الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[1] من قوله تعالى: {كهيعص} الآية 1 إلى قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} الآية 9
تاريخ النشر: ٢٥ / ربيع الأوّل / ١٤٢٩
التحميل: 3396
مرات الإستماع: 6228

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سورة مريم وهي مكية.

وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة -ا، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.

حين بعث المشركون إلى النجاشي رجلين، فكان مما ذكرا للنجاشي أن يسألهما في المسيح -عليه الصلاة والسلام- فقرأ عليه جعفر صدر هذه الصورة.

بسم الله الرحمن الرحيم

كهيعص ۝ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ۝ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ۝ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۝ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ۝ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [سورة مريم:1-6].

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وقرأ يحيى بن يعمر: ذَكْرَّ رَحْمَةِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا وزكريا بمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة.

الحروف الثلاثة تمد ست حركات.

وقوله -تبارك وتعالى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ قال: "أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا"، هذا المعنى من أوضح ما قيل في تفسير هذا الموضع من كتاب الله -تبارك وتعالى، والذي اختاره كثيرٌ من المحققين منهم كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، والمقصود بذلك ما حصل من إجابة الله له حينما سأله الولد، ودعاء بهذا الدعاء الذي ذكر الله -تبارك وتعالى: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا.

وقوله إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية: إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله- في قوله: إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً: "إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله"، وهذا المعنى الذي ذكره -رحمه الله- الأقرب في سبب إخفاء هذا الدعاء، الله يقول: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً[سورة الأعراف:55]، ويقول: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [سورة الأعراف:205]، فرفع الأصوات في الدعاء -الرفع الزائد- من الاعتداء في الدعاء، وهو مناف للأدب مع الله -تبارك وتعالى، فإذا وجد من يؤمن على دعائه فإنه يرفعه رفعاً يسمعه.

وأما إذا كان يدعوا ربه بمفرده فإن الله يسمع السر وأخفى، فمن التأدب مع الله -تبارك وتعالى- ما ذكر هنا إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً، وهذا بخلاف قول من قال: إنه أخفاه؛ لئلا يلام على طلبه الولد في غير وقته، لأنه بلغ من الكبر عتيا، وامرأته عاقر فكيف يطلب الولد، أو قول من قال: بأنه وقع منه هذا الدعاء أو النداء الخفي؛ لأنه كبير، وضعيف، وكبره وضعفه هذا يعجزه عن رفع الصوت، وما حاجته إلى رفع الصوت، الله -تبارك وتعالى- سامع لدبيب النمل، وما دون ذلك، وما فوقه، والدعاء أو النداء الخفي أبعد عن الرياء، وأقرب في التأدب مع الله .

قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي أي: ضعفت وخارت القوى وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً، أي اضطرم المشيب في السواد، والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة.

قوله: إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي يعني رق، وإذا تقادم العمر بالإنسان فإن عظامه تضعف، ويسميه الأطباء اليوم بهشاشة العظام، وتضعف قواه وتخور، وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً يعني واشتعل شيب الرأس كثر وانتشر وهذا يعبر عنه بمثل هذه العبارة، بالاشتعال وهو أسلوب عربي معروف.

وقوله: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك.

هذا الدعاء وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً، يحتمل أن يكون الدعاء هنا دعاء مسألة، يعني عودتني الإجابة، ويحتمل أن يكون المراد دعاء العبادة لم أكن بعبادتك شقيا، وعرفنا من قبل في عدد من المناسبات أن الدعاء يقال لهذا وهذا، والأقرب والذي يدل عليه السياق هو أنه دعاء مسألة، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَأي بسؤالك؛ لأنه وهذا نوع من التوسل بين يدي السؤال وهو أن يتوسل إلى الله بما عوده من إجابة سؤله في سالف أيامه، يقول: يا رب عودتني الإجابة فأجب دعائي هذا، وهذا من الأدب الذي يحسن أن يكون بين يدي دعاء الدعاين، فالذي يأتي إلى إنسان يطلب منه الإحسان والعطاء وما أشبه ذلك مثلاً يقول: أنا الذي أتيتك وأحسنت إلي، و أوليتني، وأعطيتني وما شابه ذلك، فيكون متوسل إليه بما سلف من إحسانه.

وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده؛ ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.

يقول تعالى: وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: "أراد بالموالي العصبة"، أي: من الوارثين وهذا لا يخالف قول من قال هم الورثة، فإن ذلك يرجع إلى شيء واحد، وبعضهم يقول: الموالي هم الأعوان، فكلمة المولى تطلق ويراد بها الناصر، وتطلق ويراد بها السيد، وتطلق ويراد بها المولى الأدنى، وهو الرقيق أو المعتق، والمراد بها هنا من يرثه، خفت الموالي من ورائي عصباته. 

وما ذكره الحافظ بن كثير -رحمه الله- أن المقصود من خوفه أنه خاف ألا يلو الأمر من بعده ولاية حسنة صحيحة، يسوسون الناس فيها بما يرضي الله -تبارك وتعالى، فيكون ذلك سبباً لتضييع الدين وذهاب كثير من الحق فسأله ربه وارثاً يرثه النبوة، ويرث من آل يعقوب العلم والنبوة، هذا وجه ذكره الحافظ بن كثير في ترجيح هذا القول على وهم من توهم، بأن المقصود وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ يعني من وراثتهم المال، وهذا بعيد، والوجه الأول في استبعاده: أن هذا لا يظن بنبي، أنه يدعوا ربه وفي هذا السن أن يرزقه ولداً من أجل أن يحول بين عصباته وبين الميراث، هذا لا يظن بآحاد الناس فضلاً عن نبي كريم من أنبياء الله -تبارك وتعالى، فالأنبياء لا يعبأون بالدنيا ولا يقع في نفوسهم مثل هذا، من كراهية نفع وخير لقراباتهم، وأن الأنبياء لا يورثون كما قال النبي ﷺ: لا نورث ما تركناه فهو صدقة[1]، ويمكن أن يضاف إلى ذلك وجوه أخرى في الجواب ذكر الحافظ بن كثير -رحمه الله- بعضها، كما أشار إلى أنه كان يعمل نجاراً، ومن كانت هذه مهنته ويأكل من عمل يده لا يظن به أن يملك من الأموال الشيء الكثير الذي حمله على أن يدعوا هذا الدعاء، الغالب أن عنده ما يكفيه، ويحصل به الكفاف من هذه الصنعة أو المهنة.

(الثاني) أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

(الثالث) أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: نحن معشر الأنبياء لا نورث[2]، وعلى هذا فتعين حمل قوله: فَهَبْ لِي مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي على ميراث النبوة، ولهذا قال: وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، كقوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة.

لفظة: نحن معاشر الأنبياء بهذا اللفظ تكلم عليها أهل العلم، والحافظ بن حجر ذكر أنها لا تثبت بهذا اللفظ، ويمكن أن يضاف إلى هذا هذه الأوجه الثلاثة الذي ذكرها الحافظ ابن كثير أن زكريا وقع في دعائه أنه قال: يرثني ويرث من آل يعقوب، وآل يعقوب في ذلك الأثناء في وقت زكريا كانوا قد انقرضوا منذ زمن طويل، ومن جاء من ولد زكريا فإنه لا يرث آل يعقوب وراثة مال، ذهبت أموالهم فبين زكريا وبين يعقوب -عليهما الصلاة والسلام- مدة طويلة، فلا يقصد بهذا وارثة المال، وإنما يقصد بذلك وراثة النبوة والدين، وأما قول من قال أنه قصد بيعقوب رجل آخر غير يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فهذا في غاية البعد.

قال مجاهد في قوله: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ كان وراثته علماً، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، قال: ويكون نبياً كما كانت آباؤه أنبياء، وقوله: وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً أي: مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير هو المشهور، وهو الذي اختاره ابن جرير وغيره، والآية تحتمل معنى آخر، وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاًً أي راضياً بقضائك وقدرك.

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا [سورة مريم:7]، هذا الكلام يتضمن محذوفاً وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه، فقيل له: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى، كما قال تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء ۝ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ  [سورة آل عمران:38، 39].

