الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[2] من قوله تعالى: {قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً} الآية 10 إلى قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} الآية 15
تاريخ النشر: ٢٧ / ربيع الأوّل / ١٤٢٩
التحميل: 2987
مرات الإستماع: 10816

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال تعالى: قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ۝ فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً [سورة مريم:10-11]، يقول تعالى مخبراً عن زكريا أنه قال: قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً أي: علامة ودليلاً على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم : قَالَ آيَتُكَ أي: علامتك، أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً أي: أن تُحبس لسانُك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة، قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ووهب، والسدي، وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة، وقال ابن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.

وقال العوفي عن ابن عباس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً أي متتابعات، ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً أي متتابعات، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في آل عمران: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ[سورة آل عمران:41]، وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها، إِلَّا رَمْزاً أي: إشارة، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ أي: الذي بشر فيه بالولد فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أي: أشار إشارة خفية سريعة، أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكراً لله على ما أولاه، قال مجاهد: فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أي: أشار وبه قال وهب وقتادة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى- عن قول زكريا : قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً قال: "علامة ودليلاً على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني"، هذا بناء على التفسير السابق الذي عليه الجمهور وهو أن زكريا ﷺ لما بشره الله بالولد وتعجب من قدرة الله -تبارك وتعالى- أراد أن يعرف علامة علوق الحمل بالرحم متى تكون امرأته حبلى، والذين قالوا إن سؤاله حينما سأل أن يكون لي غلام أنه التبس ذلك عليه ما وسوسة الشيطان، فأراد أن يميز ويفرق هل هو من الله أو من الشيطان، فطلب العلامة الفارقة، ولكن هذا القول فيه بُعد؛ لأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لا يلتبس عليهم وحي الله مع وسوسة الشيطان فتكون العلامة التي طلبها اجعل لي آية، أي أعرف وقوع الحمل، فذلك مقتضى هذا البشرى بالغلام أن امرأته تحمل.

يقول: "قَالَ آيَتُكَ أي: علامتك"؛ لأن الآية تأتي بمعنيين، بمعنى العلامة كما هنا، كما قال الشاعر:

توهمت آيات لها فعرفتها لست أعوامٍ وذا العام سابعُ

آيات يعني علامات لدار محبوبته، وهذا هو أحد القولين في تفسير الآيات الكونية والآيات الشرعية، هذه الآيات التي نقرأها من أهل العلم من يقول أنه قيل لها آية؛ لأنها من الدلالة -من العلامة- إما باعتبار أنها تدل على صدق من جاء بها، أو لأنها علامة يميز بها غيرها من الآيات، يعني نهاية هذه وبداية هذه، أو غير ذلك.

والمعنى الثاني أن الآية بمعنى الجماعة، فقيل: إن الآية قيل لها آية في كتاب الله -يعني الآيات الكونية- باعتبار العلامة أنها علامة تدل على الخالق الواحد الأحد ، وباعتبار الجماعة، يمكن أن يقال باعتبار اجتماع الحروف والكلمات ونحو ذلك، وهنا لا يرد هذا المعنى لكنه معروف في كلام العرب، منه قول العرب: جاء القوم بآياتهم، أي بجماعتهم.

أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً أي: "أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، من غير مرض ولا علة"، فهذه هي العلامة التي تعرف بها وقوع الحمل، فلا تستطيع الكلام.

القول الآخر الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ثلاث ليال سويا يكون من صفة الليالي، ليالي من غير انقطاع، يعني متتابع ولكن المعنى الأول هو الأقرب، وهو الأشهر، وهو الذي عليه عامة المفسرين، وقوله: قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا[سورة آل عمران:41]، باعتبار الإشارة، فإذ قيل أن الرمز ليس من الكلام، وأن الكلام ما يكون بحرف وصوت، فإن الاستثناء يكون منقطعاً، وهذا هو المعروف من الكلام أنه ما كان بالفظ؛ ولهذا يقول فيه النحاة: الكلام هو اللفظ المفيد، فائدة يحسن السكوت عليها، يعبرون أحياناً باللفظ المركب المفيد بالوضع، وهو وإن كان في اللغة أوسع من هذا وأعم هي تطلق على ذلك وعلى غيره مما يفيد أو لا يفيد لكنه لا يكون إلا باللفظ.

