الثلاثاء 14 / ذو الحجة / 1441 - 04 / أغسطس 2020
[22] من قوله تعالى"وننزل من القرءان ما هو شفاء" الآية 82إلى قوله تعالى"فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا" الآية84
تاريخ النشر: ١٥ / صفر / ١٤٢٩
التحميل: 2394
مرات الإستماع: 2224

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظّالِمِينَ إَلاّ خَسَارًا [سورة الإسراء:82].

يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزله على رسول الله ﷺ وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: إنه شفاء ورحمة للمؤمنين: أي يُذهب ما في القلب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاءً في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيد سماعه القرآن إلا بُعدًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [سورة فصلت:44].

وقال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [سورة التوبة:124-125]، والآيات في ذلك كثيرة، قال قتادة في قوله: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه، وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا أي: لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ ”مِن“ هنا ليست للتبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، أو لبيان الجنس، وكما لا يخفى فإن المعنى يختلف تمامًا، فإذا قلنا: إنها تبعيضية فيكون بعض القرآن شفاء وليس كل القرآن، وإذا قلنا: إنها لابتداء الغاية أو لبيان الجنس فإن جميع القرآن شفاء، وهذا هو الصحيح، وهذا الشفاء يدخل فيه المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وهو أنه شفاء لأمراض القلوب من الشبهات والشكوك، فيجلي ذلك، ويذهبه، فلا يبقى شيء منها مع أنوار القرآن، فالله بين فيه الحقائق كما بين فيه الحلال والحرام، ولم يعد للتخرُّصات والأوهام محل في صدور أهل الإيمان، بخلاف ما كان الناس عليه في الجاهلية، حيث يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فجاءهم هذا الفرقان الذي يفرق الله فيه بين الحق والباطل، والهدى والضلال.

ويدخل فيه النوع الآخر أيضًا من الشفاء وهو شفاء الأبدان، مما ألمّ بها من العلل، والأوصاب، وهذا أمر لا شك فيه، وآثاره ظاهرة، ويتفاوت الناس في هذين الشفاءين، القرآن من حيث هو شفاء، ولم يقل الله : إنه دواء؛ لأن الدواء قد يتخلف معه البرء وقد لا يناسب بعض الناس، فيحصل بسببه الداء، وأما الشفاء فهو نتيجة مباشرة ذكرها الله ، وشفاء القلوب، وشفاء الأبدان، يتفاوت الناس فيه؛ بحسب تقبلهم له، وما يكون عند الإنسان من اليقين، فالذي ينظر إلى القرآن باعتبار أنه كتاب يتلى للتقرب والتعبد بحروفه وكلماته ونحو ذلك فحسب، لكنه لا يفهم معانيه كالأعجمي فمثل هذا لا تذهب وساوسه وأوهامه وشبهاته بهذا القرآن؛ ولهذا يتفاوت الناس بحسب ما عندهم من اليقين والمعرفة بمعاني هذا القرآن.

وهكذا فيما يتصل بشفاء الأبدان، فإن ذلك يتفاوت أيضًا بحسب المحل القابل، فالذي يرقى بالقرآن مثلًا، وهو يعتقد أن هذه أشياء لا أثر لها، وأن ذلك لا جدوى له، أو أنه يفعل ذلك على سبيل التجربة، فمثل هذا لا شك أن أثر هذه الرقية سيكون ضعيفًا غاية الضعف، وما ذكره الله من أثر هذا القرآن على الذين لا يؤمنون به، فهو كما قال الله ، كما أنه شفاء للمؤمنين كذلك بالنسبة لغير المؤمنين يكون عليهم عمى، -نسأل الله العافية، ولهذا فإن ما أنزله الله من الهدى والحق كما أن النفوس الطيبة تنتفع به غاية الانتفاع، كذلك النفوس الرديئة لا يزيدها إلا رجسًا وارتكاسًا في ضلالها وعمايتها، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، وهكذا ما يتفرع من ذلك من العلم النافع، فإن من الناس من قد يتعلم العلم ولا يزيده ذلك إلا تيهًا وكبرًا وتعاليًا وتعاظمًا على الناس وغرورًا مع ما يحصل له من الجفاء وقسوة القلب، نسأل الله العافية. 

