساريًا في اليهود فاشيًا فيهم إلى زمن النبي ﷺ وإلى يومنا هذا، فيكون قوله: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ يعني اليهود، فيصدق ذلك على الذين كانوا في زمن سليمان وعلى الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وفي هذا تجمع بين القولين.

لكن حجة أصحاب القول الأول أن السياق يكون مترابطًا متناسقًا، فيقولون: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ وهو النبي ﷺ.

مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ [سورة البقرة:101] وهو القرآن، كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ۝ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة:102].

ولكن طريقة القرآن وإعجازه للفطرة اللغوية وما فيه من البيان العجيب الذي يعجز عنه البشر معروفة، فهو يتحدث عن طائفة ثم يتحدث عن طائفة لربما كانت أخرى بطريقة تأخذ الأسماع دون أن يشعر السامع له أو القارئ ببتر في الكلام أو انفصام أو نحو ذلك، وهذا يسمونه حسن التخلص، فالكلام الذي ذكره ابن جرير -رحمه الله- كلام جيد، والله تعالى أعلم.

قوله: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة: 102]: تَتْلُواْ تحتمل معنيين:

المعنى الأول: وهو ما يتبادر منها من التلاوة، مثل قولك: يتلو القرآن، يتلو كلام الله، فـتَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ أي تقرؤه وتحدث به وتخبر به وتقصه، فيذكرون لهم أشياء وأكاذيب وفراء اختلقوها ولربما نسبوها إلى سليمان -عليه الصلاة والسلام- من أمر السحر.

قوله: عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَعَلَى تحتمل أن تكون بمعنى "في" وتحتمل أن تكون على وجهها ولا إشكال؛ فإن حروف الجر تتناوب.

وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ أي: ما تقصه وتحدث به وتخبر به الشياطين على ملك سليمان، أي على عهد ملك سليمان -عليه الصلاة والسلام- كما تقول: هذا كان على عهد عمر بن عبد العزيز، هذا على عهد عمر بن الخطاب، على عهد الخلفاء، فتضيفه إلى تلك الفترة.

ويمكن أن يكون عَلَى بمعنى "في" أي: واتبعوا ما تقصه وتخبر به وتحدث به الشياطين في عهد ملك سليمان.

ويمكن أن يكون معنى وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ فتفسر تَتْلُواْ بمعنى تعمل وتتبع، أي واتبعوا ما تتلوا الشياطين من تلاه إذا كان تابعًا له، بمعنى ما تعمل به الشياطين وتتبعه الشياطين على عهد سليمان -عليه الصلاة والسلام- من السحر والكهانة وما إلى ذلك.

قوله تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ  [سورة البقرة:102].

وهذه الآية من الآيات التي فيها إشكال، ويختلف فيها المفسرون اختلافًا كثيرًا، فأنا سأحاول أن أقرب المعنى على أقل الاحتمالات المشهورة.

فقوله: وَاتَّبَعُواْ قلنا: هم اليهود إما في زمن النبي ﷺ أو في زمن سليمان -عليه الصلاة والسلام، وابن جرير -رحمه الله- جمع بين المعنيين، فقال: هذا موجه لليهود وما عندنا دليل يخصص طائفة، وكلهم منذ ذلك العهد وهم متبعون للسحر، وهو فاش فيهم، فكلهم متبعون للسحر انتهى كلام ابن جرير.

وهذا جزاء إعراضهم عن كتاب الله فمن ترك ما خوطب به وأمر به عاقبه الله بالاشتغال بضده. 

وهذا فيه قاعدة من القواعد الحسان لابن سعدي -رحمه الله- حيث ذكر أمثلة جميلة عليها، وهي أن من ترك ما هو بصدده أي ما وُجِّه إليه وما خوطب به مما ينفعه اشتغل بضده، فمن ترك سماع القرآن اشتغل بالأغاني، ومن ترك اتباع كتاب الله اتبع الشياطين، والهوى وهكذا، ثم ذكر أمثلة على ذلك..

ومعنى الاتباع عرفناه حيث قلنا يحتمل معنيين هما فعلوا -وهذا اختيار ابن جرير- والثاني: من الاتباع المعروف، و"ما" هنا موصولة قطعًا، أي اتبعوا الذي تتلوه الشياطين على ملك سليمان.