يقول:فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أي أشار إليهم، هذا هو الرمز والوحي، سواء كانت هذه الإشارة باليد أو بالعين أو بغير ذلك مما يشار به ليعرف مقصود المشير فإن ذلك يقال له وحي، ومن إطلاقه على الإشارة هذه الآية، ومنه قول الشاعر:

فأوحى إليها الطرف أني أحبها فأثر ذاك الوحي في وجناتها

يعني أنها فهمت تلك الإشارة بطرفه فأثر في وجناتها حمرة وحياء من أثر الحياء، هذا هو المراد هنا -والله تعالى أعلم، وإن كان الوحي يأتي لمعان أخر غير هذا يأتي بمعنى الكتابة:

فوحي الصحائف من عهد كسرى  

أي ما يكتب فيها، والعرب يقولون وحي في حجر، يعبرون به عن كتمان السر يعني النقش والكتابة في الحجر.

ويأتي بمعنى أوسع من هذا، فكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه فهو وحي بأي طريق كان، ولا يشترط فيما ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وإن كان ذلك مشهوراً يقول: أي أشار إشارة خفية سريعة، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ هذا هو المشهور، وذكره جمع من أهل العلم، وبعض أهل اللغة، إشارة إلى السرعة والخفاء، وهذا -والله أعلم- ليس بلازم في الوحي، فالكتاب يقال له: وحي في كلام العرب، وإن لم يكن ذلك بسرعة ولا خفاء، يكون بسرعة وخفاء، مثل الإشارة التي قد تخفى على غير المشار إليه، فإن ذلك يصدق عليه هذا المعنى.

يقول: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أي: أشار إشارة سريعة خفية، يقول: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ يعني يمكن أن يقال من مصلاه، وبعضهم يقول: المحراب مشتق من الحرب؛ لأن ملازمه كأنه يحارب الشيطان هكذا قال بعض أهل العلم، وبعضهم يقول: من الحرب؛ لأن ملازمه يلقى تعباً، وقد يكون هذا وقد لا يكون، ولكن العرب تطلق ذلك يعني المحراب على أرفع المواضع، كقوله -تبارك وتعالى: فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ [سورة آل عمران:39]، فأرفع المواضع وأشرف المواضع تقول له العرب ذلك، يقولون: محراب أشرف المجالس، وبعضهم يقول: كانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض، والمحراب عند العرب يطلق على المجالس، وعلى صدور المجالس، وأشرف المجالس، والمقصود به هنا -والله تعالى أعلم- المكان الذي كان يتعبد ويصلي فيه، وهذا لا ينافي كونه أشرف المواضع، ولهذا قيل للمحاريب في المساجد؛ لأنها في صدر المسجد وفي مقدمه، وفي أشرف موضع منه -والله تعالى أعلم.

يقول: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ لكن لا تفهم إطلاقاً أن المقصود من المحراب أنه خرج وهو قائم يصلي في المحراب في هذا المكان المقوس فإن هذا محدث، وإذا أطلق ليس المراد به هذا المكان، وإنما سمي هذا بناء على ما ذكرت من أن أشرف المواضع يقال له: المحراب، وإلا فإن الله يقول عن داود ﷺ والخصم الذين جاءوا إليه قال: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [سورة ص:21]، وليس المقصود به ما نشاهده هنا في المسجد، وإنما المقصود به المكان الذي كان يخلوا فيه.

