الأحد 14 / ذو القعدة / 1441 - 05 / يوليو 2020
[19] من قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ} الآية 110 إلى قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الآية 117.
تاريخ النشر: ٠٣ / محرّم / ١٤٢٩
التحميل: 2723
مرات الإستماع: 2175

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [سورة النحل:110، 111].

هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر تعالى: أنه مِن بعدها -أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة- لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ: أي تحاجُّ عَن نَّفْسِهَا ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ: أي من خير وشر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ: أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظلمون نقيرًا.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ، صح عن ابن عباس -ا- أنها نزلت فيمن كان بمكة من المسلمين، وأكرهوا على الخروج مع المشركين في يوم بدر، فمن حصل له ذلك بعدها من الهجرة والجهاد والتوبة والصبر فالله يغفر له ذنبه.

وقوله -تبارك وتعالى: إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ، من بعد ماذا؟ الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: أي من بعد تلك الفعلة والإجابة إلى الفتنة، يعني من بعد الذنب، لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وهذا تحتمله الآية، وبعضهم يقول: المراد من بعد المهاجرة والجهاد والصبر والتوبة، فإن الله يغفر له ذلك.

وبعضهم يقول: هذا يرجع إلى الجميع، مِن بَعْدِهَا: أي من بعد ما عملوا ذلك وتابوا منه وهاجروا وغيَّروا الحال فإن الله غفور رحيم، ولا شك أن هذه المغفرة التي ذكرتْ إنما كانت بعد أن تابوا ورجعوا وهاجروا وجاهدوا مع المسلمين، إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ فهذه المهاجرة ونحو ذلك مُرتَّبة على الفتنة التي حصلت لهم، فالذين كانوا في مكة من المستضعفين أُخرج من أخرج منهم في غزوة بدر وقتل بعضهم، وفي مثل هؤلاء يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [سورة النساء:97]، واستثنى من هؤلاء صنفًا وهم المستضعفون الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، تبينه الآية الأخرى وهم الصبيان والنساء، فهؤلاء لا يستطيعون الهجرة، فهم معذورون، لكن الرجال الأقوياء وهم في الغالب شباب فمثل هؤلاء توعدهم الله بما توعدهم به حينما خرجوا مع المشركين، والله المستعان.

وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ۝ وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [سورة النحل:113].

هذا مثلٌ أريد به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، ويتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، كما قال تعالى: وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا [سورة القصص:57]، وهكذا قال ههنا: يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا: أي هنيئًا سهلًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ: أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم.

كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ۝ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [سورة إبراهيم:28، 29] ولهذا بدلهم الله بحاليْهم الأوليْن خلافهما، فقال: فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ: أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وذلك لمّا استعصوا على رسول الله ﷺ وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبعٍ كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العِلْهز وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه.

الله المستعان، ولربما خلط بالقراد، الوبر والدم والقراد.

قوله -تبارك وتعالى- هنا: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً، الذي عليه الجمهور من المفسرين، واختيار الحافظ ابن كثير وقبله ابن جرير، وممن رجحه من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- أن المراد مكة، واحتجوا لهذا بقرائن من هذه الآية وما بعدها، وهو أن الله قال: قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ، كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً قالوا: القرآن دل على هذا، أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا، ويَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ قالوا: يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، والقرآن يفسر بالقرآن، وفَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ والنعمة هنا مفرد مضاف إلى المعرفة نِعْمَةَ اللّهِ مضاف إلى الاسم الظاهر لفظ الجلالة، وهذا للعموم.

بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا: أي بدلوا نعم الله كفرًا، وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ [سورة المائدة:7]: يعني اذكروا نعم الله عليكم، هذا المعنى، فقالوا هنا: فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وذلك حينما دعا عليهم النبي ﷺ فأصابهم ما أصابهم من شدة الجوع حتى إن الواحد منهم كان يرى ما بينه وبين السماء مثل الدخان من شدة الجوع، حتى أكلوا العِلْهِز والميتات، وكذلك من القرائن ما قال الله بعدها: وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ: يعني لو قيل: الآية على العموم في أي وقت في أي قرية كانت آمنة مطمئنة، فكيف قال: وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ؟ فدل ذلك على أنها قرية معينة وهي مكة.

وهذا القول هذه الشواهد مجتمعة تدل عليه، ولماذا ضرب الله هذا المثل بقرية معينة؟ من أجل أن يتعظ به الناس في كل زمان ومكان، فليس بين الله وبين أحد من المخلوقين نسب، ولا سبب إلا العبادة والتقوى والإيمان والتوحيد، فكل من فعل هذا الفعل فهو مستحق لهذه العقوبة، أن تُبدل نعمة الأمن إلى الخوف، ونعمة الرخاء إلى الشدة.

