الخميس 16 / شعبان / 1441 - 09 / أبريل 2020
[3] من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} الآية 20 قوله تعالى: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} الآية 22.
تاريخ النشر: ٠٤ / ذو القعدة / ١٤٢٨
التحميل: 2600
مرات الإستماع: 2384

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تتمة تفسير قول الله -جل وعلا:

وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ [سورة الحجر:19].

قال: ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.

وقال ابن عباس -ا: مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ أي: معلوم، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عتيبة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة.

وقوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [سورة الحجر:20] يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة، وقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [سورة الحجر:20] قال مجاهد: هي الدواب والأنعام.

وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام، والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورِزْقُهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ، قال: ”أي: معلوم“، وبعضهم فسره مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ أي: مقدر، يعني أنزله الله بقدر قدّره، وبعضهم قال: أي: معدود، وبعضهم يقول: مقسوم، وبعضهم يقول: بميزان مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ أي: بميزان الحكمة.

وهذه الأقوال لا منافاة بينها، وهي من اختلاف التنوع، أنزل من كل شيء موزون يعني أن الله لم ينزل هذه الأشياء بلا تقدير، وإنما أنزل ذلك وفق حكمته بقدر قدّره، يعلم أن المصلحة والحكمة تقتضيه، كما قال سبحانه: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء [سورة الشورى:27]، هذا في أرزاق الناس، وهكذا ما ينزل عليهم من المطر وغير ذلك إنما هو بقدر قدّره الله فلا ينزل في محل، ولا ينزل قطرة إلا بقدر.

فيوجد نوع من الغزلان مثلًا في بعض الأماكن في أمريكا، هذه الفصيلة تتغذى على نباتات موجودة في تلك الناحية، ولكنها تتكاثر بسرعة، فكان يوجد نمور تفترس هذه الغزلان، فقاموا بقتل كثير من هذه النمور، فتكاثرت الغزلان جدًا، وأكلت كل هذا النوع من النباتات، ولم يبق شيء، فصارت تتساقط وتموت بكميات كبيرة، فالله نزل هذه الأشياء بقدر معلوم، بقدر معلوم متوازن.

فكل هذه المعاني التي ذكرها السلف سواء من قال: بميزان الحكمة، أو قال: بقدر الحاجة، أو قال: معدود، أو قال: مقسوم، كلها معانٍ متقاربة، وبعضهم يقول: الموزون: هو المحكوم بحسنه، كما تقول: هذا كلام موزون، فلان كلامه موزون أي ليس فيه ما يعاب عليه وكلامه حسن مرتب، لا خطل فيه ولا شطط ولا خلل، وهذا المعنى لا ينافي المعاني السابقة، فإذا كان الشيء مقدرًا موزونًا بميزان الحكمة، فهذا مثل قول الناس: هذا قول موزون، كلام موزون، فلان هذا يزن فعله، يزن تصرفاته أي أنه يضبطها، فتكون على وجه حسن.

وقال: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، يقول الحافظ ابن كثير: ”المعايش جمع معيشة“، وهذا الكلام الذي ذكره الحافظ -رحمه الله، الكلام الذي قبله يبيّن مراده، قال: ”يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة“، بمعنى أن الله -تبارك وتعالى- جعل الأرض صالحة للحرث، وأودع فيها من المعادن وغير ذلك من الأمور التي ينتفع بها الناس، فيتصرفون فيها بألوان التصرفات فتقوم معايشهم في هذه الحياة الدنيا.

والمعنى الثاني: أن المقصود بالمعايش المطاعم والمشارب، وما يأكله الناس، يعني جعل فيها ما يعيش عليه الإنسان من الطعام والشراب، هذا المعنى الثاني، والآية تحمل المعنيين، وكل ذلك صحيح -والله تعالى أعلم.

فالله جعل هذه الأرض مهيأة بحيث تقوم عليها معايش الناس ومصالحهم، كما قال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [سورة الملك:15]، فذللها لهم من أجل أن يتنقلوا عليها ويعملوا فيها من أجل تحصيل أرزاقهم وأقواتهم، والمعنى الثاني: جعل فيها ما تقوم عليه حياتهم من الطعام والشراب وهذا كله حاصل وواقع، وكله داخل في هذه المعايش، والله تعالى أعلم.

وقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، فسرها كثير من السلف بمعنى: لا تقومون برزقهم، وإنما الله -تبارك وتعالى- هو الذي يرزقهم، من الدواب التي تركبونها، أو تأكلونها، وكذلك قول من قال: الوحوش والسباع، يعني جعل الله لها في الأرض معايش، وكذلك العبيد، الإماء، وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، فقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ”مَن“ هذه تفيد العموم، وهي وإن كانت تستعمل للعاقل إلا أنه يمكن أن يدخل فيها غير العاقل تغليبًا للعاقل، فالله -تبارك وتعالى- جعل في هذه الأرض معايش تقوم عليها حياة الناس، وجعل فيها معايش تقوم عليها حياة غيرهم ممن لا يرزقونهم، بل قد لا نعلمهم نحن من صنوف الحيوان، وغير ذلك من الحشرات والطيور.

