تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 03 / ربيع الآخر / 1440 - 11 / ديسمبر 2018
(1) منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في التعامل مع المخالفين
تاريخ النشر: ٢٥ / ربيع الأوّل / ١٤٣٥
التحميل: 10652
مرات الإستماع: 4288

 

 (1) منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في التعامل مع المخالفين

 

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله وسلم وبارك عليه،وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:  

فسأتحدث عن التعامل مع الخلاف من خلال شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله–، وذلك أن هذه الشخصية مجمع عليها، والأحوال، والملابسات التي عايشتْها هي أقرب ما تكون إلى الأحوال والملابسات التي نعايشها في هذه الأيام، فأسأل الله -عز وجل- أن ييسر، وأن يعين، وأن يوفق، وأن ينفعنا وإياكم بما نقول وما نسمع.

إن الداعي لطرح هذا الموضوع هو ما لا يخفى على أحد منا في هذه الأوقات مما آلت إليه الأحوال، أعني أحوالنا مع الخلاف.

فالخلاف يفري العلائق والروابط التي بين أهل الإيمان، فأدى ذلك إلى تشتت، وتفرق، وتنازع، وتدابر، فصار حالنا إلى ما نهانا الله -تبارك وتعالى- عنه: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  الأنفال:46.

صرنا على حال يشمت بنا الأعداء، هذا بالإضافة إلى أن هذا التفرق والاختلاف صار في صورة هي الأسوأ مما أدركناه عبر العقود السابقة.

الذي كنا نعهده أن الناس إذا رأوا من يتوسمون فيه الصلاح أقبلوا عليه وفرحوا بلقياه وإن لم يعرفوا اسمه ولا نسبه، وإنما يكفي أن يرى من يلوح عليه سيما الاستقامة، والصلاح، والدين، والسمت الظاهر.

ولم يلبث الحال حتى جرت أمور أدت إلى فتن زلت بها أقدام، وتهافت فيها من تهافت، وصار الناس لربما يشتغل بعضهم ببعض حتى أصبحنا نسمع لغة من الوقيعة في الأعراض لم نكن نعهدها إطلاقاً.

ثم لم نلبث حتى صرنا إلى حال آلت بأصحابها إلى الجرأة بإطلاق الأحكام الكبار من التكفير بعد التبديع الذي كان في المرحلة التي قبله، بل اجترأ من اجترأ على الدماء، وهانت على الكثيرين تلك الحرمات، فصار بعض من ابتلي بذلك لا يبالي حينما يطلق هذه الأحكام الكبار من غير روية، ويوجه هذه السهام لمن خالفه في رأي أو اجتهاد.

ما عادت القضية يُعبَّر عنها بالتخطئة لاجتهاد المجتهدين وما قد يسوغ فيه الخلاف، ولم يعد ذلك أيضاً مقتصراً على التبديع، بل صار إلى أمور أكبر وأعظم، فنسأل الله -تبارك وتعالى- أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

وهذه أمور لابد من معالجتها، ولابد من السعي في سبيل الإصلاح، فإن هذا من أعظم أبواب الشر والفساد التي يجب أن تتضافر الجهود في إصلاحها وتقويمها، نسأل الله -عز وجل- أن يحفظنا وإياكم من مضلات الفتن.

هذا الحديث هو خطاب موجه إلى الجميع، لا نخاطب به فئة أو طائفة بعينها، إنما هو بيان ونصح لكل من أراد النصيحة، هذا الكلام ينصح به المتكلم نفسه وينصح به إخوانه، وينتفع به من شاء الله -تبارك وتعالى- أن ينتفع، وينبغي على العبد أن يتجرد، وأن يتقي الله -عز وجل-، وأن يقصد الحق، وأن يطلبه، وأن يحضر مجالس الذكر والعلم بقصد الانتفاع.

وأن يستحضر في قلبه أن هذا الكلام متوجه إليه، وأن نفسه غير سالمة ومخلّصة من العيوب، والآفات، والأدواء.

فنحن جميعاً عرضة، ولكن المؤمن يراجع نفسه دائماً، ويستغفر، ويتوب، ويصلح من حاله، ويستدرك ما وقع فيه من الخطأ؛ لأننا جميعاً مسافرون إلى الله.

وهذه الساعات والأيام التي نقضيها ما هي إلى مراحل تنقلنا على الآخرة، ومن ثَمّ فإن هذا الإصلاح ينبغي أن يتوجه إلى جميع الميادين: إلى الميادين العلمية، فإن الاختلاف يضرب بجذوره بين كثير من المنتسبين إلى العلم، أعني الخلاف المذموم الذي يوجب التدابر والتفرق.

كما أن ذلك يتوجه إلى الميادين الدعوية، فإنها لم تسلم من هذا الاختلاف، كما يتوجه ذلك أيضاً إلى الميادين في ساحة الجهاد، فإن ذلك لربما يكون فيه الاختلاف المذموم بأجلى صوره وأوضح أشكاله مع أن اللائق أن من يبذل نفسه لله وفي الله يكون أعظم الناس تجرداً في طلب الحق، والبحث عنه من أي جهة صدر، وأن يتحرى، ويتأنى، ويتروى؛ لأنها نفس واحدة، فإذا ذهبت ليس منها عوض.

وشيخ الإسلام –رحمه الله– قدوة في مجالات كثيرة متنوعة، فإذا تصفحت سيرته وجدت الجوانب المشرقة في التحقيق العلمي، وفي جانب التعامل نع الموافقين والمخالفين، مع القريب والبعيد.

وإذا نظرت إلى ردوده وجدت الردود المؤصلة، وإذا نظرنا إلى جوانب الإصلاح -مع كثرة جوانب الشر والفساد في زمانه- رأيت الإصلاح المبني على مشكاة الوحي من غير إفراط ولا تفريط، هو إمام بحق، مجدد، وإن لم يكن شيخُ الإسلام –رحمه الله– من المجددين فمن عسى أن يكون؟.

هذا الإمام إمام كبير فتح الله -عز وجل- عليه من ألطافه، ومن فتوحه ما لا يُقادَر قدره فهو آية من آيات الله -تبارك وتعالى-، وأنا أنصح طلاب العلم أن يكثروا من القراءة في كتب هذا الإمام، سيجدون بحراً لا تكدره الدِّلاء، سيجدون معيناً لا ينضب من العلم والتحقيق، وسيجدون تربية وأدباً، وسيجدون تأصيلاً متيناً.

فأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجزيه عنا خير الجزاء، فلا زالت علومه –رحمه الله– تتوارد وينتفع بها الناس جيلاً بعد جيل، وقد قال بعض معاصريه يوصي تلامذته بالانتفاع بكتبه والاحتفاظ بها، وكان مما قال فيما أذكر: إنه سيأتي رجال هم في أصلاب آبائهم ينتفعون بهذه الكتب وهذه العلوم، وصدق -رحمه الله.

هذا الإمام حينما نُجلِّي هذا الجانب من حياته في تعامله مع المخالفين نحتاج أولَ ما نحتاج إليه إلى بيان ما عمل هؤلاء الخصوم به، ماذا فعلوا؟، وإن شئت أن تقول: ماذا أبقوا؟ وما تركوا؟ما الذي تورعوا منه ولم يفعلوه مع هذا الإمام؟ ما تركوا شيئاً ولا حيلة يوصلون بها المكروه لهذا الإمام إلا فعلوها، ثم ماذا كان حاله معهم بعد ذلك لاسيما بعد أن مكنه الله -تبارك وتعالى- منهم؟.

فأعرض ذلك على قضايا وجوانب محددة؛ ليكون ذلك أسهل في التبصر، والاعتبار، والتذكر بعد أن يُضم النظير إلى نظيره.

فأول ذلك: وهو الأشد، والأنكى، والأعظم حينما يُرمى الإنسان بالبدعة بل بالكفر، هؤلاء الخصوم كفروه، وبدعوه، وضللوه، ورموه بالعظائم، وسترون بعض الأسماء تتكرر، وهم رءوس الخصوم، ومِن ورائهم أقوام ورجال أو أشباه رجال كانوا يعملون معهم على الإيقاع بهذا الإمام.

كان من أكبر خصومه رجل لم نعرفه إلا من خلال تسلقه على هذه القمة وهو نصر المَنْبجي، نصر المَنْبجي نستطيع أن نقول بكل تجرد: إن هذا الرجل ليس من أهل التحقيق في العلم، ولا من أهل الدراية به، وإنما هو رجل كان له سعي حثيث من خلال سيرته المتفرقة هنا وهناك في الوشايات، يبحث عن موطئ قدم، هذا الذي يظهر من مجموع السيرة.

ومن كلام شيخ الإسلام –رحمه الله– في مواضع أخرى غير الخصومة، حينما يقرر شيخ الإسلام بعض القضايا ويُورَد مثل هذا الكلام يبين شيخ الإسلام أن هذا الرجل ليس من أهل العلم أصلاً.

ماذا فعل نصر المَنْبجي؟

هذا كان يتكلم مع القضاة في مصر والشام في أمر شيخ الإسلام -رحمه الله- ويقول: هذا رجل مبتدع،
هذا في البداية الآن: مبتدع، ولكن ذلك لم يجدِ كثيراً معه، وقْعُ هذه الكلمة لم يحقق له المراد.

الذهبي -رحمه الله- يذكر عن حال هؤلاء وما فعلوا مع هذا الإمام، وأنه قام عليه خلق من علماء مصر والشام، -وليس بواحد، لكن هذا من الرؤوس- قاموا عليه قياماً لا مزيد عليه، وبدّعوه، وناظروه، وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي.

ويصف الذهبي تلك المعارك الطاحنة، يقول: "فجرى بينه وبينهم حملات حربية، وواقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة رموه عن قوس واحدة[1] ، كل هذا ما نفع، ماذا فعل نصر المَنبجي ومن حوله؟ رأوا أن المناظرات والمجالس -كما سيأتي- لا تجدي فدبروا عليه الحيلة في كلامه على مسألة المنع من السفر وشد الرحال إلى قبور الصالحين والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وهي مسألة معروفة ولا تستدعي الثورة، ولكن هؤلاء أرادوا أمراً في نفوسهم، ورتبوا على ذلك من اللوازم أموراً عظيمة، قالوا: هذا يمنع من شد الرحال إلى زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبور الصالحين، قالوا: هذا يقتضي أنه يتنقص الأنبياء والصالحين، والتنقص من الأنبياء والصالحين يقتضي الكفر، والمروق من الملة.

ما وجدوا شيئاً، قالوا: هذا الرجل يتنقص الأنبياء إذن هو كافر، ما وجدوا غير هذا، وأفتى بذلك طائفة من هؤلاء وهم من أهل البدع، بعض هؤلاء الخصوم من أهل الكلام، وبعض هؤلاء الخصوم من أهل الخرافة والتصوف والدجل من أتباع ابن عربي الملحد، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء ممن جاءوا بالتصوف الفلسفي الذي هو أسوأ أنواع التصوف، يعني التصوف الذي يؤمن أصحابه بالحلول والاتحاد، أن الله حالٌّ بخلقه، أن كل ما نشاهده ونراه إنما هو يجسد الذات الإلهية -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً.

هؤلاء هم الخصوم فأفتى ثمانية عشر رجلاً منهم بأنه كافر، وعلى رأس هؤلاء الإخنائي الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتابه المعروف، وكذلك أيضاً أفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه.

هذا التكفير الآن، والتبديع، والتضليل لهذا الإمام، وهل وقف الأمر عند هذا؟

الجواب: لا، بقي الأمر الثاني، التحريض والإغراء به.

يحرضون عليه، يحرضون من؟ يحرضون كل من استطاعوا من العامة والخاصة.

لما صنف شيخ الإسلام –رحمه الله– رسالته المعروفة "الحموية" في الصفات شنع بها جماعة عليه [2] ، وصاروا يحرضون العامة، وحملوها على قصبة في الأسواق يدورون بها ويطالبون أن مثل هذا ينبغي أن لا يُلتفت إليه ولا يستفتى، هذا فعله بعض القضاة من الحنفية، وليس ذلك فحسب بل جاء نصر المَنبجي، وحصل له في ذلك الوقت نوع رئاسة وتمكن على أرباب الدولة في القاهرة، ومعلوم أن الشام كانت تابعة لمصر، وأن الحاكم كان في القاهرة، فهذا المَنبجي لما صارت له هذه الصولة والرئاسة بدأ يغري القضاة هناك في أمر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فكان في البدايات يقول: هذا مبتدع، فلم تجد تلك الكلمة أصداءً كافية، فماذا فعل؟

صار يقول: أخاف على الناس من شره، فملأ نفوس القضاة على شيخ الإسلام، فحسّن القضاة للأمراء في القاهرة أن يطلبوه من الشام إلى القاهرة، وأن يعقد له مجلس للمحاكمة، فعقد له مجلس بدمشق، ولم يثبت عليه شيء.
فلم يرضَ بذلك نصر المنبجي، وقال لعدوه الآخر، لعدو شيخ الإسلام "ابن مخلوف" وهو من أشد أعداء شيخ الإسلام، قال له: قل للأمراء: إن هذا يُخشى على الدولة منه، قل: هذا رجل يخطط مع والي الشام، ويجمع له البيعة.
كذب أصلع لا يتورع منه مثل هذا الرجل.