وقلنا إن تَتْلُواْ تحتمل معنيين: 

الأول تتلوا من التلاوة، أي تحدث وتخبر به وتقصه الشياطين إما عن طريق الكهان حيث يسترقون ثم يكذبون معها أو غير ذلك مما كانوا يتعاطونه من السحر فيحدثون به الناس، ويعلمونهم هذا الشر.

أو تتلوا بمعنى تتبع، من تلوته بمعنى تبعته، فتقول: هذا يتلو هذا يعني يتبعه.

وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ الشياطين معروفة.

عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ على هذه تحتمل أن تكون على وجهها، أو بمعنى: في كما سبق، والمعنى واتبعوا ما تتلوه الشياطين على عهد ملك سليمان، وهذا أسلوب عربي معروف.

وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ الروايات التي تذكر في الآية لا يوجد فيها شيء عن النبي ﷺ مرفوع صحيح إطلاقًا، لكن الروايات الإسرائيلية التي نقل كثير من السلف كثيرًا منها يقولون: إن هؤلاء الشياطين أو هؤلاء السحرة أو هؤلاء اليهود الذين صدقوهم نسبوا ذلك إلى سليمان -عليه الصلاة والسلام- ويذكرون في ذلك أخبارًا كثيرة، خلاصتها أن سليمان -عليه الصلاة والسلام- صادر تلك الكتب التي راجت وانتشرت، مما كان ينشره هؤلاء الكهنة أو السحرة ويضللون به الناس فدفنها تحت كرسيه، فلما مات سليمان -عليه الصلاة والسلام- جاء الشيطان وقال لهم: أدلكم على ما كان يسخر به الطير و...إلخ فحفروا فوجدوا هذه الكتب -كتب السحر- قالوا: هذا الذي كان سليمان يقيم به ملكه، فاشتغلوا بها وصدقوا الشيطان في ذلك.

نحن ليس عندنا دليل على هذا الكلام، لكن هذه الآية تكذب من نسب السحر إلى سليمان -عليه الصلاة والسلام- فسليمان كان بريئًا من السحر أيًا كان من أضاف إليه ذلك، سواء كان الشياطين أو كان اليهود أو غير هذا، وأيًا كانت هذه القصص والأخبار التي يذكرونها.

وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ هذا يدل على أن الاشتغال بالسحر كفر؛ لأن السؤال الذي يطرح نفسه هنا أو يتبادر إلى ذهن طالب العلم هو: هل هم قالوا بأن سليمان قد كفر حتى يقال وما كفر سليمان؟

الجواب: لا، هم ما قالوا: أنه كفر، هم قالوا: إنه كان يتعاطى السحر، والسحر كفر، فما قال الله لهم: وما كان سليمان يشتغل بالسحر، وإنما قالوا: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ؛ لأن من اشتغل بالسحر فقد كفر.

وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ أي هم الذين جاؤوا بالسحر واشتغلوا به وكانوا سحرة فكفروا.

يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر القول المشهور الذي عليه عامة المفسرين، وهو الذي يتناسب مع ظاهر الآية، وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري -رحمه الله- ورد ما سواه بقوة، يقول: هؤلاء اليهود اتبعوا السحر الذي كان منذ ذلك الحين، وسليمان بريء من هذا، ولكن الشياطين هم الذين كفروا، حيث علموا الناس السحر، وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.

قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَوَمَا أُنزِلَمَا هنا موصولة بمعنى الذي، أي: اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان واتبعوا الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.

الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ الملكين بالفتح، وهاروت وماروت عائدة إلى الملكين، يعني تستطيع أن تقول: إنها بدل من الملكين، وهذين الملكين اسم أحدهما هاروت، والآخر اسمه ماروت.

وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ يعني الملكان.

 وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا أي: من الملكين.

مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وهو السحر.

على هذا القول يكون المعنى أن اليهود اتبعوا السحر الذي كان على عهد سليمان، وكذلك اتبعوا ما أنزل على الملكين من السحر ببابل هاروت وماروت، وكان هذان الملكان ما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فالسحر أنزل على الملكين وعلموا الناس وكانوا يقولون لكل من تعلم: اتق الله فهذا كفر فلا تشتغل به.

وعلى هذا القول يكون التفسير على ظاهر الآية، ليس فيه دعوى تقديم ولا تأخير، ولا محامل وتأويلات بعيدة.