يقول: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أي أشار إشارة خفية سريعة أن سبحوا بكرة وعشيا، يعني هو أمر قال الله أمره بأن يذكر ربه كثيراً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [سورة آل عمران:41]، فأمر قومه بذلك زيادة في شكر الله -تبارك وتعالى، وهذا التسبيح بعضهم يقول: المراد به الصلاة سبحوا بكرة وعشيا، وبعضهم يقول: التسبيح المراد به الذكر المعروف تنزيه الله -تبارك وتعالى- عن العيوب والنقائص، واللفظ يحتمل هذا وهذا؛ ولهذا يقال للصلاة تسبيح، فيقول ابن عمر: "لو كنت مسبحاً لأتممت"[1]، يعني لو كنت مصلياً الراتبة لأتممت الصلاة في السفر، بمعنى لا أقصر.

وقال تعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ۝ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ۝ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ۝ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا[سورة مريم:12-15]

وهذا أيضاً تضمن محذوفاً تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر.

القرآن نزل بلغة العرب، والعرب قد تحذف من الكلام اختصاراً؛ ثقة بفهم السامع، فهو دعا ربه أن يجعل له علامة لوقوع الحمل، فخرج على قومه أمرهم بالتسبيح ثم قال: يَا يَحْيَى خُذِ؛ لأنه وجد الغلام، هذا الموعود به في الخارج ومضى عليه مدة بعد ولادته؛ لهذا يقول ابن كثير -رحمه الله- وهذا أيضاً تضمن محذوفاً تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى ، وأن الله علمه الكتاب.

تقديره أنه وُجِد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى ، وأن الله علمه الكتاب وهو التوارة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار.

قوله:  خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ الجمهور يقولون: الكتاب هو التوراة، ونقل بعضهم الإجماع، وهذا الذي اختاره المحققون من المفسرين، ومنهم كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، وبعضهم يقول الكتاب المقصود به الجنس أي جنس الكتاب، الكتب التي أنزلت على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وبعضهم يقول: صحف إبراهيم، وبعضهم يقول: لعل المراد به كتابا آخر يختص به هو، والكتاب الذي كانوا يتعبدون به وأمروا بالعمل به هو التوراة، يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَفتكون أل هذه عهدية، وليست للجنس، والكتاب المعهود عندهم هو التوراة.

وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً، فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال: يَا يَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ أي: تعلم الكتاب بقوة، أي بجد وحرص واجتهاد، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً أي: الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث.

يقول: "وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً"، هذا الخطاب يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ لا يفهم منه أنه خوطب بذلك وهو صغير، ولكن الله أخبر بأمر، وأخبرنا بخبر أمره، فالآية ليس فيها ما يدل على أنه كان صغيراً، وإنما الذي أخبرنا الله عنه أنه حصل له منذ الصغر وهو قوله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً فهذا الذي حصل له وهو صغير، -والله تعالى أعلم.

ومن أهل العلم من قال في قوله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً الصبي يقال للرجل الذي قد بلغ لكن هذا استعمال قليل، وغالباً ما يكون ذلك لمن يقصر عقله، ويرمى بالسفه ونحو ذلك، يقال له: صبي، وقد يقال له غلام مع أن غلام أليق في التعبير من صبي، إذا قيل لصبي فإنها قد تقال للمملوك وللخادم، وتقال للرجل البالغ الذي يستهان به أيضاً: هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش[2]، ولكن الصبي يقال للكبير هذا قليل وعادة يقال هذا لمن يسفه في رأيه، أو يكون لا شأن له، ولهذا يقال للخادم صبي، فلا داعي لحمل القرآن على خلاف الظاهر المتبادر الصبي هو الصغير، بعضهم يقول: كان قد بلغ السنتين وبعضهم يقول: أربع سنوات، وبعضهم يقول: وهذا كله لا دليل عليه، لكنه كان صبياً، فكلمت صبي في اللغة إذا أطلقت متبادر أنها تقال للصغير، والله أعلم.

وقال في قوله: يَا يَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ "أي: تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد"، أي وليس فقط تعلم الكتاب بقوة، والمقصود بالكتاب أي التوراة بقوة، وإنما أيضاً العمل به، والجد في ذلك دون تهاون أو تراخي أو تفريط، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ الجد في العمل بكتاب الله -تبارك وتعالى- والاشتغال به وبتفهمه وبدراسته.