فبدأ يحركهم، هذا يُخشى على الدولة منه، فطُلب من نائب الشام في ذلك الوقت، يقال له: "الأفرم"، فعقد له مجلسًا آخر، فلم يثبت عليه شيء، فحركوا الموضوع مرة أخرى، فعُقد له مجلس ثالث بسبب العقيدة الحموية، ثم هدأت القضية إلى أيام الجاشنكير، فهذا حصلت له بعد ذلك السلطة، وكان مع نصر المَنبجي وابن مخلوف وأمثال هؤلاء، فأوهمه نصر المنبجي أن ابن تيمية سيخرجهم من الملك، وأن هذا الرجل يمثل خطراً حقيقيًّا على دولتهم، وأنه سيقيم غيرهم، فطلبوه إلى الديار المصرية، تحقق هدف نصر المنبجي، هو يحاول منذ مدة فكانت تعقد المجالس ويقال: لم يثبت عليه شيء.

والي الشام الأفرم قال: هذا لم يثبت عليه شيء، عقدنا له ثلاثة مجالس، فلماذا يرسل إلى القاهرة؟
وقال: حضرت مجلسيْن من هذه المجالس بنفسي، والمجلس ثالث حضره القضاة والفقهاء، فماذا قال له المندوب الذي أُرسل من القاهرة؟ قال لنائب دمشق: أنا لك ناصح.

وقد قيل: إنه يُجمِّع الناس عليك وعقد لهم بيعة، فجزع والي الشام من هذا الكلام، يقول: ليس من مصلحتك! أنا محب وناصح، لا تمنع إرساله إلى القاهرة؛ لأنه ستُصدَّق التهمة المنسوبة لك أن الرجل يجمع لك بيعة.

الرجل لما سمع هذا الكلام خاف، وأراد أن يبرئ ساحته، فأرسل شيخ الإسلام –رحمه الله– إلى البلاد المصرية، وعُقد له هناك مجلس، وجاء المدعي العام، الآن هم أرادوا بهذه الدعوى أنهم يدعون عليه أمراً يوجب كفره، ثم بعد ذلك يحكمون عليه بالقتل، ويتخلصون منه من غير مناظرة؛ لأن المناظرات ما عادت تجدي؛ لأنه كان يحطم حججهم ولا يقف له أحد.

فقالوا: تقام عليه دعوى من قبل المدعي العام، ثم بعد ذلك يحكم عليه بمقتضاها، ماذا قال المدعي العام؟ قال: أطلب تعزيره على ذلك التعزير البليغ.

طبعاً القاضي مالكي، والتعزير البليغ عند المالكية يعني القتل، يعني أقصى عقوبة تعزيرية، ليست بحد، هي أن يقتل تعزيراً، هذا الآن طلب المدعي العام، الآن هذا الإغراء به.

لو نظرنا أيضاً إلى أفعالهم المشينة مع شيخ الإسلام نجد جانباً ثالثاً وهو كثرة الاستدعاء، آذوه، فهو استُدعي إلى مصر بتحريض من ابن مخلوف ونصر المَنبجي، وتواطؤ مع الجاشنكير، وكان هذا في سنة خمس وسبعمائة.

ولما جلسوا معه وحاققوه، ثم بعد ذلك ركب راجعاً إلى الشام من القاهرة، أرسلوا إليه من الغد على البريد، يعني في أسرع ما يكون، فأعادوه من الطريق، وأرجعوه إلى ابن جماعة، ومن هنا بدأت سلسلة في عقد المجالس، وهذا هو الجانب الرابع، مجالس تعقد لهذا الإمام، مجلس في الحموية –كما سبق– بتحريض من نصر المنبجي لقضاة مصر، فعقدت له ثلاثة مجالس بدمشق، ثم بعد ذلك عقد له مجلس آخر في الواسطية، سئل عن معتقده بأمر السلطان اكتب عقيدتك! ماذا تعتقد؟ أنت متهم في العقيدة.

شيخ الإسلام يقول لهم: ماذا أكتب؟ فنائب السلطان في الشام جمع القضاة والعلماء في القصر وأحضر الشيخ، وقال له: اكتب لنا عقيدتك الآن، قال لهم شيخ الإسلام: أنا ما عندي عقيدة أكتبها جديدة، لكن كنت كتبت منذ زمن العقيدة الواسطية حتى لا تقولوا: غيّر، وبدل، وكتب، وهذه تُقية، نحضر هذه العقيدة فانظروا فيها، أمهلهم ثلاث سنوات إذا وجدوا فيها شيئاً يخالف الكتاب، أو السنة، أو ما كان عليه السلف الصالح -رضي الله عنهم- ثلاث سنوات وما وجدوا شيئاً، وهم يدركون جيداً أن هذا الإمام جبل، وأنه لم يأتِ بشيء من عند نفسه.

فقرءوا هذه العقيدة في ثلاثة مجالس، والشيخ حاضر، وبحثوا معه، ولم يخرجوا بكبير طائل، وأيقنوا أن مجرد المناظرات لا تجدي مع هذا الإمام الفحل، ثم بعد ذلك دبروا له ذلك المجلس الذي في القاهرة، فعُقد له هذا المجلس، وادعوا عليه، أقاموا عليه الشهادات، وكان ذلك في اليوم الثاني لوصوله إلى القاهرة، ومتى؟ في الثاني والعشرين من رمضان سنة خمس وسبعمائة.

يعني الناس في العشر الأواخر وهؤلاء مجالس محاكمات لشيخ الإسلام، يقولون له: أنت مبتدع، وأنت تعادي الأولياء، وأنت تقول كذا وكذا، فعقد هذا المجلس في القلعة، وادُّعي عليه عند هذا القاضي المبتدع "ابن مخلوف" ما هي الدعوى؟

يقولون: أنت تقول بأن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأن الله على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية [3] .

النبي – صلى الله عليه وسلم – قال للجارية: (أين الله؟)، قالت: في السماء، وأشارت بإصبعها، فقال:(اعتقها فإنها مؤمنة) [4] .

شيخ الإسلام ما جاء بشيء من عنده، فقالوا: أنت تقول بهذا، هذه الدعاوى الآن في الثاني والعشرين من شهر رمضان، العشر الأواخر، هذه العبادة، وهذا الاجتهاد في الصيام، والقيام، والذكر! ولكن ما حيلة شيخ الإسلام –رحمه الله– بأقوامٍ قد قطع الغل قلوبهم، الغيظ، الكمد، الحسد، فمن امتلأ قلبه بهذه الأدواء فإنه لا يهنأ بعبادة ولا يستشعر لذة للمناجاة، فتجده في ليله ونهاره مشتغلا بأعراض الناس، وهذا المدعي عرفنا أنه كان يطلب التعزير البليغ.