لكن السؤال الذي يرد على هذا القول والإشكال الكبير هو أن الله تعالى قال: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [سورة التحريم:6] فكيف توجه أن السحر أنزل على الملكين؟

وقد أجابوا عن هذا الإشكال بجوابين:

الأول: أن هذا من قبيل الابتلاء والاختبار للناس، فهؤلاء الملائكة ما كانوا يشتغلون بالسحر وإنما كانوا يعلمون السحر فقط، وبعضهم قال: إن معنى يُعلِّمان من الإعلام بمعنى يُعْلِم، يقولون: هذا موجود في لغة العرب، يقولون مثلًا:

تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر

يعني اعلم أن شفاء النفس قهر عدوها.

وبعضهم يقولون: يعلمون نفس السحر ويقولون للشخص: لا تكفر ولا تشتغل به، فهذا لا يجوز، وذلك ابتلاء واختبارًا، كما قال تعالى: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ وهؤلاء الملائكة بهذا الاعتبار إنما هم منفذون لأمر الله لأن الله جعلهم ابتلاء للخلق، والله يبتلي خلقه بما شاء، كما أنه أوجد الكفر وأوجد الضلال، ووجدت المغريات ووجدت الشهوات، فمن ذلك هذا السحر الذي ابتلى الله به أولئك، فهذا على أساس أنه ابتلاء والملائكة بهذا لم يعصوا الله ولا خالفوا أمره وإنما كانوا منفذين.

المعنى الثاني: أن ذلك لما سبق في علم الله لهما، مثل إبليس على القول بأن إبليس كان من الملائكة، قالوا: سبق في علم الله أنه يزيغ ويضل ويصير عدو لكل فضيلة وخير، فهذان الملكان قضيتهم نفس القضية، وهكذا يوردون روايات إسرائيلية كثيرة، وكلام كثير جدًا ما له أي قيمة، ولا عليه أي دليل، منها أنهم استغربوا من عصيان البشر، وأن الله أنزلهم ووضع فيهم الشهوة، فكان منهم ما كان، وكلام فارغ ما له أي قيمة ولا ينبغي الوقوف عنده، وهو من الأشياء التي يفتريها بنو إسرائيل.

وذكروا قصة القمر والزهرة ذلك النجم اللامع الذي يظهر بعد الشمس وأنه أكبر نجم أو أوضح نجم في السماء ويقولون: إن هذه كانت هي المرأة، وأنها أخذت الاسم ليصعدان به منهما فصعدت فمسخت هناك، وبعضهم يقول: هي نفس الزهرة نزلت وصارت بصورة امرأة، وقصة لما سبق في علم الله لهما.

وقصة آصف التي يذكرون أنه هو الذي كان كاتب سليمان، وأنه كان يكتب عن سليمان -عليه الصلاة والسلام- وينسجون عنه أشياء، يقولون: إنه كان يكتب ويدفن تحت كرسي سليمان بأمره، فلما مات سليمان -عليه الصلاة والسلام- جاءت الشياطين وقال لهم، أو أنهم أخرجوا هذه الكتب وكتب بين ذلك أشياء من السحر مع كلام سليمان وأخرجوه وقالوا: هذا الذي كان يكتبه سليمان -عليه الصلاة والسلام.

بل إن بعض أصحاب هذا القول -أنه لما سبق في علم الله- بالغ بعضهم وقال: إن الملائكة تقع منها الذنوب والمعاصي، وهذا قول عجيب، ويقولون: لكن ذلك يقع منهم تكلفًا كما أن الطاعة تقع من الإنس تكلفًا، وإلا فالنفوس مركبة فيها الشهوات والأهواء بالنسبة للبشر، والشرائع وضعت على خلاف داعية الهوى في النفس، بالنسبة لنا فتحتاج إلى مجاهدة حتى تكون ممتثلة، لكن بالنسبة للملائكة، قالوا: ما يفعلون المعصية إلا تكلفًا، ويذكرون هذا عند قضية إِلاَّ إِبْلِيسَ [سورة البقرة:34]، وهذا الكلام باطل لا حقيقة له.

وهناك أقوال أخرى مثل دعوى تقديم وتأخير، وحمل بعض الجمل على بعض المحامل التي قد يكون فيها إشكال أو بعد، نذكرها لاحقًا.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

مواد ذات صلة