والكلام الذي ذكره الحافظ ابن كثير على قوله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ضمنه أكثر من قول للمفسرين في تفسير الحكم، يقول: "أي: الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث"، يعني من أهل العلم من يقول: إن المقصود بالحكم أي الفهم والعلم بالكتاب هذا قول.

وبعضهم يقول: العمل به، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- جمع بين القولين، وبعضهم يفسر الحكم بالحكم، وبعضهم يفسر الحكم بالنبوة، وبعضهم يفسر بغير هذا من الأقاويل كالعقل، ولكن إذا نظرت إلى هذه اللفظة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ فإنها ترجع إلى معنى المنع، فالحكم والحاكم هو الذي يمنع أحد الخصمين من أخذ حق الآخر، والحكمة هي صفة تمنع صاحبها من الخطل في القول، والخلل في الرأي، ولهذا يقولون: الحكم هي الإصابة في القول والعمل، وكذلك أيضاً يقال: المحكم من الكلام هو الذي سلم ومُنع من أن يتطرق خلل في ألفاظه أو معانيه، هذا من حيث الأصل في اللغة، حينما يوصف القرآن جميعاً بأنه محكم، فإذا قال الله : وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ، بعضهم يقول: العلم، وبعضهم يقول: الحكم هذا يرجع إلى هذا المعنى.

فالعلم والعمل يمنع صاحبه من الشطط والزيغ والانحراف، فيكون على طريقة سوية مستقيمة، لا يقع في خلاف ما تعلمه وعلمه من ترك العمل، ولا يعمل من غير علم، يكون ذلك حاجزاً له من مقارفة ما لا يليق، والمفسرون يذكرون بعض الإسرائيليات لكن لا يعول عليها أن الصبيان كانوا يدعونه للعب معهم فيعرض عن هذا ويأمرهم بالصلاة، وبعض أهل العلم فسر ببعض ما ذكر يعني مثل تفسير ذلك بالفهم والعلم في كتاب، هكذا فسر ابن جرير -رحمه الله- هذه اللفظة آتيناه الحكم أي العلم، والمعنى -والله أعلم- أوسع من هذا، فمن حملها على هذا أرجعها إلى هذا الأصل، والشيخ محمد الشنقيطي -رحمه الله- أعاد هذه الأقوال، أو غالب هذه الأقوال إلى الفهم والعمل.

وقوله: وَحَنَاناً مّن لّدُنّا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وَحَنَاناً مّن لّدُنّا يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة: رحم الله بها زكريا، وقال مجاهد: وَحَنَاناً مّن لّدُنّا وتعطفاً من ربه عليه.

والظاهر من السياق أن قوله: وحناناً معطوف على قوله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً أي وآتيناه الحكم وحناناً وزكاة، أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل.

الحنان معناه: الرحمة والتعطف، وبعضهم يقول: بأنه مأخوذ من حنين الناقة لولدها، حنت لولدها، وهي تفعل ذلك تعطفاً عليه، والحافظ ابن كثير-رحمه الله- هنا ذكر قولين المعنى الأول وَحَنَاناً مّن لّدُنّا، أي أن ذلك من صفة الله ، ومن أسمائه كما ذكره بعض أهل العلم، وَحَنَاناً مّن لّدُنّاأي: أن الله آتاه رحمة منه، رحمه بها، فيكون ذلك صادراً من الله.