المحاكمة الآن صورية؛ لأنهم رتبوها ودبروها بهذه الطريقة من أجل أن يدعى عليه ثم يحكم عليه بمقتضاه، والقاضي أحد الخصوم، هو ابن مخلوف، فقال له القاضي مظهراً للتجرد: ما تقول يا فقيه؟

فشيخ الإسلام بدأ يحمد الله ويثني عليه، استفتح بخطبة الحاجة، هم يريدون أن ينتهي الموضوع بأسرع ما يكون، ما يحتمل حتى سماع الحمد والثناء على الله -تبارك وتعالى-، فقاطعوه، قالوا: أسرع، ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟!.

فقال القاضي: أجب فقد حمدت الله تعالى، هات، الحكم جاهز، فسكت شيخ الإسلام –رحمه الله– فقال له القاضي: أجب، فقال شيخ الإسلام: من هو الحاكم فيّ؟ يعني: من الذي سيحكم عليّ؟!

الآن هو لا يرى إلا الخصوم، فأشاروا إلى القاضي، أشاروا إلى ابن مخلوف، فقال شيخ الإسلام لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم فيّ؟! كيف تحكم علي وأنت أحد الخصوم؟

القاضي الآن هو الخصم، وهذا لا يحق، الحاصل أنهم أقاموا شيخ الإسلام ومعه أخواه، ثم قال الشيخ: رضيت أن تحكم فيّ، فما مكنوه من الجلوس، وأمروا به إلى الحبس –كما سيأتي–، فقام أخوه شرف الدين يبتهل يدعو وهم خارجون، يدعو عليهم، فمنعه الشيخ وقال: "بل قل: اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق"

 
الشيخ وقال: "بل قل: اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق"
 

 [5] .

ما قال: اللهم جمد الدماء في عروقهم، وشل أركانهم، ويتم أطفالهم، واجعل الدائرة عليهم، والعنهم لعناً يدخل معهم في قبورهم، ولا تبقِ منهم أحداً، ما قال هذا، قال: اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق.

قالها في لحظة احتدام النفوس، اللحظة التي تجرى فيها هذه التمثيلية، ويؤمر به إلى الحبس، وهذه لا يمكن أن تسمى محاكمة أصلاً، ويقول: اللهم هب لهم من أمرهم رشداً.

ليست الأحلامُ في حال الرضا *** إنما الأحلامُ في حال الغضب [6] 

يعني كثير من الناس بعدما تهدأ النفس لربما يقول كلاماً حسناً، ومن الناس من لا يُعرِّج ولا يفيق من سكرته، فهو في حال دائمة من احتدام النفس والتحامل على كل من خالفه، لكن من الناس من يفيق بعد هدوء النفس، بعد يوم، أو يومين، أو ثلاثة، شيخ الإسلام في نفس اللحظة.

                                         إنما الأحلامُ في حال الغضب

هذه هي الأخلاق الحقيقية.

أودعوه السجن -وسيأتي الكلام على حبسه -رحمه الله- في ربيع الأول سنة سبعمائة وسبع، الكلام من سنة سبعمائة وخمس، أُخرج من السجن، وهل انتهت القضية؟

لا، لازالت المجالس، عقد له مجالس حضرها كبار الفقهاء في البلاد المصرية، وهل انتهى الأمر بذلك؟ 
لم ينتهِ بل حصل بينه وبين بعض الصوفية تنازع، فعُقد له مجلس يحاكمونه لأنه تكلم في ابن عربي، ابن عربي غير الفقيه المالكي ابن العربي صاحب "أحكام القرآن"، ابن عربي هذا رجل من أهل التصوف الممزوج بالفلسفة، يعني هؤلاء يتبنون عقائد فلسفية ممزوجة مع التصوف، هي عقائد إلحادية، يقول:

الربُّ عبدٌ، والعبدُ ربٌّ *** فيا ليتَ شعري مَن المكلف [7] .

أحد علماء هؤلاء –إن كانوا علماء مجازاً– يرى –أعزكم الله– كلباً فيقول لصاحبه: هذا ربي وربك.

أحدهم يقول: "ما في الجبّة إلا الله" [8] ، يعني ما تحت اللباس، هذا اللباس المعروف "الجبّة" ما في الجبة إلا الله، يعني أن الله تجسد به.

ويُحاكَم ويقال له: أنت تكلمت في ابن عربي، ابن عربي من تكلم فيه يحتاج إلى محاكمة! ولكن حتى تدرك الحال التي وصل إليها الناس في عصر شيخ الإسلام -رحمه الله.

وهكذا حينما أرجعوه من دمشق فيما ذكرنا سابقاً، أرجعوه من الطريق إلى دمشق، وعقدوا له مجلساً وذلك في رمضان، فاجتمع الفقهاء، وماذا قالوا لما أعادوه من الطريق؟

قال بعضهم: ما ترضى الدولةُ إلا بالحبس.

فقال ابن جماعة: وفيه مصلحة له، فهذا يورد والثاني يؤيد، الآن القاضي والمدعون كلهم يتواردون على حال واحدة، هذا يقول: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، وابن جماعة يقول: وفيه مصلحة له.

ولا أدري ما هذه المصلحة لشيخ الإسلام -رحمه الله-!.

ابن جماعة استناب قاضياً يقال له: "شمس الذين التونسي المالكي" وأذن له أن يحكم على شيخ الإسلام بالحبس، فامتنع هذا القاضي، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن ابن جماعة لقاضٍ آخر يقال له: "نور الدين الزواوي المالكي" فتحير الرجل وتحرج من أن يحكم على شيخ الإسلام بالحبس وما ثبت عليه شيء، كما ترون هذا المجلس، قالوا: تكلمت في حق ابن عربي.

فلما رأى شيخ الإسلام هذا التوقف والتحير، قال: أنا أمضي إلى الحبس.

لينهي هذه المشكلة، وهذه الحيرة التي وقعوا فيها.

هذا القاضي الزواوي اقترح أن يكون ذلك في مقام يليق بمثله، بمثل شيخ الإسلام، يعني مثل: أن يوضع في مكان إقامة جبرية أو نحو ذلك، أن يوضع في دار، ولا يودع في الحبس مع المجرمين.

فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فأُرسل إلى حبس القاضي.

