الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة..» إلى «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

ففي "باب فضل الذكر" أورد المصنف -رحمه الله- حديث سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة[1]، رواه مسلم.

قال الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم أو يحط[2]، قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيي القطان عن موسى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: ويحط بغير ألف[3].

قوله ﷺ: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ هذا الأسلوب فيه من الترغيب والتشويق، ولفت نظر المخاطب، وجذب الانتباه ما لا يخفى.

"فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟" يعني: المتبادر أنه يعمل ألف عمل صالح حتى يحصل ألف حسنة، قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها[4]، فالتسبيحة بعشر، فمائة تسبيحة هذه بألف، وهل يختص ذلك بالتسبيح؟ إذا مشينا على القاعدة: أن الحسنة بعشر أمثالها، نقول: لو أنه حمد الله مائة مرة، فهذه ألف حسنة، لو كبر الله مائة مرة، فهذه ألف حسنة.

قال: فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة أو هذه يحتمل أنها بمعنى الواو، كما جاء في رواية أخرى: ويحط بمعنى: أنه يحصل له هذا وهذا معًا ألف حسنة، ويحط عنه ألف خطيئة ويحتمل: أن تكون أو هذه للتقسيم، يعني: إما أن يحصل له هذا، وإما أن يحصل له هذا، ويحتمل: أن تكون للشك من الراوي، شك الراوي، هل قال النبي ﷺ: يكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة؟ والنووي -رحمه الله- هنا نقل قول الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وإذا جاء النقل عن الحميدي فهو من هذا الكتاب الجمع بين الصحيحين، قال: "كذا هو في كتاب مسلم أو يحط" قال البرقاني: "ورواه شعبة" البرقاني أخذ الجمع بين الصحيحين، ووضعه على مسانيد الصحابة ، يقول: "ورواه شعبة" يعني: ابن الحجاج أول من لقب بأمير المؤمنين في الحديث "وأبو عوانة، ويحيى القطان" يعني: يحيى بن سعيد القطان "عن موسى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: ويحط بغير ألف" يعني: في رواية ويحط فهذه واضحة أنه يحصل له هذا وهذا، فهذه ثلاثة احتمالات.

والمقصود بذلك فضل التسبيح والذكر، وأن هذا العمل اليسير الذي لا يكلف المرء شيئًا، يحصل له به هذا الأجر الكبير.

ثم ذكر حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى[5]، رواه مسلم.

يصبح على كل سلامى يعني: على كل مفصل، والإنسان فيه نحو ثلاثمائة وستون مفصلاً، يعني: يحتاج أن يتصدق شكرًا لله على هذه النعم ثلاثمائة وستين صدقة في اليوم، ومن يطيق أن يتصدق كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة، فبين النبي ﷺ سعة مفهوم الصدقة، وأن الصدقة لا يلزم أن تكون بالمال، قال: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة يعني: كل الأعمال الصالحة صدقة قال: ويجزئ من ذلك كله ركعتان يركعهما من الضحى يصلي ركعتين هذه عن ثلاثمائة وستين صدقة يكون قد أدى ما عليه من شكر الله على هذه الأعضاء والأبعاض وهو عمل يسير.

وقد مضى الحديث في باب سنة الضحى، وكثرة طرق الخير أيضًا، وأنه جاء عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره[6]، يعني: أربع  ركعات صل أربع ركعات أكفك آخر النهار، يقوله الله في هذا الحديث القدسي، أربع ركعات، صل ركعتين ركعتين، الضحى، فالضحى تصلى أقل ذلك أن يصلي ركعتين، وله أن يصلي أربعًا، وهذا أفضل، والنبي ﷺ صلى عام الفتح ثمان ركعات[7]؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: بأن الثمان هي أعلاها، مع أنه كله وقت صلاة.

وبعضهم قال: اثنا عشر ركعة.

على كل حال الثابت عن النبي ﷺ أنه صلى ثمان عام الفتح، وأدناه أن يصلي ركعتين؛ وذلك وقت صلاة لو صلى ما شاء إلى ما قبل وقت النهي حينما تكون الشمس في كبد السماء.

وانظروا هذا الحديث الذي أختم به حديث أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية -رضي الله عنها- "أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة" بكرة يعني: أول النهار "حين صلى الصبح، وهي في مسجدها" في مسجدها، يعني: المكان الذي صلت؛ في بيتها، في حجرتها، المكان الذي يصلي فيه الإنسان يقال له: مسجد، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا[8]، قالت: "ثم رجع بعد أن أضحى" يعني: دخل في وقت الضحى، وهي جالسة، يعني: لا زالت على حالها، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: "نعم" وهذا يدل على اجتهاد أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن وأرضاهن- في العبادة والذكر وطاعة الله ، فقال النبي ﷺ: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن أربع كلمات ثلاث مرات، وهي جالسة إلى الضحى سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته[9]، رواه مسلم.

