تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 16 / ربيع الآخر / 1441 - 13 / ديسمبر 2019
[5] قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية 27.
تاريخ النشر: ٢٦ / شوّال / ١٤٢٨
التحميل: 2408
مرات الإستماع: 2170

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء [سورة إبراهيم:24] الآية:

"وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به ويقتضيه علم الرب الذي تكلم به وحكمته، فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، كذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به، فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح والهدي والدَّل المرضي، فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور، فإذا كان العلم صحيحاً مطابقاً لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقاد مطابقاً لما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله، والإخلاص قائم في القلب، والأعمال موافقة للأمر والهدي، والدَّل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها، علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ومنها أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان يَخلَق في القلب كما يَخلَق الثوب فجددوا إيمانكم[1]، وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده أن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم.

ومنها أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لابد أن يخالطه دَغَل ونبت غريب ليس من جنسه، فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه كمل الغرس والزرع واستوى وتم نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى، وإن تركه أوشك أن يغلِب على الغراس والزرع ويكون الحكم له، أو يُضعِف الأصلَ ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته، ومن لم يكن له فقهُ نفسٍ في هذا ومعرفة به فإنه يفوته ربح كبير وهو لا يشعر، فالمؤمن دائماً سعيه في شيئين سقي هذه الشجرة وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم، والله المستعان وعليه التكلان.

فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة وقلوبنا المخطئة وعلومنا القاصرة وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، وصفت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق، وبهذا تعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل، والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختص برحمته.

فصل

ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا عرق ثابت، ولا فرع عالٍ، ولا ثمرة زاكية، فلا ظل ولا جنى ولا ساق قائم، ولا عرق في الأرض ثابت، فلا أسفلها مُغدِق، ولا أعلاها مونق، ولا جنى لها، ولا تعلو بل تُعلى.

وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكسبهم وجده كذلك، فالخسران الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه، الذي هو كتاب الرب سبحانه.

قال الضحاك: ضرب الله مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليس لها ثمرة ولا فيها منفعة، كذلك الكافر لا يعمل خيراً ولا يقوله، ولا يجعل له فيه بركة ولا منفعة.

وقال ابن عباس -ا: وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [سورة إبراهيم:26] وهي الشرك، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ يعني: الكافر اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملاً، فلا يقبل عمل المشرك ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض.

وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض ولا يصعد إلى السماء.

وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إن رجلاً لقي رجلاً من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة.

وقوله: اجْتُثَّتْ أي: استؤصلت من فوق الأرض، ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين، أصحاب الكلم الطيب، وأصحاب الكلم الخبيث، فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن القول الثابت، فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم"[2]أ. هـ.

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى:

وروى البخاري عن ابن عمر -ا- قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني عن شجرة تشبه -أو كالرجل- المسلم، لا يتحات ورقها صيفاً ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً، قال رسول الله ﷺ: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، قال: ما منعك أن تتكلم؟ قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا"[3].

وعن ابن عباس -ا: كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ قال: هي شجرة في الجنة، وقوله: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ قيل: غدوة وعشياً، والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يُرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين، بِإِذْنِ رَبِّهَا أي: كاملاً حسناً كثيراً طيباً مباركاً، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله: "بِإِذْنِ رَبِّهَا أي: كاملاً حسناً"، ليس هو معنى بِإِذْنِ رَبِّهَا وإنما أراد أن يصل المعنى فحسب، يعني يريد أن يصل هذه الجملة بكلامٍ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [سورة إبراهيم:25] كاملاً تاماً لا نقص فيه، هذا الذي قصد، ومعنى بِإِذْنِ رَبِّهَا: لا يكون شيء إلا بإذنه -تبارك وتعالى- ومشيئته، وفي مثل هذه الأشياء المقصود بالإذن فيها الإذن الكوني، بخلاف قوله -تبارك وتعالى: مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [سورة الحشر:5]. 

والأقرب أنه يشمل الإذن الكوني والإذن الشرعي، والنبي ﷺ مثّل المؤمن بالنخلة، لكن الكلام على الكلمة الطيبة، وليس الكلام على المؤمن، فالكلمة الطيبة كشجرة طيبة، والله لم يحدد شيئاً بعينه، فيقال: كشجرة طيبة، وهو ما كان بهذه المثابة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ۝ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ، فلا يختص هذا بشجرة في الجنة، أو بشجرة بعينها، وإنما المقصود هو البيان والإيضاح للحالة المشبه بها، المضروب بها المثل.

وقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ هذا مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات، مشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها الشريان، رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك -: أنها شجرة الحنظل.

هذا على سبيل المثال، وإلا فإن ذلك لا يختص بشجرة الحنظل، وإنما كل ما ينطبق عليه هذا الوصف؛ ولذا قال بعض السلف غير هذا، وإنما ذكروا أشياء أخرى، بعضهم يذكر من الأشجار أشجار البرية، وبعضهم يذكر غير هذا.