وكل هذا كان الذي من ورائه ومن تحته "نصر المنبجي"، وسترون لاحقاً -إن شاء الله- ماذا يقول شيخ الإسلام عن نصر المنبجي، وماذا فعل مع ابن مخلوف من وجوه الإحسان.

انظروا الآن إلى هذه المكايد حتى نتربى فنحن أحوج ما نكون إلى التربية، وأنا أحوج الموجودين إلى هذا، هذه ليست أشياء أقولها من برج عاجي أن الناس بحاجة إلى إصلاح نفوسهم، لا، نحن جميعاً نحتاج إلى مثل هذه المذاكرة، وأنا والله يا إخوان كلما قرأت في مثل هذه المواقف من سيرة شيخ الإسلام أتقاصر نفسي وأدرك مدى الضعف الذي نعاني منه، فهذا يدفعنا إلى مزيد من المجاهدات، والتصحيح، والارتقاء بهذه النفوس، ولذلك إياك أن تفكر حينما تسمع هذه المواقف بزيد وعمرو، لا، فكر بنفسك، واطلب خلاصك، اطلب ما ترتقي به وترتفع، فإن هذا هو الهدف، هذا هو المقصود، لا تفكر بأن فلاناً يعاني من كذا، أو أن فلانًا هذا الكلام يصلح لمثله، لا، هذا الكلام يصلح لنا. 

نحن عندنا قصور، وعندنا ضعف، وعندنا خلل كبير على كثرة ما نسمع، وكثرة ما نقرأ.

الحاصل أن شيخ الإسلام بعد هذا خرج من الحبس إلى دار النيابة بالقلعة، هذا في السنة التاسعة في ربيع الأول وفي الثالث عشر من نفس الشهر قبل أن ينتصف حضر الفقهاء، وعُقد له مجلس، وحصل بينه وبينهم بحث طويل إلى وقت الصلاة، ثم عادوا إلى المجلس حتى دخل الليل، ولم ينقضِ الأمر، ما انتهوا! ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس عشر، يعني بعد يومين، بقوا عامة النهار، وحضر أكثر الفقهاء، تعذيب لهؤلاء الفقهاء بهذه المجالس الطويلة التي يطالبونه فيها بأمور لا حقيقة لها.

انقضى المجلس فعُقد له مجلس آخر بالمدرسة الصالحية بين القصرين.

وهكذا في منتصف شهر ربيع الآخر من السنة الثامنة عشرة بعد السبعمائة من الهجرة في الشام اجتمع قاضي القضاة –كما يسمونه– "شمس الدين الحنبلي" مع شيخ الإسلام، وأشار إليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق.

شيخ الإسلام قال: أنا موافق، ماذا تريدون؟

ما انتهى الأمر، الآن هذه مسألة فقهية، الطلاق بالثلاث هل هو واحدة أو ثلاث؟

شيخ الإسلام يقول: الطلاق بالثلاث واحدة.

ثم بعد ذلك في يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة جُمع الفقهاء والقضاة عند الأمير نائب الشام، وقرئ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فتياه في مسألة الطلاق.
فعوتب على فتياه بعد المنع، وانفض المجلس على توكيد المنع.

ثم عُقد له مجلس في يوم الخميس في الثاني عشر من شهر رجب سنة عشرين وسبعمائة، وعاودوه في فتيا الطلاق، وحاققوه فيها، وعاتبوه بسببها.

فالآن كلها مجالس على ماذا؟ تكلمت في ابن عربي، أنت تقول: الله على العرش استوى، أنت تقول: الله يتلكم، أنت تفتي بأن الطلاق بالثلاث يكون واحدة، وأنت تمنع من شد الرحال إلى القبور، السفر من أجل زيارة القبور، هذه هي التهم! ولم يقف الأمر عند هذا بل آل إلى السعي في منعه من الفتيا، وعرفنا أن قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي قد أشار عليه بترك الفتيا، وأن شيخ الإسلام وافق لكن في مسألة الطلاق، وأنه حصل تشنيع على شيخ الإسلام من بعض قضاة الحنفية في مسألة: "الرسالة الحموية" وطافوا بها في الأسواق على قصبة، يقولون: لا يُستفتى.

وكذلك في مستهل جمادى الأولى من سنة ثماني عشرة وسبعمائة جاء كتاب من السلطان من مصر فيه منع الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق.

هذا الآن مرسوم من السلطان، ونودي بذلك في البلد، وكذلك أيضاً توعدوه، وجاء ذلك في خطاب السلطان أنه إن أفتى بذلك فإنه يعزر وينكل به، هذا كله فعلوه معه.

بقي أمر سادس وهو الحبس: وقد مضى بعض ذلك في مضامين الكلام السابق ، فأول ما حُبس –رحمه الله– كان ذلك في الشام من بعض نواب السلطان، ما هو السبب؟ أنه قام على رجل نصراني سب النبي -صلى الله عليه وسلم- فحبس، ثم بعد ذلك أطلق.

ثم حينما استدعي إلى القاهرة مع أخيه شرف الدين حبس في برج أياماً بعد التحريض من نصر المَنبجي، وابن مخلوف، والجاشنكير.

ثم بعد ذلك لما حصل نزاع بينه وبين أحد الصوفية وعقد له ذلك المجلس الصوري فحكم عليه بالحبس.
وقلنا: إن شيخ الإسلام ذهب إلى الحبس بإرادته لأن القاضي الذي استنيب بذلك تحرج من الحكم عليه به؛ لأنه لم يثبت عليه شيء، كل هذا بسبب سعي نصر المنبجي.

ثم أخرجوه في سلطنة الجاشنكير الملقب بالمظفر، أخرجوه إلى الإسكندرية بالبريد، وحينما يقال: بالبريد يعني على وجه السرعة، بلا توقف [9] .

يعني البريد كيف كان؟ بريد على الخيل تكون هناك محطات في الطريق، كل مثلاً عشرة كيلو محطة فيها خيول، فهذا يصل إلى الحطة هذه، والفارس الآخر ينتظر فينطلق على فرس جديدة نشيطة، ثم الثالث، ثم الرابع، حتى يصل بوقت قياسي، هذا المراد حينما يقال: أرسلوه على البريد، أي بلا توقف، أرسلوه إلى الإسكندرية.

لماذا الإسكندرية؟، هو قد تكلم على ابن عربي، وتكلم على ابن سبعين، وأمثال هؤلاء كابن الفارض، وهؤلاء لهم أتباع كثر في ذلك الحين في الإسكندرية.