هذه أربع كلمات سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته قالها ثلاثًا، وفي رواية له: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته[10]، وفي رواية الترمذي: ألا أعلمك كلمات تقولينها: سبحان الله  عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، وقالها ثلاثًا سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته[11]، والإنسان ممكن أن يأتي بهذا وهذا، فكل ذلك وارد ويردده ثلاثًا، فيكون ذلك يعدل ما قالته في هذا الوقت الطويل أربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده لماذا كانت هذه الكلمات تزن هذا الذكر الطويل الذي قالته أم المؤمنين جويرية -رضي الله عنها-؟

بعض أهل العلم قال: هذا الذكر خاص، وله مزية خاصة، لم تأت بمثله، فكان ذلك بهذه المثابة.

وبعضهم يقول: بأن ذلك لكونه قد علق بأمور لا يمكن إحصاؤها، يعني: الآن حينما يقول الإنسان: سبحان الله مائة مرة -سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله-... إلى آخره، محدود، لكن لما يقول: سبحان الله وبحمده وعرفنا ما معنى سبحان الله وبحمده، عدد خلقه كم عدد الخلق؟ ليسوا فقط الآدميين، وإنما جميع الخلق خلق من التراب والحصا والأوادم والبهائم والملائكة، وغير ذلك عدد خلقه لا يحصيه خلقه إلا الله ورضا نفسه ما الذي يكون من الذكر رضا نفس الرب -تبارك وتعالى- يرضيه؟ هذا أمر لا يمكن أن يصل إليه المخلوق، قال: وزنة عرشه كما زنة العرش؟ والعرش هو أعظم المخلوقات، وأكبر المخلوقات، هذا أمر لا يمكن معرفة قدره، ومداد كلماته والمداد ما يمد به الشيء المدد، يعني: مداد الشيء يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [آل عمران:125] فهذا مداد، ويحتمل: أن يكون مداد الكلمات جمع مد، وهو ما يوزن به الشيء المكيال المعروف بهذا المقدار باجتماع اليدين، مداد كلمات الله ، يحتمل أن يكون هذا، وهذا مداد كلماته والله يقول: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109] فالمداد في  الآية هل هو الحبر؟ نعم.

فعلى كل حال المقصود بذلك تعليقه بأمر لا يمكن، وهذه الكلمات المقصود بها على الأرجح الكلمات التكوينية، وهي التي يستعاذ بها أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق[12]؛ لأن ذلك هو الذي يحصل به التكوين، والإيجاد، والإعدام، والعطاء، والمنع مع أنه يحتمل أن تكون الكلمات الشرعية التي هي الآيات كلام الله ، وذلك أيضًا يستعاذ به وكلامه صفة من صفاته، لكن الاستعاذة هنا الأقرب: أنها بكلمات الله التكوينية، وليست التشريعية، أو الشرعية.

فالشاهد أنه علقه هنا بهذه الأمور، فيمكننا أن نقول: هذه الكلمات بهذه الطريقة: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته ثلاث مرات، ويمكن أن نأتي بصيغة أخرى، فنقول: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته قريبة من الأولى، لكن الأولى سبحان الله وبحمده ويمكن أن نقول: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه كل واحدة بمفردها ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا، ثم هذا شيء يسير وجزاؤه كبير.

فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء برقم (2698).
  2. الجمع بين الصحيحين (1/199).
  3. الإفصاح عن معاني الصحاح (1/358) وشرح النووي على مسلم (17/20).
  4. أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: {وآتينا داود زبورا} برقم (3418) ومسلم في كتاب الصيام باب النهي عن صوم الدهر برقم (1159).
  5. أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات، أو ست، والحث على المحافظة عليها برقم (720).
  6. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الوتر باب ما جاء في صلاة الضحى (475) وصححه الألباني، وأحمد ط الرسالة في تتمة مسند الأنصار حديث نعيم بن همار الغطفاني (22469) وقال محققو المسند: "حديث صحيح" واللفظ لأحمد.
  7. أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب تستر المغتسل بثوب ونحوه برقم (336).
  8. أخرجه البخاري في كتاب التيمم (335) ومسلم في كتاب أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (521) واللفظ للبخاري.
  9. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم برقم (2726).
  10. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم برقم (79).
  11. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (3555) وصححه الألباني.
  12. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره برقم (2708).

مواد ذات صلة