في قوله: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا، ثم قال: قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ فظاهره أن الذي خاطبه هو الله ولكن آية آل عمران تدل على أن الذي خاطبه بذلك الملائكة مع أن الكثير من المفسرين قالوا: إن هذا من كلام الله، يا زكريا خاطبه بذلك، وآية آل عمران تدل على أن الخطاب من الملائكة فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، والملائكة جاء هنا بصيغة الجمع، من العام المراد به الخصوص، وأن المراد بالملائكة جبريل ﷺ، ويقول: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا.

 وقوله: لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير -رحمه الله.

هذا قول الجمهور من المفسرين بمعنى أنه لم نجعل له سميا، يعني هذا اسم لم يسبق إليه سماه الله تعالى به، والمعنى الثاني الذي يحتمله هذا اللفظ: لم نجعله من قبل سميا، أي لا نظير له يساميه، فالسمي وهو المسامي ونظير الشيء ما كان على شاكلته، وسميّ على وزن فعيل، مثل جليس بمعنى مجالس، ومعنى فاعل وأكيل بمعنى مؤاكل، وقعيد أي مقاعد ونحو ذلك، فيحتمل أن يكون هنا السمي بمعنى المسامي، يعني لا نظير له في العلم والعمل، ولكن هذا يشكل عليه أن بعض الأنبياء أفضل منه كإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فإنه قطعاً أفضل من يحيى، وهكذا موسى الكليم -عليه الصلاة والسلام.

ومما يؤيد ما سبق أن النداء هنا من الملائكة لصار ممن كلمه الله ، وإنما الكليم موسى ﷺ، وكلم الله آدم، وكلم محمد ﷺ ليلة المعراج، ولم يذكر من الأنبياء غير هؤلاء فقوله: لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً، الأقرب الذي عليه الجمهور أنه لم يسبق إلى هذا الاسم، لم يسم به أحدُ قبله، والقولان مذكوران في قوله -تبارك وتعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [سورة مريم:65]. 

قيل في تفسيره: هل تعلم له سميا أي أنه لم يسم أحدٌ بأسماء الله -تبارك وتعالى- مثل الله والرحمن، والمعنى الثاني وهو المشهور الذي عليه عامة المفسرين: هل تعلم له سمياً أي نظرياً يماثله، أو يدانيه، أو يشاكله، فإن الله -تبارك وتعالى- له الأوصاف الكاملة لا يساميه في ذلك أحد، فهذه اللفظة جاءت في موضوعين في هذا الموضعهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا المشهور أن المقصود به لا نظير له، ويمكن أن تحمل الآية هناك على المعنيين، -والله تعالى أعلم.

قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً ۝ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [سورة مريم:8، 9].

هذا تعجب من زكريا حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحاً شديداً، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقراً لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي: عسا عظمه ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتياً وعتواً، وعسا يعسو عسواً وعسياً.

قول ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى: قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ قال: "هذا تعجب من زكريا حينما أجيب إلى ما سأل وبشر ففرح فرحاً شديداً، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد"، فوجه التعجب الصادر من زكريا -عليه الصلاة والسلام- ما قاله بعض العلماء تعجب من قدرة الله ، كيف يأتي هذا الولد وأنا قد بلغت من السن عمراً طويلاً، وهذا وجه قريب، وبعضهم يقول: إن تعجبه من جهة أنه كيف سيحصل له هذا الولد من أي وجه، وهو الذي أشار إليه ابن كثير -رحمه الله تعالى- لكنه ما أبان عنه بصورة يفهم القارئ منها حقيقة مراده، وذلك أنه قصد -والله تعالى أعلم- أنه أراد أن يستفسر هذا الولد سيأتيني من زوجتي هذه العاقر أو من غيرها، أنا يكون لي هذا الغلام، وهذا الولد هل هو من هذه الزوجة العاقر؟ أو من غيرها؟ وهل سيكون ذلك بأن يرد إلى سن الشباب فيحصل هذا الولد أو لا؟ وذكر بعضهم معنى آخر فقال: بأنه وسوس له الشيطان، ولبس عليه فلم يستبن هل هذه البشارة هي من وسوسة الشياطين، أو أنها من الوحي، وهذا بعيد؛ وذلك أن نبياً كريماً من أنبياء الله -تبارك وتعالى- مثل زكريا لا يلتبس عليه الوحي بوسوسة الشيطان، والذين قالوا بهذا القول قالوا ولأجل ذلك أراد آية ليفرق فيها، ويعرف أهي من الله أو من الشيطان، وهذا بعيد.