وهناك من يمكن أن يجترئ على شيخ الإسلام فيقتل ويذهب دمه من غير تطلب، فيتخلصون منه، ويمكن أن تنسب القضية إلى مجهول، واحد من هؤلاء الشبيحة قتل شيخ الإسلام -رحمه الله- وانتهى الأمر.

فأرسلوه هناك وحبسوه –رحمه الله– وبقي في برج في الإسكندرية أحد عشر شهراً.

وتحول السجن إلى شيء آخر، إلى مدرسة، وصار رءوس هؤلاء من الملاحدة غلاة الصوفية من أهل الحلول والاتحاد يأتون إليه ويقولون: نريد أن نقرأ عليك الكتاب الفلاني، يعني من كتب هؤلاء الذين يعظمونهم كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض.

يقولون: نريد أن نقف مع كل جملة في الكتاب.

فكانوا يقرءون عليه، وشيخ الإسلام يبين لهم ما فيها، فتاب عدد من رءوسهم، وهداهم الله -عز وجل- به، وصار لشيخ الإسلام تلاميذ في الإسكندرية، وصار له أتباع، عم النفع به، صار له أصحاب الآن في الإسكندرية من هؤلاء المنحرفين لمّا هداهم الله -عز وجل- به.

ثم بعد ذلك لما رجع –كما سيأتي– خرجوا معه يشيعونه، ويودعونه، ويتأسفون على فراقه -رحمه الله- وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ مريم:31، فهذا من البركة بلا شك.

الشاهد أنه بعد ذلك أيضاً حُبس بدمشق وبقي إلى يوم الإثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين، هذا بعد مدة طويلة، فأُخرج بعد العصر بأمر من السلطان، فتوجه إلى منزله، فكانت مدة السجن التي قضاها بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً، في مسألة شد الرحال إلى القبور وفتوى الطلاق.

خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً، والناس أحوج ما يكونون إلى علمه -رحمه الله-، في بيئة مظلمة بالعلوم الكلامية والتصوف.

في يوم الاثنين بعد العصر السادس من شعبان سنة ست وعشرين اعتقل بقلعة دمشق مرة أخرى بأمر من السلطان، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه، ما هو السبب؟ السبب مسألة السفر لا زالوا بها! بعد كل هذه السنوات! شد الرحال إلى القبور وفتوى الطلاق.

وأفتى بذلك قضاة مصر الأربعة، يعني الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي.

أفتوا بحبسه، وبقي في السجن حتى توفي، وكانت مدة هذا الحبس هي الأطول، كانت سنتين وأشهرًا.

الذي أحصيته من هذه المدد أنها بلغت ست مرات، يحبس فيها، في مجموعها تقارب أربع سنوات، على ماذا؟ على مثل هذه القضايا.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل في آخر الأمر منعوه من الكتابة؛ لأنه كان يؤلف، ألف كثيراً من كتبه في سجنه الأخير.

لو تنظرون في تاريخ هذه المؤلفات التي حطم فيها أصول أهل البدع من أهل المذاهب الكلامية والرافضة وغير هؤلاء، تجد أن هذه الرسائل كتبت في السجن وتبلغ مجلدات.

ففي يوم الاثنين التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أُخرج ما كان عنده من الكتب، والكراريس، والأوراق، والدواة، والأقلام، ومنع من الكتابة، وقراءة الكتب، والتصنيف، وصار يكتب بالفحم -رحمه الله.

وهل وقف الأمر عند هذا؟ لا، بل بقي أمر ثامن: وهو أن الأذى طال أصحابه.

في المرة الأولى التي حبس فيها بسبب ذلك النصراني الذي سب النبي –صلى الله عليه وسلم– حبس معه الشيخ زين الدين الفارقي [10] ، وقد عُزل بعض العلماء من بعض الولايات الشرعية بسبب صلتهم بشيخ الإسلام -رحمه الله.

الشيخ كمال الدين بن الزملكاني كان ناظراً للمارستان، المارستان يعني المستشفى، يعني هذه مستشفيات كانت وقفية، فكان ناظراً عليه، فعزل بسبب صلته بشيخ الإسلام -رحمه الله.

وهذا العزل كان بإيعاز من نصر المنبجي، فهذا الاسم يدور ويتكرر، ولما استُدعي إلى القاهرة بتحريض من نصر المنبجي وابن مخلوف وحبس في برج حصل أذى كثير للحنابلة في القاهرة.

وفي سنة ست وعشرين وسبعمائة لما حبس في الشام أمر القاضي جلال الدين القزويني بحبس جماعة من أصحابه بسجن الحُكم، وعُزر جماعة على دواب، ونودي عليهم.

عُزروا على دواب يعني أنه يطاف به على حمار مثلاً في البلد، وفي الأسواق، وفي المجامع العامة، وينادى عليه، أو يضرب، أو يسود وجهه، أو تحلق لحيته، هذا التعزير الذي كان يُفعل في ذلك الوقت، أي: تشهير، فقهاء، علماء، أصحاب سنة، ثم أُطلقوا إلا واحدًا، وهوالحافظ ابن القيم -رحمه الله-، كان معه في الحبس.

فبقي معه في الحبس إلى أن توفي شيخ الإسلام -رحمه الله.

طبعاً بقي في الحبس يُستفتى والناس يرسلون إليه من الأمراء، والأعيان، والكبراء يستفتونه ويسألونه، ويقول الواحد منهم: لا أقبل إلا ما تجيب به أنت.

يثقون به ويعرفون قدره -رحمه الله.

في ليلة الأربعاء في العشرين من شهر شوال طُلب أخواه زين الدين وشرف الدين، فعثروا على زين الدين ولم يعثروا على شرف الدين، ورُسم عليه ترسيم، وحبس عند الشيخ -رحمه الله.

هذا وقع لمن حوله، وهل انتهى الأمر بهذا؟

لا، بقي أمر تاسع، بقي مد اليد، والضرب، والاجتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله.

مَن مِن طلاب العلم اليوم أو من الدعاة إلى الله -عز وجل- مع من يخالفهم ولربما يتحامل عليهم، وصل الأمر به إلى أنهم آذوه بالضرب، إنما هو اختلاف في الاجتهادات، فقس على هذه الحال، وانظر، وقارن حالنا مع حال شيخ الإسلام -رحمه الله-.

في الرابع من رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة تفرد به جماعة في جامع بمصر، وتعصبوا عليه، وضربوه، هؤلاء مجموعة من المنحرفين من الصوفية الغلاة.

وفي منتصف شهر رجب ظفر به بعض المبغضين له في مكان خالٍ، وأساء عليه الأدب، وتطاول عليه -رحمه الله.