والمعنى الثاني: أن ذلك معطوفاً على وآتيناه الحكم صبيا، آتيناه الحكم وآتيناه الحنان، وابن جرير -رحمه الله- يرى أن ذلك يعود إلى الله -تبارك وتعالى- أي أن الحنان صادر من الله إلى يحيى ، وهو يقول: رحمة منا، ومحبة له، وعليه عامة المفسرين وهو أن قوله: وَحَنَاناً مّن لّدُنّا أنه معطوف على قوله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً، آتيناه الحكم وحنانا، يعني أعطيناه حنانا، أي رحمة يرحم بها والديه وقراباته ويرحم بها الناس، وهذا يكون من الكمالات التي أعطاه الله إياها يعامل الناس برحمة يجدها في قلبه، وكثير من الناس قد لا يكون كذلك، قد نزعت الرحمة من قلبه، أو هي ضعيفة لا يتعامل مع الناس بتعامل لربما يكون فيه شيء من القسوة، أو لربما يتعامل معهم تعاملاً مادياً صرفاً من غير أن يجد لهم من نفسه تعطفاً وحناناً ورحمة، فلا شك أن النبي حينما يكون موصوفاً بهذا الوصف فإن ذلك هو الكمال، والله قال عن النبي ﷺ: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[سورة التوبة:128]، وتجدون في القرآن كثيراً: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ [سورة الكهف:6]، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ۝ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ [سورة الضحى:8، 9].

وقوله: وَزَكَاةً معطوف على وحناناً، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب، وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح، وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي، وقال العوفي عن ابن عباس: وَزَكَاةً قال بركة.

قال: وَزَكَاةً "معطوف على حناناً"، أي: آتيناه الحكم وآتيناه الحنان الذي يرحم به الناس، وآتيناه زكاة، والزكاة تأتي بمعنى الطهارة والنماء فهنا يقول: "فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح، وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي"، وهذا كله يرجع إلى شيء واحد بمعنى الطهارة قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا [سورة الشمس:9] أي: طهر نفسه وهذبها بطاعة الله .

فتزكية النفوس تكون بالإيمان والعمل الصالح، فمن فسره بالعمل الصالح فهذه هي تزكية النفس، ومن فسره بأصل المعنى فقال: وَزَكَاةً يعني طاهرة، فإنما تكون الطهارة بالعمل الصالح، فهذا كله من قبيل الاختلاف في التنوع، ومن نظر إلى المعنى الثاني في الزكاة وهو النماء، قال: بركة، والبركة هي النماء، والزيادة، فالأقرب -والله تعالى أعلم- أن قوله: وزكاة يعني تزكية وطهارة من الأدناس، أدناس الشرك والذنوب والمعاصي.

وقال: وَكَانَ تَقِيّاً طاهر فلم يهم بذنب، وقوله: وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقيا، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولاً وفعلاً، أمراً ونهياً.

هذه نتائج لما سبق لـ وَكَانَ تَقِيّاً هذا بناء على ما أعطاه الله من الزكاة، ويزكيهم أي يطهرهم ويهذب نفوسهم من الأدناس والأرجاس.

يقول: وَكَانَ تَقِيّاً "أي طاهر فلم يهم بذنب"، قوله هذا جاء في بعض الأقوال المروية عن بعض السلف أنه لم يهم بذنب، وقوله تعالى: وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً هذا نتيجة ما أعطاه الله من الحنان، والجبار يأتي لمعاني متعددة، وقوله: وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً هذا نتيجة كونه تقياً.

وكلمة جبار في اللغة تأتي بمعنى الطويل، يقال: نخلة جبارة، وتأتي بمعنى الجبر الذي هو جبر الكسير والضعيف، ويأتي بمعنى القهر والعسف، والتسلط من الجبروت، والذي يظلم الناس، وقد يقال للذي يقتلهم بغير حق، ولهذا جاء في ما وقع لموسى -عليه الصلاة والسلام- لما جاء إلى المدينة فوجد إسرائيلي مع قبطي يقتتلان قال: أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ [سورة القصص:19]، فالشاهد وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً المقصود أنه إنسان متسلط من غير حق، والظالم الذي يهضم حقوق الناس ويعاملهم بالقهر والعسف.

ولهذا قال: وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً، ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.

قوله: وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ كلمة السلام هذه يحتمل أن يكون المراد بها التحية، ويحتمل أن يكون المراد بالسلام الأمان، وابن كثير -رحمه الله- يقول: "أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال"، وهذا الذي اختاره ابن جرير أيضاً، وفسره بعضهم كابن عطية بالسلام المعروف التحية، وهذه التحية في معناها وما تضمنته هي تضمنت إلقاء هذا الاسم الكريم على الناس، وكلمة السلام متضمنة للدعاء بالسلامة، كما تتضمن الإخبار بذلك فكأن المسلم يؤمن الناس منه، وأنه لا يصل إليهم مكروه من قبله، هذه ثلاثة أشياء.