وقوله: "مع أنه قد كبر وعتا أي عسا لحمه وعظمه ولم يبق فيه لقاح ولا جماع العرب تقول للعود إذا يبس عتا يعتوا عتياً وعتواً، وعسا يعسو عسواً وعسياً"، فكل متناهٍ يعني وصل إلى الغاية سواء في السن أو الفساد والإفساد أو الكفر يقال: له عاتن، يقال: عتا إذا تقدم به العمر جداً، يقال: عتا فهو عاتٍ وعسى فهو عاسٍ وذلك يعبر عنه اليبوسة والتناهي في الكبر أيضاً، فالكبير يحصل له هذا النشاف فيبقى في نهاية الأمر غالباً تذهب نضارته ويبقى جلده على عظامه، تذهب نظراته، وما في هذا الجسم من الأمور التي كانت تحسنه من الامتلاء ونحو ذلك، فينكمش جلده على عظمه.

قَالَ: أي الملك مجيباً لزكريا عما استعجب منه كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، هَيّنٌ أي: يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً، كما قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [سورة الإنسان:1].

فالحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقرر المعنى الذي أورده من وجه تعجب زكريا -عليه الصلاة والسلام- من أي وجه يأتي الولد، فيقول: "من زوجتك هذه لا من غيرها".

ومن أهل العلم من قال: أن وجه هذا التعجب هل سيكون من هذه الزوجة أو من زوجة أخرى شابة يتزوجها، أو يرد إلى سن الشباب مع زوجته هذه، وقوله: كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ المفسرون يذكرون أوجه كثيرة، وأقرب هذه المعاني ما ذكره جماعة منهم كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- قال: كَذَلِكَ أي: الأمر كذلك أنك قد بلغت من الكبر عتيا، وأن امرأتك عاقر، ثم ابتداء كلاماً مستأنفاً قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ، فالولد خلقه وإيجاده وهو علي هين وقد خلقت من قبل ولم تك شيئا -والله أعلم.

فائدة:

معنى الفردوس وسط الجنة وأعلاها:

كلمة وسط تأتي للشيء المتوسط الذي يكون بين شيئين، فتارة يكون ذلك في المنزلة والمرتبة، قَالَ أَوْسَطُهُمْ [سورة القلم:28] قيل: في السن، وقيل: أوسطهم يعني أعقلهم وأحصفهم، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [سورة البقرة:143]، وتأتي للشيء الواقع بين طرفين، ويقال: وسط المسجد، يعني المكان المتوسط بين الطرفين، فالفردوس أعلى الجنة وأوسط الجنة، احتمال يكون المقصود أوسط منازل الجنة، يعني أعدل منازل الجنة وأحسنها، ويحتمل أن يكون المقصود به الوسط يعني الشيء الواقع بين طرفين، وبينهما ملازمة فإن الشيء الواقع بين الطرفين هو أعدل الأماكن، ولا يفهم من هذا أن وسط كما تقول، وسط الكرة يعني ما كان في النواة، أو في داخلها، ليس هذا المقصود، وإنما المقصود الشيء الواقع بين الطرفين، وأيضاً الشيء الذي يكون أعدل الأماكن ونحو ذلك.

وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ذكر أن الأفلاك كروية، والنبي ﷺ قال: بأن سقفها عرش الرحمن[3]، فدل ذلك على أنها أعلاها -والله تعالى أعلم.

  1. رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي ﷺ، برقم (3508)، ومسلم، كتاب اللقطة، باب حكم الفيء، برقم (1758).
  2. رواه الترمذي، كتاب السير عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في تركة رسول الله ﷺ، برقم (1610)، بلفظ قال النبي ﷺ: لا نورث ما تركنا من صدقة ...، وأحمد بلفظ: إنا معشر الأنبياء لا نورث...، برقم (9972)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والنسائي في السنن الكبرى برقم (6309).
  3. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي، برقم (2637).

مواد ذات صلة