في شهر شعبان سنة إحدى عشرة وسبعمائة استفرد به البكري -شيخ الإسلام له رد على البكري-، تفرد به بمصر، ووثب عليه، ونتّش بأطواقه، وقال: احضر معي إلى الشرع فلي عليك دعوى [11] .

جرأة وتطاول على الشيخ -رحمه الله!.

كل هذا حصل، هذه تسعة أبواب من الأذى، بعد هذا كله ماذا كانت ردود الأفعال؟ هل خرّجت لنا هذه المحن نفسية مشحونة متحاملة على الآخرين؟ متحاملة على أهل العلم؟ متحاملة على المجتمع؟

هل فتح شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله– "هاشتاج" أو فتحه بعض أصحابه، وقالوا: كل من لم يكتب فيه فإنه يكون قد خذل الشيخ ولا يقبل منه صرف ولا عدل؟

هل كانوا يتعاملون بمثل هذه النفوس؟

هل شيخ الإسلام -رحمه الله- بدأ بجرد حسابات وتصفية الخصوم بعد هذا الأذى الطويل من سنة سبعمائة وخمس إلى سنة سبعمائة وثمان وعشرين، إلى أن مات في السجن، كل هذه المدة الطويلة، ثلاث وعشرون سنة بين حبس، واستدعاء، وضرب، وتبديع، وتكفير، وتهم.

مرة يُستدعى من الشام، ومرة يسير إلى الإسكندرية، فبماذا خرج في هذه المدة الطويلة؟

ما هو القلب الذي كان يحمله؟ وكيف صار يتعامل مع هؤلاء الخصوم؟

وكيف كان إحسانه إليهم وكل من كان على شاكلتهم؟

يمكن أن أجمل ذلك في أبواب كما أجملت أنواع الأذى في أبواب:

فأول ذلك: السمة البارزة: العفو، الصفح، سلامة الصدر، ترك الانتصار للنفس:

هذه أبرز سمة، ما كانت نفسه حَرّى مشحونة، ما كان يحمل حقداً، وغلا على هؤلاء الناس، بل كان كبيراً، كان له قلب –رحمه الله– كبير يحوي هؤلاء الخصوم كما يحوي أيضاً الأصحاب والتلاميذ على حد سواء، قلبه كبير.

كان –رحمه الله- بحراً لا تكدره مثل تلك الأدناس، ولا تؤثر فيه، وهكذا الكبير.

النبي –صلى الله عليه وسلم– هو الأسوة الكاملة، أوذي أذىً كثيراً فكيف كان يتعامل مع هؤلاء الذين آذوه؟.

شيخ الإسلام –رحمه الله– أرسل رسالة من السجن إلى أصحابه، ومحبيه، وتلامذته، وإخوانه يوصيهم فيها بوصية طويلة جميلة أذكر جملاً منها، ونحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه الأخلاق، الآن هو في الحبس والذين أغروا به يعرفهم وهم يعرفونهم.

يقول: "أول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بي، فتعلمون -رضي الله عنكم- أني لا أحب أن يُؤذَى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً لا باطناً ولا ظاهراً، ولا عندي عتب على أحد منهم -حتى المعاتبة-، ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة، والإجلال، والمحبة، والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كلٌّ بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً، فالأول مأجور، مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفوٌّ عنه مغفورٌ له - هذا الذي اجتهد وأخطأ في حق الشيخ–، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين" [12] .

من بقي؟ يعني المجتهد المصيب هذا مشكور، المجتهد المخطئ مأجور ومعفوٌّ عنه الخطأ، بقي من كان معتدياً ظالماً من غير اجتهاد، فمثل هذا يقول: فالله يغفر لنا، وله، ولسائر المؤمنين.

"فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل".

ما هو بساط الكلام المخالف لهذا الأصل؟ كقول القائل: فلانٌ قصر، فلانٌ ما عمل، فلانٌ أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلانٌ كان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان.

"فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل مثل هذا يعود على قائله بالملام، إلا أن يكون له من حسنة وممن يغفر الله له إن شاء، وقد عفا الله عما سلف، وتعلمون أيضاً أن ما يجري من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان ما كان يجري بدمشق، وما جرى الآن بمصر، فليس ذلك غضاضة ولا نقصاً في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغيّر منا ولا بغض، بل هو بعدما عُمل به من التغليظ والتخشين أرفع قدراً، وأنبه ذكراً، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض.

فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين.

وتعلمون أنّا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا بعضًا أعظم مما كان وأشد،
فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب أو الإخوان لما قد يظنه من نوع تخشين عُمل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك فهو الغالط، وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون والتناصر  فقد ظن ظن السوء، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، وما غاب عنّا أحد من الجماعة أو قدم إلينا الساعة، أو قبل الساعة إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت، وأجل، وأرفع".

ما جلس يصفي مع هؤلاء، فلان ما جاء، فلان كان موقفه سلبيًّا.

يقول: "وتعلمون -رضي الله عنكم- أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء واختلاف الأهواء، وتنوع أحوال أهل الإيمان، وما لابد منه من نزغات الشيطان ما لا يُتصور أن يَعْرى عنه نوع الإنسان.
قال الله تعالى:  وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا  الأحزاب:72".

-يلتمس الأعذار الآن لهؤلاء جميعاً-، يقول: "وكل ما قيل من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  النور:11، فلا أحب أن يُنتصر من أحد بسبب كذبه عليّ أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير للمسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي.

وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم.

فلو كان الرجل مشكوراً على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سبباً في هذه القضية، لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكن الله هو المشكور على حسن نعمه، وآلائه، وأياديه التي لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وأهل القصد الصالح يُشكرون على قصدهم، -يعني وإن أخطئوا في حقه-، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم.

وأنتم تعلمون هذا من خُلقي والأمر أزيد مما كان وأوكد، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض، وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله.

وأنتم تعلمون أن الصدِّيق الأكبر في قضية الإفك التي أنزل الله فيها القرآن حلف أن لا يصل مسطح بن أُثاثة؛ لأنه كان من الخائضين في الإفك، فأنزل الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ...  النور:22 الآية [13] .

يعني يقول: أنا باذل للعفو والصفح لهؤلاء جميعاً.

ثم أيضاً انظر إلى هذه المواقف المشرقة: في سنة إحدى عشرة وسبعمائة وصل النبأ أن الفقيه البكري وهو أحد خصوم شيخ الإسلام استفرد به بمصر –كما ذكرنا– وآذاه، ونتّش بأطواقه، وقال: احضر معي... إلى آخره.