ومن أهل العلم من يفسر الآية بغير هذا، فيقول بأن قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ الضمير يعود على محل لكم في قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ يعني كما جعلنا لكم فيها معايش جعلنا فيها من لا تقومون برزقهم، فجعل الأمرين، جعل المعايش وجعل هؤلاء من العبيد والإماء والدواب، والفرق بين المعنيين ظاهر.

وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ ۝ وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ۝ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ۝ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ۝ وَإِنّ رَبّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [سورة الحجر:21-25].

يخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف، وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ كما يشاء وكما يريد، ولِمَا له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب، بل هو كتب على نفسه الرحمة، قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله -: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عامًا ههنا وعامًا ههنا، ثم قرأ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ الآية، رواه ابن جرير.

قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ بمعنى أنه مالك لكل شيء، خزائن السماوات والأرض بيده -تبارك وتعالى، وبعضهم فسر الخزائن بالمفاتح، فمفاتح الرزق كلها بيده -تبارك وتعالى، وإذا كانت مفاتح الرزق بيده فإن خزائنها بيده، وبعضهم خص ذلك بالمطر وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ، وهذا وإن اختاره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، إلا أنّ أول الآية يدل على العموم، وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ يعني ما من شيء إلا عندنا خزائنه، فخزائن جميع الأشياء بيده -تبارك وتعالى- وَمَا نُنَزّلُهُ الضمير في قوله: ننزله لا يختص بالمطر، وما ذكره بعض السلف فيما يتعلق بالمطر، وما أورده الحافظ ابن كثير -رحمه الله- عن عبد الله بن مسعود كل ذلك لا يعني الحصر، وَمَا نُنَزّلُهُ أي: الرزق الذي منه المطر.

وقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها، وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم، فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعدًا.

”الرياح“ على قراءة الجمهور، وقرأ حمزة: ”الريح“، أَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ، ومما اشتهر في كلام بعض المتقدمين أن الريح إذا جاءت في القرآن فهي للعذاب، والرياح بخلاف ذلك، والإطلاق غير صحيح، ومما يرده هذه القراءة المتواترة، فليست هذه للعذاب، وكذلك أيضًا في قوله -تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ [سورة يونس:22]، فذكر الريح الطيبة، ويمكن أن يقال: الغالب أن الريح تستعمل لما يكون عذابًا، والرياح لغير ذلك، وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ قال: ”أي: تلقح السحاب“.

وعن عبد الله بن مسعود في قوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمري السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة.

اللقحة يعني الناقة، والناقة لا يستطيع أحد أن يأتي لها ويحلبها مباشرة، بل لا بد له أن يأتي إما بولدها ويجعله يبدأ في رضاعها أو يشمشم ضرعها أو نحو هذا فتبدأ تدر، أو يبدأ يمسح على ضرعها حتى تتهيأ ثم تدر.

وكذا قال ابن عباس -ا- وإبراهيم النخعي وقتادة.

يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله: ”ترسل الريح فتحمل الماء من السماء ثم تمري السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة“، فتدر يعني تخرج هذا المطر، وكذلك يقال في كلام العرب: مرت اللقحة إذا جمعت ماء الفحل في جوفها، فهذا السحاب الرياح تلقحه فيجمع المطر، هذا معنى.

والمعنى الثاني: أن الرياح تلقحه بمعنى يكون ذلك كالمري فيدر، فالسحاب لا يكون منه المطر إلا إذا لقحته الريح، وبعض العلماء فسر الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ بأن الرياح تحمل السحاب، كما أن الناقة يقال لها: لقحة لأنها تحمل في بطنها جنينها، فالرياح لواقح يعني تحمل السحب، والآية تحتمل المعنيين، لكن ظاهر اللفظ لَوَاقِحَ يدل على أنها تلقحه كما تلقح أيضًا الأشجار، وإن كان يحتمل المعنى الآخر.

وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.

بعض أهل العلم حمله على هذه المعاني، فاللفظ يحتمل هذا وهذا، الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ يعني: تحمل كما أن الناقة تحمل اللقحة، قيل لها ذلك لحملها مثلًا، وهي أيضًا تلقح السحاب والشجر، فدل القرآن على أنها تحمل السحاب، فكل هذا داخل في قوله: لَوَاقِحَ، وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله: أنها تقوم بحمل السحاب، وتقوم أيضًا بتلقيحه، كما قال الله : أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا، أقلّته بمعنى حملته، ويقول الهذلي:

شَربْنَ بماء البحر حتى ترفّعتْ متى لُجَجٍ بيضٍ لهنّ نَئيجُ

السحب: الذي يرفعها هو الريح.

وقال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المبشرة فتقُمّ الأرض قمًّا، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلّفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثم تلا: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.

قوله: الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ الله -تبارك وتعالى- أطلق ذلك، أي أنها تلقح الأشجار وتلقح السحب، واللقاح بين الأشجار يحصل سواء ما نعلمه أو ما لا نعلمه من نباتات في الصحراء، يتم ذلك بالرياح، والإنسان إنما يلقح النخيل من الأشجار فقط، يأخذ من فحولها ويضع ذلك في إناثها.

مواد ذات صلة