ولهذا كان من أسباب إعراض الصوفية عن العلوم الشرعية كما ذكر الغزالي في كتابة ”بداية الهداية“ أن العلم لربما يحمل صاحبه على الغرور والكبر والتعاظم والتعالي على الخلق، ومعلوم أن العلم لا يحمل على هذا، لكن قد يوجد في محل لم يروض بطاعة الله ظاهرًا وباطنًا، فمن أخذ العلم بغير الطريق الصحيح فإنه قد يضل ويزل، قد يتعلم الإنسان العلوم الشرعية ويكون ذلك سببًا لمزيد من الحيل والبحث عن المخارج والتبريرات، ويعلل لنفسه ويزين لها أفعالًا يتحرز منها العامة، فهو يخرّج كل هذه التصرفات والانحرافات بتخريجات فقهية، وإذا عرف من خلاف العلماء أشياء فإن ذلك يكون بالنسبة إليه مبررًا للأخذ بما يهوى من الأقوال، وهذا يوجد، فكلما ازداد تعلمًا ازداد انحرافًا، ومثل هؤلاء إن لم يصلح حاله وقلبه فلربما الأفضل له أن يبقى على جهله، ولا يعرف من كلام العلماء في المسائل ما يكون سببًا لانحرافه.

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسّهُ الشّرّ كَانَ يَئُوسًا ۝ قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ فَرَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىَ سَبِيلًا [سورة الإسراء:83].

يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله تعالى في حالتَي السراء والضراء، فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته وَنَأَى بِجَانِبِهِ قال مجاهد: بعُدَ عنا، قلت: وهذا كقوله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ [سورة يونس:12]، وقوله: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [سورة الإسراء:67].

وبأنه إذا مسه الشر -وهو المصائب والحوادث والنوائب- كَانَ يَئُوسًا أي: قنط أن يعود فيحصل له بعد ذلك خير، كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ۝ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ۝ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [سورة هود: 9-11].

قوله تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ، الإعراض هو أن يولي غيره عرض وجهه، بمعنى الإشاحة، والنأي بالجانب يعني أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، وهذا هو الفرق بين العبارتين، والجملة الثانية أدل على الكبر والتعاظم، فكما قال الله : كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [سورة العلق:6-7]، والإنسان هنا يراد به جنس الإنسان، هكذا طبيعته، كما أنه يميل إلى الأمور التي توافق هواه، قد رُكب فيه الهوى، كذلك هو يتأثر بما يلاقيه من الأمور المحبوبة ومن الأمور المكروهة، فإذا لقي الأمور المحبوبة التي يحبها وحصل له الغنى تعاظم وطغى، وإذا حصلت له المكاره انكسر ويئس وأظلمت الدنيا في عينه، ورأى أن هذا هو نهاية المطاف، فحصل له القنوط، هذا من حيث جنس الإنسان، وليس كل أحد؛ لأن النفس قابلة للتهذيب والترويض والتربية فيتغير حاله تمامًا، وقد ترى من هذا أشياء في الحياة عجيبة، إنسان يصيبه البلاء فيكون في غاية القنوط، ثم بعد ذلك يُبصَّر ببعض الأمور فيتحول هذا البلاء بالنسبة إليه إلى نعمة يفرح بها ويلتذ، فالإنسان إذا روض وهذب وبُصِّر فإنه تتغير حاله، لا ينكسر أمام الشدائد ولا ييأس ولا يقنط، وإذا أصابه الغنى، وبُصِّر بحقيقة الدنيا، وبعظم المعبود -، وأنه هو المنعم المتفضل، وبضعف الإنسان، فإنه لا يحصل له الطغيان، فيكون مخبتًا مع الغنى.

وقوله -تبارك وتعالى: وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا أي: يقنط، وهذا لا ينافي قوله -تبارك وتعالى- في الآية الأخرى: فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ [سورة فصلت:51]، إذا أصابه شدة، فيمكن أن يقال: إن هذا يقع لبعض الناس، وهذا يقع لبعضهم، أو يجمع بين الأمرين فيقال: إنه يدعو بهذا الدعاء العريض مع ما ينتابه من مشاعر اليأس والقنوط، فيعتقد أنه لا يمكن أن يربح بعد خسارته، أو أن يبرأ بعد علته ونحو ذلك، والله المستعان.

وقوله تعالى: كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ قال ابن عباس -ا: على ناحيته، وقال مجاهد: على حدته وطبيعته، وقال قتادة: على نيته، وقال ابن زيد: دينه، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وهذه الآية -والله أعلم- تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ الآية، ولهذا قال: يَئُوسًا قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ فَرَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىَ سَبِيلًا أي: منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله فإنه لا يخفى عليه خافية.

قوله تعالى: قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ هذه اللفظة ”الشاكلة“ مأخوذة من الشكل، تقول: لست على شكلي، لست على شاكلتي، ويقال: وما كان على هذه الشاكلة، يعني على هذا الشكل، نظير ذلك، من الأمور التي تشابهه، فالشكل هو النظير والشبيه والمثيل، والمعنى أن كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، وهذا في كل الأشياء، فالمعاني التي ذكرها السلف هنا: على ناحيته، على طبيعته، على نيته، على دينه، وهكذا قول من قال: على طريقته، كل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وعباراتهم متقاربة.

كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ على طريقته، على ما يشاكل طبعه وهواه، وما تميل إليه نفسه، سواء كان ذلك في باب الأعمال بالجوارح، فهذا يجدّ في معصية الله ، وهذا يشغل سمعه بسماع المعازف، وهذا يشغل سمعه بسماع القرآن، وهذا يشغل لسانه بالغيبة والنميمة، وهذا يشغل لسانه بذكر الله -تبارك وتعالى، وهذا يشغل بصره بالصور المحرمة، وهذا يشغل نظره بالنظر إلى آيات الله المتلوة والمشهودة، وكذلك في باب الخلطة والمصاحبة، هذا يخالط الأشرار ويميل إليهم، وهذا يخالط الأخيار والصالحين، هذا يخالط أهل الدنيا والجِدة والثراء، ويحب مجالستهم ومخالطتهم، والآخر يحب مجالس الذكر والعلم، من الناس من يضيق ذرعًا إذا حضر موعظة أو خطبة جمعة، أو كلمة لمدة سبع دقائق، وآخر لا يشبع من مجالس الذكر، فهي روضة بالنسبة إليه من رياض الجنة.

كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ، والموفق من وفقه الله -تبارك وتعالى، فقد ترى الرجل أحيانًا ينشأ في بيئة طيبة وبيئة صالحة وبيئة علم ودعوة، ولا يميل إلى هذه الأشياء أبدًا، وينفر منها غاية النفور، لكن يبحث عن شيء آخر إما مجالس التجار، وإما أصحاب اللهو، وإما يبحث عن الشِّعر النبطي، وإما يبحث عن الأكل والمطاعم، وأنواع الخلطات السرية، وآخر ليس له شغل إلا التجول في الأسواق، كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ، في كل جانب من جوانب الحياة، وهكذا فيما يتعلق بالاعتقادات، فتجد أن اليهود يميلون إلى من يشاكلهم، والنصارى يميلون إلى من يشاكلهم، وأن المنافقين يميلون إلى من يشاكلهم، فينبغي للإنسان أن ينظر إلى أي شيء يميل قلبه، وهل يجد قلبه في مجالس الذكر أو أن قلبه يجذبه إلى مجالس الأشرار وأعمال الفجار، فيعرض الإنسان نفسه على كتاب الله .

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله: ”قال تعالى: قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ.

في تصديره الباب بهذه الآية دلالة على عظم قدره وجلالة محلّه من هذا العلم، فإن معنى الآية: كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به، فالفاجر يعمل على ما يليق به، وكذلك الكافر والمنافق ومريد الدنيا وجيفتها عامل على ما يناسبه، ولا يليق به سواه، ومحب الصور عامل على ما يناسبه ويليق به، فكل امرئ يهفو إلى ما يحبه وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، فالمريد الصادق المحب لله يعمل ما هو اللائق به والمناسب له، فهو يعمل على شاكلة إرادته وما هو الأليق به والأنسب لها“[1].

وقال -رحمه الله- تعالى: ”النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفس المهينة الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك، فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها، وهذا معنى قوله تعالى: قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ أي: على ما يشاكله ويناسبه، فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعاداته التي ألفها وجبل عليها، فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة النعم بالمعاصي والإعراض عن المنعم، والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر المنعم، ومحبته، والثناء عليه، والتودد إليه، والحياء منه، والمراقبة له، وتعظيمه وإجلاله“[2].

وقال -رحمه الله: ”قال تعالى: قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ أي: على ما يشاكله ويناسبه ويليق به كما يقول الناس: كل إناء بالذي فيه ينضح، فمن أرادت من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصدق بين الملأ الأعلى فقد أرادت ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين، ولو أن ملِكًا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقْطهم وغرتهم الذين تتناسب أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم في القبح والرداءة والدناءة لقدح الناس في ملكه وقالوا: لا يصلح للملك، فما الظن بمجاوري الملك الأعظم مالك الملوك في داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم؟ “[3]

هذا المعنى يجده الإنسان في كل شيء، فالذي يفتح القنوات والإنترنت مثلًا أين يذهب؟ قل له: كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ، هذا يبحث عن مواضع في العلم الشرعي، وهذا يبحث عن مواعظ، وهذا يبحث عن الخلاعة، وذاك يبحث عن الشبهات -نسأل الله العافية، مواقع محادة لله يبحث عنها ويقرأ فيها، ويجد نفسه هناك، فمثل هذه المعاني جديرة بأن الإنسان يقف عندها ويعرض نفسه وقلبه وعمله عليها، وهذا الأمر قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ، يراد به ليس الإباحة أو الوجوب، وإنما يفهم منه معنى التهديد، كقوله: فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [سورة فصلت:5].

قال المصنف -رحمه الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا [سورة الإسراء:85].