فتكاثر الناس يريدون الانتصار لشيخ الإسلام، وتجمعوا، وتجمهر خلق عظيم، فهل استغل شيخ الإسلام هذا التجمهر والتجمع وقال: نعم، حتى تظهروا قدر العلماء ومنزلة العلماء وتبطشوا بهذا الأفاك الأثيم؟
أبداً ما قال هذا، الرجل خاف وانملص –أعني هذا البكري– فطُلب من جهة الدولة فهرب واختفى، وأراد جماعة أن ينتصروا لشيخ الإسلام منه فلم يمكِّنهم شيخ الإسلام -رحمه الله- من ذلك، رفض أن يسيء إليه أحد بسبب الانتصار لشيخ الإسلام.

وفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة أيضاً -كل هذا في مصر- جاء رجل إلى أخيه الشيخ شرف الدين، فقال له: إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ، وتفردوا به، وضربوه، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.

فقام أحد أصحاب شيخ الإسلام وكان جالساً عند أخيه شرف الدين، وذهب إلى المكان المشار إليه، فوجد خلقاً كثيراً من الرجال، من المشاة، والفرسان، يسألون عن الشيخ.

يقول: فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر، واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس، وقال بعضهم له: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا.

جاءوا غاضبين يريدون الانتصار لشيخ الإسلام -رحمه الله-، ما قال: نعم، هكذا ينبغي أن يكون أهل الإيمان.
قال لهم الشيخ: لأي شيء؟  

قالوا: لأجلك.

قال لهم: هذا ما يحق.

فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء.

يعني ما نهدم مصر بكاملها، نذهب إلى بيوت هؤلاء الذي آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم.

لاحظ الآن المنحى والحجة، عرفوا أنه لا يريد الانتصار لنفسه، قالوا: فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس.

فقال لهم: هذا لا يحل.

قالوا: فهذا الذي فعلوه معك يحل؟

هذا شيء لا نصبر عليه ولابد أن نذهب إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا.

فكان الشيخ ينهاهم ويزجرهم، فلما أكثروا عليه قال: "إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل منه".

هذا الرجل الآن مضروب.

"إن كان الحق لي فهم في حل منه، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.

قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟

قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه.

يضربونه ويقول: قد يكونون مأجورين فيه!

قالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟ فإذا كنت تقول: إنهم مأجورون فاسمع منهم ووافقهم على قولهم.
فقال لهم: ما الأمر كما تزعمون، فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، ففعلوا ذلك باجتهادهم، والمجتهد المخطئ له أجر.

من يفعل هذا؟! من يصل إلى هذه الدرجات العالية في التربية والأخلاق؟!

هذه هي التربية الإيمانية، هذه هي التربية الحقيقية، هذه التزكية الصحيحة للنفوس.

فلما قال لهم ذلك قالوا: فقم واركب معنا حتى نجيء إلى القاهرة.

أرادوا أن يدخلوا القاهرة بهذا الحشد الهائل ليبينوا غضبتهم ومنزلة شيخ الإسلام في نفوسهم، فقال: لا،
وسأل عن وقت العصر، فقيل له: إنه قريب، فقام قاصداً إلى الجامع لصلاة العصر، قالوا: يا سيدي قد تواصوا عليك ليقتلوك وفي الجامع قد يتمكنون منك بخلاف غيره فصلِّ حيث كان.

فأبى إلا المضي إلى الجامع والصلاة فيه، فخرج وتبعه خلق كثير لا يرجعون عنه، فضاقت الطريق بالناس، فقال له بعض من حضر: ادخل إلى هذا المسجد –مسجد في الطريق– اقعد فيه حتى يخف الناس لئلا يموت أحد من الزحام.

فدخل ولم يجلس، وقف، لما خف الناس خرج يطلب الجامع العتيق، ثم مشى قاصداً للجامع، والناس يقولون: هنا يقتلونه، الآن يقتلونه.

فلما وصل إلى الجامع قيل: الساعة يغلقون الجامع عليه وعلى أصحابه ويقتلون.

فدخل الجامع، يقول: فدخلنا معه فصلى ركعتين فلما سلم منها أذن المؤذن بالعصر فصلى العصر، ثم افتتح بقراءة: الحمد لله رب العالمين، ثم تكلم في المسألة التي كانت الفتنة بسببها إلى أذان المغرب.

فخرج أتباع خصومه وهم يقولون: والله لقد كنا غالطين في هذا الرجل لقيامنا عليه.

انقلبت الصورة تماماً، قالوا: والله إن الذي يقوله هذا هو الحق، ولو تكلم بغير هذا -يعني لو تكلم هذا بغير الحق- لم نمهله إلى أن يسكت بل كنا نبادر إلى قتله ولو كان هذا يبطن خلاف ما يظهر لم يخفَ علينا.

وصاروا فرقتين يخاصم بعضهم بعضاً، ورجع الشيخ إلى موضعه، وبات عند ابن عم له [14] .

فهذا القلب الكبير حينما يتكلم الناس يميزون ويدركون، لو أنه قام يتهدد، ويتوعد، وينتصر لنفسه ما آلت الأمور إلى ما آلت إليه، فصار هؤلاء الخصوم الذين ضربوه وآذوه في ذلك اليوم نفسه، بل في ذلك المساء نفسه تحولوا إلى أنصار، وإلى مؤيدين، وإلى أتباع.

هذا يحتاج إلى قلوب كبيرة، يحتاج إلى أخلاق الكبار.

أما صاحب النفس الصغيرة فينفر منه كل من حوله، أول من ينفر زوجته وأولاده، وأصحابه، ولا يمكن أن يقبل منه أحد؛ لأنه يتعامل معهم دائماً بحسابات يصفيها معهم؛ لأنه يتحامل على الآخرين، هذا ما زاره، وهذا قصر في حقه، وهذا قال كلمة، وهذا ما قام حينما سلم عليه، فنفوس الصغار هذا شأنها، والله المستعان.



[1]  العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (ص: 133).

[2]   انظر: المصدر السابق (ص: 211).

[3]  انظر: المصدر السابق (ص: 212).

[4]  أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، برقم (537).

[5]  ذيل طبقات الحنابلة (4/ 512).

[6]  انظر: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار (2/ 225)، والدر الفريد وبيت القصيد (9/ 58)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 235).

[7]  انظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام (3/981)، وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين (1/93).

[8]  انظر: مدارج السالكين (1 / 155)، وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين (1 / 100).

[9]  الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (ص: 675).

[10]  المصدر السابق (ص: 605).

[11]  العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (ص: 278).

[12]  المصدر السابق.

[13]  أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، برقم (2661)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم (2770).

[14]  المرجع: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (ص:211-305).

مواد ذات صلة