وعلى قول ابن عطية أنها التحية المتعارفة، يمكن أن يقال أيضاً هذه التحية المتعارفة تتضمن تأمينه وتسليمه من الآفات والشرور، والقول بأن ذلك هو الأمان هو الذي قال به الحافظ بن كثير -رحمه الله.

وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصّه بالسلام عليه، فقال: وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه.

كلام الإمام سفيان الثوري رحمه الله يبين سبب تخصيص هذه المواضع الثلاث بالذكر، والإنسان حينما يفارق بطن أمه يفارق المحل الذي اعتاده وألفه، ويخرج إلى عالم جديد، وحينما يموت يفارق ما ألفه من الوطن والأهل والعشيرة والدار إلى عالم آخر هذا أمر يستوجب الوحشة، وحينما يقوم من قبره ويخرج إلى عالم آخر يحتاج إلى الآمان.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى: "قال الله تعالى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا، وقاوله تعالى: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [سورة مريم:33]، قيل: ما الحكمة في تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة؟

فَسِرٌه والله أعلم: أن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب ومواطن الوحشة، وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة، وتعلقت بها الهمة؛ فذكرت هذه المواطن الثلاثة لأن السلامة فيها آكد وطلبها أهم، والنفس عليها أحرص، لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقراً فيها، موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات والمحن والبلاء؛ فإن الجنين من حين خرج إلى هذه الدار انتصب لبلائها، وشدائدها ولأوائها ومحنها، وأفكارها؛ كما أفصح الشاعر بهذا المعنى حيث يقول:

تأمل بكاء الطفل عند خروجه إلى هذه الدنيا إذا هو يولد
تجد تحته سراً عجيباً كأنه بكل الذي يلقاه منها مهدد
وإلا فما يبكيه منها وإنها لأوسع مما كان فيه وأرغد

ولهذا من حين ابتدرته طعنة الشيطان في خاصرته فبكى لذلك، ولما حصل له من الوحشة بفراق وطنه الأول، وهو الذي أدركه الأطباء والطبائعيون، وأما ما أخبر به الرسول ﷺ، فليس في صناعتهم ما يدل عليه، كما ليس فيها ما ينفيه فكان طلب السلامة في هذه المواطن من آكد الأمور.

الموطن الثاني: خروجه من هذه الدار إلى دار البرزخ عند الموت ونسبة الدنيا إلى تلك الدار كنسبة داره في بطن أمه إلى الدنيا تقريباً وتمثيلاً، وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأكبر وطلب السلامة أيضاً عند انتقاله إلى تلك الدار من أهم الأمور.

الموطن الثالث: موطن يوم القيامة يوم يبعث الله الأحياء، ولا نسبة لما قبله من الدور إليه، وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله؛ فإن عطبه لا يستدرك، وعثرته لا تقال، وسقمه لا يداوى، وفقره لا يسد.

فتأمل كيف خص هذه المواطن بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها، واعرف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عشر معشارها، وتأمل ما في السلام من الزيادة على السلامة من الأنس وذهاب الوحشة، ثم نزل ذلك على الوحشة الحاصلة للعبد في هذه المواطن الثلاثة عند خروجه إلى عالم الابتلاء، وعند معاينته هول المطلع إذا قدم على الله وحيداً مجرداً عن كل مؤنس إلا ما قدمه من صالح عمل، وعند موافاته القيامة مع الجمع العظيم ليصير إلى إحدى الدارين التي خلق لها، واستعمل بعمل أهلها، فأي موطن أحق يطلب السلامة من هذه المواطن.

فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه"[3].

  1. رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (689).
  2. رواه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء، برقم (6649)، من حديث أبي هريرة .
  3. بدائع الفوائد، لابن القيم الجوزية (2/393-394).

مواد ذات صلة