وروى البخاري في تفسير هذه الآية عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متوكئ على عَسِيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابُكُم إليه؟

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ المتبادر إلى الذهن أن المقصود بالروح يعني التي تعمر الجسد، فالإنسان عبارة عن المجموع بين الجسد والروح، فإذا خرجت منه الروح يقال له: جثة، والروح وحدها لا يقال لها: إنسان، فإذا مازجت البدن فإن هذه الممازجة يكون منها ما يسمى بالنفس عند بعضهم، ويكون منها الإنسان، فمجموع الروح والبدن إنسان، والنفس يقال: إنها هي الروح، ومنهم من يقول: هي الروح إذا مازجت البدن حصل لها من هذه الممازجة ما تُكَّون به.

والشاهد أن السؤال عن الروح يعني التي تعمر البدن، وبعض السلف يقول: السؤال عن جبريل، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [سورة النحل:102]، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ جبريل ، وقيل: السؤال عن القرآن؛ لأن الله سماه روحًا أو وصفه بأنه روح، به حياة القلوب، وقيل: الروح ملك عظيم من الملائكة، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ [سورة النبأ:38]، وقيل: الروح جبريل هنا، وقيل: هو ملك من الملائكة، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ فذكره من بينهم لعظمه، ويكون ذلك من قبيل عطف العام على الخاص -الروح والملائكة، وابن القيم -رحمه الله- اختار هذا المعنى: أن الروح ملك من الملائكة، وهذا -والله أعلم- لا يخلو من إشكال وغرابة.

والأولى أن تحمل ألفاظ القرآن على المتبادر الظاهر، وابن القيم -رحمه الله- يتساءل: يعني لماذا يسألونه عن الروح التي تعمر البدن وهي شيء لا يعرفونه، بل هو أمر غيبي؟ والناس في الكلام على الروح من الفلاسفة وغيرهم لهم كلام كثير، فبعض أهل العلم ذكر لهم ما يقرب من مائة وثمانية عشر قولًا في بيان حقيقة الروح، هذا الاختلاف الكثير بين هؤلاء؛ لأنها أمر خفي، لا ندركه بشيء، فلا يستطيع أحد أن يتكلم عن الروح ويبين حقيقة هذه الروح، فالإنسان يتحرك والعين تتحرك، وينظر ويسمع وبمجرد ما تخرج هذه الروح فإذا هو لا فرق بينه وبين الخشبة والجدار، لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يتحرك، ولا يمشي ولا يوجد عنده مشاعر، ولو قُطع قطعًا لم يشعر، وحينما كانت هذه الروح فيه لو لامسه أدنى شيء انتبه، فالمراد بالروح أنها التي في الجسد، والله تعالى أعلم.

وقوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء:85] ”مِن“ هنا بيانية، وليست تبعيضية بطبيعة الحال، والأمر هنا يأتي لمعنيين، الأمر بمعنى الطلب، ويخصه أكثر الأصوليين بما كان من أعلى إلى أدنى، طلب الفعل، هذا أمر، وما كان من مساوٍ يسمونه التماسًا، وما كان من أدنى إلى أعلى يسمونه دعاء، تأدبًا، فهذا المعنى الأول للأمر، والمعنى الثاني للأمر هو الشأن، تقول: ما أمر فلان؟ يعني ما شأنه؟ فهنا قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي يعني: المراد به الشأن هنا، شأن ربي، والإضافة للاختصاص، من أمر ربي، أي أن ذلك اختص الله -تبارك وتعالى- بعلمه فلا يعلمه أحد، فهي أمر غيبي، الله -تبارك وتعالى- هو الذي خلقها وهو الذي يعلمها.

لذلك من عيوب الطب الحديث أنه يركز على البدن فقط، يعالج الأبدان، مع أن ارتباط الأبدان بالأرواح ارتباط وثيق جدًا، والأرواح تتأثر بما يحصل للأبدان كما أن الأبدان تتأثر بما يحصل للنفس والروح، قد يحصل للإنسان هم وغم فيمرض بدنه، وقد يحصل أشياء من السحر أو التلبس فيمرض البدن، وقد يموت، فالنفس يحصل لها إيلام، فلو ضرب إنسان نفسه يحصل لها إيلام، لو قيلت له كلمات جارحة تتألم النفس لكن البدن لا يتألم، لكن أحيانًا لشدة ألم النفس يؤثر على البدن، قد يشعر بحرارة، وقد يرتفع الضغط، وقد يرتفع السكر، ولهذا يذكرون أن الطب الحديث أُخذ من بيئة غربية علمانية مادية، فتركز على جانب البدن فقط، فحصل النقص بسبب ذلك.

  1. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام ابن القيم (2/371).
  2. الفوائد، للإمام ابن القيم الجوزيه (176-177).
  3. طريق الهجرتين وباب السعادتين، للإمام ابن القيم (177-178).

مواد ذات صلة