وقوله -تبارك وتعالى- هنا: فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ هنا عبر بأمرين بالإذاقة وباللباس، فأما الإذاقة لـلِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ -والذي يذاق هو الطعام من مشروب ومأكول- فعبر بها فيما يتعلق بالجوع والخوف، -والله تعالى أعلم- لشدة تمكنه منهم حتى بلغ منهم مبلغًا فصار ذلك بمنزلة الذوق الذي يجتمع فيه الإدراكان.

فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، وأما اللباس، فقد سماه لباسًا، لِبَاسَ الْجُوعِ لما يظهر عليهم من آثاره، لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ من الشحوب والهزال وما إلى ذلك مما لا يخفى، حينما تقع الشدة في قوم فإن ما يعانيه الإنسان لا شك أنه يظهر على وجهه، فالسرور يظهر على وجه الإنسان، والنعمة والرغد تظهر على وجهه، وشدة الحال تظهر على وجهه، والمرض يظهر والخوف يظهر، كل ذلك يبين عنه الوجه، فهو مرآة تعكس حال الإنسان، ولهذا قال الله : تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ [سورة البقرة:273]، والراجح في تفسيرها كما قال ابن جرير وغيره: تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ: أي بما يظهر على وجوههم، وما يظهر عليهم من شدة الحال، من شحوب الوجه ورثاثة الثياب وما إلى ذلك، فالفقير يعرف من حاله ولباسه، وهكذا، حينما تأتي بناس فقراء وناس أغنياء ألا يظهر هذا على تقاسيم وجوههم، وأولادهم؟ يعرف الفقير من الغني من الوجه غالبًا.

وقوله: وَالْخَوْفِ وذلك أنهم بُدلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة، من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال حتى فتحها الله على رسوله ﷺ وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ [سورة آل عمران:164] الآية.

وقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ۝ رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [سورة الطلاق:10، 11]، وقوله: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ۝ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [سورة البقرة:150، 151] وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم، وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله العوفي عن ابن عباس -ا، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري -رحمهم الله.

مع أنه حكي عن الزهري، جاء عن الزهري أن المقصود بذلك المدينة، وهذا في غاية الغرابة، بل هو قول مردود -أن المراد بذلك المدينة؛ لأنه متى بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار؟ متى وقع لهم مثل هذا، فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ؟

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ۝ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ۝ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [سورة النحل:114-117].

يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على ذلك؛ فإنه المنعم المتفضل به ابتداءً، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم من الميتة والدم ولحم الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ: أي ذبح على غير اسم الله، ومع هذا فَمَنِ اضْطُرَّ إليه أي احتاج من غير بغي ولا عدوان فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية عن إعادته، ولله الحمد.

ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه، و”ما“ في قوله: لِمَا تَصِفُ مصدرية، أي ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، ثم توعد على ذلك فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ: أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [سورة لقمان:24] وقال: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ۝ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ [سورة يونس:69، 70].

قوله هنا: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ، كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في أن ”ما“ مصدرية، لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: أي ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، ما المعنى على هذا التفسير؟ وما مراد ابن كثير بأن ”ما“ مصدرية؟ كيف يكون المعنى؟ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، يقول: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، واللسان: يعبر به عن الكلام، بمعنى لا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام، أي ما افترته ألسنتكم وادعته هذه الألسنة تقوّلًا على الله

فقوله: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ أي: لوصف ألسنتكم الكذب لا تقولوا عنه حلال وحرام، مثل البحيرة والسائبة، إلى غير ذلك، ويحتمل أن تكون ”ما“ موصولة، فقوله: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ: يعني للذي تصف ألسنتكم الكذب، هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وهذه الآية وعيد لكل من قال على الله بلا علم، ممن أفتى الناس ولم يتأهل، وتكلم في الحلال والحرام أو غير ذلك بغير علم، وسواء تعمد الكذب أو أنه وقع في ذلك على سبيل الخطأ، والله المستعان.

فائدة:

عبد الله بن كثير القارئ لا يعرف له اشتغال بالتفسير، والمنقول هنا عنه هو من التفسير، وفي كتب طبقات المفسرين لم يُذكر إطلاقًا، وفي كتب تراجم القراء لم يذكر له أي اشتغال بالتفسير، وهو معروف من القراء السبعة، قارئ أهل مكة، لكن في بعض كتب التراجم يوجد آخر يقال له: عبد الله بن كثير السهمي، وآخر عبد الله بن كثير الداري القارئ، وكلاهما من أهل مكة، وكلاهما يروي عنه ابن جريج، الرواية السابقة عندنا من طريق ابن جريج عند ابن جرير في التفسير، فكلاهما يروي عنه ابن جريج، فتوقف فيه جمع من الأئمة، هل هو السهمي، وليس هو في الرواية عندنا، لكن عمومًا في عدد من المواضع توقفوا فيه، هل هو هذا أو هذا؟ وبعضهم اختلف، يعني بعضهم يقول: فلان الذي روى الحديث الفلاني هو فلان، وفلان هو فلان، على كل حال فهناك اثنان كلاهما يقال له: عبد الله بن كثير ومن طبقة واحدة، ومن أهل مكة، ويروي عنهما ابن جريج، فالله أعلم.

مواد ذات صلة