فالمقصود هو موطن العبرة، وهو ما ضرب له المثل، حال الكافر، أو حال الكفر، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ فإن الكفر لا يورث ثماراً، وإنما يورث ثماراً مرة، فإذا كان الإنسان كافراً فسدت أعماله وأحواله كلها، وصار كده وسعيه وشغله فيما يضره ولا ينفعه، فيما يبعده من ربه -تبارك وتعالى، ولا يقربه، فلا يصدر منه إلا كل سيئ؛ إما لذاته، وإما لفساد قصده فيه، لا يريد به وجه الله -تبارك وتعالى.

فالكفر نجاسة غليظة، وهي داء إذا دخل في قلب الإنسان أفسد عليه أمره كله، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ، فالكفر والشرك ليس له أصل ثابت ولا برهان ولا حجة، وإنما هو شيء لا يجاوز أفواه قائليه، وهذه المعبودات التي يعبدونها من دون الله  ما هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.

وشجرة الحنظل ليس لها ساق، وتمتد في الأرض يخرج منها ثمر يشبه البطيخ، لكنه مستدير تقريباً، أخضر وإذا استوى صار أصفر، إذا فتحته وجدت فيه حباً أسود، في غاية المرارة، يضرب به المثل في المرارة، يقال: فلان حنظلة، يسمون حنظلة من أجل أعدائهم، أي شديد المرارة، وإذا وطأ عليه الإنسان بباطن القدم استطلق بطنه، وهو معروف ينبت ولا يُزرع، طفيلي في المزارع المهملة، أو في حواشيها، والصحاري.

وقوله: اجْتُثَّتْ أي: استؤصلت، مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.

يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء [سورة إبراهيم:27].

روى البخاري عن البراء بن عازب -ا: أن رسول الله ﷺ قال: المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ[4]، ورواه مسلم أيضاً وبقية الجماعة.

هذا الحديث هو من قبيل التفسير النبوي، وقد ذكر النبي ﷺ فيه الآية، وهو ثابت في الصحيحين، لكن قوله ﷺ: فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ، إذا سئل في القبر، ليس بصريح في أن هذا من التثبيت في الحياة الدنيا أو في الآخرة، هذا الحديث ذكر السؤال في القبر وذلك داخل في قوله: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ فهذا مما يدخل فيه، النبي ﷺ ذكر نوعاً يدخل فيه التثبيت وهو الظاهر؛ لأنه ذكر الحياة الدنيا والآخرة، وهما داران، وذكر السؤال في القبر، فيبقى النظر، هل هذا التفسير من النبي ﷺ الذي قصد به السؤال في القبر هو من التثبيت في الحياة الدنيا؟ ثم يبقى النظر بعد ذلك في التثبيت في الآخرة عند سؤال الله للعبد والحساب، فعلت كذا وكذا، والإنسان بحاجة إلى تثبيت عند سؤال الله ، والحساب، كما أن الإنسان بحاجة إلى تثبيت قدمه على الصراط.

فمن أهل العلم من يقول: إن السؤال في القبر هو المراد بقوله: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الدنيا، وَفِي الآخِرَةِ هو عند الحساب، وقالوا: القبر لا زال في الدنيا، كيف لا زال في الدنيا، قالوا: إن الآخرة لا تكون إلا بعد البعث والنشور، فجعلوا التثبيت الأول في القبر في الحياة الدنيا، والثاني بعد البعث والنشور، عند الحساب، وهذا فيه إشكال؛ لأن القبر هو أول منازل الآخرة، وإذا مات ابن آدم قامت قيامته.

ولهذا فإن من أهل العلم من يقول: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إن هذا على ظاهره، يثبتهم على الصراط في الدنيا، فيثبتون على إيمانهم، وطاعتهم لله ورسوله ﷺ حتى الممات، والنبي ﷺ كثيراً ما كان يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك[5]، فيدعو الإنسان بهذا؛ لأنه بحاجة إليه، فهذا تثبيت في الحياة الدنيا، والتثبيت في الآخرة فسره بعض السلف بالقبر، فالقبر من الآخرة، ويمكن أن يقال: إن هذا أحد الأنواع الداخلة تحته، فالتثبيت في الآخرة يشمل سؤال الملكين، وكل ما يحتاج فيه الإنسان إلى التثبيت، على الصراط، وتثبيت قدمه على الصراط وعند سؤال الله  ومحاسبته إياه، وَفِي الآخِرَةِ، والله أعلم.

وروى الإمام أحمد عن البراء بن عازب -ا- قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ، وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ـ قال: فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من فِي السقاءِ، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدَعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذين بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة ـ قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي[6].
  1. رواه الحاكم في المستدرك، (1/45)، برقم (5)، وقال: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين ورواته مصريون ثقات، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1585)، وصححه في صحيح الجامع برقم (1590).
  2. الأمثال في القرآن الكريم للإمام ابن القيم (38-41)، وإعلام الموقعين عن رب العالمين (1/204-207).
  3. رواه البخاري برقم (131)، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، ومسلم برقم (2811)، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب مثل المؤمن مثل النخلة.
  4. رواه البخاري برقم (4422)، كتاب التفسير، باب يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، ومسلم برقم (2871)، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، واللفظ للبخاري.
  5. رواه الترمذي من حديث أنس برقم (2140)، كتاب القدر عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، وأحمد في المسند (19/160)، برقم (12107)، وقال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2091)، وفي صحيح الجامع برقم (13947).
  6. رواه الإمام أحمد في المسند (30/499)، برقم (18534)، وقال محققوه: إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1676).

مواد ذات صلة