الجمعة 24 / ذو الحجة / 1441 - 14 / أغسطس 2020
[14] من قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} الآية 84 إلى قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} الآية 88.
تاريخ النشر: ٢٦ / ذو الحجة / ١٤٢٨
التحميل: 2796
مرات الإستماع: 2366

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله- تعالى في تفسير قوله تعالى:

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ۝ وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ۝ وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ۝ وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ۝ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ [سورة النحل:84-88].

يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمة شهيداً وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى: ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ: أي في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كقوله: هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ۝ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [سورة المرسلات:35، 36] فلهذا قال: وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ۝ وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ: أي: الذين أشركوا الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة، وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ: أي: لا يؤخر عنهم بل يأخذهم سريعاً من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وُكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر وبكذا وبكذا، وتذكر أصنافاً من الناس، كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتلتقطهم من الموقف كما يلتقط الطائر الحب.

قال الله تعالى: إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ۝ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ۝ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [سورة الفرقان:12-14]، وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [سورة الكهف:53] وقال تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ۝ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ [سورة الأنبياء:40].

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ المجيء بثم هنا التي تدل على الترتيب: الله قال: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فيشهد عليهم وعلى إجابتهم وأعمالهم، ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ كأنه يدل -والله تعالى أعلم- على أن ما يُمْنونَ به من المنع من الاعتذار يضاف إليه ما هو أشد عليهم من ذلك، وهو أن هؤلاء -نسأل الله العافية- يحصل لهم القنوط، وأنهم بعد أن يشهد عليهم الأنبياء بأعمالهم، يحصل لهم فوق ذلك المنع من الاعتذار، الأمر الذي يؤذن بقنوطهم ويأسهم من الخلاص والانفكاك من عذاب الله -تبارك وتعالى.

وقوله -تبارك وتعالى- هنا: وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، لا يستعتبون؛ لأن العتاب حينما يقع إنما يكون -غالباً أو عادةً- لأجل العود إلى ما يرضي المعاتب، فهو يعاتب من قصر أو أخطأ من أجل أن يرجع إلى ما يرضيه فيرتفع عنه العتاب، أما إذا كان هذا العتاب متوجهاً على العزم وعلى السخط فإنه لا يجدي شيئاً، إنما يكون للتبكيت فيكون ذلك زيادة في الحسرة، فحينما تقول لمن لا تطلب منه الاعتذار لترضى عنه وإنما أنت عازم على عدم الغفران والمسامحة تقول له: ما الذي حملك على كذا؟ وما الذي حملك على كذا؟ فيكون فيه زيادة في التبكيت، وهذا لا شك أنه من زيادة العناء والشقاء على هذا المبتلى.

والمقصود لا يستعتبون: أي لا يطلب منهم أن يسترضوا ربهم -تبارك وتعالى، فلا يذكرون الأعذار التي يستجلبون بها رضاه، فهم مهما قالوا ومهما تكلموا فإن الله لا يرضى عنهم، فهم لا يُكلفون أن يرضوا ربهم، لا يستعتبون، وأصل هذه الكلمة من العتب وهو الموجِدة، وإذا رجع إلى ما يرضي المُعاتب، رجع إلى مسرته ومرضاته، يقال: أعتبه، ولهذا تقول: عاتبته فأعتبني، يعني صدر منه ما يرضي من عاتبه، والمستعتِب هو طالب العتبى، الذي يطلب الاعتذار، يقال له: مستعتِب، والسين والتاء كما هو معلوم للطلب، وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، وأشار إلى الحديث: أنه يخرج عنق من النار ويقول: وكلت بكذا وكذا، هنا يشير إلى حديث أبي هريرة عند الترمذي[1]، وفيه: أنه يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول: إني وكلت بثلاثة وذكر من دعا مع الله إلهاً آخر، والمشرك، وذكر أيضاً: المصورين، وكل جبار عنيد.

ثم أخبر تعالى عن تبري آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال: وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ: أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ: أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا، كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [سورة الأحقاف:5، 6].

وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ۝ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [سورة مريم:81، 82]، وقال الخليل -عليه الصلاة والسلام: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ [سورة العنكبوت:25] الآية، وقال تعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ [سورة القصص:64] الآية، والآيات في هذا كثيرة.

هنا في قوله -تبارك وتعالى: وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ۝ وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ۝ وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ، هنا في هذا المقام يعترفون، ويقولون: هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ [سورة النحل:86]، وفي بعض المواضع ينكرون الإشراك أصلاً، وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام:23]، فهم في البداية ينكرون، فإذا قامت عليهم الحجج وشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجوارحهم عندئذ يقرون ويعترفون، وهنا قال الله عن هؤلاء المعبودين إنهم ينكرون عبادة هؤلاء فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ، كما أخبر الله عنهم في يوم القيامة أنهم يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، فهؤلاء الذين يُعبدون سواء كانوا من الملائكة حينما يقولون: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [سورة سبأ:41]، أو كانوا من غيرهم كعيسى ﷺ، أو كانوا من الأصنام والأحجار والأشجار أو غير هذا، فهؤلاء يتبرءون منهم ومن عبادتهم، فيقولون هذا، فما المراد بذلك؟

أما من لا يرضى بعبادتهم فهذا ظاهر، لكن هم وجهوا العبادة إليه، وهو غير راضٍ بهذا، فكيف قال: مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [سورة القصص:63]، مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [سورة يونس:28] كيف أنكروا هذا؟

الجواب: أنهم في الواقع إنما عبدوا الشيطان الذي زين لهم هذا العمل، فهؤلاء الملائكة أو الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الذين عُبدوا، أو الصالحون لم يكونوا يرضون بهذه العبادة، ولم يدعوا الناس إليها، ولم يقروهم على ذلك، وإنما زين لهم الشيطان هذا العمل فاستجابوا له، فاستجابتهم هذه هي عبادة للشيطان، ولهذا قال إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- لأبيه: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [سورة مريم:44] مع أن أباه ما كان يعبد الشيطان في الظاهر، وإنما كان يعبد الأصنام أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً [سورة الأنعام:74] فسماها عبادة للشيطان، فهذه الأحجار والأشجار التي لا تعقل هي لا تصلح للعبادة، وإنما الذي يزين عبادتها هو الشيطان، فيكون هؤلاء من حزب الشيطان وأتباعه وعابديه.

ولما بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى فقطع السمرات ثم رجع إلى النبي ﷺ وأخبره، فأخبره النبي ﷺ أنه لم يفعل شيئاً فرجع إليها فوجد امرأة سوداء ناشرة شعرها، تولول، فعلاها بالسيف، فلما رجع إلى النبي ﷺ وأخبره، قال: تلك العزى هي شيطان؛ ولهذا من المعروف عند العرب في أخبارهم أنهم ربما سمعوا من هذه المعبودات من الأحجار والأصنام من يجيبهم ويرد عليهم.

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أيضاً عن أولئك الذين يعظمون القبور، ويعبدونها من دون الله ، ويعبدون من يسمونهم بالأولياء أنه ربما تلاعب بهم الشيطان، فإذا ركب الواحد منهم البحر وهاجت الريح وارتفع الموج وأوشكوا على الغرق والهلكة، ربما صاح الواحد منهم مستغيثاً بذلك المعبود من دون الله: يا فلان، يا جيلاني، يا بدوي، فتخرج لهم يد تنتشلهم في هذا المركب، ويكون هذا من عمل الشيطان، يلبّس عليهم، وذكروا أن الواحد منهم ربما كان يجلس على الطعام فيرى يد شيخه -وشيخه بعيد يمكن أن يكون في المغرب أو نحو هذا، وهذا في المشرق، تأكل معه، فيظهر له أن ذلك على سبيل الكرامة، والواقع أن هذا هو الشيطان يتلاعب بهم، فحيله كثيرة ويأتي لكل أناس من الطريق الذي يميلون إليه، والله المستعان.

وقوله: وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ قال قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي استسلموا لله جميعهم فلا أحد إلا سامع مطيع، وكقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [سورة مريم:38]: أي ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ، وقال: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [سورة السجدة:12] الآية، وقال: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [سورة طه:111]: أي خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت.

وقوله: وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ: أي ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراءً على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير.

وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ، السَّلم هنا: بمعنى الاستسلام، يعني بعد أن أنكر المعبودون عبادة العابدين وتبرءوا منهم عندئذ استسلم الجميع لله .

وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ معنى ضَلَّ عَنْهُم: أي ذهبت واضمحلت المعبودات التي كانوا يرجونها ويقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [سورة الزمر:3] هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [سورة يونس:18]، إذا جاء في القيامة ذهب عنهم ذلك وتلاشى، فلا يشفعون لهم ولا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، ولهذا قال الله : وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [سورة البقرة:48].

فنفى عنهم كل أسباب الخلاص وعند ذلك يعرفون حقيقة ما هم عليه، ويذلون ويخضعون ويستسلمون، فمعنى ضَلَّ عَنْهُم: أي ذهب واضمحل، هذا أصل معنى كلمة الضلال في كلام العرب، ويأتي كثيراً بمعنى الذهاب عن الحق خاصة، غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [سورة الفاتحة:7]، ولكن يأتي في القرآن على أصل معناه في اللغة وهو الذهاب عن حقيقة الشيء، أو الذهاب عن الشيء والاضمحلال، كقول أبناء يعقوب ليعقوب -عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ [سورة يوسف:95]، ليس المقصود أنه ضال عن الهدى، وإنما قصدوا بذلك أنه ذاهب عن الحق في شأن يوسف -عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ؛ لأنهم لو اتهموه بأنه ضال عن الهدى والإيمان لكفروا بذلك، فهو نبي من أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام، وإنما المقصود هنا الذهاب عن حقيقة الشيء، تقول: ضل الماء في اللبن بمعنى ذهب واضمحل، وهكذا.. وله شواهد كثيرة في كلام العرب.

ثم قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا الآية: أي عذاباً على كفرهم، وعذاباً على صدهم الناس عن اتباع الحق، كقوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [سورة الأنعام:26]: أي ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضاً، وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [سورة الأنعام:26] وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتِهم، كما قال تعالى: قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ [سورة الأعراف:38].

في قوله هنا: الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا، كفروا وصدوا، صدَّ: تأتي لازمة وتأتي متعدية، تقول: صد صدوداً، وتقول: صد عن الحق، وصد في نفسه، فصد في نفسه هذا معنى كونها لازمة، أي: أعرض، وصد زيداً، أو صد الناس، هذه متعدية إلى المفعول، يعني صد غيره، فكلمة صد تأتي للمعنيين: صد في نفسه وصد غيره، كقول الله عن المنافقين: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ [سورة المنافقون:2] صدوا في أنفسهم وصدوا غيرهم عن اتباع الحق، وصدوا المؤمنين عن رسول الله ﷺ والعمل بطاعته، فثبّطوهم عن ذلك، وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ [سورة النساء:72] قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [سورة الأحزاب:18].

هنا في هذا الموضع هل تُحمل صد على اللازمة أو المتعدية أو على المعنيين؟ الأحسن -والله أعلم- أن تحمل هنا على أنها متعدية، الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ، فلو قلنا بأنها لازمة صَدُّواْ: يعني في أنفسهم فإن ذلك يكون من قبيل التكرار، مع قوله: كَفَرُواْ، فإن كفرهم صدود؛ لأن الذي كفر لا شك أنه صد عن الحق في نفسه، والقاعدة: ”أن التأسيس مقدم على التوكيد“ أي: القول بأن الكلمة الثانية أو الجملة الثانية تُنشئ معنىً جديداً أولى من القول بأنها مؤكدة للمعنى الأول، فإذا قلنا بأن صد هنا لازمة فإن ذلك يكون تكراراً مع قوله: كَفَرُواْ فالقول بأن صد هنا متعدية أولى بناءً على القاعدة: ”التأسيس مقدم على التوكيد“، فإذا كانت متعدية فسيكون المعنى: الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ غيرهم.

ويدل على هذا المعنى ما جاء بعده من قوله -تبارك وتعالى: زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ فالزيادة في العذاب بأي اعتبار؟ باعتبار أنهم تحملوا أوزار الآخرين الذين صدوهم، وتسببوا في ضلالهم، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ [سورة العنكبوت:13]، فهذه قرينة تدل على أن المراد بصد هنا المتعدية، والله أعلم.

  1. سنن الترمذي: باب ما جاء في صفة النار:2574) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وصححه الألباني. انظر السلسلة الصحيحة (2/25) رقم (512).

مواد ذات صلة